الأمازيغية تعزز حضورها في الإعلام المغربي

تنوع وتطور في أشكال البرامج وقدرات صانعيها

خديجة عزيز -  محمد الغيداني  -  محمد مماد
خديجة عزيز - محمد الغيداني - محمد مماد
TT

الأمازيغية تعزز حضورها في الإعلام المغربي

خديجة عزيز -  محمد الغيداني  -  محمد مماد
خديجة عزيز - محمد الغيداني - محمد مماد

ينفرد المغرب بخاصية التنصيص في دستوره على جعل الأمازيغية إلى جانب العربية لغة رسمية للبلاد، وهو ما يعد أهم المكاسب المحققة في مجال الاعتراف بالتعددية اللغوية، ذلك أن المملكة المغربية أصبحت أول بلد عربي يعترف بالأمازيغية كلغة وتراث مشترك لجميع المغاربة.
الفصل الخامس من الدستور المغربي ينص على أن «اللغة العربية تظل اللغة الرسمية للدولة. وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها. وتعد الأمازيغية أيضاً لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة من دون استثناء». بيد أن الاعتراف الدستوري بالأمازيغية كلغة رسمية، وإن كان يكتسى أهمية كبرى، فإنه من الملاحظ أن هناك تراكمات متعددة، التي رفع سقفها ما جاء في خطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس، في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2001، ببلدة أجدير حيث دعا إلى بذل الجهود للنهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين باعتبار أن الأمازيغية هي ملك لكافة المغاربة من دون استثناء.
وإثر ذلك توالت العديد من المبادرات والقرارات، منها الإعلان عام 2002 عن إحداث «المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية». وفي عام 2003 جرى إدراج الأمازيغية في مناهج التعليم بحرف «التيفيناغ»، وهي أبجدية استخدمها الأمازيغ بمنطقة شمال أفريقيا في عصور ما قبل الميلاد، لكتابة لغتهم والتعبير عن طقوسهم وشعائرهم الدينية. كذلك تقرر إدماج الأمازيغية في الإعلام العمومي عام 2006، قبل إعطاء انطلاقة القناة التلفزيونية الأمازيغية عام 2010.

- إدماج الأمازيغية في الحياة العامة
بعد مرور ثماني سنوات على دستور 2011، وافق مجلس النواب المغربي عام 2019 على مشروع القانون التنظيمي، المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، الذي يهدف إلى إدماج هذه اللغة في مجالات التعليم، والتشريع والعمل البرلماني، والإعلام والاتصال، والإبداع الثقافي والفني، وفي الإدارات وسائر المرافق العمومية، والفضاءات العمومية وبمجال التقاضي.
وإذا كانت «دسترة» الأمازيغية ترجع إلى عام 2011، فإن تجربة الإعلام الأمازيغي بالمغرب تعود إلى أواخر عقد الثلاثينات من القرن الماضي. يومذاك أسست أول إذاعة أمازيغية عام 1938، التي وإن كانت قد ساهمت إلى حد كبير في التعريف بالأغنية الأمازيغية، فإن أداءها ظل محدودا بالنظر إلى الإمكانيات المتواضعة جدا التي رصدت لها، وضعف الموارد البشرية التي خصصت لها. هذا الواقع «جعل ملف الأمازيغية يراوح مكانه منذ عقد الخمسينات رغم سنوات النضال الذي خاضته الجمعيات الأمازيغية بمختلف مشاربها وتوجهاتها»، كما قال محمد الغيداني، الباحث والإعلامي المغربي لـ«الشرق الأوسط».

- قناة لخدمة التنوع الثقافي واللغوي
ويضيف الغيداني شارحاً «بعد حصول المغرب على الاستقلال في عام 1956، عرف البث الإذاعي بالمغرب تحولا مهما، إذ في حين أصبحت البرامج باللغتين العربية والفرنسية تقدم على مدار الساعة، تدرجت فترات بث برامج الإذاعة الأمازيغية من تسع ساعات إلى 12 ساعة لتصل إلى 16 ساعة يومياً عام 2005. وراهناً باتت ساعات البث 24 ساعة يومياً.
لكن «بعد سنوات من النضال»، جاءت الانطلاقة الرسمية لقناة تلفزيونية ناطقة بالأمازيغية في مارس (آذار) 2010، بهدف «خدمة التنوع الثقافي واللغوي بالمغرب، وإبراز الثراء المادي والمعنوي للثقافة المغربية، والمساهمة في تطوير اللغة الأمازيغية، وتثمين الثقافة الأمازيغية ونشرها، بشكل أوسع داخل الأوساط المختلفة للمجتمع المغربي».
غير أن محمد مماد مدير قناة «تمازيغت» التلفزيونية الأمازيغية العمومية يرى أنه رغم ترسيم الأمازيغية وفتح أوراش كبرى في التعليم والإعلام، فإن العديد من القرارات «ما زالت حبيسة الرفوف في بعض الوزارات المعنية مباشرة بالموضوع». إلا أنه استدرك قائلا «مع ذلك، وبكل موضوعية، يمكن تقييم هذا الملف والمراحل التي مر منها من خلال زاويتين مختلفتين. أو بصيغة أخرى، يمكن التعامل معه بمنطق نصف الكأس الممتلئة أو الفارغة... فإن أشياء كثيرة أنجزت فعلاً ولا يمكن تجاهلها، بدءاً بالإعلام المسموع والمرئي الأمازيغي منها قناة الأمازيغية وسوق الإنتاج الإعلامي الأمازيغي». ومن ثم حمل مماد المسؤولية في هذا الوضع إلى كل من «الحكومة والبرلمان بغرفتيه، وكذا الأحزاب الوطنية بمختلف مشاربها التي تجمع في خطاباتها على ضرورة الدفع بهذا الملف إلى الأمام».
وحسب مماد، فإن قناة «تمازيغت» استطاعت منذ إحداثها «إأن تنتج العشرات من الأفلام التلفزيونية والمسلسلات والبرامج الوثائقية. ومكنت المئات من الفنانين الأمازيغ بمختلف روافدهم من المشاركة في البرامج الفنية للقناة، وكذلك آلاف الفاعلين السياسيين والجمعويين من التعبير عن مواقفهم بمنتهى الحرية في جميع البرامج التي تنتجها وتبثها القناة».

- ورش الأمازيغية أولوية
وأوضح مدير قناة «تمازيغت» أنه حين يشدد العاهل المغربي، وبصريح العبارة، على ضرورة النهوض بالأمازيغية لغة وثقافة بجميع الوسائل المتاحة والممكنة، ولا تحرك الجهات المعنية مباشرة ساكنا، فهناك من دون شك مشكلة ما، ينبغي تحديد مصدرها، وإيجاد حل نهائي لها. إن الأمازيغية لغة المغاربة جميعاً وليس الناطقين بها بصفة حصرية. وأعرب مماد عن اعتقاده بأن «ملف الأمازيغية بمختلف أوراشه في حاجة ماسة اليوم إلى عملية تنزيل حقيقي لمقتضيات الدستور ومضامين خطابات الملك محمد السادس التي تدعو إلى جعل ورش الأمازيغية من بين الأولويات الكبرى للمغرب».
من جهته، يعتبر الغيداني أن الإعلام الأمازيغي «عرف تطوراً وتنوعـاً على مستـوى البـرامج المقدمـة والتـي تحتــوي عليــها المخططــات الإذاعيــة والتلفزيونية، من خلال بــرامج ذات طبيعــة ثقافيــة، وترفيهيــة، واجتماعيــة، ورياضيــة وتربويــة». وربط ذلك بـ«الديناميكيـة التي يشهـدها المجال السياســي والاقتصــادي الوطنــي والدولــي، التي فــرضت على الإعلام الأمازيغي مواكبــة الأحــداث والتطــورات عن قرب... وذلك لإبـــراز المــوروث الثقافــي والتنــوع الطبيعـي والتــراث الحضــاري الأمازيغي والدفـع به إلى الأمام حتى يحقــق ما يطمح إليه المستمع والمشاهد الأمازيغــي، وهو الاهتمــام بقضايــاه وانشغالاتــه ومثلــه وحضارتــه المتجــذرة في عمق التاريخ».

- مجال لتبليغ رسالة
في هذا السياق، تقول الفاعلة الجمعوية خديجة عزيز «إذا كانت الأمازيغية في حقل الإعلام قد ظلت لأمد طويل تعاني من التهميش بسبب اختيارات الدولة الوطنية، غداة الاستقلال وما بعده، فإن الفاعلين والمنتجين بالأمازيغية وجدوا في الإعلام خاصةً المسموع والمرئي مجالاً واسعاً، يسمح لهم بإسماع صوتهم والتعريف بمطالبهم لدوره في تبليغ الرسالة الإعلامية بالصوت والصورة والكلمة، ولما يقوم به في التعريف بثقافات الشعوب، ومد جسور التواصل فيما بينها، كما جاء في تصريح الفاعلة الجمعوية خديجة للشرق الأوسط».
أما في مجال الصحافة المكتوبة، فأشارت عزيز إلى أن بعض النشطاء الأمازيغيين في الحقل الثقافي شرعوا في نشر كتاباتهم حول الثقافة واللغة الأمازيغيتين في عدد من المنابر الصادرة باللغتين العربية والفرنسية، بينما بادر بعضهم إلى «إنشاء منابر إعلامية مناضلة»، سعت إلى إبراز وتطوير الخطاب الأمازيغي، حيث كانت مرآة تعكس القضايا والإشكالات المتعلقة بالأمازيغية لغة وحضارة في المغرب خاصةً، وبشمال أفريقيا عامة. وأردفت «إلا أنه، مع ظهور الصحافة الإلكترونية جرى إنشاء عدد كبير من المواقع الأمازيغية ومواقع التواصل الاجتماعي التي أتاحت الفرصة بشكل أكبر للشباب الناطق بالأمازيغية، للتواصل فيما بينهم، كما مكنت من التقارب بين أمازيغ المغرب وغيرهم من الأمازيغ في البلدان المغاربية ومختلف مناطق العالم».

- تعزيز قدرات الإعلاميين
يذكر أن القانون التنظيمي الخاص بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، ينص على «إدماج الأمازيغية في مجال الإعلام والاتصال، بما يتناسب بها كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية. وتعمل الدولة على تأهيل القنوات التلفزيونية والإذاعية الأمازيغية العمومية لتأمين خدمة بث متواصلة ومتنوعة، تغطي كامل التراب الوطني، مع تيسير استقبال هذه القنوات خارج المغرب». وبالنسبة لدور وسائل الإعلام في التفعيل الأمثل للأمازيغية، تعتقد خديجة عزيز أن ذلك «يتطلب اتخاذ عدة إجراءات في مقدمتها تكوين الإعلاميين، والرفع من عدد المترجمين من وإلى الأمازيغية».
أخيراً، إذا كان ينبغي الاعتراف بأن الوضعية الراهنة للأمازيغية في الإعلام المغربي، أفضل بكثير مما كانت عليه قبل إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، فإن ذلك يقتضى تثمين المكاسب التي تمخضت عنها السياسة الإعلامية الجديدة، خاصةً أن مستقبل الإعلام الأمازيغي يبدو واعدا بعد تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية الذي من شأنه خلق دينامية جديدة خاصةً في التعليم والإعلام، وهو ما قد يشكل مدخلا رئيسيا لتكريس التنوع اللغوي والثقافي بشكل أفضل.


مقالات ذات صلة

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

إعلام زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي.

إيمان مبروك (القاهرة)
إعلام جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

جاء إطلاق «مدونة السلوك» المهني في ظل حالة من الفوضى، وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، وعدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد.

سعاد جرَوس (دمشق)
يوميات الشرق تُكرّم «جوائز List» مجموعة تجارب استثنائية تُعيد تعريف معايير التميّز والرفاهية في العالم العربي (SRMG)

مجلة «List» تطلق النسخة الأولى من جوائزها

أطلقت مجلة «List»، النسخة الأولى من جوائزها، بالشراكة مع علامة «ريتشارد ميل»، التي تحتفي بالإبداع والتميّز بمجالات السفر والرفاهية والثقافة وفنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.