10 توجهات متوقعة في العلوم والتقنية لـ2022

ابتكارات متسارعة في الطب الحيوي لمواجهة الأوبئة... واختبارات لقدرات الجيل السادس للاتصالات

10 توجهات متوقعة في العلوم والتقنية لـ2022
TT

10 توجهات متوقعة في العلوم والتقنية لـ2022

10 توجهات متوقعة في العلوم والتقنية لـ2022

يستمر فيروس «كوفيد - 19» في التأثير على كل شيءٍ من حولنا بينما تتحضر تقنيات عدة لاستعادة نشاطها في العام المقبل.
مع توسع وتسارع عمليات التلقيح ضد «كوفيد – 19» حول العالم، بدأت الحياة تعود إلى طبيعتها، إلا أن العالم لم يعد نفسه الذي عرفناه قبل الجائحة. ساهم الأمد الطويل لطبيعة هذه الأزمة العالمية في تغيير حاجات المستهلكين وأسلوب حياتهم، ما سيؤدي بدوره إلى تغيير التوقعات لعام 2022 وما بعده. ستتعرفون فيما يلي إلى 10 توجهات علمية وتقنية وأخرى في ميدان الأعمال من المرجح أن نراها في العام المقبل.

الطب الحيوي والروبوتات

> زخم في تقنيات علوم الحياة. يشمل قطاع علوم الحياة: الأدوية، والتقنيات الحيوية، والعلوم البيئية، والطب الحيوي، والأغذية العلاجية، وعلم الأعصاب، وعلم الأحياء الخلوي، والفيزياء الحيوية. وقد دفع العام الحالي باتجاه ابتكارات عظيمة في مجال تقنيات علوم الحياة بسبب الاستثمارات المتنامية في مجال تقنية اللقاح الذي يعتمد على الحمض النووي الريبي وفحوصات «الكوفيد - 19» المتقدمة.
برزت هذه الابتكارات في أمثلة عدة أبرزها اللقاحات التي استخدمت الحمض النووي الريبي من تطوير شركتي «فايز – بيونتيك» و«موديرنا»، وساهم عقار «كوفيد» الجديد الذي طورته شركة «ميرك» في تقدم قطاع علوم الحياة بوتيرة سريعة.
ومع العام الجديد، نتوقع أن نرى المزيد من التطور المتسارع في العديد من مجالات علوم الحياة ومنها البحث المتقدم، وتوظيف تكنولوجيا الروبوتات، وأدوات الذكاء الصناعي، وزيادة سرعة اختبارات الأدوية، ودمج المعلومات الجينية، واستخدام التقنيات الجينية. ونتوقع أيضاً رؤية المزيد من التطور في الطب الشخصي الذي يستهدف كل مريض مدفوعاً بتقدم التقنيات الجينية، كحال شركة «23 آند مي» الناشئة مثلاً التي ساعدت الناس في الوصول إلى الجينوم البشري وفهمه والاستفادة منه.
> تكنولوجيا الروبوتات (الروبوتيات) إلى مزيدٍ من الانتشار، سنشهد في العام المقبل طبعاً المزيد من استخدامات الروبوتيات في الحياة اليومية في مجال العناية الصحية، والزراعة، والسيارات، والتخزين، وقطاعات سلاسل التوريد، بالإضافة إلى المزيد من الأتمتة المدعومة بالروبوتيات الآخذة في التقدم.
وأخيراً، سنرى ما يُعرف بالروبوتيات الدقيقة أو «روبوتيات النانو»، وهي عبارة عن أجهزة استشعار صغيرة جداً بقوة معالجة محدودة، وقد يكون الطب النانوي المجال الأول لاستخدام هذه التقنية، في الآلات الحيوية مثلاً المستخدمة لتحديد وقتل الخلايا السرطانية أو لتوصيل الأدوية إلى هدفها داخل الجسم.
> ضرورة توسيع قطاع تقنية الطاقة المتجددة. يدفع التغير المناخي وعناوينه الكارثية الجديدة باتجاه تسريع الاعتماد على الطاقة المستدامة، القطاع الوحيد الذي سجل نمواً خلال الجائحة من بين قطاعات الطاقة المختلفة. فقد كشفت الوكالة الدولية للطاقة أن توليد الطاقة الخضراء ارتفع بنسبة 40 في المائة خلال 2020. وتوقعت استمرار نموها في 2022، لا سيما أن الكلفة المتراجعة لتوليد الطاقة المستدامة تساهم في زيادة استخدامها بين الناس. قد تحتاج تقنيات الطاقة الجديدة كالاندماج النووي والوقود الحيوي والهيدروجين السائل إلى المزيد من الوقت للانتشار، ولكننا نتطلع قدماً لنشهد تطورات جدية في هذا المجال العام المقبل.

شبكات وحوسبة إلكترونية
> الشبكات والاتصالات البينية: توسعة اتصالات الجيلين الخامس والسادس (5G - 6G) واستخدام الإنترنت بالاعتماد على الأقمار الصناعية. مع زيادة انتشار العمل عن بعد، أصبح الاتصال بالإنترنت أهم من أي وقتٍ مضى. بدوره، حول إنترنت الأشياء اتصال الإنترنت إلى جزء أساسي من حياتنا، ولهذا السبب، سيستمر التطور في هذه الشبكة على جميع المستويات لدفع البحث واقتصاد الإنترنت نحو المزيد من التقدم.
أشار تقرير مؤشر «فيجوال نتووركينغ إندكس» الصادر عن شركة «سيسكو» عام 2018، إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت سيزداد بمعدل 1.4 مليار بحلول 2022، مقارنة بـ3.4 مليار عام 2017، أي ما يعادل 60 في المائة من عدد سكان العالم إذا افترضنا أن عددهم 8 مليارات نسمة عام 2022. بحلول ذلك الوقت، يُتوقع أن يستهلك مستخدمو الإنترنت 4.8 زيتابايت zettabytes (زيتابايت تساوي ترليون غيغابايت) من البيانات في العام، أي أكثر بـ11 مرة من استهلاك عام 2012 الذي بلغ 437 إكسابايت (exabytes) (إكسابايت تساوي مليار غيغابايت).
صحيحٌ أن اتصالات الجيل الخامس لا تزال في بداياتها، ولكننا سنرى المزيد من التركيز على الجيل السادس في 2022، فقد بدأت الصين بحثها في اتصالات الجيل السادس منذ عام 2018، وأطلقت في أواخر 2020 قمراً صناعياً لاختبار انتقال إرسال «التيراهرتز» بالتعاون مع مجموعتي «هواوي» و«زي تي إي». بدورها، بدأت الولايات المتحدة اختبار التقنية نفسها بالتعاون مع هيئة الاتصالات الفيدرالية بفتح طيف بترددات أعلى للاستخدام التجريبي. وانطلق أيضاً «تحالف الجيل التالي» عام 2020 الذي يتألف من شركات عدة، أبرزها «آبل» و«آي. تي. آند تي» و«غوغل»، وعمدت كوريا واليابان، بالإضافة إلى بعض الدول الأوروبية، إلى إطلاق أبحاثها الجدية الخاصة في هذا المجال، ونتوقع أن نرى المزيد من التحالفات المشابهة في 2022.
> الحوسبة العالية الأداء إلى مزيد من الانتشار: نظراً للتنامي الأخير في الأبحاث والتحاليل التي تعتمد على البيانات والحوسبة المدعومة بتقنية السحابة، نتوقع تصاعداً في استخدام الحوسبة العالية الأداء في 2022 للمساهمة في تسريع الأبحاث... من اكتشاف الأدوية إلى أبحاث السرطان واستكشاف الفضاء، وستتزايد أهمية الحوسبة العالية الأداء، ولا بد لتقنية الحوسبة الكمية أن تواصل تقدمها لترقى إلى مستوى الطلب التجاري.
لقد سبق ورأينا تطوراً كبيراً في مجال الحوسبة الكمية من قبل لاعبين بارزين كـ«غوغل» و«آي بي أم» و«مايكروسوفت»، و«أمازون»، و«علي بابا». كما سجلت شركات ناشئة كـ«ريغيتي كومبيوتينغ» و«دي ويف سيستمز»، و«كولد كوانتا»، و«1 كيو بت»، و«زباتا كومبيوتينغ»، و«كيو سي وير» أداءً فاق جميع التوقعات في هذه الصناعة بفضل تقنياتها والنمو الذي حققته.
> استمرار النمو في عالم الذكاء الصناعي، وتحاليل البيانات الضخمة. تحول الذكاء الصناعي في السنوات القليلة الأخيرة إلى جزءٍ لا يتجزأ من حياتنا، من التحسينات إلى التخصيص، وتصنيف نتائج الأبحاث، وتوصيات المنتجات، وفهم الأجهزة والتحكم بها، بالإضافة إلى تطوير نماذج أفضل للبيئة وصناعة الأتمتة... لذا لا شك في أنه سيصبح أكثر انتشاراً في العام المقبل.
تعتمد المنظمات على التحليل التنبُئي لتوقع اتجاهات المستقبل. فقد أفاد تقرير نشرته منظمة «فاكتس آند فاكتورز» بأن سوق التحليلات التنبئية العالمية تنمو بمعدل 24.5 في المائة، ومن المتوقع أن تصل قيمتها إلى 22.1 مليار دولار مع نهاية عام 2026.
نتوقع أيضاً أن نرى نمواً هائلاً في الحوسبة السحابية، فبحلول 2022، ستصبح السحابة أكثر تجذراً وستتحول إلى ركيزة للمزيد من المهام الكومبيوترية الثقيلة، وسيساهم إنترنت الأشياء في توسيع هذه الصناعة طبعاً. تشير توقعات شركة «غارتنر» إلى أن الإنفاق العالمي على الخدمات السحابية سيبلغ 482 مليار دولار في 2022، مقارنة بـ314 ملياراً عام 2020.
> الأمن والخصوصية لمزيد من السيطرة في عالم الإنترنت، خلال 2022، نتوقع أن نشهد المزيد من الاعتداءات السيبرانية في جميع القطاعات، وسنرى الصناعة الأمنية تتخذ إجراءات مضادة متنوعة في مواجهتها، وأبرزها تعليم الأفراد كيف يستطيعون تعريف الاعتداءات الشبكية وتجنبها، والحفاظ بالتالي على صورة الشركات التي يملكونها أو يعملون فيها. كما سيساهم استخدام الذكاء الصناعي في صناعة بروتوكولات أمنية سيبرانية أكثر متانة وأقل كلفة.

عالم إلكتروني جديد

> سطوع نجم «الميتافيرس». «الميتافيرس» هو واقعٌ رقميٌ يجمع التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، والواقعين المعزز والافتراضي، والعملات المشفرة، ليتيح لمستخدميه الافتراضيين التفاعل فيه. قد يرمز «الميتافيرس» لأي شيء متوفر على الإنترنت كعروضات الواقع المعزز. يوصف «الميتافيرس» على أنه فضاء المستقبل الافتراضي بما يتيحه من وصولٍ إلى جميع أنواع الترفيه والمشاريع وحتى فرص العمل.
تملك شركات قليلة فقط اليوم حصة في «الميتافيرس»، وهي «بايتي دانس»، و«تينسينت»، و«فيسبوك»، و«سبوتيفاي»، و«زووم»، و«أمازون» (تويتش)، و«علي بابا»، و«روبلوكس»، و«بيلي بيلي»، و«سنابتشات»، و«كوايشو»، و«هواوي». بدورها، تتحضر «آبل» للدخول إلى عالم «الميتافيرس» قريباً بواسطة أجهزتها القابلة للارتداء، تحديداً النظارات المدعومة بالواقع المعزز. ولعل «مايكروسوفت» ببرنامجها «مايكروسوفت تيمز» وألعابها الإلكترونية هي الشركة الأكثر تقدماً في العالم في هذا المجال. علاوة على ذلك، يعد تطبيق «وي تشات» بقدرته على تسهيل عمليات الدفع والوصول إلى خدمات متنوعة، أفضل بداية لتطبيقات «الميتافيرس».
مع نمو بيئة «الميتافيرس» عام 2022، نتوقع أنه سيتمتع بتأثير مباشر على مستقبل الكثير من القطاعات التقنية كالألعاب الإلكترونية، والأجهزة القابلة للارتداء، والواقعين الافتراضي والمعزز، والإنتاجية التعاونية (كانفا، وسلاك)، والمنتجات التقنية الاستهلاكية (نظارات الواقع المعزز ومكبرات الصوت الذكية)، وشبكات التواصل الاجتماعي، والتقنية التعليمية، والتقنيات الصحية، وتقنيات التواصل (زووم)، والعملات الرقمية، والاستهلاك عند الطلب («أمازون»، «ميتوان»، و«علي بابا»، و«جي دي كوم»، و«شوبيفاي»).
> منصات الرموز غير القابلة للاستبدال (NFT) إلى ازدهار: الرمز غير القابل للاستبدال هو مادة رقمية على شكل رمز وبيانات تثبت ملكية أحدهم لشيء معين قد يكون إلكترونياً كعقار افتراضي في العالم الرقمي مثلاً أو أداة خاصة في لعبة فيديو. ويمكن لهذا الشيء أن يكون في العالم الحقيقي أيضاً كعقار أو لوحة فنية أو مقعد في حفلة موسيقي. قد تصادفون أيضاً رمزاً غير قابل للاستبدال بصيغة هجينة، كحق تحديد الشخص الذي يستطيع استئجار غرفة في مساحة سكنية مشتركة. وفي عام 2022، سنرى الرموز غير القابلة للاستبدال في كل مكان، في الأفلام وبرامج التلفزيون والكتب وغيرها.
> تنامي دور تقنية «البلوك تشين»: تتيح تقنية «البلوك تشين»، وهي نوعٌ مبتكرٌ من السجلات الحسابية الموزعة، للشركات تعقب التحويلات وإتمام الصفقات التجارية مع أطراف غير مسجلة وحتى دون وساطة المؤسسات المالية.
تشهد هذه التقنية إقبالاً كثيفاً وتتقاطع بشكلٍ متزايد مع الكثير من القطاعات كالألعاب الإلكترونية والحوكمة وعالم الأموال. تشير منظمة «إنترناشيونال داتا كوربوريشن» إلى أن الشركات أنفقت ما يقارب 6.6 مليار دولار على حلول «البلوك تشين» في 2021، بزيادة 50 في المائة عن 2020، وتتوقع أن يرتفع هذا الرقم ليتجاوز 15 مليار دولار في 2024، علاوة على ذلك، سيساهم سطوع نجم الرموز غير القابلة للاستبدال و«الميتافيرس» في تعظيم قيمة «البلوك تشين» العام المقبل.
* المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «بيغاسوس تيك فنشورز»
في «وادي السيليكون»،
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

الإيرادات التشغيلية لقطاع التقنية في السعودية يسجل 66.6 مليار دولار

الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

الإيرادات التشغيلية لقطاع التقنية في السعودية يسجل 66.6 مليار دولار

حققت إيرادات قطاع التقنية التشغيلية لمنظومة تقنية المعلومات والاتصالات بالسعودية قفزة نوعية لتبلغ 249.8 مليار ريال (66.6 مليار دولار) خلال عام 2024.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا ميزة جديدة من «غوغل» تتيح تغيير عنوان «جيميل» دون فقدان البيانات (رويترز)

«غوغل» تختبر ميزة تغيير عنوان البريد الإلكتروني في «جيميل» دون فقدان البيانات

تعكس الخطوة توجهاً جديداً لدى «غوغل» نحو منح المستخدمين مرونة أكبر في إدارة هويتهم الرقمية، ومعالجة واحدة من أقدم القيود في خدمة «جيميل».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
الاقتصاد أحد المصانع في السعودية (واس)

إطلاق مبادرة «تقنيات التحوّل الاستثنائي» لتطوير الصناعة في السعودية

أعلنت وزارة الصناعة والثروة المعدنية إطلاق مبادرة «تقنيات التحوّل الاستثنائي»، بالتعاون مع جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست».

«الشرق الأوسط» (الرياض )
تكنولوجيا شاشة مبهرة وأداء متقدم وبطارية طويلة العمر

أخف كمبيوتر محمول في العالم يواكب ثورة الذكاء الاصطناعي المحلي

إن كنت ممن يتنقلون كثيراً للعمل أو الدراسة، فسيعجبك كمبيوتر «تكنو ميغابوك إس 14» Tecno Megabook S14 الذي يتميز بأنه أخف كمبيوتر محمول بقطر 14 بوصة وزناً.

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا ميزات التصوير بتطبيق كاميرا "ابل"

دليلك للتحكم في كاميرا هاتفك الذكي الجديدة

حقق التصوير الفوتوغرافي عبر الهواتف الذكية قفزات كبرى، منذ إطلاق أول كاميرا لهاتف «آيفون» بدقة 2 ميغابكسل، عام 2007. واليوم، أصبحت الهواتف

جي دي بيرسدورفر (نيويورك)

أول محطة في العالم لتحلية المياه في أعماق البحر

في الموقع التجريبي النرويجي لتحلية المياه
في الموقع التجريبي النرويجي لتحلية المياه
TT

أول محطة في العالم لتحلية المياه في أعماق البحر

في الموقع التجريبي النرويجي لتحلية المياه
في الموقع التجريبي النرويجي لتحلية المياه

يُعدّ تحويل مياه البحر إلى مياه شرب عملية مُكلفة للغاية، وتستهلك كميات هائلة من الطاقة، ما يجعلها غير عملية في معظم أنحاء العالم. إلا أن شركة نرويجية تُجري تجارب على نهج جديد قد يُغيّر هذا الواقع، إذ ستُدشّن شركة «فلوشيان» أول محطة تجارية لتحلية المياه تحت سطح البحر في العالم هذا العام، وتؤكد أن نظامها سيُخفّض بشكل كبير تكلفة العملية واستهلاكها للطاقة.

محطات التحلية البرية

يزداد الطلب العالمي على المياه مدفوعاً بالنمو السكاني، وتغيّر المناخ، والاستخدامات الصناعية مثل مراكز البيانات والتصنيع. في الوقت نفسه، تتضاءل وفرة المياه العذبة بسبب الجفاف، وإزالة الغابات، والإفراط في الري.

وتُنتج محطات تحلية المياه البرية حالياً نحو 1 في المائة من إمدادات المياه العذبة في العالم، ويعتمد أكثر من 300 مليون شخص على هذا المصدر لتلبية احتياجاتهم اليومية من المياه. وتقع كبرى محطات تحلية المياه في الشرق الأوسط؛ حيث يُسهّل توفر الطاقة الرخيصة استخدامها، في حين يُزيد شحّ المياه من ضرورتها.

وتُعدّ تقنية التناضح العكسي هي الرائدة لتحلية المياه اليوم؛ حيث يُضخّ ماء البحر عبر غشاء ذي ثقوب مجهرية تسمح بمرور جزيئات الماء فقط، في حين تُصفّى الأملاح والشوائب الأخرى. ويتطلب دفع الماء عبر المرشحات ضغطاً كبيراً، وهو ما يستلزم كميات هائلة من الطاقة.

ماء عذب بطاقة أقل

وتعتمد طريقة «فلوشيان» (Flocean) على غمر وحدات ترشيح المياه في أعماق المحيط، لفصل ماء البحر عن الملح في الأعماق، ثم ضخّ المياه العذبة إلى اليابسة. وبفضل وضع وحدات التناضح العكسي في أعماق المياه، تستفيد هذه التقنية من الضغط الهيدروستاتيكي -وزن الماء المتدفق من الأعلى- لدفع ماء البحر عبر أغشية الترشيح.

ويؤدي انخفاض عمليات الضخ إلى تقليل استهلاك الطاقة، بنسبة تتراوح بين 40 و50 في المائة مقارنةً بالمحطات التقليدية، وفقاً للشركة. إضافةً إلى ذلك، تُصبح مياه البحر أنظف بمجرد الوصول إلى ما دون منطقة ضوء الشمس (التي تمتد إلى عمق 200 متر تحت سطح الماء)، ما يعني أن الماء لا يحتاج إلى معالجة مسبقة مكثفة قبل وصوله إلى الأغشية.

ونقلت مجلة «نيو ساينتست» البريطانية عن ألكسندر فوغلسانغ، مؤسس شركة «فلوشيان» ومديرها التنفيذي، قوله: «إنها عملية بسيطة للغاية من الناحية الهندسية والعملية، فالملوحة ودرجة الحرارة والضغط هي نفسها، كما أن المياه مظلمة، ولا يوجد كثير من البكتيريا التي قد تُسبب التلوث البيولوجي». ويُساعد الضغط الهيدروستاتيكي نفسه الذي يدفع الماء عبر الأغشية على تشتيت المحلول الملحي الناتج، الذي تؤكد «فلوشيان» أنه خالٍ من المواد الكيميائية التي قد تضر بالحياة البحرية.

موقع تجريبي عميق

على مدار العام الماضي، قامت «فلوشيان» بتحلية المياه على عمق 524 متراً في موقعها التجريبي في أكبر قاعدة إمداد بحرية في النرويج، وهي مجمع «مونغستاد» الصناعي. ويجري بناء منشأة تجارية تابعة للشركة، تُسمى «فلوشيان وان»، في الموقع نفسه، وستنتج مبدئياً 1000 متر مكعب من المياه العذبة يومياً عند إطلاقها العام المقبل. ويمكن توسيع نطاق العملية تدريجياً بإضافة مزيد من الوحدات.

ويقول فوغلسانغ: «تتمثل فلسفتنا في الحفاظ على وحدات المعالجة تحت سطح البحر كما هي، والتوسع عن طريق المضاعفة بدلاً من بناء آلات أكبر حجماً».

ويقول نضال هلال من جامعة نيويورك أبوظبي: «قد يصبح هذا الحل مجدياً في مواقع مناسبة، موفراً مياهاً بأسعار معقولة إذا انخفضت التكاليف، ولكنه لم يُثبت جدواه بعد على نطاق واسع».

ويضيف أن خفض التكاليف سيكون حاسماً لتوسيع نطاق هذه التقنية، إذ لا تزال تكلفتها أعلى بكثير من الحصول على المياه العذبة بالطرق التقليدية.

ويُعدّ تنظيف الأغشية وصيانتها من أكبر تكاليف شركة «فلوشيان»، وستسهم التطورات في تكنولوجيا الأغشية على حل هذه المشكلة؛ إذ يعمل فريق هلال البحثي على أغشية موصلة للكهرباء تستخدم الكهرباء لصدّ أيونات الملح والملوثات، ما يُحافظ على نظافتها، ويزيد من إنتاجيتها.

ومن المتوقع أن تبدأ محطة «فلوشيان وان» بإنتاج المياه العذبة في الربع الثاني من العام. وإذا سارت التقنية كما هو مخطط لها، فقد تُساعد «فلوشيان» في الحصول على الدعم اللازم لبناء محطات أكبر في مواقع أخرى.

حقائق

نحو 1 %

من إمدادات المياه العذبة في العالم تنتج من محطات تحلية المياه البرية حالياً


هل يمكن للذكاء الاصطناعي قراءة أفكارك قبل أن تفكِّر فيها؟

ما قبل الوعي: إشارات الدماغ التي تسبق ولادة الفكرة
ما قبل الوعي: إشارات الدماغ التي تسبق ولادة الفكرة
TT

هل يمكن للذكاء الاصطناعي قراءة أفكارك قبل أن تفكِّر فيها؟

ما قبل الوعي: إشارات الدماغ التي تسبق ولادة الفكرة
ما قبل الوعي: إشارات الدماغ التي تسبق ولادة الفكرة

لم يكن العقل البشري يوماً مكشوفاً بالكامل. قرأنا القلب، وفككنا الجينوم، وصوَّرنا أدقَّ تفاصيل الجسد، ولكن «الفكرة» بقيت آخر الأسرار؛ تلك اللحظة الصامتة التي تومض في الدماغ قبل أن تتحوَّل إلى كلمة أو قرار. ظلَّت الفكرة مساحة داخلية لا تُقاس ولا تُرصد، إلى أن بدأ الذكاء الاصطناعي يقترب من هذا الحيِّز الرمادي بحذرٍ علمي.

القرار يولد قبل أن نعيه... من الصورة إلى زمن القرار

يعتقد الإنسان أن التفكير يبدأ لحظة إدراكه للفكرة، ولكن علم الأعصاب الحديث يرسم صورة أكثر تعقيداً. فالقرار -حسب دراسات عصبية متراكمة- يتشكَّل داخل الدماغ قبل أن يصل إلى الوعي. وتسبق لحظة الإدراك سلسلة من الإشارات الكهربائية والكيميائية، تعمل في شبكات عصبية عميقة، تُعرف بمرحلة «ما قبل الوعي»؛ حيث يُحضَّر القرار قبل أن نشعر بأننا اتخذناه.

في بدايات بحوث الذكاء الاصطناعي العصبي، انصبَّ الاهتمام على تحليل صور الدماغ: خرائط النشاط، ومناطق الإضاءة، وشدَّة الإشارة، وكأن الفكرة تُختزل في لقطة ثابتة. ولكن التحوُّل الحقيقي لم يكن بصرياً؛ بل زمنياً. فالنماذج الحديثة لم تعد تسأل: ماذا يحدث في الدماغ؟ بل: متى يبدأ القرار في التشكُّل؟ وهكذا انتقل الذكاء الاصطناعي من توصيف الحالة العصبية إلى تتبُّع إيقاعها الزمني، ورصد اللحظة التي تسبق الوعي بالاختيار.

الخوارزمية تراقب الزمن: الذكاء الاصطناعي يحلل أنماط القرار العصبي

التوقيع العصبي: بصمتك غير المرئية

لكل إنسان «توقيع عصبي» خاص به؛ نمط فريد في التردَّد والانتباه، والتردُّد والحسم. لا يفهم الذكاء الاصطناعي الفكرة ذاتها، ولكنه يتعلَّم هذا التوقيع بدقَّة عالية. ومع تكرار التعلُّم، يصبح قادراً على توقُّع اتجاه القرار -حركة، أو كلمة، أو اختياراً- قبل أن يشعر الشخص نفسه بأنه حسم أمره.

بحث حديث: حين يتنبأ الذكاء بالنيَّة

في أغسطس (آب) 2025، نشر فريق بحثي من «معهد بيكمان لعلوم الدماغ» في جامعة إلينوي، في أوربانا– شامبين، بالولايات المتحدة الأميركية، دراسة بارزة في مجلة «نيتشر لعلوم الأعصاب» (Nature Neuroscience) قادها البروفسور تشانغ لي. استخدم الفريق نموذج ذكاء اصطناعي متقدِّماً يجمع بين التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي والتحليل الزمني العميق.

تمكَّن النظام من التنبؤ بنيَّة الاختيار الحركي لدى المشاركين قبل وعيهم بها بما يصل إلى 7 ثوانٍ. وأكَّد الباحثون بوضوح أن النموذج «لا يقرأ الأفكار»، ولا يصل إلى المعنى أو الدافع؛ بل يتعرَّف على أنماط عصبية تسبق الوعي بالقرار.

هل أصبحت أفكارنا مكشوفة؟

الجواب العلمي الدقيق: لا. فالذكاء الاصطناعي لا يطَّلع على محتوى الفكرة، ولا يقرأ القيم ولا النوايا الأخلاقية. لذا فإن ما يستطيع فعله -وفي ظروف بحثية مضبوطة- هو توقّع اتجاه القرار ضمن سياق محدَّد. أما الفكرة، بمعناها الإنساني، فتبقى أعقد من أن تُختزل في إشارة كهربائية.

إذن، الطب يستفيد... دون اقتحام العقل. ففي المجال الطبي، تحوَّل هذا الاستباق العصبي إلى أداة علاجية ذات أثر مباشر؛ من التنبؤ المبكر بنوبات الصرع، إلى رصد الاكتئاب قبل تفاقمه، وصولاً إلى مساعدة مرضى الشلل على التواصل، عبر واجهات دماغ– حاسوب. هنا، لا يبحث الذكاء الاصطناعي عن «الفكرة»؛ بل عن لحظة الخلل قبل أن تتحوَّل إلى معاناة.

أخلاقيات الاقتراب من الدماغ

كلما اقتربت الآلة من العقل، تعاظمت الأسئلة الأخلاقية: من يملك بيانات الدماغ؟ وأين ينتهي العلاج ويبدأ التلاعب؟

ولهذا، تُصنِّف الهيئات العلمية العالمية بيانات الدماغ ضمن أعلى درجات الخصوصية، ولا تُجيز استخدامها إلا بموافقة صريحة، وفي إطار طبي أو بحثي صارم، مع حظر أي توظيف تجاري أو أمني خارج هذا السياق.

الإنسان... أكثر من إشارات

ورغم كل هذا التقدُّم، تبقى حقيقة لا ينازعها علم: الإنسان أكثر من إشارات. فالفكرة ليست نبضة كهربائية فحسب؛ بل تجربة، وذاكرة، وسياق، وأخلاق.

وهنا نستعيد قول ابن رشد: «العقل لا يعمل في فراغ؛ بل في إنسان». قد تسبق الخوارزميات وعينا بلحظة، ولكنها لا تمنح الفكرة معناها.

شراكة لا صراع

المستقبل لا يبدو صراعاً بين العقل والآلة؛ بل شراكة دقيقة: آلة ترى الإشارات، وإنسان يفسِّرها. آلة تتنبأ، وإنسان يختار. أما السؤال الحقيقي اليوم، فلم يعد: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة أفكارنا؟ بل: هل سنُحسن نحن رسم حدود هذه القدرة قبل أن تتجاوزنا؟


جدال علمي حول مشروعات حجب الشمس

مشروعات هندسية لحجب الشمس... احتمالات غير آمنة
مشروعات هندسية لحجب الشمس... احتمالات غير آمنة
TT

جدال علمي حول مشروعات حجب الشمس

مشروعات هندسية لحجب الشمس... احتمالات غير آمنة
مشروعات هندسية لحجب الشمس... احتمالات غير آمنة

على مدار عقود، ظلت هندسة المناخ - ويقصد بها التلاعب التكنولوجي المتعمد بمناخ الأرض لمواجهة الاحتباس الحراري - مفتقرة إلى مشاعر الاحترام والتقدير داخل المجتمع العلمي. وقد تعامل معها معظم الخبراء بشك عميق، الأمر الذي يرجع إلى حد كبير إلى عدم التيقن من فعاليتها، واحتمالية إطلاقها العنان لعواقب وخيمة غير مقصودة.

ومع أن مجموعة صغيرة من الباحثين طالبت بدراسة هندسة المناخ على الأقل، جاءت ردود الأفعال العامة في الجزء الأكبر منها، انتقادية.

تحذيرات ومجادلات علمية

وأخيراً، وتحديداً في سبتمبر (أيلول) الماضي، تعزز هذا الموقف لدى نشر أكثر من 40 مختصاً في علوم المناخ والأنظمة القطبية وعمليات المحيطات، ورقة بحثية رئيسة في دورية Frontiers in Science.

* مخاطر هندسة المناخ الشمسية. وكانت النتيجة التي خلص إليها العلماء واضحة دون مواربة: ثمة احتمال ضئيل للغاية أن تعمل هندسة المناخ الشمسية بأمان. وحذر القائمون على الدراسة من أن رش الهباء الجوي العاكس، في طبقة الستراتوسفير، قد يغير الدورة الجوية، مما قد يؤدي بدوره إلى ارتفاع درجة حرارة فصول الشتاء في شمال أوراسيا (أوروبا-آسيا)، علاوة على اضطرابات مناخية إضافية.

الحقيقة أنه لطالما جرى تجسيد هذه المخاوف في الأفلام، مثل «مثقب الثلج» (Snowpiercer) الذي دار حول قصة حدوث انخفاض كارثي في درجة الحرارة، بعد تجربة هندسة مناخية فاشلة. كما يتخيل كيم ستانلي روبنسون في روايته «وزارة المستقبل» (The Ministry for the Future) حكوماتٍ تلجأ إلى هندسة المناخ، مدفوعة بشعورها باليأس، بعد وقوع وفيات جماعية ناجمة عن التغيرات المناخية.

واللافت أن رواية روبنسون لا تصور هندسة المناخ باعتبارها كارثية بطبيعتها، وإنما تحذر من أن استخدام تكنولوجيا غير مفهومة جيداً على نطاق واسع، قد يسفر عن نتائج كارثية يتعذر التنبؤ بطبيعتها.

* ضرورة أبحاث التدخل المناخي.ومع ذلك، فقد تدهورت توقعات المناخ على أرض الواقع بدرجة هائلة، لدرجة أن الكثير من العلماء، اليوم، بات لديهم اعتقاد بأن أبحاث هندسة المناخ أمر لا مفر منه. ورداً على الورقة البحثية المنشورة المذكورة آنفاً، أصدر أكثر من 120 عالماً بياناً مضاداً أكدوا خلاله أن البحث في مجال التدخل المناخي، أصبح «ضرورياً للغاية».

وكان فيليب دافي، كبير المستشارين العلميين السابق في إدارة بايدن، قد أوجز هذا التحول على النحو الآتي: مع تسارع وتيرة التغييرات المناخية، فإنه حتى التخفيف الصارم للانبعاثات المسببة لها، لا يمكنه الحيلولة دون الارتفاع الشديد في درجات الحرارة. وعلى نحو متزايد يتضح أمامنا أن بعض التدخلات المناخية قد تكون ضرورية باعتبارها تدابير تكميلية، وليست مجرد تكهنات نظرية.

وقد عززت سياسات المناخ العالمية هذه الحاجة الملحة. وفي الوقت الذي يُكافح العالم لإجراء تحولات منهجية سريعة في قطاعي الطاقة والزراعة، يواجه الباحثون وصانعو السياسات تساؤلاً ملحاً: إذا لم يكن في الإمكان تقليص الانبعاثات الكربونية بالسرعة الكافية لتجنب نقاط التحول الكارثية، فما البدائل المتبقية؟

التصاميم التدخلية لحماية الأرض من تغيرات المناخ... قد تصبح ضرورية

تصاميم تدخلية

* مقترحات متعددة. من جهتها، تشمل هندسة المناخ طيفاً واسعاً من التدخلات المُحتملة. وتدور بعض المقترحات حول تعزيز سطوع السحب فوق المحيطات، أو زيادة انعكاسية المناطق القطبية. كما حظيت تكنولوجيا إزالة الكربون، التي تُدرج أحياناً تحت مظلة هندسة المناخ، بقبول واسع باعتبارها عناصر ضرورية في استراتيجيات التخفيف من آثار التغييرات المناخية. ومع ذلك، تبقى الفئة الأكثر إثارة للجدل إدارة الإشعاع الشمسي - حقن جزيئات الهباء الجوي العاكسة في طبقة الستراتوسفير لحجب أشعة الشمس الواردة.

اللافت أن هذه الأفكار، التي لطالما كانت هامشية من قبل، تحظى اليوم بدعم مؤسسي وتجاري وخيري. وقد أبدى مليارديرات مثل بيتر ثيل وإيلون ماسك اهتمامهم بها. كما أطلقت شركات ناشئة، مثل «ميك صن سيتس»، تجارب صغيرة وغير مُصرح بها.

كما يعتقد بعض النشطاء الذين لطالما شككوا في هندسة المناخ، الآن أن التدخل المناخي وسيلة لمعالجة التفاوتات العالمية، الناجمة عن استخدام الوقود الأحفوري. وتعكف مختبرات وطنية أميركية على إجراء أبحاث حول آثار إطلاق ثاني أكسيد الكبريت في القطب الشمالي. وجمعت شركة «ستارداست سولوشنز»، وهو مشروع خاص يسعى إلى تسويق تعديل المناخ باستخدام الهباء الجوي، 60 مليون دولار حديثاً، بينما تؤكد قياداتها أن الحكومات بحاجة إلى بيانات دقيقة لاتخاذ قرارات مدروسة.

وفي وقت قريب، أشار بيل غيتس، الذي لطالما موّل مبادرات التكيف مع المناخ، إلى أن هندسة المناخ قد تكون أداةً قيّمةً في مستقبلٍ سيكون حتماً أشد حرارة.

* وقف انبعاثات الكربون. ومع ذلك، نجد انه حتى هذا الموقف الحذر والمركّز على البحث، يصطدم ببيئة سياسية أميركية مستقطبة. في هذا الصدد، أشار كريغ سيغال، خبير السياسات والمحامي السابق لدى «مجلس شؤون موارد الهواء، في كاليفورنيا، إلى أن ردود الفعل السياسية متباينة بشدة».

في داخل صفوف النقاد أصحاب الفكر التقدمي، تقوم المعارضة على اعتقاد مفاده أن المجتمع يجب أن يركز حصراً على وقف الانبعاثات الكربونية وتقليل استهلاك الطاقة، رافضاً الحلول التكنولوجية باعتبارها مجرد مُشتتات للانتباه.

أما على اليمين السياسي، فقد تحول الرفض إلى عداء مدفوع بنظريات المؤامرة. وجرى ربط هندسة المناخ بنظرية مؤامرة «الخطوط الكيميائية»، التي تزعم - دون دليل - أن الخطوط التي تخلفها الطائرات تحتوي على مواد كيميائية تطلقها حكومات للتحكم في العقول. والمثير أن هذه الادعاءات، التي لطالما رُفضت باعتبارها محض خرافات منشورة على الإنترنت، تتردد اليوم على ألسنة شخصيات بارزة.

وبالمثل، نجد أنه بعد أن أودت فيضانات شديدة بحياة أكثر من 130 شخصاً في تكساس، سألت قناة «فوكس نيوز» ممثلي شركةً لتلقيح السحب حول ما إذا كانت جهودها في تعديل الطقس قد تسببت في الكارثة - ادعاء قابله العلماء بالرفض على نطاق واسع.

واليوم، تتحوّل المقاومة اليمينية إلى سياسة رسمية، مع تقديم أكثر من عشرين ولاية أميركية مشروعات قوانين - أغلبها من جمهوريين - تهدف إلى حظر أبحاث هندسة المناخ أو نشرها. وبالفعل، أقرت ولايتا تينيسي وفلوريدا بالفعل تشريعات من هذا القبيل. وقد يعيق هذا التزايد في الحظر في ولايات دون أخرى، إجراء أبحاث مناخ منسقة على المستوى «الفيدرالي».

إدارة الإشعاع الشمسي في الدول النامية

* إدارة الإشعاع الشمسي. في المقابل، نجد أن البيئة السياسية، عالمياً، تبدي انفتاحاً أكبر؛ فالدول النامية، المعرضة بشكل أكبر بكثير عن غيرها للتضرر من التأثيرات المناخية، تبدي استعداداً متزايداً لاستكشاف خيارات هندسة المناخ. مثلاً، في منتدى باريس للسلام، سلَّط وزير خارجية غانا الضوء على أبحاث إدارة الإشعاع الشمسي الجارية في ماليزيا والمكسيك وجنوب أفريقيا وغانا، واصفاً إياها بأنها ضرورية لضمان قدرة هذه البلاد على إدارة مستقبلها المناخي.

في الصين، لا تزال الأبحاث في مراحلها الأولى، لكن الخبراء يشيرون إلى أنه إذا أعطت بكين الأولوية للهندسة المناخية، فإنها تمتلك القدرة على متابعتها بسرعة وعلى نطاق واسع. وتعكس هذه الديناميكيات تصورات مستقبلية افتراضية، تُعيد في إطارها التدخلات الوطنية أحادية الجانب تشكيل أنماط المناخ العالمية.

وغالباً ما يجادل العلماء الرافضين للهندسة المناخية بأنها تُعطي «أملاً زائفاً»، وقد تُضعف الإرادة السياسية لخفض الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

* السلامة والفاعلية. وهم مُحقون في القول بأنه لم تثبت أية تكنولوجيا من تكنولوجيات هندسة المناخ سلامتها أو فعاليتها على نطاق واسع، وأن المخاطر - بما في ذلك الاضطرابات الجوية، والصراعات الجيوسياسية، والتأثيرات الإقليمية غير المتكافئة - ضخمة.

وتظل المعضلة الجوهرية قائمة: فالبشرية ينفد وقتها، ومع ذلك تفتقر إلى المعرفة الكافية لتحديد ما إذا كانت هندسة المناخ جزءاً من استراتيجية مناخية مسؤولة. والمؤكد أن حظر الأبحاث يهدر الخيارات، بينما المضي قدماً دون تفكير يعرضنا لكارثة.

في هذا السياق، نرى أن السبيل العقلاني الوحيد السماح بإجراء تحقيق منهجي وشفاف في متطلبات جدوى هندسة المناخ وسلامتها وحوكمتها. من دون هذه الأبحاث، قد يقف العالم في مواجهة أزمات مناخية، مسلحاً بأدوات أقل وفهم أقل - بالضبط السيناريو الذي يأمل العلماء في تجنبه.

* «أتلانتك أونلاين»، خدمات «تريبيون ميديا».