الوداع الأخير لسبعة سينمائيين رحلوا في 2021

بينهم مخرجة تونسية ومدير تصوير إيطالي وكاتب فرنسي

مفيدة التلاتلي  -  جان - كلود كارييه  -   جوزيبي روتانو
مفيدة التلاتلي - جان - كلود كارييه - جوزيبي روتانو
TT

الوداع الأخير لسبعة سينمائيين رحلوا في 2021

مفيدة التلاتلي  -  جان - كلود كارييه  -   جوزيبي روتانو
مفيدة التلاتلي - جان - كلود كارييه - جوزيبي روتانو

شهد العام 2021 رحيل ما لا يقل عن 400 سينمائي من جميع المهن والأعمال ومن أنحاء مختلفة من العالم. و«يكيبيديا» اكتفت بـ310 أسماء، وغاب عنها ما لا يقل عن 40 اسماً آخر من العالم العربي ومن الهند ودول آسيوية ولاتينية وأوروبية. ولو كان هناك من يكشف عن كل أسماء الراحلين ممن عملوا في السينما العالمية لتجاوز الرقم أعلاه.
معظم من رحل هذا العام، كمعظم من رحل في الأعوام السابقة، من أصحاب الأسماء التي لم تشهد أي شهرة فعلية؛ أبناء صناعة فنية وإنتاجية في كل مجال من مجالاتها خدموا في هذه الرحلة وغابوا من دون أن يشعر بغيابهم أحد؛ كون شهرتهم لم تتجاوز عتبة مشروعات اشتركوا فيها. من يعرف، مثلاً فيرونيكا فوركوا، الممثلة الإسبانية التي رحلت في الثالث عشر من ديسمبر (كانون الأول)، أو فيليب غزال، المخرج المكسيكي الذي وافاه الموت في 18 أكتوبر (تشرين الأول)؟ في اليوم ذاته توفي ثلاثة آخرون أميركيون، إنما بلا شهرة. وأول الراحلين هذه السنة كان ممثلاً بريطانياً عاش 92 سنة، اسمه مارك إيدن، وظهر في بعض كلاسيكيات الموجة البريطانية الجديدة في الستينات ومنها The L‪ - ‬Shaped Room لبرايان فوربس.
الموت واحد، لكن النجاح والشهرة ليس متساوياً. على ذلك، لا يمنع فقدان هذا العدد من الراحلين من تسليط الضوء على بعض من حقق مكانة أعلى من سواه. التالي سبعة من هؤلاء.

1 - مفيدة التلاتلي
قبل أن تنجز المخرجة التونسية فيلمها الأول «صمت القصور» سنة 1994، لعبت دوراً بالغ الأهمية بالنسبة للحركة السينمائية العربية، إذ قامت بتوليف أفلام لمخرجين انتموا لجيل السبعينات والثمانينات، كحال فريد بوغدير وميشيل خليفي ومرزاق علواش. ففي سنة 1975، قامت بتوليف فيلم «عمر قتلاتو الرجولة» للجزائري مرزاق علواش. لاحقاً أمّت فيلم «ذاكرة خصبة» للفلسطيني ميشيل خليفي، وبعد ذلك اشتغلت أكثر في إطار السينما التونسية، وبنت إيقاع فيلم التونسي بوغدير «حلفاوين» (1990). ‬
«صمت القصور» الذي اعتُبر، بحق، أحد أفضل أفلام السينما العربية قاطبة، كان نتيجة ذكريات وملاحظات استقتها من والدتها المريضة. لم تكن تعلم شيئاً يُذكر عن حياة أمها في زمن مضى، وما استقته من معلومات كان مشجعاً لكي تقرر انتقالها إلى الإخراج. لكن «صمت القصور» لم يكن مجرد فيلم عن ذكريات مصوغة كما لو كانت حكاية مستقلة عن تاريخ أمها، بل رصد الفيلم وضع المرأة التونسية في فترة سابقة من حياة المجتمع التونسي. وعندما قررت تحقيق فيلمها التالي: «موسم الرجال»، تعرضت لمفهوم المجتمع الرجالي القامع لحقوق المرأة. تلا ذلك فيلم آخر هو «نادية وسارا» (2005). كان لديها مشروع آخر (أيام الرئيس بن علي) لكن الرقابة التونسية منعته.

2 - وحيد حامد
كاتب سيناريو مصري غني عن التعريف، عمد منذ البداية لتقديم مواضيع اجتماعية وقف معها لجانب المواطن المصري العادي. بدأ هذا المنحى في مطلع الثمانينات في أفلام مثل «العربجي» و«التخشيبة» و«ملف في الآداب» و«البريء»، ثم إثر نجاحه وتحقيقه شهرة في سياق الأفلام الناقدة، عمد إلى سلسلة أعمال قام عادل إمام ببطولتها، ومنها «اللعب مع الكبار» و«الإرهاب والكباب» و«المنسي»، وذلك في التسعينات.
أسلوب عمله كاتباً كان كلاسيكياً، خدم فيه أفكاره حول الأشخاص العاديين في ظروف اجتماعية واقتصادية غير عادية. كذلك تعرّض لـ«الإخوان المسلمين» في أكثر من فيلم، ولو أن «الإرهاب والكباب» هو نموذجي في هذا الشأن.

3 - عزّت العلايلي
قام الممثل، الذي رحل في الخامس من فبراير (شباط)، بالظهور في نحو 190 مسلسلاً وفيلماً ومسرحية. وُلد سنة 1934 ومثل أول فيلم سنة 1962، وهو «رسالة من امرأة مجهولة» للمخرج صلاح أبو سيف. في العام نفسه، ظهر في فيلم كبير آخر هو «بين القصرين». في تلك الفترة تعاون مع مخرج متميّز آخر هو توفيق صالح عبر فيلم «السيد البلطي» (1967). ومنذ ذلك الحين وجدناه في أفلام أخرى لمخرجين بارزين، من بينها «قنديل أم هاشم» لكمال عطية (1968)، و«الأرض» ليوسف شاهين (1970)، ثم «الاختيار» لشاهين أيضاً (1971)، كما ظهر في أفلام غير مصرية (ولو قليلة)، من بينها «طاحونة السيد فابر» للجزائري أحمد الراشدي (1973)، و«ذئاب لا تأكل اللحم» للبناني سمير خوري (في العام ذاته)، سنة 1975. وهي السنة التي بدأت فيها الحرب الأهلية في لبنان قام ببطولة «بيروت يا بيروت» لمارون بغدادي. بعد ذلك هو في أفلام أخرى لصلاح أبو سيف آخرها «المواطن مصري» (1991)، آخر فيلم له كان «تراب الماس» لمروان حامد (ابن وحيد حامد).

4 - جان - كلود كارييه
كاتب السيناريو الفرنسي وضع ستة أعمال، حقّقها المخرج الإسباني الأصل لوي بونييل من بينها «حسناء النهار» (1967)، و«السحر الخفي للبرجوازية». ولد في جنوب فرنسا (سنة 1931)، ثم انتقل ووالداه إلى ضواحي باريس. تعرّف على عبقري الكوميديا الفرنسية جاك تأتي الذي شجعه على دخول العمل السينمائي. اختيار كارييه للكتابة بدا طبيعياً، إذ عمد أولاً إلى تأليف الروايات. لجانب بونييل اشتغل مع التشيكي ميلوش فورمان على فيلمه الأول في الغرب «الإقلاع» Taking Off سنة 1971. و«أقلع» بعد ذلك في أعمال أخرى خارج فرنسا، من بينها «علاقات خطرة» للبريطاني ستيفن فريرز و«الخفة غير المحتملة للوجود» (The Unbearable Lightness of Being) لفيليب كوفمان (1988). أحد المخرجين الذين طلبه للعمل معه أكثر من مرّة الألماني فولكر شلندروف وذلك من سنة 1979 عبر «الطبل الصفيح». لاحقاً أسند إليه كتابة الفيلم الشائك «دائرة الخداع» الذي دارت أحداثه في الحرب اللبنانية (1981). في 2021 تم إنجاز فيلمين من أعماله، هما «الحملة الصليبية» للوي غارل و«أرض الأحلام» لشيرين نشأت.

5 - جوزيبي روتانو
كمدير تصوير، عرفت مهنة هذا الفنان الإيطالي آفاقاً لم يبلغها سوى قلة سواه. ليس أنه كان محط ثقة مخرجين كبار في أوروبا والولايات المتحدة فقط، بل نظراً لعلاقته الرومانسية مع التشكيل الفني للصورة. وُلد سنة 1929 ومارس التصوير الفوتوغرافي للأفلام ثم وقف وراء الكاميرا لأول مرّة عام 1943، في فيلم لروبرتو روسيلليني The Man With the Cross، وفي سنة 1952 أصبح مصوّراً ثم - بعد خمس سنوات - أصبح مدير التصوير. اشتغل مع عباقرة السينما الإيطالية بدءاً من لوكيانو ڤيسكونتي (بدءاً من «الليل الأبيض»، 1957) وامتداداً لماريو مونيشيللي وفيتوريو دي سيكا وفديريكو فيلليني. اعتمد عليه فيلليني في «ساتيريكون» و«أماركورد» و«كازانوفا» وسواها من بين أعماله المهمّة. بات روتانو مقصداً للمخرجين الآتين من خارج إيطاليا فصوّر لإدوارد دمتريك Anzio ولمايك نيكولز Carnal Knowledge ولبوب فوسي All That Jazz. بعد نحو 80 فيلماً كمدير تصوير توقف روتانو عن العمل سنة 1997، عندما أنجز «مارشيللو ماستروياني: أتذكر»، واكتفى لاحقاً بتصوير أفلام قصيرة حتى عام 2010.

6 - مايكل أبتد
لم يكن هذا المخرج البريطاني صاحب مدرسة ولا حتى ذا أسلوب فني لا يُضاهى، لكنه كان جيداً في معظم ما حققه من أفلام. في الثمانينات والتسعينات سجل نجاحاً تجارياً كبيراً في فيلم «العالم ليس كافياً» (The World is Not Enough) واحد من الأفلام الأربعة التي قام بيرس بروسنان فيها بإداء شخصية جيمس بوند، وذلك سنة 1999. وُلد أبتد في مدينة أليسبوري سنة 1941. في عام 1964، عمل مساعداً لمخرج تلفزيوني كندي اسمه بول ألموند على مشروع فيلم تسجيلي للتلفزيون بعنوان Seven Up الذي عمد إلى تصوير حياة 14 ولداً في سن السابعة. بعد ذلك قام أبتد بالعودة إلى هؤلاء الأولاد بعد سبع سنوات ثم كل سبع سنوات بعد ذلك متابعاً ما آل كل منهم إليه في ذلك الحين. أول فيلم روائي قام بتحقيقه هو «الصدى الثلاثي» (1972) ثم عرج على سلسلة أفلام بريطانية وأميركية من بينها «أغاثا» (1979) وحقق نجاحاً نقدياً وفنياً كبيراً عندما أخرج في الولايات المتحدة «ابنة عامل المنجم» (The Coal Miner‪’‬s Daughter‪ ‬) سنة 1980. وهذا كان تمهيداً لعدد آخر من الأفلام التي برزت المرأة فيها كبؤرة اهتمامه الأول. من بين الأفلام الأخرى «غوريللات في الضباب» (سيغورني ويفر، 1988) و«نل» (جودي فوستر، 1994) ثم «كفاية» (مع جنيفر لوبيز، 2002). آخر فيلم له هو «غير مُقفل» (Unlocked) من بطولة ناوومي راباس وذلك في 2017.

7 - برتران ترفنييه
مخرج فرنسي نوّع في أعماله منتقلاً من التاريخي إلى البوليسي والدرامي العاطفي والبيوغرافي وحقق في كل منها بعض أفضل ما شهدته السينما الفرنسية من أعمال. ولد سنة 1941، وهوى السينما وهو في الرابعة عشرة. ما أحبّه في ذلك السن المبكر هو أفلام جون فورد وويليام ولمان ثم بعض المخرجين الفرنسيين، مثل جاك بيكر وجان رنوار. اشتغل لاحقاً مع المخرج جان بيير ملفيل قبل أن يبدأ العمل على أفلامه الخاصّة، وأولها «صانع الساعات» سنة 1974. وافته الجوائز في كثير من أفلامه، وفي مقدّمتها من حيث العدد «يوم أحد في الريف» (1984) الذي نال عليه جائزة أفضل مخرج من كان وجائزة أفضل فيلم أجنبي من جمعية «لندن فيلم سيركل» وجائزة سيزار كأفضل سيناريو مقتبس لجانب نحو سبع جوائز أخرى. «راوند مدنايت» كان دراما موسيقية شارك فيه مارتن سكورسيزي وهيربي هانكوك. في سنة 1999 عاد إلى منوال الجوائز عبر فيلم «كل شيء بدأ اليوم»، هذا من دون أن يعني أنه لم يحظ بجوائز مهمّة عن أفلام أخرى. أحد أفضل أفلامه الأخيرة «أميرة مونبنسييه» عن حياة مدام لافاييت، وقامت بالدور ميلاني تييري، وتم عرضه في مهرجان «كان».
المجال هنا أضيق من أن يستوعب سينمائيين آخرين مشهود لهم بالإجادة والشهرة بينهم السيناريست المصري مصطفى محرّم والممثل الفرنسي جان - بول بلموندو والأميركي ند بيتي والمخرجين ملفن فون بيبلز ومونتي هلمان ورتشارد رَش ورتشارد دونر وآخرهم الكندي جان - مارك فالي.


مقالات ذات صلة

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

يوميات الشرق مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

تعود كوبولا لاستكشاف فيلم «ماري أنطوانيت» سينمائياً مرة أخرى؛ فبينما كانت تعمل على الفيلم قبل 20 عاماً، كانت هناك عين تراقب من كثب: والدتها إليانور.

لورا كابيل (باريس)
يوميات الشرق صورة مركبة للفنانة نادية لطفي و«سيدة الشاشة» فاتن حمامة والنجمة تحية كاريوكا

بالثوب الأبيض والقلب النابض... فنانات مصريات بمستشفيات حرب أكتوبر

«حرب الكرامة بالأبيض والأسود»... عندما قادت فاتن حمامة ونادية لطفي وتحية كاريوكا وهالة فاخر كتائب «الهلال الأحمر» بالمعادي.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» في منافسات «الأوسكار» (الشرق الأوسط)

9 أفلام عربية في سباق «الأوسكار» وسط منافسة دولية شرسة

من المقرّر إعلان القائمة القصيرة، التي تضمّ 15 فيلماً، في 15 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الصلح يُعقد... والجرح يبقى (الجهة الإعلامية)

«البارح العين ما نامت»: حكاية زواج قسري من البقاع إلى المهرجانات العالمية

تدور الأحداث على الحدود بين لبنان وسوريا، حيث يشعل إحراق شاحنة خلافاً داخل مجتمع بدوي متماسك.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق خلال حفل توقيع الكتاب (الشرق الأوسط)

إلهام شاهين تحتفل بكتاب يتناول مسيرتها الفنية

حرصت الفنانة المصرية إلهام شاهين على الاحتفاء بتوقيع كتاب يتناول جانباً من مسيرتها الفنية.

أحمد عدلي (القاهرة)

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)
TT

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)

أول ما يسترعي الاهتمام حتى من قبل أن يبدأ فيلم «ديغر» في استعراض خطابه السياسي، ذلك القدر الكبير من الخيال الكامن في كتابته ثم ما يوازي ذلك الخيال حجماً من تنفيذ فني وإنتاجي. وهو في هذا يشترك مع عدد من أبرز أفلام السنوات الأخيرة، مثل «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا و«فرانكنشتاين» لغييرمو دل تورو و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن و«الأوديسا» لكريستوفر نولان.

إنها هذه الأفلام ومثيلاتها التي توعز بأن هوليوود لا تكتفي بتحقيق أفلام سهلة القبول لدى الجمهور السائد، بل، وبفضل مخرجين لهم الكلمة الأخيرة، تدفع باتجاه سينما ذات فن وكلمة.

توم كروز وريز أحمد في «ديغر» (وورنر برذرز)

جبل من الجليد

يلتقي فيلم «ديغر» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو مع «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا في تصوّره عالماً غارقاً في اللهو والانشغال بذاته، إلى حد إهمال الأسئلة الجوهرية المتعلقة بسبب وجوده ومسار مستقبله.

لكن «ديغر» لا يتحدّث عن مستقبل بعيد، بل يضع ذلك المستقبل في قلب الحاضر، وكأنه واقع قائم بالفعل. بطله ديغر روكويل (توم كروز) أحد أكبر أصحاب القرار والنفوذ في العالم. ورث إمبراطورية النفط والغاز عن آبائه وأجداده، ثم وسّعها واستثمرها حتى بات يمتلك من السلطة والتأثير ما يجعل رئيس الولايات المتحدة (جون غودمان) يعقد اجتماعاته مع الوزراء والمستشارين في منزل ديغر، لا في البيت الأبيض.

يطير الرئيس إلى مقر ديغر ليبحث مستقبل الأرض بعدما تسبب الاحتباس الحراري في انفصال كتلة جليدية من القطب الشمالي، أخذت في الانجراف باتجاه أوروبا مهددة أجزاء واسعة منها. خلال اللقاء يتبادل الرجلان الاتهامات: الرئيس غاضب ولا يعرف كيف يتصرّف، وديغر يذكّره بأنه هو من وافق سابقاً على مشاريعه الاستثمارية. في هذه الأثناء كانت موجات التسوماني التي أحدثها انهيار جبل الجليد ابتلعت غرينلاند وهولندا وتواصلت في مسارها المدمر صوب ولاية ألاسكا وما بعدها.

يرسم إيناريتو صورة ساخرة وحقيقية محذّراً مما يفترض وقوعه إذا ما استمر العبث بالبيئة. إنه ليس افتراضاً بعيد الاحتمال، والسيناريو الذي كتبه المخرج بنفسه يروي حكاية مستندة إلى الواقع أكثر مما هي خيالية. الخيال والواقع هنا مدمجان بسهولة مثل ورقة ذات وجهين لا يمكن فصلهما.

ديغر أمام المجلس (وورنر برذرز)

معجزة في البال

يبدو ديغر، في مستهل الفيلم، شخصية لا تُطاق. لا يكترث بالآخرين ويكره آراءهم. معتد بنفسه ولا يقبل أن يقترح عليه أحد ما عليه فعله لأنه لا يطيق وجهة نظر مخالفة لما يراه.

عندما تقع الكارثة ويجتاح البحر أجزاء واسعة من أوروبا، يجد ديغر نفسه في مواجهة مجلس حاشد من الغاضبين المطالبين بمحاكمته. وكان مستشاره لشؤون البيئة، الدكتور غانش (ريز أحمد في أحد الأدوار الرئيسية)، قد واجهه منذ البداية بالحقيقة متهماً إياه بالمسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأمور. غانش يدرك حجم الكارثة ولا يتردد في المجاهرة بها، حتى حين يرفض ديغر الاستماع إليه.

بعد معارضة يعترف ديغر أمام المجلس بمسؤوليته عن جزء مما حدث، لكنه يقلب الطاولة على الحاضرين، مذكّراً إياهم بأن الذنب ليس ذنبه وحده. فالقادة الذين منحوا التراخيص، ورجال الأعمال الذين سعوا وراء الأرباح، وحتى المستهلكون العاديون الذين طالبوا بالمزيد من الطاقة وما توفره من رفاهية وتقنيات حديثة، جميعهم شركاء في المسؤولية. وبذلك يحوّل إيناريتو الاتهام من فرد واحد إلى مجتمع بأسره، جعل من الاستهلاك المتزايد شرطاً للحياة المعاصرة، ثم فوجئ بالثمن البيئي الذي ترتب على ذلك.

يبدأ الفيلم بستارة مرسومة ترتفع كما لو أننا على وشك مشاهدة عرض مسرحي، وينتهي بتحويل العالم كله إلى خشبة مسرح. ففي المشهد الختامي، يقف الجمهور في الصالة مصفقاً لما شاهده من أحداث، أي للأحداث نفسها التي تابعناها نحن طوال الفيلم، وذلك بعد أن يلقي ديغر بنفسه في البحر.

وقبيل هذه النهاية، يقدّم الفيلم أحد أكثر مشاهده دلالة. فديغر، الذي بات يعيش على متن باخرة بعد الكارثة، يواجه مع مرافقيه أزمة نفاد الطعام. عندها يلجأ إلى الصلاة معتقداً أن معجزة ستنقذهم. يأمر الجميع بالركوع، ثم يقف ويرفع رأسه مبتسماً: لقد تحققت المعجزة وها هي الغرفة مليئة بالطعام. لكن هذا في خياله الجانح وحده. الباقون يدركون أن المعجزة لم تتحقق.

صوب الأوسكار

البداية بستارة مسرحية والنهاية المماثلة تعيداننا إلى فيلم إيناريتو «بيردمان‪:‬ الفضيلة غير المتوقعة للجهل» (Birdman or the Unexpected Virtue of Ignorance) الذي أخرجه سنة 2014 والذي دارت أحداثه داخل المسرح (ما عدا مشاهد قليلة). لكن هذا ليس اللقاء الوحيد بين الفيلمين. هناك أيضاً إدارة الكاميرا في مشاهد يتحرك فيها الممثل والكاميرا في ممرات ضيّقة بين الغرف. المصوّر في كلا الفيلمين واحد هو إيمانويل لوبيزكي.

ما هو مختلف هنا هو قيام المخرج بالاتفاق مع مدير التصوير باعتماد إضاءة باهتة خصوصاً في الساعة الأولى من الفيلم الممتد لنحو ساعتين وعشر دقائق. الضوء يفتقد الحدة والصفاء، إذ تغشاه مسحة باهتة تبدو جزءاً من رؤية الفيلم لعالم ديغر؛ عالم أقرب إلى حلم مضطرب أو كابوس مغبّش تذوب فيه الحدود بين الواقع والوهم. في مشاهد أخرى يميل الاختيار للون البنّي المشابه، حسب الفيلم، للعقلية التقليدية التي يتبناها ديغر والمسؤولين السياسيين والعسكريين.

لا يشبه أداء كروز في هذا الفيلم أي أداء سابق له. خطابه أمام المجلس يشبه خطاب ند بيتي في فيلم سيدني لومت «نتوورك» (1976) وروبرت دوڤال في «الحواريّ» (The Apostle) في 1997. يبدو كروز كما لو أنه أعاد اختراع نفسه وقد وصل إلى سن تسمح له بذلك.

السياسة في «ديغر» هي رداء يرتديه الفيلم بكامله. الرئيس الأميركي قُصد به أن يكون كاريكاتورياً، كذلك المحيطون به. مشكلته أنه آخر من يعلم في كل شيء. لا يستطيع أن يجد حلاً لشيء (ويعترف بذلك) لذا فإن القرار السهل هو لوم الصين وروسيا وشن حرب نووية عليهما، أي مواجهة كارثة بأخرى.

لكن الفيلم يقع في فخ صعب، إذ يطرح الأزمة بقوة ثم يعمد لتمييعها. كما في مشهد المحاكمة التي يخرج ديغر منها منتصراً بعدما وزع المسؤولية على الآخرين.

وفي النهاية يقرر إيناريتو إحالة كل ما سبق إلى عرض مسرحي داخل الفيلم. كان مارتن سكورسيزي خسر قضيّته في «قتلة فلاور مون» (2023) عندما حوّل الفيلم في نهايته إلى برنامج إذاعي. إيناريتو يكرر هذا النوع من النهايات الذي يكاد يُلغي المضامين السابقة ومفاداتها المهمّة.

لن يقف هذا المأخذ حائلاً دون نجاح الفيلم على صعيد الجوائز. فـ«ديغر» يمتلك كل المقومات التي تدفعه بقوة نحو موسم الأوسكار من ناحية الإخراج والتمثيل. إنه من تلك الأفلام التي تخاطب المزاج السائد في المرحلة الراهنة، حيث يتصاعد النقد الموجه إلى أصحاب القرار السياسي والاقتصادي، وإلى السياسات القصيرة النظر التي تهدد مستقبل العالم.


شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
TT

شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).

THE BLOOD COUNTESS

★★* إخراج: أولريك أوتنغر

* ألمانيا (2026)/ عروض تجارية.

حرصت المخرجة الألمانية أوتنغر على تقديم فيلم عن مصاصي الدماء يختلف عن كل ما سبقه في هذا الحقل؛ ولذلك سخّرت معظم عناصر العمل لتحقيق هذا التميّز.

مصاص الدماء هنا هو امرأة ذات اسم لا يمكن حفظه هو «بلوتغرافن إرزابت باثوري» (إيزابل أوبير). تصل ليلاً إلى ڤيينا بعد غياب سنوات، ولا تمضي دقائق حتى تنقضّ على رقبة الضحية الأولى. الآخرون حولها يتمتعون أيضاً بأسماء غريبة مثل «بروتوس فون باثور زو كلينغنفلز» و«رودي بوبي فون سترودي» و«غيهايمرات لايشنبيتر». من حسن الحظ أن هذه الأسماء ليست الوحيدة التي تدفع نحو الاختلاف، بل هناك جهد بصري مبذول بعناية فائقة لتأمين ذلك الهدف.

عندما تكتشف «بلوتغرافن» أن هناك من يبحث عن كتاب يستطيع به إبادة الفامبايرز، فإنها تنبري للحصول على ذلك الكتاب لحماية نفسها وأمثالها، وذلك بمساعدة خادمتها «هرمين» (بريجت مينيشماير). هناك تمثيل متوازٍ في حسناته بين أوبير ومينيشماير، لكن باقي الشخصيات لا تترك الأثر نفسه، خصوصاً أن إدارة المخرجة لها قائمة على مبدأ العناية ببطلة الفيلم ومساعدتها أولاً.

بصرياً «ذَ بلود كاونتَس» أخّاذ في جوانب كثيرة. التصاميم الفنية؛ كذلك تصاميم الملابس، والديكورات الداخلية. تستخدم المخرجة ومدير تصويرها إضاءة كافية لإبعاد شبح أفلام الرعب الداكنة. في الواقع تُثري المخرجة الفيلم بتعدد الألوان بدل أن تقّلد الأفلام الأخرى. لكنها عناية تنقلب على نفسها حال يتبدّى أن الفيلم إنما يستند في معظم أحداثه على قصّة بسيطة المفارقات. بذلك تبدو بصريات الفيلم وتصاميمه وألوانه مثل غلاف لمحتوى محدود الفاعلية.

HEART OF THE BEAST

★★1/2

* إخراج: ديڤيد آير (Ayer)

* الولايات المتحدة (2026)/ عروض تجارية.

«جيمس » (براد بت) محاربٌ سابق يستقل وكلبُه «أودين» طائرة برمائية في رحلة مفتوحة التوقعات. الطائرة تسقط في بعض مجاهل ألاسكا (تم التصوير في آيسلندا)، ومن هنا فصاعداً تتوالى فصول الحكاية التي تعتمد على مشاهد الخطر المتوالية. يحشد الفيلم للكثير من هذه المشاهد؛ من السقوط من علٍ في نهر جارف، إلى مواجهة دب ضخم، ومن نوبة قلبية تصيب «جيمس»، إلى هجوم ذئاب جائعة عليه وعلى كلبه. هذا إلى جانب صعوبة الرحلة قبل وبعد إصابات يتعرّضان لها. كلاهما يشرف على الغرق. كلاهما يُصاب، وكلاهما ملتحم مع الآخر في مصير واحد.

براد بت في «قلب الوحش» (باراماونت).

وسط كل هذا، هناك تلك العلاقة الوطيدة بين الكلب وصاحبه. هي علاقة حب يوظّفها الفيلم لمنح مشاهديه مشاعر تطفو فوق الواقع وتحتفي بالعاطفة. يعتمد الفيلم كثيراً على تلك العلاقة وكيف أنها لا تخبو أو تتوقف. تمر بامتحانات كثيرة، وتتجاوزها دائماً. إنه فيلم عن رجل وكلبه كما كانت رواية إرنست همنغواي «العجوز والبحر»؛ الكلب ملاذ «جيمس» بينما البحر ملاذ «العجوز». الفارق أن القيمة الأدبية تنتمي إلى رواية همنغواي على تواضع الفيلم الذي استُخلص منها.

في «قلب الوحش» مشاهد فلاشباك سريعة لـ«جيمس» في رحى الحرب العراقية حيث خدم سابقاً. لا ينوي الفيلم استخدام تلك المشاهد تعليقاً. ربما كان من الممكن منح الفيلم بعض العمق الذي يحتاجه لو فعل، لكن من ناحية ثانية سيكون التعليق إضافة لا لزوم لها في سياق وطبيعة الفيلم.

أداء براد بت توظيفي بدوره. الانفعالات لا تتجاوز ما هو مطلوب على الورق، وأداؤه في المشاهد التي لا تتطلب جهداً بدنياً رتيب. رغم ذلك؛ فإن الفيلم يُثير حب المتابعة بسبب ذلك الرجل وكلبه؛ لأن كليهما يحتاج الآخر.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.