طهران تطلق صاروخاً إلى الفضاء في خضم المحادثات النووية

«الأمن القومي» الإيراني: رسالة استراتيجية لاستخدام طاقة الميدان والدبلوماسية في آن واحد

إطلاق صاروخ من طراز «سيمرغ» يحمل ثلاث شحنات «بحثية» إلى الفضاء من مكان مجهول في إيران أمس (إ.ب.أ)
إطلاق صاروخ من طراز «سيمرغ» يحمل ثلاث شحنات «بحثية» إلى الفضاء من مكان مجهول في إيران أمس (إ.ب.أ)
TT

طهران تطلق صاروخاً إلى الفضاء في خضم المحادثات النووية

إطلاق صاروخ من طراز «سيمرغ» يحمل ثلاث شحنات «بحثية» إلى الفضاء من مكان مجهول في إيران أمس (إ.ب.أ)
إطلاق صاروخ من طراز «سيمرغ» يحمل ثلاث شحنات «بحثية» إلى الفضاء من مكان مجهول في إيران أمس (إ.ب.أ)

لم يهدأ غبار الصواريخ الباليستية وسط منحدرات صحراوية، عشية انطلاق الجولة الثامنة من محادثات فيينا الرامية لإنقاذ الاتفاق النووي، حتى صعدت إيران، أمس، من جديد بإطلاق صاروخ إلى الفضاء، قائلة، إنه يحمل شحنات لأغراض «بحثية»، دون أن يتضح ما إذا كان صاروخ «سيمرغ» إلى مدار حول الأرض.
وقال المتحدث باسم منظمة الدفاعات الفضائية في وزارة الدفاع الإيرانية، أحمد حسيني «أرسل (الصاروخ) حامل الأقمار الصناعية سيمرغ (طائر الفينيق بالفارسية) ثلاث شحنات بحثية إلى الفضاء»، وفق ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن موقع التلفزيون الرسمي.
وأوضح «خلال مهمة البحث الفضائي هذه، وللمرة الأولى، تم إطلاق ثلاث شحنات بحثية بشكل متزامن على ارتفاع 470 كلم وبسرعة 7.350 آلاف م في الثانية». وتابع «تم تحقيق أهداف البحث الملحوظة لعملية الإطلاق هذه»، من دون أن يحدد طبيعة هذه الشحنات، وما إذا تم وضعها في المدار. وبحسب «رويترز»، عرض التلفزيون الإيراني لقطات لما قال، إنها عملية الإطلاق. ونقل التلفزيون الإيراني عن حسيني قوله، إن الإطلاق الجديد كان عبارة عن «إطلاق تمهيدي، وسيكون لدينا اطلاعات عملية في مستقبل قريب».
وانقسم الإيرانيون على شبكات التواصل الاجتماعي في تفسير التطور الجديد. وقال ناشطون على «تويتر»، إن التجربة «فشلت» على غرار المرات الأخيرة. وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، لم تحدد المصادر الإيرانية المكان الذي انطلق منه الصاروخ. لكن وكالة «أسوشييتد برس» كانت قد كشفت في وقت سابق من الشهر الحالي، عن تمهيدات إيرانية لإطلاق صاروخ إلى الفضاء، من محطة «الخميني» الفضائية بمحافظة سمنان على بُعد 240 كيلومتراً (150 ميلاً) جنوب شرقي طهران، واستندت الوكالة إلى صور من الأقمار الاصطناعية لشركة «بلانيت لابس إنك»، وآراء من خبراء.
القرار 2231

ومن شأن الخطوة أن تثير انتقادات غربية، خصوصاً أنها تأتي بعد أيام من مناورات الصواريخ الباليستية، التي انتقدتها بريطانيا بشدة عشية استئناف مباحثات إحياء الاتفاق النووي، بمشاركة أميركية غير مباشرة.
ولطالما انتقدت الولايات المتحدة والدول الأوروبية برنامج إيران لتطوير الصواريخ الباليستية. وتخشى هذه الدول من أن تسعى طهران للحصول على تكنولوجيا صواريخ عابرة للقارات تحت غطاء برنامجها للأقمار الصناعية، كما تشير إلى احتمال استخدام التكنولوجيا الباليستية المستخدمة في إطلاق الأقمار الصناعية إلى مدار حول الأرض في تطوير رؤوس نووية.
وعدت أطراف الاتفاق النووي قيام إيران بمثل هذه التجارب، أنه يتعارض مع القرار 2231 الصادر من مجلس الأمن بعد الاتفاق النووي، الذي «دعا» طهران إلى عدم إجراء مثل هذه الاختبارات.
وبموجب قرار مجلس الأمن الرقم 2231 على إيران «الامتناع عن القيام بأي نشاط يتعلق بصواريخ باليستية معدة لنقل شحنات نووية، ومن ضمنها التجارب المتعلقة بتطوير تكنولوجيا الصواريخ الباليستية».
وكان البرنامج الصاروخي الباليستي إلى جانب الأنشطة الإقليمية، وإطالة أمد القيود النووية من الأسباب الرئيسية التي دفعت الإدارة الأميركية السابقة، برئاسة دونالد ترمب للانسحاب من الاتفاق النووي، وفرض استراتيجية «الضغوط القصوى» في مايو (أيار) 2018.
ومثل كثير من بنود الاتفاق النووي، تقدم الدول الغربية وإيران تفسيرين متناقضين عن البند الخاص بالصواريخ الباليستية. وبعد إصدار القرار، رفضت القوات المسلحة الإيرانية، الامتثال للقرار.

رسائل الميدان للدبلوماسية
وأطلق جهاز «الحرس الثوري» 16 صاروخاً باليستياً نهاية الأسبوع الماضي، في إطار مناوراته قبالة الخليج العربي، وقال رئيس الأركان محمد باقري، وقائد «الحرس الثوري» حسين سلامي، إنها ردٌ على التهديدات الإسرائيلية باستهداف المنشآت النووية الإيرانية. وعرض التلفزيون الحكومي لقطات لصواريخ تدمر هدفاً يشبه مفاعل ديمونة النووي الإسرائيلي وتسويته بالأرض في ختام المناورات.
ونددت بريطانيا بإطلاق صواريخ باليستية خلال المناورات. وقالت وزارة الخارجية البريطانية في بيان «تمثل هذه التصرفات تهديداً للأمن الإقليمي والدولي، وندعو إيران لوقف أنشطتها على الفور». ووصفت الخارجية الإيرانية التصريح البريطاني بأنه «تدخل في شؤون القدرة الدفاعية الإيرانية»، وفقاً لـ«رويترز».
وعلى مدى الأيام الماضية، ربطت وكالات «الحرس الثوري» والصحف المؤيدة للحكومة بين مفاوضات فيينا، وبين المناورات الصاروخية. وقالت، إنها «خدمة من الميدان إلى الدبلوماسية» في تلميح ضمني إلى تسجيل مسرب من وزير الخارجية السابق، محمد جواد ظريف الذي يشير لـ«الحرس الثوري» بمفردة الميدان.
وفي السياق نفسه، نشرت وكالة «نور نيوز» التابعة للمجلس الأعلى للأمن القومي، مقالاً أمس وتناقلته الوكالات الرسمية، أن الخطوة «التي جاءت في الوقت المناسب، تمكنت من تغيير الكثير من المعادلات السياسية والأمنية». وتابعت «في خضم مفاوضات فيينا، حملت مناورات الرسول الأعظم 17، رسالة استراتيجية إن إيران تستخدم طاقاتها الإنتاجية في الميدان والدبلوماسية في آن واحد للتقدم بأهدافها». ومن اللافت، أن تعليق وكالة «الأمن» القومي يأتي بعد أيام من المناورات الصاروخية، لكنه تزامن مع إعلان إطلاق الصاروخ إلى الفضاء.
والشهر الماضي، نشرت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، مقتطفات من كتاب «السر المختوم» الذي يجمع شهادات ظريف وفريقه المفاوض ووثائق الاتفاق النووي في ستة مجلدات، ويشير إلى اتصال وزير الخارجية السابق بوزير الدفاع السابق، حسين دهقان، طالباً القيام بإطلاق صاروخ إلى الفضاء، وذلك بعد تعثر جولة من المفاوضات في جنيف؛ بهدف توجيه رسالة إلى الإدارة الأميركية. وجاء نشر المتقطفات رداً على الأوساط المؤيدة للحكومة السابقة برئاسة حسن روحاني التي تلقي اللوم على مناورات الصواريخ الباليستية في تعثر الاتفاق النووي.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، وزّعت وسائل الإعلام الحكومية جدول عمليات الإطلاق الفضائية المزمعة قريباً ضمن البرنامج الفضائي الإيراني، الذي عانى من سلسلة محاولات الإطلاق الفاشلة. وأفادت وكالة «أرنا» الرسمية في 5 ديسمبر (كانون الأول)، بأن البرنامج الفضائي لديه أربعة أقمار صناعة جاهزة للإطلاق. واجتمع المجلس الأعلى للفضاء في إيران للمرة الأولى الشهر الماضي منذ 11 عاماً، في عهد رئيسي، وفقاً لتقرير حديث بثه التلفزيون الحكومي. وقال رئيسي، في اجتماع نوفمبر (تشرين الثاني)، إنه «يعكس تصميم هذه الحكومة على تطوير صناعة الفضاء». وقد حضر الاجتماع رفقة وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان، عضو رفيع المستوى في الحرس الذي يدير البرنامج الصاروخي، الجنرال أمير علي حاجي زادة.

محاولات فاشلة
وكانت إيران التي تصرّ على توسيع ترسانتها للصواريخ الباليستية، قد مُنيت بفشل محاولات سابقة لإطلاق أقمار صناعية في السنوات القليلة الماضية بسبب مشاكل تقنية. فقد أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في يونيو (حزيران) الماضي، أن إيران فشلت في إطلاق قمر صناعي إلى الفضاء وتعتزم تكرار هذه المحاولة قريبا. كما أعلنت طهران في فبراير (شباط) 2020، فشل محاولة وضع قمر صناعي للمراقبة العلمية في المدار، في ثاني إخفاق من نوعه خلال نحو عام، بعد فشل محاولة وضع قمر في المدار في يناير (كانون الثاني) 2019 أيضاً. وحينها حذر وزير الخارجية الأميركي السابق، مايك بومبيو من سعي إيراني «لتطوير طاقاتها الباليستية التي تهدد أوروبا والشرق الأوسط».
وقبل نحو 11 شهراً، ادعت وزارة الدفاع الإيرانية، أنها إجراء تجربة ناجحة لإطلاق صاروخ مخصص لحمل قمر صناعي، ومزوّد بتقنية «أقوى» محرك يعمل بالوقود الصلب.
ويدير «الحرس الثوري» الإيراني برنامجه الموازي لوضع الأقمار الصناعية العسكرية في مدار الأرض؛ إذ أعلن «في أبريل (نيسان) 2020، إنه أطلق أول قمر صناعي عسكري حمل اسم «نور 1»، وحمله صاروخ «قاصد» إلى المدار على ارتفاع 425 كلم.
وبعد تجربة الإطلاق الصاروخي الإيرانية في فبراير 2021، أعربت الخارجية الأميركية عن قلقها «إزاء جهود إيران لتطوير مركبات الإطلاق الفضائي (الصواريخ الفضائية)؛ نظراً إلى قدرة هذه البرامج على دفع (آليات) تطوير الصواريخ الباليستية الإيرانية قدماً». وأضافت «تطرح مركبات الإطلاق الفضائي مخاوف كبيرة على صعيد الانتشار النووي؛ نظراً لاستخدامها تقنيات تكنولوجية متطابقة مع تلك المستخدمة في الصواريخ الباليستية، بما في ذلك الأنظمة البعيدة المدى».



بزشكيان يدعو الشعب الإيراني إلى ترشيد استهلاك الطاقة

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
TT

بزشكيان يدعو الشعب الإيراني إلى ترشيد استهلاك الطاقة

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

دعا الرئيس مسعود بزشكيان الإيرانيين، السبت، إلى ترشيد استهلاك الكهرباء، محذّراً من سعي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إثارة «سخط شعبي» رغم عدم وجود شحّ في إمدادات الطاقة.

وقال بزشكيان في خطاب متلفز: «نطلب من شعبنا العزيز الجاهز والحاضر في الميدان، طلباً بسيطاً وهو تقليص استهلاكه للكهرباء والطاقة»، وفقاً لما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتابع: «لا نطلب من الشعب تقديم التضحيات في الوقت الراهن، لكننا نحتاج إلى ضبط الاستهلاك؛ فبدلاً من تشغيل 10 أضواء، يتعين تشغيل ضوءين في المنزل، ما المشكلة في ذلك؟».

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

وبقيت منشآت توليد الطاقة في إيران في منأى إلى حد كبير عن حملة القصف الأميركية الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي. وقبل سريان وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل (نيسان)، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتدمير البنى التحتية للطاقة في إيران.

ولم تُسجّل في الأيام الأخيرة أي انقطاعات للتيار الكهربائي في طهران.

واتّهم بزشكيان أعداء إيران باستهداف البنية التحتية، وفرض حصار «بهدف تحويل حال الرضا الحالية إلى سخط».

وغالباً ما تشهد إيران انقطاعات متكرّرة للطاقة في ذروة الطلب خلال فصلي الشتاء والصيف.

تنتج إيران، وفق وكالة الطاقة الدولية، نحو 80 في المائة من كهربائها من الغاز الطبيعي، وهي مكتفية ذاتياً من هذا المورد بفضل وفرة حقوله.

كما تستخدم مادة المازوت لتشغيل محطات الكهرباء القديمة، إضافة إلى محطات كهرومائية ومحطة نووية واحدة.

بسبب تقادم البنى التحتية وقلة الاستثمارات وتأثير العقوبات الدولية المشددة التي حرمت البلاد من الوصول إلى التكنولوجيا والاستثمارات، تعجز شبكة الكهرباء عن تلبية الطلب في فترات الذروة.

وسبق أن أطلق بزشكيان حملات توعية لتقليص استهلاك الطاقة.


11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

مع سعيه إلى إبرام اتفاق شامل مع إيران، يواجه الرئيس دونالد ترمب الإرث المُعقَّد لقراره الذي اتخذه قبل 8 سنوات، حين ألغى ما وصفه بأنه «اتفاق مروّع وأحادي الجانب».

كان الاتفاق الذي أُبرم في عهد أوباما يعاني من عيوب وثغرات. وكان سينتهي بعد 15 عاماً، تاركاً إيران حرة بعد عام 2030 في إنتاج ما تشاء من الوقود النووي. لكن ما إن انسحب ترمب من الاتفاق عام 2018، حتى انطلق الإيرانيون في موجة تخصيب في وقت أبكر بكثير، مما جعلهم أقرب إلى القنبلة من أي وقت مضى.

والآن، يتعامل مفاوضو ترمب مع تبعات ذلك القرار، الذي اتخذه رغم اعتراض كثير من مستشاريه للأمن القومي في ذلك الوقت.

وتَركَّز قدر كبير من الاهتمام أخيراً على نصف طن من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى مستوى أدنى بقليل مما يُستخدَم عادة في القنابل الذرية. ويُعتقد أن معظم هذه الكمية مدفون في مجمع أنفاق قصفه ترمب في يونيو (حزيران) الماضي. لكن تلك الكمية، البالغة 440 كيلوغراماً من وقود القنابل المحتمل، لا تمثل سوى جزء من المشكلة.

واليوم، يقول المفتشون الدوليون إنَّ لدى إيران ما مجموعه 11 طناً من اليورانيوم، عند مستويات تخصيب مختلفة. ومع مزيد من التنقية، يكفي ذلك لبناء ما يصل إلى 100 سلاح نووي، أي أكثر من الحجم التقديري للترسانة الإسرائيلية.

وتراكم ذلك المخزون كله تقريباً في السنوات التي تلت تخلي ترمب عن اتفاق عهد أوباما. ويعود ذلك إلى أنَّ طهران التزمت بتعهدها بشحن 12.5 طن من مخزونها الإجمالي، أي نحو 97 في المائة، إلى روسيا. وبذلك تُرك مصممو الأسلحة الإيرانيون بكمية من الوقود النووي أقل من أن تكفي لبناء قنبلة واحدة.

والآن، يُشكِّل بلوغ ذلك الإنجاز الدبلوماسي أو تجاوزه أحد أكثر التحديات تعقيداً التي تواجه ترمب ومفاوضَيه الرئيسيَّين: صهره جاريد كوشنر، ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف.

ويدرك ترمب تماماً أنَّ أي شيء يستطيع التفاوض عليه مع الإيرانيين سيُقارَن بما حققه أوباما قبل أكثر من عقد. وبينما لا يزال البلدان يتبادلان المقترحات، وقد يخرجان خاليي الوفاض، فإنَّ ترمب بدأ بالفعل يحكم على اتفاقه، الذي لم يُتفاوض عليه بعد، بأنَّه «أفضل».

وكتب ترمب على موقعه للتواصل الاجتماعي، الاثنين: «الاتفاق الذي نبرمه مع إيران سيكون أفضل بكثير». وأضاف أن اتفاق عهد أوباما «كان طريقاً مضموناً إلى سلاح نووي، وهو ما لن يحدث، ولا يمكن أن يحدث، في الاتفاق الذي نعمل عليه».

واستناداً إلى أهداف ترمب المتغيرة غالباً في الصراع مع إيران، يواجه كوشنر وويتكوف قائمةً شاقةً من موضوعات التفاوض، كثير منها فشل فريق أوباما في معالجته. فعليهما إيجاد طريقة للحد من قدرة إيران على إعادة بناء ترسانتها من الصواريخ. ولم يتناول اتفاق 2015 قدرة إيران الصاروخية قط، وتجاهلت طهران قراراً للأمم المتحدة فرض قيوداً.

وعليهما إيجاد وسيلة لتنفيذ تكليف ترمب بحماية المتظاهرين المناهضين للنظام، الذين وعد ترمب بمساعدتهم في يناير (كانون الثاني) عندما نزلوا إلى الشوارع. وفي الواقع، كانت تلك الاحتجاجات من بين مُحفِّزات الحشد العسكري الأميركي الذي أدى في نهاية المطاف إلى هجوم 28 فبراير (شباط).

وعليهما التفاوض على إعادة فتح مضيق هرمز، الذي أغلقه الإيرانيون بعد الهجمات الأميركية - الإسرائيلية، وهي خطوة كان ترمب بوضوح غير مستعدٍّ لها. والآن اكتشفت إيران أنَّ بضعة ألغام قليلة التكلفة وتهديدات للسفن منحتها نفوذاً هائلاً على الاقتصاد العالمي، وهو ضغط تستطيع رفعه أو خفضه بطرق لا تستطيع الأسلحة النووية تحقيقها.

لكن مصير البرنامج الذري هو ما يقع في قلب المفاوضات. وكما في محادثات 2015، يعلن الإيرانيون أنَّ لديهم «حقاً» في التخصيب بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهو حق يرفضون التخلي عنه. لكن ذلك لا يزال يترك مجالاً لـ«تعليق» كل الجهود النووية لعدد من السنوات. وكان نائب الرئيس، جي دي فانس، قد طالب بـ20 عاماً عندما التقى محاوريه الباكستانيين قبل أسبوعين، ليعلن ترمب بعد أيام أنَّ الفترة الصحيحة هي «غير محدودة».

وقال وليام بيرنز، الرئيس السابق لـ«وكالة الاستخبارات المركزية» الذي أدى دوراً رئيسياً في مفاوضات عهد أوباما، لـ«نيويورك تايمز»، الجمعة، إنَّ الاتفاق الجيد يتطلب «عمليات تفتيش نووية صارمة، وتعليقاً ممتداً لتخصيب اليورانيوم، وتصدير مخزون طهران الحالي من اليورانيوم المخصب أو تخفيفه، مقابل تخفيف ملموس للعقوبات».

كما دعا بيرنز إدارة ترمب إلى تحديد كل بند بوضوح. وقال: «ما لم تُرسَم الخطوط بوضوح وتُراقَب بصرامة، فسيرسم الإيرانيون خارجها».

شاحنة محملة بحاويات اليورانيوم تدخل نفقاً في أصفهان يونيو الماضي (أ.ب)

وهذا بالضبط ما حدث عندما انسحب ترمب من اتفاق أوباما عام 2018، ولم يضع شيئاً مكانه. في ذلك الوقت، لم تكن إيران تملك ما يكفي من اليورانيوم لقنبلة واحدة. ثم بدأت التخصيب بشراسة.

وفي الحرب الحالية، تحدَّث ترمب علناً عن غارة محتملة للاستيلاء على نصف طن من المواد الإيرانية القريبة من درجة صنع القنبلة، التي يمكن أن تصنع نحو 10 أسلحة. لكنه لم يتحدَّث عن المخزون الإجمالي البالغ 11 طناً، والتهديد الذي يشكِّله للولايات المتحدة وحلفائها.

وفي اتفاق عهد أوباما، مُنع الإيرانيون من تخصيب الوقود إلى مستوى نقاء يتجاوز 3.67 في المائة، وهو مستوى كافٍ لتزويد المفاعلات النووية بالطاقة المدنية. وحُدِّد المخزون الكامل للبلاد بنحو 660 رطلاً. وكان يفترض أن تبقى القيود قائمة 15 عاماً، حتى 2030. لكن سُمح للإيرانيين بمواصلة التخصيب المنخفض المستوى، وبنوا أجهزة طرد مركزي أكثر كفاءة.

وتبين أن تلك الثغرة هيأت لهم وضعاً جيداً لما حدث بعد أن مزَّق ترمب الاتفاق بعد 3 سنوات وأعاد فرض العقوبات الاقتصادية. فقد رد الإيرانيون بتجاوز كل تلك الحدود.

في أوائل عام 2021، وقبل وقت قصير من مغادرة ترمب منصبه، أعادت إيران العمل بهدفها رفع مستوى التخصيب إلى 20 في المائة.

ثم أدى انفجار غامض إلى انقطاع الكهرباء في نطنز، وهو مجمع التخصيب الرئيسي في إيران. وحمَّل مسؤولون إيرانيون التخريب الإسرائيلي المسؤولية عنه، وردوا برفع جزء من مخزونهم إلى مستوى 60 في المائة، في أكبر قفزة في تاريخ برنامجهم للتخصيب. وكان ذلك على مسافة شعرة من أعلى درجة عسكرية.

مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)

ومن أوائل 2021 إلى أوائل 2025، حاولت إدارة بايدن، من دون نجاح، التفاوض على قيود جديدة. وطوال المفاوضات، واصلت إيران التخصيب، موسعة مخزونها من وقود الـ60 في المائة.

ثم، في يونيو، قصف ترمب منشآت التخصيب الإيرانية في نطنز وفوردو، وكذلك أنفاق تخزين اليورانيوم ومنشآت أخرى في أصفهان. وأعلن أنَّ البرنامج النووي «أُبيد».

رسمياً، كانت الحكومة الأميركية أكثر تحفظاً، قائلة إن البرنامج «تراجع». لكن إذا كانت «عملية مطرقة منتصف الليل» قد شلت بالفعل كثيراً من البنية التحتية الذرية لإيران، فإنَّ إدارة ترمب قالت القليل أو لم تقل شيئاً عن بقاء مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، الذي قدرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنحو 10.9 طن، مع مستويات نقاء تتراوح من 2 في المائة إلى 60 في المائة.

وكان ويتكوف أحد المسؤولين القلائل الذين ناقشوا الأمر، إذ وصف المخزون بأنه «تحرك نحو التسليح؛ إنه السبب الوحيد الذي يجعلك تملكه». وأضاف أن إيران يمكنها تحويل وقودها الأعلى تخصيباً إلى نحو 30 قنبلة.

وبينما تَركَّز النقاش العام على ما إذا كان يمكن لفريق كوماندوز أميركي استعادة نصف طن من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى 60 في المائة، فإنَّ خبراء نوويين يقولون إن طهران يمكنها تحويل كامل الـ11 طناً إلى وقود قنابل، إذا تمكَّنت من تشغيل أجهزة طرد مركزي جديدة، ربما تحت الأرض، لرفع مستويات التخصيب.

وقال إدوين لايمان، الخبير النووي في اتحاد العلماء المهتمين، إنَّ مخزون إيران يمكن أن ينتج نحو 35 إلى 55 سلاحاً، اعتماداً على مهارتها في صنع ليس فقط قلب الوقود في القنبلة، بل أيضاً الأجزاء غير النووية مثل المفجرات التي تطلق التفاعلات المتسلسلة.

وخلص توماس كوكران، خبير الأسلحة النووية الذي كتب دراسة مؤثرة عن مستويات التخصيب، إلى أنَّ مخزون إيران يكفي لصنع من 50 إلى 100 قنبلة إذا جرى تخصيبه أكثر.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمثل موقع المخزون البالغ 11 طناً حالة غموض كبرى. أما بالنسبة إلى إيران، فهو نفوذ سياسي.

وقال غاري سامور، الذي قدَّم المشورة للبيت الأبيض في عهد أوباما بشأن برنامج إيران النووي: «نعم، لقد قُتل كثير من كبار علمائهم. لكنهم لا يزالون يملكون القدرة الصناعية الأساسية لإنتاج أسلحة نووية إذا قرروا القيام بذلك».

*خدمة «نيويورك تايمز»


عراقجي: ننتظر لنرى ما إذا كانت واشنطن جادة بشأن الدبلوماسية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)
TT

عراقجي: ننتظر لنرى ما إذا كانت واشنطن جادة بشأن الدبلوماسية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، السبت، إن بلاده تنتظر لتبيان ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة بشأن التوصل إلى تسوية دبلوماسية للحرب في الشرق الأوسط، وذلك مع وصوله إلى مسقط آتياً من باكستان التي تقود جهود الوساطة.

وكتب عراقجي على منصة «إكس»: «زيارة مثمرة للغاية إلى باكستان التي نقدّر للغاية نواياها الطيبة وجهودها الأخوية لإعادة إحلال السلام في منطقتنا. عرضت وجهة نظر إيران بشأن إطار عمل... لإنهاء الحرب على إيران بشكل دائم. علينا أن نرى ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

واختتم عراقجي زيارة إلى إسلام آباد، السبت، وسط مساعٍ لعقد جولة مفاوضات جديدة بين طهران وواشنطن، في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه طلب من مبعوثيه إلغاء زيارة إلى باكستان، كانت مرتقبة في إطار استكمال المباحثات.

وأوضح ترمب، في اتصال مع قناة «فوكس نيوز»: «قلت لهم: كلا، لن تقوموا برحلة تستغرق 18 ساعة للوصول إلى هناك. لدينا كل الأوراق. يمكنهم الاتصال بنا متى أرادوا، لكن لن تقوموا برحلات مدتها 18 ساعة بعد الآن للجلوس (حول طاولة) والتحدث عن لا شيء».

وأكد الرئيس الأميركي أن إلغاء زيارة المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان لا تعني استئناف الحرب مع إيران.

وأوردت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية (إرنا)، بعد ظهر السبت، أن عراقجي غادر إسلام آباد «بعدما التقى بمسؤولين باكستانيين رفيعي المستوى، وبحث العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية».

وبدأ عراقجي، الجمعة، زيارته لإسلام آباد في إطار جولة من المقرر أن تشمل مسقط وموسكو. والتقى رئيس الوزراء شهباز شريف ونظيره إسحاق دار، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة بين واشنطن وطهران.

وقالت الخارجية الإيرانية، في بيان، إن عراقجي شكر لباكستان جهودها، وأوضح مواقف بلاده المبدئية بشأن آخر التطورات المرتبطة بوقف إطلاق النار والوقف الكامل للحرب المفروضة على إيران.