تساؤلات بشأن مزيد من التشريعات على «السوشيال ميديا» في 2022

تساؤلات بشأن مزيد من التشريعات على «السوشيال ميديا» في 2022

الاثنين - 29 جمادى الأولى 1443 هـ - 03 يناير 2022 مـ رقم العدد [ 15742]

سيطرة مواقع التواصل الاجتماعي ونفوذها، وانتشار الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة عبر بعضها، باتت من أهم القضايا المثيرة للجدل والنقاش على مستوى العالم. ووفق مراقبين مطلعين دفع هذا الأمر عدداً من الدول إلى البدء في سن تشريعات لتنظيم عمل منصات التواصل الاجتماعي بعد فشل محاولات التنظيم الذاتي.

ومع اتجاه عدة دول نحو سن تشريعات خاصة بتنظيم عمل منصات التواصل، يرى خبراء في الإعلام الرقمي أنه لا يزال من الصعب تحديد الأساليب المقترحة المتنوعة لعمل تشريعات وسائل التواصل الاجتماعي على أرض الواقع، وتأثيرها الفعلي على المنصات والمستخدمين، وهذا وسط تساؤلات حول ما إذا كان عام 2022 سيشهد زيادة في فرض القيود والتشريعات التنظيمية هذه.

الصحافي الهندي المتخصص في الإعلام الرقمي نافين ناير، تحدث إلى «الشرق الأوسط» عن «اتجاه دول العالم لسن تشريعات لتنظيم وتقييد عمل منصات التواصل الاجتماعي، إذ أعلنت بريطانيا في منتصف الشهر الماضي، حزمة جديدة من التشريعات تضع منصات التواصل تحت المساءلة عن المحتوى الذي تنشره، مع اتجاه دول أخرى كالولايات المتحدة لسن تشريعات مماثلة، ما يعني أن عام 2022 سيكون نقطة مفصلية في التعامل مع هذه القضايا».

ومن جهته، قال محمد فتحي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي لـ«الشرق الأوسط» إن «دول العالم لا تسير في اتجاه واحد حيال منصات التواصل الاجتماعي، ذلك أن كل دولة تتخذ الإجراءات التي تتوافق مع مصالحها. وعلى سبيل المثال، باشرت أستراليا سن تشريعات بهذا الصدد، بعدما وجدت أن هذه المنصات تحقق أرباحاً من المحتوى الذي تنتجه، من دون أي عائد للجهات بشأن هذا المحتوى، بينما زادت دول أخرى من القيود كالصين وروسيا، لتحقيق أولوياتها المتعلقة بالأمن والسياسة، أما بريطانيا فقد خصصت الهيئة الناظمة أوفكوم للرقابة على منصات التواصل».

فتحي يرى أن «منصات التواصل، هي في الأصل شركات، يجري التعامل معها وفق القوانين الخاصة بالشركات في كل دولة». وأردف «من المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة سن تشريعات خاصة للتعامل مع عمالقة التكنولوجيا في الولايات المتحدة، استجابة للدعوات التي تزايدت عقب حجب حساب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، في وقت سابق، وأحداث اقتحام الكابيتول، التي أظهرت مدى تأثير منصة فيسبوك، والعجز عن محاسبتها وفقاً للتشريعات الحالية، إذ ينص الدستور الأميركي على أنه لا يجوز معاقبة تلك المنصات على المحتوى المنشور عليها كونها شركات لا مؤسسات إعلامية».

للعلم، أعلنت بريطانيا عن مقترح قانون «الأمان عبر الإنترنت»، الذي يتضمن إجراءات لحماية الشباب، ومنع «الإعلانات المزيفة». ومنها أيضاً عمليات الخداع التي يتعرض لها مستخدمو «الإنترنت»، بجانب قضايا أخرى تثيرها منصات التواصل مثل، تعزيز العنف ضد المرأة، ونشر «معلومات مضللة وضارة». ووفق هيئة الإذاعة البريطانية (البي بي سي) يسعى القانون لفرض عقوبات أكثر صرامة على منصات التواصل الاجتماعي بالتوازي مع اتجاه الولايات المتحدة إلى سن تشريعات مماثلة.

ويشير فتحي إلى أن «منصات التواصل تدرك قدرتها على التأثير، وتضع بالفعل نفسها في مكانة الدول الكبرى. ومع ازدياد حدة المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، تمارس شركات التكنولوجيا نفوذها بشكل أقوى، من أجل ترسيخ فكرة أنها شركات لا غنى عنها... وهذا يظهر بقوة في تفوق تيك توك على غوغل لأول مرة خلال عام 2021».

عودة إلى ناير، يؤكد الصحافي الهندي أن «فرض تشريعات أو قيود على عمل منصات التواصل يواجه بعقبات من بينها حرية الرأي والتعبير، وهي الميزة الأساسية التي قامت عليها هذه المنصات. ومن هنا سنجد من يقف ضد سن تشريعات لحماية حرية الرأي والتعبير... إن المسألة معقدة وطويلة، ولا يمكن أن يضع قانوناً واحداً لها».

على صعيد متصل، قضية تنظيم عمل منصات التواصل الاجتماعي ليست جديدة، وتسعى الدول والمنصات نفسها لوضع حد لانتشار «المعلومات المزيفة» على سبيل المثال. لكن الخبراء والمراقبين يؤكدون وجود فجوة بين توقعات المجتمع والحكومة والقدرة الواقعية على التصرف، نظراً لأن جميع المستخدمين يمكنهم نشر ما يريدون، في أي وقت، بينما لا تستطيع تقنيات الذكاء الاصطناعي كشف ذلك أو حذفه قبل أن يشاهده الجمهور. وهنا يتساءل الخبراء حول ما إذا كانت القوانين والعقوبات سوف تؤدي إلى تحسين المشهد؟

وحقاً، يصف ناير المشهد الحالي بأنه «ضبابي». ويقول «لا يمكن معرفة ما الاتجاه الأمثل في هذه المسألة، فالأمر معقد، خاصةً مع كثرة عدد المستخدمين. إلا أن الشيء المؤكد هو أن تنظيم مواقع التواصل بات أمراً ضرورياً وملحاً، ولا بد من العمل عليه، وحتى إذا لم يأت بنتائج فورية من المرة الأولى، يظل ضرورة حتمية».

وحول هذه النقطة يتوقع فتحي أن «يشهد عام 2022 محاولات متزايدة من جانب الدول لسن تشريعات وقيود أكبر على منصات التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع الأزمة الاقتصادية التي تشهدها صناعة الإعلام وشح الموارد من ناحية، والضغط على تلك المنصات بشكل كبير فيما يتعلق بالشائعات والمحتوى وحماية الأطفال على المنصات من ناحية أخرى». ثم يضيف «سنرى بين الحين والآخر، فرض غرامات مالية في أوروبا وروسيا، بدوافع حماية المستخدم والحقوق العادلة لتوزيع الإعلانات وحماية البيانات».

كذلك، يشير فتحي إلى أن «الصراع الأكبر سيظل هو ترويض المجال الرقمي الجامح، فالاتحاد الأوروبي يسعى لتنظيم المعطيات (الداتا) الشخصية والذكاء الاصطناعي وشركات التكنولوجيا الكبرى، ضمن ما يعرف باسم استراتيجية حراس البوابة. وفي عام 2018، أصدر الاتحاد الأوروبي قانوناً شاملاً لحماية البيانات يقيد نقل البيانات الشخصية خارج الكتلة المكونة من 27 عضواً، وهدد بفرض غرامات على الشركات التي تقصر في حماية المعلومات الحساسة لمواطني الاتحاد الأوروبي، والقوانين مشابهة في روسيا... وتعمل كندا حالياً على وضع قانون يقضي بأن تدفع منصات التواصل غوغل وفيسبوك للمؤسسات الإعلامية مبالغ مالية مقابل استخدام ونشر محتوى هذه المنصات، على غرار التشريع الذي سن أخيراً في أستراليا»، بحسب تقارير إعلامية.

ومن جهة ثانية، توقع تقرير لموقع «ذا مورنينج كونسلت» الأميركي المتخصص في شؤون التكنولوجيا، منتصف الشهر الماضي، «أن يكون عام 2022 العام الذي سيحاول فيه المشرعون كبح جماح منصات التواصل الاجتماعي، وسط مخاوف من محاولة السياسيين عرقلة ذلك». وأشار التقرير إلى أن «الجهود الرامية لتنظيم هذه المواقع بدأت بقوة عام 2021 لكن التحزبات السياسية قد تضع حداً لها». ووفق استطلاع رأي أجراه «ذا مورنينج كونسلت» فإن «56 في المائة من الأميركيين يؤيدون فرض تشريعات على منصات التواصل الاجتماعي، و3 من كل 5 مستخدمين يقولون إن هذه المنصات لا تحمي المستخدمين بشكل كامل».

في هذا السياق، يرى ناير أنه «لا يمكن التنبؤ بمستقبل التشريعات الخاصة بمنصات التواصل الاجتماعي؛ لكن بالتأكيد فإن عام 2022 سيشهد جهوداً كبيرة في هذا المجال، خاصةً مع ضغط الجماهير لتنظيمها». ويتابع ناير «النقطة الأهم التي ستثار هذا العام، هي حماية معطيات المستخدمين وبياناتهم الشخصية كأولوية أولى، ووقف نشر الأخبار الزائفة والمضللة». أما فتحي فيضع 3 سيناريوهات للتعامل مع منصات التواصل «الأولى هي إطلاق الدول لمنصات منافسة للحفاظ على سيطرتها على المعلومات. والثانية هي استمرار سيطرة هذه المنصات مع فرض تشريعات لتنظيم عملها محلياً، واقتسام الصلاحيات والموارد، أما الثالثة فهي استمرار السيطرة؛ ولكن من دون قوانين أو فوائد مالية لصالح الدول». ويضيف أنه «لم يعد من الممكن الحديث عن شركات التكنولوجيا الكبرى باعتبارها أدوات أو شركات يمكن السيطرة عليها بسهولة، لأن هذه الشركات والمنصات التابعة لها تمتلك نفوذاً واسعاً وكبيراً لن تهدده سوى حركة عالمية موحدة ستأتي من دول كبرى خارج الولايات المتحدة الأميركية».


إعلام

اختيارات المحرر

فيديو