بغداد تدعو لمفاوضات «مباشرة» بين طهران وواشنطن

فؤاد حسين قال إن بلاده طرحت الأمر على الأميركيين والإيرانيين... وعبداللهيان انتقد الموقف الأوروبي «غير البنّاء»

وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين يجري مباحثات مع نظيره الإيراني حسين أمير عبداللهيان في طهران أمس (إ.ب.أ)
وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين يجري مباحثات مع نظيره الإيراني حسين أمير عبداللهيان في طهران أمس (إ.ب.أ)
TT

بغداد تدعو لمفاوضات «مباشرة» بين طهران وواشنطن

وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين يجري مباحثات مع نظيره الإيراني حسين أمير عبداللهيان في طهران أمس (إ.ب.أ)
وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين يجري مباحثات مع نظيره الإيراني حسين أمير عبداللهيان في طهران أمس (إ.ب.أ)

دعا وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، إلى إجراء «مفاوضات مباشرة» بين إيران والولايات المتحدة لإحياء الاتفاق النووي الإيراني، فيما انتقد نظيره الإيراني حسين أمير عبداللهيان الأطراف الأوروبية بأنها لم تقدم «مبادرات عملية جديدة» و«لم تكن بنّاءة» في الجولة الأخيرة من المفاوضات التي توقفت في 17 ديسمبر (كانون الأول) بطلب من طهران.
وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع عبداللهيان في طهران أمس، سلّط فؤاد حسين الضوء على أهم عقبة أمام تقدم محادثات فيينا، قائلاً إن «هناك مشكلة في آلية المفاوضات (...) المفاوضات مع الجانب الأميركي هي مفاوضات غير مباشرة ومن خلال المندوب الأوروبي». وقال: «نعتقد أن الوقت قد حان لمفاوضات مباشرة بين واشطن وطهران للوصول إلى تفاهمات مشتركة ليس فقط حول المشروع النووي ولكن أيضاً حول العقوبات المفروضة على إيران»، وشدد على الحاجة «إلى تواصل مباشر بين الطرفين، ونحن نسعى من أجل هذا»، منوهاً إلى أن «مصلحة العراق تتطلب منّا أن نساعد، إذا كان باستطاعتنا، الطرفين للجلوس إلى طاولة الحوار، ونحن من دعاة المفاوضات المباشرة بين الطرفين، وهذا ليس سراً»، وقال إن بغداد طرحت ذلك على واشنطن وطهران.
ولم يعلّق وزير الخارجية الإيراني في المؤتمر الصحافي بشكل مباشر على الموقف العراقي، إلا أنه تطرق إلى مباحثات فيينا، موضحاً أن الأميركيين «يبعثون ببعض الرسائل غير المكتوبة ويتلقون رداً عليها». وأعرب عن رغبة إيران «في الوصول إلى اتفاق جيد، ونأمل في أن يأتي الآخرون أيضاً للتفاوض بالجدية ذاتها والإرادة الجيدة ذاتها»، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.
أما وكالة «رويترز» فقد نقلت عن عبداللهيان قوله: «لا نرى موقف بعض الدول الأوروبية بنّاءً، خصوصاً موقف فرنسا». وأضاف: «عندما يقولون إنهم يشعرون بالقلق بسبب تقدم البرنامج النووي الإيراني، نقول بوضوح: إذا كنتم تريدون تهدئة مخاوفكم يتعين رفع جميع العقوبات»، مضيفاً أن إيران «تمكنت من الحصول على موافقات شفهية (من وجهات نظرنا) من جميع الأطراف في المسودة التي ستتم مناقشتها الأسبوع المقبل»، دون أن يقدم أي تفاصيل.
وأتاح الاتفاق النووي رفع عقوبات كانت مفروضة على طهران، في مقابل الحد من أنشطتها النووية. لكنّ مفاعيله باتت في حكم اللاغية مذ قرر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، سحب بلاده من الاتفاق الذي وصفه بـ«المعيب»، لعدم معالجة الأنشطة الإيرانية الإقليمية وانتشار برنامجها للصواريخ الباليستية.
والعلاقات الدبلوماسية مقطوعة بين إيران والولايات المتحدة منذ 1980 في أعقاب اقتحام السفارة الأميركية، واحتجاز الرهائن. وغالباً ما يجد العراق نفسه نقطة تجاذب بين العدوين اللدودين، إذ تحظى جارته بنفوذ سياسي وعسكري واسع فيه، ويحتاج إليها في مجالات التجارة والطاقة، بينما يمثّل للثانية مجموعة من المصالح السياسية والعسكرية.
وبلغ التوتر الإيراني - الأميركي في العراق ذروته بعدما قضى قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، اللواء قاسم سليماني، بضربة جوية أميركية في بغداد في يناير (كانون الثاني) 2020، وردت طهران بقصف صاروخي على الأراضي العراقية، طال قاعدة «عين الأسد» في محافظة الأنبار حيث يوجد عسكريون أميركيون.
وشدد حسين على أن «العلاقات الأميركية الإيرانية بالنسبة إلى العراق ليست موضوعاً خارجياً بل هي أيضاً موضوع داخلي»، معتبراً أن التوتر أو الانفراج فيها ينعكس مباشرة على بلاده. وأضاف: «من منطلق المصلحة العراقية نحن نتباحث مع الإخوة في طهران حول العلاقات الأميركية - الإيرانية (...) ونتباحث مع أصدقائنا في واشنطن حول العلاقات الأميركية - الإيرانية». وتابع: «نحن لا نحمل الرسائل، ولكن نناقش الآراء بصراحة».
وشملت زيارة حسين لقاء الرئيس إبراهيم رئيسي، وفق الرئاسة الإيرانية.
وواصلت المواقع المؤيدة للفريق المفاوض النووي الجديد حملتها في الدفاع عن تكتيك إيران التفاوضي وإلقاء اللوم على الأطراف الأخرى. ونشرت وكالة «نور نيوز» التابعة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، مساء الأربعاء، مقالاً تحت عنوان «أي جانب معنيّ بوضعية الطوارئ في المفاوضات؟». ويرهن المقال تقدم المحادثات «بسرعةٍ» بتوفر ما سمّاها «المبادئ الصحيحة التي تحكم المفاوضات». وعدّ السبب الوحيد لإضاعة الوقت في المفاوضات «هو أن الغرب يحاول أن يعطي أقل ويحصل على المزيد».
ووصفت الوكالة الأمنية «نفاد الوقت» في «أدبيات المفاوضات» بأنه «الكلمة الدلالية» لممارسة الضغوط المتزايدة على إيران. وقال إن «هذا الخط الإعلامي يتسارع الآن ووجد أبعاداً جديدة». ورأت في تصريحات وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، والمبعوث الخاص بإيران روب مالي، والمسؤولين الأوروبيين «دليلاً على هذا السيناريو». ورأت أن تأكيد الأطراف الأخرى على الوقت، يتعارض مع «الركنين الأساسيين في الاتفاق: القيود الزمنية لبعض الأنشطة الإيرانية، والرفع الشامل والمؤثر للعقوبات». وتابعت: «أي عدم توازن في أعمدة هذا الاتفاق مثلما حدث، توجه تهديداً جدياً للاتفاق».
بدوره، كتب موقع «بولتون نيوز» الإخباري التابع لجهاز استخبارات «الحرس الثوري» أن الإدارة الأميركية «أرسلت إشارات واضحة حول تخطي الاتفاق النووي لعام 2015 وتسعى وراء مفاوضات تتجاوز خطة العمل المشترك (الاتفاق النووي)». وأشار في مقال تحت عنوان «هل بايدن ودّع الاتفاق؟» إلى مباحثات سوليفان في إسرائيل، في وقت صعّد المسؤولون الإسرائيليون ضد البرنامج النووي الإيراني. وكتب: «تل أبيب تطالب إدارة بايدن بممارسة المزيدة من الضغوط على طهران، واتخاذ إجراءات صارمة، لكن الإدارة الأميركية ليس لديها خيار لافت لممارسة المزيد من الضغط على إيران». وتابع الموقع: «تعقيدات وصعوبة الأوضاع الحالية أوجدت وضعاً مليئاً بالمفارقات، فمن جهة تريد إسرائيل التوصل لاتفاق سريع لوقف التقدم الحالي للبرنامج النووي الإيراني، ومن جانب آخر لا يريد أن تكون نتيجة إحياء الاتفاق رفع العقوبات عن إيران وتثبت دورها في المنطقة».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.