«المسألة الأوكرانية» معضلة روسيا في علاقاتها بأميركا والغرب

المواجهة العسكرية ليست في حسابات بايدن... وتكرار سياسات أوباما وترمب ليس وارداً

«المسألة الأوكرانية» معضلة روسيا في علاقاتها بأميركا والغرب
TT

«المسألة الأوكرانية» معضلة روسيا في علاقاتها بأميركا والغرب

«المسألة الأوكرانية» معضلة روسيا في علاقاتها بأميركا والغرب

يشير حشد القوات الروسية على الحدود الأوكرانية إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يكون بصدد التحضير لمغامرة «شخصية» جديدة. البعض يرى أنها قد لا تكون بعيدة عن محاولته تفادي نتائج انتكاسات سياساته الخارجية في كثير من بؤر التوتر المنخرطة بلاده فيها. وهي انتكاسات تترافق مع «توتر» داخلي، في ظل أوضاع اقتصادية مقلقة، بعدما فشلت إدارته في إخراج البلاد من اعتماد نموها على النفط، وكذلك تأثيرات جائحة «كوفيد - 19». في المقابل، يرى آخرون أنها قد تكون نتيجة «استشعاره» بالخطورة على مستقبل، ليس فقط حكمه الذي دأب على بناء نموذجه السلطوي فيه منذ توليه السلطة عام 2000، بل على مستقبل وحدة روسيا نفسها، في ظل ما تعنيه «القضية الأوكرانية» بالنسبة إليها.
إن الحديث عن مطالبته الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بضمانات أمنية لحدوده الغربية الجنوبية، ومنع تمدد الحلف إلى تلك الحدود، ليس كافياً لتبرير هذا التوتر. فأبواب الحلف، كان بوتين مَن بادر إلى طرقها للانضمام إليه، كما أن الطرف الذي دأب على رفع منسوب التوتر معه، كان سلوكه هو منذ توليه السلطة. والحلف لم يقدم على أي عمل عسكري أو حدث متسارع، كالتدخل مثلاً في سوريا، أو عرض حديثاً فتح أبوابه لانضمام أوكرانيا، أو سعى الاتحاد الأوروبي لشراكة اقتصادية وسياسية على كييف، كما حدث عام 2013. حتى الكلام عن أن إحباط بوتين مردّه قلة التزام أوكرانيا بـ«اتفاقيات مينسك» لعامي 2014 و2015 لمنح منطقة الدونباس، ذات الغالبية الروسية، حق النقض على علاقة أوكرانيا بالغرب، ليس تطوراً جديداً.

بين التهديد بعمل عسكري وتنفيذه فارق كبير، وبما يخص روسيا وأوكرانيا، يعتقد كثيرون أن فلاديمير بوتين يدركه. مع هذا، في تصريحات لنواب أميركيين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، إثر زيارتهم أخيراً لأوكرانيا، قال هؤلاء إنهم مقتنعون بأن بوتين «كان يفكر جدياً» في غزوها. ومع مطالبتهم إدارة الرئيس جو بايدن بفرض «عقوبات وقائية» على موسكو، وإرسال مزيد من الأسلحة إلى أوكرانيا، قال أحدهم، هو النائب الديمقراطي سيث مولتون: «يجب أن ننهمك بردع بوتين أكثر بدلاً من استفزازه». وأضاف: «إذا أقدم بوتين على غزو أوكرانيا، فعليه أن يعلم أنه سيجد صعوبة خلال الدقائق الخمس التالية في شراء مشروب غازي من آلة بيع، لا أن حلف الناتو سيدعو لاجتماع عاجل لمناقشة خطواته في الأسابيع التالية».
غير أن تصعيد بوتين لتهديداته، وتلويح عدد من المسؤولين الروس باستخدام أسلحة «نووية تكتيكية»، في أي مواجهة مع الجيش الأوكراني، يراه البعض تعبيراً واضحاً عن مخاوفه من الكلفة العالية التي سيتكبدها. فالمعلومات تؤكد حصول كييف على أسلحة أميركية نوعية، وفق المتحدث باسم البنتاغون جون كيربي، واستخدامها طائرات مسيّرة للمرة الأولى في حربها مع الانفصاليين، حصلت عليها من تركيا. ثم إنه في ظل هشاشة أوضاع روسيا الاقتصادية، قد يكون بوتين عاجزاً عن تمويل حرب. تشير كل المعطيات إلى أنها ستكون حرباً طويلة ومفتوحة، لا قدرة لبلاده على تحملها. وحربه في سوريا ما تزال دليلاً ماثلاً على حدود ما يمكن أن يحققه، بينما يحافظ فيه على «توازن» دقيق لتورطه فيها، واضطراره للاتكال على شريكته إيران في إنجاز الأعمال «القذرة» الأخرى، والأثر الذي تتركه على قيادته للحرب في سوريا ومستقبلها.
مقابل هذا التصعيد، استعجل بوتين أخيراً عقد «مفاوضات أو محادثات فورية» مع الولايات المتحدة و«الناتو»، حول الضمانات التي ينبغي تقديمها لروسيا بشأن «أمنها ومنع أي توسع مستقبلي للحلف شرقاً أو نشر منظومات أسلحة تهدد روسيا في أوكرانيا أو أي دولة أخرى مجاورة». وثمة من يقول إن بوتين «صدم» بموقف واشنطن والعواصم الغربية الحازم القائم على أساس أن تجربة العامين 2014 و2015، حين اجتاح شبه جزيرة القرم وضمها إلى روسيا، لن تتكرّر. وكذلك، من بيان مجموعة الدول السبع الاقتصادية الكبرى، المنحاز تماماً لواشنطن، في تحميل روسيا «ثمناً باهظاً»، إذا ما اجتاحت أوكرانيا. وهناك تجديد مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان التأكيد في اتصال مع نظيره الروسي يوري أوشاكوف أن واشنطن ستواصل التنسيق عن كثب مع حلفائها الأوروبيين، سعياً إلى معالجة المسائل الأمنية والاستراتيجية بالدبلوماسية، ما كشف أيضاً أن مساعدة وزير الخارجية للشؤون الأوروبية كارين دونفريد، التي زارت كييف وموسكو أخيراً، اتفقت مع حلفاء «الناتو» على توحيد الجهود وتنسيقها في هذا الملف.
هذا، وتحدثت أوساط أميركية عن تقديمها «خريطة طريق» مقبولة ومتوازنة للطرفين، للخروج من الأزمة. وإذ يحمل البعض الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما مسؤولية تهاونه في الرد على اجتياح القرم، يرى آخرون أن موقف أوباما كان تطبيقاً لبدء سياسات «تريح» واشنطن من المشكلات الإقليمية، في الشرق الأوسط وأفغانستان وأوروبا نفسها، بعدما وصف روسيا بأنها «قوة إقليمية»، لم تعد تشكل نداً آيديولوجياً، ولا تهديداً استراتيجياً كالصين. بل سمح لبوتين بالانغماس في «مستنقع» سوريا، التي دخلها بموافقة أميركية موصوفة.
اليوم، يقول محللون أميركيون إن بايدن لن يكرّر سياسات سلفيه أوباما وترمب، لا في غض النظر أو المحاباة، ولا في تعريض روسيا لأخطار «وجودية». وهو يحاول خلال تنفيذ استراتيجيته «التنافسية» مع الصين، استمالة روسيا، في ظل إدارته ورهانه على تأثرها الحتمي بمحيطها «الديمقراطي» وحراكها الداخلي. وهو يرى أنه رغم نجاح سياسات بوتين القومية والشعبوية في تأليب جزء كبير من الرأي العام الروسي ضد أميركا، لا يزال الشعب الروسي بمكوناته العرقية المختلفة يطمح للالتحاق بركب الغرب، إسوة بتجارب شعوب أوروبا الوسطى.

إشكالية التاريخ

يطرح البعض إشكاليات تاريخية، لطالما قضّت مضاجع صناع القرار في روسيا، منذ تأسيس القيصرية عام 1470، مروراً بالحقبة السوفياتية، وصولاً إلى عهد بوتين.
روسيا التي كانت دولة «المُسكوب» قبل هذا التاريخ، كانت ولا تزال، يسكنها هاجس العودة إلى تلك الحقبة، في حال خسرت أوكرانيا التي ضمها «القيصر» إيفان الثالث، في ذلك العام. وإبّان الحرب العالمية الثانية، كان «السوفيات» يعتقدون أن اجتياح ألمانيا النازية لأوكرانيا بهدف سلخها عنهم، يشكل حجر الزاوية في استراتيجية ألمانيا لكسب الحرب على روسيا. فسلب أوكرانيا من روسيا يؤسس لزوال روسيا نفسها، ويعيدها إلى تشكيلاتها السابقة من دول صغيرة، كما كانت قبل إعلان القيصرية.
غير أن هزيمة ألمانيا، أسست في المقابل لعقيدة روسية - لم يكتب لها النجاح في نهاية المطاف - تدعو إلى ضمان «حيادية» ألمانيا، في تناقض مع الخوف من أن تؤدي حياديتها واستقلاليتها عن الولايات المتحدة، إلى إحياء طموحات نازية جديدة، بعدما عادت ألمانيا قوة اقتصادية هائلة. وغني عن القول إن تلك السياسات لم تؤدِ فقط إلى خسارة ألمانيا التي تمسكت أكثر بانحيازها للولايات المتحدة، بل انهيار «التجربة السوفياتية» كلها، فضلاً عن انهيار «حلف وارسو» وانضمام غالبية دوله إلى «ناتو» (حلف شمال الأطلسي). ويرى البعض أن تلك العقيدة ما تزال تهيمن على «العقل» الروسي، في محاولة لضمان «حيادية» أوكرانيا، الأمر الذي قد يفسّر أسباب تمسك بوتين بأوكرانيا، وما تعنيه بالنسبة إلى وحدة روسيا نفسها، وليس لأسباب عقائدية أو اقتصادية أو تنافسية مع الغرب.
في مقال نُشر في يوليو (تموز) الماضي، بعنوان «حول الوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين»، جادل بوتين بأن البلدين يشكلان «شعباً واحداً» وأن «السيادة الحقيقية لأوكرانيا ممكنة فقط بالشراكة مع روسيا». والآن، في العقد الثالث من حكمه، قد يعتبر بوتين أنه ما لم يتخذ إجراء حاسماً، فإن أوكرانيا ستبتعد أكثر عن روسيا. ولكن إذا كان كذلك، يتساءل البعض عن مستقبل هذه «العقيدة»، التي تبين أن تحقيقها يستلزم توفر عوامل كثيرة، ليست عسكرية بالتأكيد. فالاتحاد السوفياتي الذي كان «القطب» العالمي في مواجهة الولايات المتحدة، لم تحمِه ترسانته العسكرية من الانهيار، بعدما تحوّل الحصول على علبة سجائر «مارلبورو» حلماً للروس. كما أن حجم الغضب من النموذج السوفياتي السابق، واليوم من نموذج «البوتينية» - ليس فقط في أوكرانيا ودول «المعسكر الاشتراكي» السابق، بل داخل روسيا - يهدد بنزعات انفصالية قد تطيح بوحدتها نفسها. فروسيا العاجزة عن كسر تخلف نموذجها السياسي والاقتصادي، وانسداد أفق تقدمها، بحاجة للخروج من هذه السياسات، رغم «نجاحات» بوتين الخارجية، من الانتخابات الأميركية، إلى تعزيز النزعات القومية اليمينية في القارة الأوروبية.
إن الدول التي خرجت من عباءة موسكو، فتح تقدمها الديمقراطي الأفق نحو مستقبل، قد يكون واعداً، على الأقل إذا نظرنا لإنجازات حققتها دول أوروبية صغيرة. ناهيك من كوريا الجنوبية وتايوان وبعض دول جنوب شرقي آسيا، التي كانت ميداناً تنافسياً مع الولايات المتحدة... لكنها تتقدم اليوم عن روسيا سنوات ضوئية من التقدم الاقتصادي والتكنولوجي؛ حيث يجهد الباحثون للعثور على أي منتج روسي، بخلاف صواريخ «إس 400».
ويرى بعض المحللين أن اندفاع روسيا إلى أحضان الصين، قد يقود إلى خطأ استراتيجي أكبر. فهو لا يهدد فقط بتبعيتها لها، في ظل تفوق بكين في مختلف المجالات الاقتصادية والتقنية. بل قد يكون مفتوحاً على عوامل استراتيجية واقتصادية تلوح في الأفق القريب والمتوسط، عن احتمال انهيار اقتصادي تتجه إليه الصين حثيثاً، بعد اندلاع الأزمة العقارية فيها وتباطؤ الإنتاج وبدء كبار المستثمرين والمنتجين الدوليين التفتيش عن سلاسل إمداد جديدة. وهذا أمر يلعب بلا شك دوراً رئيساً في امتناع بكين عن الدخول في مغامرة استعادة تايوان بالقوة، إذ ما الذي ستكسبه من تدميرها؟

عواقب الاحتماء بالصين

بعض التحليلات الغربية تضيف أن الإصرار الروسي والصيني على التمسك بسياسات التهديد والضم، يمكن أن يأتي بنتائج عكسية. فقبل ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، شعرت أوكرانيا بالتشتت بين الغرب وروسيا. وبعد ذلك، بدأت أوكرانيا بالتحرك بثبات باتجاه الغرب من الناحية الجيوسياسية.
وبالمثل، فإن حملة القمع التي شنتها الصين على هونغ كونغ عزّزت المواقف في تايوان ضد التوحيد السلمي، بحسب نموذج «دولة واحدة ونظامان». لكن المحللين يحذرون أيضاً من أن هذه العوامل قد تقوي رغبة بوتين بالغزو رداً على المشاعر المعادية لروسيا. وعندها ستكون المغامرة كبيرة إذا لم تهزم روسيا القوات الأوكرانية بسرعة، في بلد تعداد سكانه يفوق 40 مليون نسمة، وتحمل غالبيته مشاعر تاريخية معادية للسيطرة الروسية. وقد يطول الصراع، مع تدفق المساعدة العسكرية الغربية على أوكرانيا، وإذ ذاك ربما تؤدي الخسائر المتوقعة في صفوف المدنيين وتدمير الممتلكات، إلى تأجيج الرأي العام، حتى في الجزء الشرقي الانفصالي من أوكرانيا، ما قد يؤدي إلى اندلاع تمرد. وعندها لن يكون باستطاعة روسيا اللجوء إلى الإنكار الرسمي، كما فعلت منذ ضمت شبه جزيرة القرم، في حين ستقول أوكرانيا ببساطة إنها تقود «انتفاضة وطنية»، وليس صراعاً على قطعة أرض متنازع عليها.

كيف تدهورت العلاقات الروسية مع الغرب؟
> بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وسنوات من محاولات التقارب بين روسيا والغرب، حاول رئيسها فلاديمير بوتين عام 2000 التحرك بسرعة لتعزيز تلك العلاقات، واختبار احتمال انضمام روسيا إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو)، غير أن اللورد جورج روبرتسون، الذي شغل منصب الأمين العام للحلف بين 1999 - 2004، استذكر أخيراً كيف سأله بوتين عن موعد دعوة الحلف لروسيا، وكيف شعر الأخير بالإهانة، عندما ردّ روبرتسون بأن على موسكو التقدم بطلب للحصول على العضوية، تماماً مثل أي دولة أخرى، بحسب وكالة «أسوشيتدبرس».
وأثناء استكشافه إمكانية الانضمام لـ«ناتو»، تحرك بوتين أيضاً لإقامة علاقات سياسية وأمنية أوثق مع واشنطن وحلفائها. وكان أول زعيم أجنبي يتصل بالرئيس الأميركي جورج بوش بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، عارضاً تقديم المساعدة. وسرعان ما رحّب بالانتشار العسكري الأميركي في قواعد الجمهوريات السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى للحرب في أفغانستان. وأيضاً أغلق بوتين قواعد الحقبة السوفياتية في كوبا وفيتنام. ورغم أن روسيا لم تنضم لـ«ناتو»، فإنها اتفقت معه عام 2002 على إنشاء مجلس لتنسيق السياسات والتعاون في مكافحة الإرهاب وقضايا أخرى. لكن منذ ذلك العام بدأت العلاقات بين موسكو وواشنطن بالتدهور، بعدما قررت الأخيرة الانسحاب من معاهدة تعود إلى حقبة الحرب الباردة، تحظر نشر دفاعات ضد الصواريخ الباليستية، وهي خطوة اعتبرتها موسكو تهديداً محتملاً لردعها النووي.
بعدها، أثارت الحرب الأميركية في العراق عام 2003 انتقادات شديدة من موسكو، وزادت من توتر العلاقات. وتصاعد غضب موسكو عندما انضمت بلغاريا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا ودول البلطيق الثلاث، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، إلى «ناتو» عام 2004. ومع اندلاع «الثورات البرتقالية» في أوكرانيا وجورجيا، التي أطاحت بالمرشح الرئاسي الذي تدعمه روسيا في كييف، وبالرئيس الجورجي المدعوم منها أيضاً في ذلك العام، عدّ الكرملين تلك الاحتجاجات تدخلاً غربياً في «الفناء الخلفي» لروسيا. وشكّل خطاب بوتين في مؤتمر أمني في ميونيخ بألمانيا عام 2007 حداً فاصلاً ونقداً شديداً للتحركات الأميركية. وقال إن واشنطن «تجاوزت حدودها الوطنية بكل الطرق»، واصفاً توسيع «ناتو» باتجاه الشرق بأنه «استفزاز خطير».
وعندما وعد «ناتو» في قمة له عقدت في رومانيا عام 2008 أوكرانيا وجورجيا بالانضمام إليه، اعتبرت روسيا ذلك بمثابة ضربة لمصالحها الأمنية الحيوية. وبعد 4 أشهر، شنت روسيا هجوماً دام 5 أيام على جورجيا، إثر محاولة الأخيرة استعادة السيطرة على مقاطعة أوسيتيا الجنوبية الانفصالية التي تدعمها موسكو.
ثم عام 2014، أطاحت مظاهرات شعبية بالرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش «صديق الكرملين» احتجاجاً على تخليه عن اتفاق مع الاتحاد الأوروبي، لمصلحة علاقات أوثق مع موسكو. وردّت موسكو بضم شبه جزيرة القرم ودعم المتمردين الانفصاليين في المنطقة الصناعية والمنجمية شرق أوكرانيا، المعروفة باسم «حوض الدونباس».
وأدى الصراع الذي دخل عامه الثامن إلى مقتل أكثر من 14 ألف شخص، وفشل الجهود المبذولة للتوصل إلى تسوية سياسية، ثم فرضت واشنطن وحلفاؤها عقوبات على موسكو، وأوقفت كل تعاون لها مع «ناتو»، ونشرت تعزيزات عسكرية بالقرب من روسيا. ومنذ ذلك الحين، يندد الكرملين بهذا الانتشار وبالتدريبات بالقرب من حدوده، واصفاً إياها بأنها تهديد أمني.
وفي الشهر الماضي، تصاعدت التوترات بعد تقارير استخبارية وصور أقمار اصطناعية عن حشد روسيا نحو 170 ألف جندي ومعدات عسكرية بالقرب من أوكرانيا. وبينما نفى بوتين التخطيط لهجوم على أوكرانيا، فإنه يسعى للحصول على تعهد غربي بأن «ناتو» لن يضمها إلى عضويته، أو ينشر قواته هناك، وهو توسع وصفه بأنه «خط أحمر» لموسكو. وفي قمة افتراضية بين بوتين وبايدن جرت الأسبوع الماضي، حذّر الرئيس الأميركي من «عواقب وخيمة» إذا غزت روسيا أوكرانيا، لكنه وعد بإجراء مشاورات لمعالجة المخاوف الروسية، مكرّراً في الوقت نفسه موقف أمين عام الحلف، ينس ستولتنبرغ، رفض أن يكون لروسيا أي دور في تحديد مَن ينضم إلى «ناتو».



العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
TT

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً، بل ربما سأثير هلع الكثيرين من أصدقائي الطيبين، لكنني أعتقد أن علينا أن نربط مصيرنا مع العرب في إسرائيل». هذه الكلمات نُشرت يوم 16 يونيو (حزيران) 2019، بقلم شخص يدعى نتان إيشل، المعروف كأقرب المستشارين إلى بنيامين نتنياهو. وجاء نشرها في اليوم نفسه، في صحيفتين على طرفي نقيض، «هآرتس» التي تعد اليسار الراديكالي في نظر اليمين، و«مكور ريشون»، صحيفة اليمين الاستيطاني التي يعدها اليسار منبراً للتيار اليميني الفاشي. كل من يعرف أسرار السياسة الإسرائيلية يفهم أن هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر نتنياهو نفسه، وأن الرسالة التي تحملها كانت موجّهة من اليمين الحاكم، إلى الجمهور العام في إسرائيل، من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، عبر الوسط الليبرالي. ومفادها أن اليمين يملك الشجاعة لتغيير السياسة الرسمية تجاه المواطنين العرب، التي اتّسمت طيلة سنوات الدولة العبرية، بالتمييز العنصري وقمع الحريات.

شكّل المقال أعلاه صدمة، يومها. ففي حينه، كانت إسرائيل تعيش أزمة دستورية تاريخية؛ إذ إنها عبرت 5 معارك انتخابية خلال سنتين ونصف السنة. وبدا أن «العرب ليسوا مشكلة، بل هم الحل»، كما كتب إيشل في المقال نفسه. فما الذي جرى خلال 7 سنوات، حتى يتراجع نتنياهو عن هذا الطريق، ويتخذ موقفاً مناقضاً، يملؤه العداء والكراهية؟

وليس نتنياهو وحده، فإسرائيل تقرّر، اليوم، عبر لجنة الانتخابات المركزية فيها، التي يُفترض أنها نموذج في النزاهة، تعمل على حرمان مواطنيها العرب من حقّهم الأوّلي في الترشح للكنيست (البرلمان)، فتصوّت بأكثريتها الساحقة لشطب جميع قوائم المرشحين العربية؟

قراءة معمقة في التطورات، تبين أن غالبية الأحزاب الإسرائيلية غارقة في مستنقع عنصري موحل. وبما أن العرب في إسرائيل أقلية، تتعامل الأحزاب معهم بتعالٍ وفوقية، تماماً كما كان الآريّون في أوروبا يتعاملون مع اليهود، فيشطبونهم ويدوسون حقوقهم، ويعملون كل ما من شأنه أن يقلل من شأنهم.

ونعود إلى السؤال: ما الذي دفع نتنياهو لإنصاف العرب ثم يقرّر التراجع، لدرجة أنه بات يرى في العرب «جبهة ثامنة» في حروب إسرائيل، إلى جانب إيران و«حزب الله» اللبناني و«حزب الله» العراقي و«حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة والحوثيين في اليمن؟

منصور عباس (أ.ف.ب)

بداية انعطافة

هناك من يرى بداية الانعطاف عام 2016، عندما قرر المستشار القضائي للحكومة، أبيحاي مندلبليت، إعداد لائحة اتهام في 3 قضايا فساد خطيرة. هؤلاء المحلّلون يحسبون أن نتنياهو، عندما قرر التقارب مع المواطنين العرب، يُقدِم على إجراء ديمقراطي طبيعي، ويبغي إنصاف المواطنين العرب بعد عشرات السنين من التمييز العنصري ضدهم، ليثبت أن اليمين تحديداً هو الذي يحقق لهم مساراً للمساواة، خصوصاً أنه صادق على «الخطة 922» التي تخصّص لهم ميزانية تسدّ بعضاً من هوة التمييز بقيمة 5 مليارات دولار. وهي الخطة التي أُعدت بالتعاون مع «القائمة العربية المشتركة» بقيادة النائب أيمن عودة واللجنة القطرية لرؤساء البلديات العربية بقيادة مازن غنايم.

لكن فريق مساعدي نتنياهو كان يتعاطى مع الموضوع بطريقة أخرى، فهو يخطط لتشكيل تحالف من أحزاب اليمين يكون ضمانة لمواجهة جهاز القضاء، الذي يحاكمه بثلاث لوائح اتهام بالفساد. وتلك الأحزاب كانت مشتتة. اليمين المتطرف فيها، يخشى من حكومات نتنياهو التي تضم دائماً حزباً أو أكثر من الوسط، فعرض عليهم صفقة: «حلف دائم معه، في السراء والضراء، ولا يتفسخ في أي ظروف. ويسانده في المحكمة»، لكنه عندما وجد أن قادة اليمين المتطرف يتبجّحون عليه، ويحاولون فرض شروط، لجأ لحيلة التحالف مع إحدى القوائم العربية.

يومها، كانت الأحزاب العربية قد توحّدت جميعاً تحت لواء «القائمة المشتركة». ونتنياهو يعرف أن السبيل لتفسيخها هو ضم أحدها إلى الائتلاف. وبذا يضرب 3 عصافير بحجر: يفتت الوحدة كعادته في التعامل مع كل خصومه، ويضمن أكثرية لتشكيل حكومة، ويكسب احتراماً في الغرب على أنه ينهي سياسة نبذ العرب والتمييز ضدهم.

إلا أن اليمين المتطرف العميق اشترط ألا يعقد تحالفاً مع العرب. وهكذا أجهضت الفرصة، لكن خصوم نتنياهو في اليمين الوسط، بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، استغلوا الوضع، وأقاموا ائتلافاً مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس عام 2021، وتمكّنوا من تشكيل حكومة بفضل هذا التحالف.

صمدت هذه الحكومة سنة ونصف السنة، من دون تحقيق تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية في مدة قصيرة كهذه، لكنها أكسبت الأحزاب العربية شرعية في الساحة السياسية، وحققت للعرب العديد من الإنجازات، في مقدمتها «الخطة 555» التي توفر للعرب ميزانية تقدر بعشرة مليارات دولار.

البداية مع رابين

لم يكن تحالف عباس مع حكومة بنيت – لبيد الأول الذي يضم العرب، فعام 1993، انسحب حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين (حريدي) من حكومة إسحاق رابين، لتغدو حكومة أقلية، فلجأ رابين إلى العرب، الذين كانوا ممثلين بحزبين هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة النائب توفيق زياد (3 نواب) والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة (نائبان)، فشكلوا ما سُمّي «الجسم المانع»، أي الذي يمنع اليمين من إسقاط الحكومة.

وحقاً أظهر رابين نية خالصة في هذا التحالف، ووافق على شرطين: بدء عملية لتحقيق المساواة التامة لمواطني إسرائيل العرب، والاعتراف بـ«منظمة التحرير الفلسطينية». وكان هذا التحالف ناجحاً وناجعاً، في الموضوعين. وجاءت «اتفاقيات أوسلو» ثمرةً له، لكن كما هو معروف، اغتال اليمين الإسرائيلي رابين. وجاء إلى الحكم نتنياهو في حقبته الأولى (1996 - 1999).

هكذا نُسِف المسار. وعاد «استثناء» العرب ومحاولة إبقائهم على هامش الحياة السياسية، ورجعت الأحزاب العربية إلى موقعها الكفاحي من الصفوف الخلفية للمعارضة في الكنيست، والمظاهرات في الشوارع، والضغوط الدولية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي... وغيرها. وعاد نتنياهو ليستغلها «غولا» يخيف به اليهود.

التحريض قديم

ليس صحيحاً الانطباع بأن نتنياهو يستغل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتأجيج الكراهية للعرب في إسرائيل، فالتحريض عليهم كان قائماً قبل ذلك بكثير وهو نفسه أدّى به دوراً حاسماً.

ومن دلائل نجاح تحريضه على العرب ما جاء في نتائج استطلاع رأي أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» قبل أسبوع من دعوة نتنياهو ضم العرب إلى الائتلاف في يونيو (حزيران) 2019، أن 81 في المائة من الجمهور اليهودي لا يرغبون في مشاركة الأحزاب العربية فيها، فيما قال 13 في المائة من اليهود إنهم يرغبون بذلك.

لكن هجوم «حماس» المذكور تحوّل إلى معيار للسياسة الإسرائيلية، وعقدة مجتمع كامل، وفي صلبه الكراهية للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بمن في ذلك أطفال غزة وتأييد إعدامهم مع أمهاتهم وبناتهم وشيوخهم. وحتى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل وضعوا في إطار عدائي.

لماذا؟ هل شاركوا في هجوم «حماس» أو وافقوا عليه؟

جميع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يعرفون أن المواطنين العرب هم النقيض التام لحركة «حماس» وموقفهم كان معارضاً كلياً لهجومها، بل إن العديد من هؤلاء العرب قتلوا أو جرحوا خلال الهجوم.

العرب ضد الهجوم

لقد كان العرب في النقب طليعة متلقّي صواريخ «حماس» في ذلك الهجوم، وقتل منهم 6 أشخاص، كذلك قتل المهاجمون امرأة فلسطينية محجّبة؛ لمحاولتها ثنيهم عن قتل مدنيين، وقالت لهم إن فعلهم لا يلائم القيم الإسلامية، فأطلقوا عليها الرصاص. وأطلقوا على مُسعف عربي من بلدة أكسال قرب الناصرة، يعمل في منظمة نجمة داود الحمراء، وهو يسعف أحد المصابين اليهود. وحتى «الحركة الإسلامية»، التي يقودها النائب منصور عباس، أدانت هجوم 7 أكتوبر بوصفه «مجزرة وعملاً غير إنساني وغير مبرّر لا يعكس قيم الشعب الفلسطيني». ومثله فعل تقريباً كل السياسيين العرب في إسرائيل.

لذا، فالقول إنه «بعد 7 أكتوبر لا يجوز تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية»، نوع من التجنّي يقوم على الكذب ونكران الجميل، ويخفي في الحقيقة قيم العنصرية العمياء. ومن شدة خطورة هذه السياسة على مستقبل إسرائيل، يشتعل صراع بين اليهود أنفسهم حول كيفية التعاطي معه.

الغالبية، بما في ذلك قوى الوسط الليبرالي بقيادة غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت ويائير لبيد، يتبنّى هذا الموقف العنصري بلا خجل ولا وجل. وهؤلاء رغم خوضهم تجربة جيدة في التحالف مع منصور عباس، خنعوا أمام حملة نتنياهو، وتنصّلوا من هذا التحالف، وتعهدوا برفض أي حكومة تستند إلى أي حزب عربي. وآيزنكوت تحديداً، حاول تخفيف هذه المعارضة وقال، خلال لقاء مع ناخبين في القدس، يوم الجمعة الماضي: «منذ الصباح، ينشغل طاقمي بالوعد الذي قيل إنه أعطي لهم، وهو أن منصور عباس سيكون في الحكومة. كل من يعرفني يعرف أنني لا أقدّم الوعود». ولكن جوابه ما زال يترك له مخرجاً؛ فحسب قوله، يجب على كل شريك أن يوافق على 3 مبادئ أساسية هي: أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية – ليبرالية، وأن يوافق على قيم وثيقة الاستقلال، وأن يوافق على واجب الخدمة العسكرية أو الوطنية». ويوم الثلاثاء الأخير قال، خلال لقاء إذاعي مع «إف إم 103»، إنه قرر إضافة شرط رابع هو أن من يريد أن ينضم إلى حكومته أن يؤيد تصفية «حماس».

في المقابل، هناك تيار ليبرالي ويساري يرفض هذا التوجه العنصري، ويقول إن الشعب اليهودي الذي تعرض للتمييز العنصري بأبشع أشكاله في الماضي، يمارسه اليوم بوضوح وصراحة وبشكل رسمي وعلني. وبحسب يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين فإن «دمج الأحزاب والمجتمع العربي في أي ائتلاف حكومي قادم ضرورة استراتيجية لإنقاذ إسرائيل، ولإلحاق هزيمة باليمين، الذي يدمر إسرائيل». لكن جولان هذا انضم إلى أحزاب اليمين العنصري في شطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع».

يائير لبيد (أ.ف.ب)

اليهود الذين تعرّضوا للتمييز العنصري

في الماضي يمارسونه اليوم بشكل رسمي وعلني

معركة عربية حذرة

في هذه الأثناء، تدير الأحزاب العربية معركتها بحذر، كي لا تعطي اليمين سلاحاً ضدها في أي ساحة. واليمين يضع محاربة هذه الأحزاب هدفاً أساسياً في حملته، خصوصاً وهو يرى كيف يقع خصومه في حبائل مؤامرته. وهو يخوض معركة قضائية لشطب جميع الأحزاب العربية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات، بحجة أنها تؤيد الإرهاب، ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.

قادة الأحزاب العربية أدركوا خطورة المعركة الانتخابية على مستقبل مجتمعهم، فسلكوا أسلم الدروب لزيادة وزنهم في الحلبة السياسية. وكانت الخطوة الأولى منع إضاعة أي أصوات عربية، فبنوا تحالفاً يضم الأحزاب العربية الثلاثة: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة البروفسور يوسف جبارين، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة النائب أحمد الطيبي و«التجمع الوطني» بقيادة سامي أبو شحادة، وارتبطوا مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس باتفاق فائض أصوات.

والخطوة الثانية، توقيع «ميثاق شرف» يضمن معركة انتخابية نزيهة ونظيفة بين القائمتين العربيتين، واتفاق قادتهما على التعاون أيضاً بعد الانتخابات في الكنيست، كي يحظوا معاً بأفضل مواقع قيادية برلمانية.

والثالثة، ضمّ عباس نائباً يهودياً إلى القائمة، هو اللواء السابق في الشرطة، يوآف سيغالوفتس، ومنحه المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وسيغالوفتش ذو رصيد غني في مكافحة الإجرام المنظم، الذي يعد اليوم أخطر آفة تواجه العرب في إسرائيل، ووجوده في قائمة عربية يقطع الطريق على من يعدها غير شرعية.

شطب أبو شحادة

والرابعة، توسيع دائرة المعركة مع اليمين، وإدخال جهات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض القوى في الولايات المتحدة، لمنع الحملة العنصرية ضدهم. وسامي أبو شحادة، الذي شُطب في لجنة الانتخابات بسبب مقال كتبه يوم 8 أكتوبر 2023، غداة هجوم «حماس» على إسرائيل يمجِّد فيه الهجوم ويعده هجوم مقاومة ناجحاً، ومتوقعاً وفقاً لقوانين الفيزياء، «لكل فعل رد فعل»، تراجع عن مضمون مقاله، وقال أمام اللجنة، الأربعاء، إنه كتب المقال في حينه قبل أن يعرف ما تضمنه هجوم «حماس» من ممارسات بشعة. وأضاف أنه يعد كتابة المقال خطأً، ولو كان سيكتبه اليوم لكتبه بطريقة أخرى، وأكد أنه يرفض العنف ضد أي جهة كانت، دولة أو بشراً، وأن تاريخه السياسي حافل في تأييد السلام العادل؛ ولذلك فإن الاقتراح لشطبه غير عادل.

لكن هذا التراجع لم يسعفه، لا بل تقرر شطب حتى القائمة التي يقودها عباس وتبدي استعداداً لدخول الحكومة، وانضمت المحكمة العليا إلى هذا الموقف، وأبلغته أنها ستشطبه إذا استمر في المحكمة، لكنها تنصحه بأن ينسحب ويُبطِل هو ترشحه. وهكذا كان. وانضم سلوكه هذا إلى الإجراءات السابقة، التي عُدَّت جزءاً من الجهود العاقلة لسحب البساط من تحت أقدام اليمين.

البداية بالأحزاب... وبعدها المواطنة

اليوم، يرى العرب أن معركتهم جذرية ومصيرية، فمن يريد شطب أحزابهم، يمهّد عملياً للتخلص منهم كمواطنين، وهم يقرؤون جيداً كيف تؤثر الآراء الوحشية كآراء وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على جهات يهودية كثيرة، بدءاً بالميليشيات المسلحة التي تهدد وجودهم، وحتى البروفسور الإرهابي من جامعة بار إيلان، الذي وضع خطة لإقامة تنظيم إرهابي يهودي يقتل مئات منهم لغرض حملهم على الرحيل من الوطن.


إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
TT

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية «ممداني التركي»... كل هذه تسميات تلاحق إيليف إيرالب، المحامية الألمانية - التركية التي تأمل بأن تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها «دي لينكا»، حزب أقصى اليسار، بالانتخابات المحلية في العاصمة الألمانية. الذين يتكلّمون عن «خطرها» يشيرون إلى تعهّداتها بتأميم شركات السكن الكبرى في العاصمة ضمن خطط لتخفيض أسعار الإيجارات. والذين يشبّهونها بعمدة نيويورك الشاب، يقصدون خلفيتها المهاجرة و«الكاريزما» التي تتمتّع بها وقربها من «البرلينيين» وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصفات لعبت دوراً أساسياً في تحقيق حزبها فوزاً غير مسبوق في برلين؛ إذ حصل على ما يقارب الـ26 في المائة من نسبة الأصوات، متقدماً بـ6 نقاط على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، وهو يحكم حتى برلين حالياً.

إذا نجحت إيليف إيرالب البالغة من العمر 45 سنة، بتشكيل حكومة في ولاية - مدينة برلين، فستصبح أول سيدة ومن أصول مهاجرة تحكم العاصمة الألمانية. ويأتي هذا الحدث بينما يتأهب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ليبدأ بحكم أول ولاية ألمانية يكسبها هي سكسونيا آنهالت حيث فاز بنسبة 44 في المائة؛ إذ بدأ مرشح الحزب لترؤس الحكومة أولريش زيغموند مشاوراته لتشكيل حكومة الولاية خلال الأسابيع المقبلة.

في الحقيقة، كثيرون ربطوا بين فوز أولريش، أو حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكل عام، وفوز إيرالب وحزبها، واعتبروا ما أنجزته إيرالب رد فعل من الناخبين الرافضين لاتجاه البلاد أكثر نحو أقصى اليمين. وقد يكون جزءاً من ذلك صحيح إضافة إلى عوامل أخرى. ولكن في أي حال، أصبحت إيرالب حديث الصحافة الألمانية اليومي منذ فوزها قبل ثلاثة أسابيع.

«أمثالي لا ينبغي أن يشغلوا منصب العمدة في هذا البلد»!بهذه الجملة أعلاه افتتحت إيليف إيرالب كلمتها المسجلة والتي توجّهت فيها للناخبين مع إطلاق حملتها الانتخابية. ولاحقاً شرحت ما تقصده بذلك.

إذ قالت في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية: «على عكس كثرة من الساسة، أنا لا أنتمي إلى حزب سياسي منذ عقود ولست جزءاً من المؤسسة السياسية. أنا ابنة لاجئين جاؤوا إلى ألمانيا من تركيا قبل فترة قصيرة من ولادتي». وحقاً كان هذا أن خلفيتها المهاجرة ستلعب دوراً محورياً في حملتها الانتخابية.

ولدت إيليف إيرالب في يناير (كانون الثاني) 1981 في مدينة ميونيخ الألمانية بعد أشهر قليلة من وصول والديها من تركيا هرباً من الانقلاب العسكري وما تبعه من عنف وقمع.

وبعكس معظم الأتراك الذين جاؤوا إلى ألمانيا عمالاً، فإن والديها كانا متعلمَين، ووصلا طالبين للجوء في ألمانيا الغربية في سبتمبر (أيلول) 1980. وهما يتحدّران من بلدة بانلي قرب مدينة قيصري، وكانا ناشطين سياسيين نقابيين سجناً بعد الانقلاب العسكري. الوالد كان طبيباً والوالدة ناشطة نسوية في الحزب العمالي الاشتراكي، سجنت بعد الانقلاب ولم يطلق سراحها إلا بسبب تقدّم حملها بشكل واضح عندما كانت حاملاً بإيرالب. وبالنتيجة، تمكنا من الهرب إلى ألمانيا حيث قدّما طلب لجوء في ميونخ. ولكن عمل والدها دفع بالعائلة لاحقاً إلى الانتقال إلى مدينة دورتموند، حيث كبرت إيرالب قبل أن تنتقل مرة أخرى إلى مدينة هامبورغ في سن الثامنة حيث أنهت المدرسة.

دراسة القانون في هامبورغ

بعد المدرسة، درست إيرالب القانون في جامعة هامبورغ وتخرّجت محامية، وأسهم في اختيارها تخصصها، وفق تصريح لها، المعاملة المختلفة والعنصرية التي تعرضت لهما عائلتها في ألمانيا.

لقد تطرقت إيرالب مراراً لتجربة عائلتها لدى وصولها إلى ألمانيا، وعملية اللجوء المعقدة والطويلة التي واجهوها، ومما قالته: «لقد عشت تجربة ما الذي يعنيه عندما تتّخذ السلطات قرارات غير مفهومة، وقد شعرت كذلك بالعنصرية والتمييز... لقد عاصرت عائلات عوملت معاملة مختلفة مثل عائلتنا، ولهذا درست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع».

وقبل إكمال تخصّصها في القانون الجزائي في جامعة هامبورغ، أمضت إيرالب فصلاً في مدينة أليكانتي في إسبانيا. وهو ما مكّنها من تعلّم الإسبانية، لتضاف إلى لغاتها الألمانية والتركية والإنجليزية.

وبعد تخرّجها عام 2007، انتقلت عام 2010 إلى برلين لتعمل مستشارة قانونية لكتلة حزب «دي لينكا» البرلمانية من دون أن تنضمّ للحزب اليساري آنذاك؛ إذ إنها لم تصبح عضواً في الحزب إلا عام 2017. بل، برّرت إيرالب قرارها الانضمام إلى الحزب المنتمي لأقصى اليسار بأنه جاء كرد مباشر على دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى آنذاك. ومعلوم، أن الحزب اليميني المتطرف استغل من موجة اللاجئين السوريين التي وصلت إلى ألمانيا عام 2015 لتوسيع قاعدته الشعبية، بانياً حملته الانتخابية ضد اللاجئين والمسلمين.

العيش في بيئة مهاجرين

منذ انتقالها إلى برلين، تعيش إيرالب في منطقة كرويتزبيرغ، المعروفة بـ«إسطنبول الصغيرة»، وقال عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس - قبل أن يصبح مستشاراً - إنها «لا تمثل ألمانيا». وهي تعيش حياة بسيطة، في شقة تستأجرها مع زوجها وولديها اللذين يرتادان مدرسة عامة في الحي. وكانت قد حرصت خلال حملتها الانتخابية على عكس هذه الصورة، بأنها واحدة من سكان المدينة وأنها تشبههم، وأن الأمر لا يتعلق فقط بأصولها المهاجرة.

لقد قالت عن ذلك: «الحملة لا تتعلق بأصولي المهاجرة بل بواقع أنني مثل الجميع هنا. أعرف مشاكل المدينة، الإيجارات المرتفعة والمدارس المتهالكة ونظام التنقل المتردي». وتابعت: «أنا لا أعيش في فيلا في غرونافالد، وأولادي لا يرتادون مدارس خاصة بل مدرسة عادية». وبالمناسبة، غرونافالد منطقة راقية في غرب برلين مليئة بالفلل الفخمة ومحاطة بمدارس خاصة.

أزمة السكن

أزمة السكن في برلين شكلت بالفعل محور حملة إيليف إيرالب الانتخابية. وكانت قد ذكرت في إحدى المقابلات أنها هي نفسها تبحث عن شقة منذ 7 سنوات من دون توفيق. وفي الحقيقة، تعاني برلين من أزمة سكن كبيرة وارتفاع إيجارات مستمر رغم وجود قوانين تحد من رفعها. ويعيش معظم سكان برلين (قرابة 85 في المائة منهم) في شقق مستأجرة في بلد ما زالت فيه ثقافة امتلاك المنزل غير شعبية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ارتفعت أسعار الإيجارات بنسبة 70 في المائة مع تزايد عدد القادمين للعيش في المدينة. وعلى الرغم من وجود قانون يحد رفع الأسعار منذ عام 2015، فإن مالكي الشقق وشركات التأجير تستغل ثغرات في القانون لرفع الإيجارات بشكل دوري.

من جانبها، طرحت إيرالب أفكاراً راديكالية للتعامل مع أزمة السكن، منها الاستحواذ على الشقق المملوكة من كبرى الشركات العقارية الخاصة، بشرائها من ميزانية ولاية برلين بسعر محدد (أقل من سعر السوق الحالي) ثم تحويلها لكي تدار من قبل هيئة غير ربحية.

الخطط تشبه تأميم الشركات، ولكن علامات استفهام كثيرة تحيط بها، من قانونيتها إلى المخاطر التي قد تحملها على ميزانية الولاية التي قد لا تكون قادرة على تحملها. ولقد أثارت هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الشركات المالكة للشقق مثل «فينوفيا» التي تهوي أسهمها منذ فوز إيرالب. وحتى المستشار ميرتس الذي يرفض حزبه التحالف مع «دي لينكا»، تعهد بعد فوز إيرالب وحزبها في برلين، بإدخال قوانين سريعاً تمنع الاستحواذ على شركات العقارات وتحبط خطط الاستيلاء عليها.

أصداء كبيرة

مع هذا، فإن تركيز إيرالب على مواجهة أزمة السكن لقيت صدى كبيراً لدى سكان العاصمة الذين ذكروا في استفتاءات سابقة بأن أزمة السكن هي الموضوع الأول الذي يهتمون به في الانتخابات المحلية. وبينما لم تطرح الأحزاب الأخرى الرئيسة أي أفكار جديدة لمواجهة أزمة السكن، بدت أفكار «دي لينكا» جديدة وجذابة للناخبين. وقال كثيرون من الذين صوّتوا للحزب، إنهم لا يوافقونه في كل السياسات ولكن خطط حل أزمة السكن شكلت عاملاً رئيساً في التصويت لهم. وهكذا، نجح الحزب بمضاعفة أصواته عن الانتخابات السابقة. وما يذكر، أن «دي لينكا» استعان كذلك بفريق عمدة نيويورك ممداني، إذ قدم إلى برلين أحد مستشاريه في حملته الانتخابية ليقدم النصح لفريق إيرالب.

من جهة ثانية، رغم أن أزمة السكن كانت محور حملة إيرالب الانتخابية، فإن أصولها المهاجرة ونضالها في مواجهة التمييز العنصري ظَهَرا أيضاً بشكل محوري في لقاءاتها مع الناخبين. وكان لافتاً أنها استخدمت اللغة التركية في جزء كبير من حملتها في منطقة تعد القلب النابض للجالية التركية. والواقع أن إيرالب أمضت عدة سنوات ناشطة حقوقية أكثر منها سياسية. وحتى عندما انضمت إلى «دي لينكا»، أسست داخل الحزب جناحاً ضم من هم من أصول مهاجرة للترويج للألمان بخلفيات مختلفة وتسليط الضوء على قضايا تمييز يتعرض لها لاجئون ومهاجرون.

وبخلاف الأحزاب الألمانية الأخرى، لا يخشى «دي لينكا»، ولا إيرالب، إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الناخبين من أصول عربية لهم. وإن كان تسبّب أيضاً بجدل أحاط بالحزب، خاصة، بعد ظهور صور لمشاركة ناشطين فلسطينيين في الحفلة التي أقامها الحزب ليلة صدور النتائج؛ إذ اتهمت الصحافة اليمينية إيرالب، وأيضاً اتهمها بعض الساسة منهم وزير الداخلية، بـ«معاداة السامية». ورد مكتب إيرالب بأنها ستتقدم بدعوى تشهير ضد وزير الداخلية.

الحملات المعادية

هذا، وتشن الصحافة الألمانية حملة لا تتوقف على إيرالب منذ فوزها. وفي المقابل، تكرر إيرالب مراراً بأنها تريد لبرلين أن تكون مكاناً لكل السكان من بينهم أتباع الديانة اليهودية، كما أنها تريد للحوار أن يكون أساسياً بين المجتمعات المسلمة واليهودية في برلين. أيضاً، تتهم الصحافة الألمانية «دي لينكا» بعلاقات مع الجريمة المنظمة، بعد انتشار صورة أيضاً لأحد «زعماء» العشائر العربية - كما تسميهم الصحافة الألمانية - موجود في حفل الحزب ليلة الفوز. لكن الحزب برر لاحقاً بأن الحفل كان مفتوحاً للعامة ولم يكن بالدعوات فقط.

ومن القصص السلبية الأخرى التي تنشرها الصحافة الألمانية يومياً عن إيرالب، قصة عن انتمائها لمجموعة يسارية راديكالية تعرف بـ«المساعدة الحمراء»، وهي مراقبة من المخابرات الداخلية. ولكن إيرالب لم تخف يوماً انتماءها للمجموعة، وأعلنت أعلنت أنها تركتها العام الماضي بسبب اختلاف حول قضايا أساسية.


«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
TT

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت الـ26 في المائة، مع حزب «الخضر» الذي حصل على 14 في المائة من نسبة الأصوات والحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي حصل على 12 في المائة منها.

الحزبان الأخيران حددا شروطاً أساسية قبل انطلاق المفاوضات؛ إذ طالب حزب «الخضر» حزب «دي لينكا» باتخاذ موقف واضح من «معاداة السامية»، ومن الاتهامات المرتبطة بذلك التي تلاحق أفراداً في الحزب. وقالت كاتارينا دروغه، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «الخضر» في ولاية برلين، إن على «دي لينكا» اتخاذ «موقف أقوى ضد معاداة السامية في صفوفه، فنحن لا نتكلّم عن حوادث معزولة بل عن مشاكل هيكلية». وأضافت أنه إذا «لم يحدد (دي لينكا) بشكل واضح الخطوات الصارمة التي سيصار إلى اتخاذها للتعامل مع هذه المشكلة، فلن يمكن إجراء مشاورات لتشكيل حكومة معهم».

أما الحزب الديمقراطي الاجتماعي فقال إنه يتوقع «تفسيراً» من إيرالب حول انتمائها لمجموعة «المساعدة الحمراء» المتطرفة والتي تخضع لمراقبة المخابرات الداخلية. وقال شتيفان كراخ، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان برلين، إن المشاورات لن تبدأ قبل الحصول على تفسير حول عضويتها تلك، وأيضاً بعد مناقشة ارتباط الحزب بمعاداة السامية والجريمة المنظمة.

أما فيما يخص حزب «دي لينكا»، فهو حزب من أقصى اليسار، شكّل عام 2007 من مجموعة أحزاب يسارية وشيوعية من بينها حزب «الوحدة العمالية» الألماني، وهو حزب ماركس لينيني أسس عام 1946 في مناطق شرق ألمانيا التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولدى الحزب تجربة بحكم محلي في ولاية ثورينجيا (الشرقية سابقاً) التي حكمها طوال 10 سنوات، وكان رئيس حكومة الولاية فيها هو بودو راميلو الذي تمتع بشعبية كبيرة طوال فترة حكمه. ويستعين فرع الحزب في برلين من تجربة «دي لينكا» في تورينجيا في الحكم، لإجراء المشاورات الحكومية ووضع برنامج الحكومة في حال نجحت المشاورات.