سينما المهرجانات العربية تعكس الطموحات المحقّة

الحدث الأهم سعودي

«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)
«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)
TT

سينما المهرجانات العربية تعكس الطموحات المحقّة

«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)
«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)

ندلف في هذه الأيام من عام لآخر. الفاصل ربما كان واهياً لمن يعتقد أنّ الأمور تمضي كعادتها من دون جدول زمني معين. الكورونا ومتحوّراته مثال واضح. كم يتمنى المرء لو أنّ الوباء يتوقف في الحادي والثلاثين من هذا الشهر، فجأة، كما وُلد فجأة، لكنّه لا يعرف شيئاً عن أيام الأسبوع ولا جداول الشهر أو السنين.
على ذلك، هناك من يصر على اعتبار أنّ كل سنة تبدأ وتنتهي في حدودها الزمنية وعلى ذلك، لا بدّ لنا من الامتثال لهذا الوضع فنستفيد من أخطائنا، ونخطط لأهدافنا، من ثمّ نراجع ما حققناه منها أو لم نحقق ولماذا.
في نطاق واسع كالسينما، لا بد من هذه الوقفات ومن مراجعة ما حُقّق وما لم يُحقّق. ما نجح وما فشل. كيف تصرّفت السينما حيال طموحاتها وما الذي أنجزته من أحداث ومشاريع وتوجّهات. وعلى حلقتين متواليتين سنقوم بهذه المراجعة على أدق نحو نستطيعه، متوقفين عند النجاحات والإخفاقات والتيارات والأفلام معاً.
الحلقة الأولى هنا، هي عن السينما العربية التي ما زالت تتنفس الآمال والأحلام والإنجازات.
تبعاً لذلك، فإنّ الحدث الأهم في السينما العربية خلال سنة 2021، هو إطلاق الدورة الأولى من مهرجان «البحر المتوسط»، أول نافذة سعودية - عالمية على السينما الحدثية والتعبير الأوفى عن رغبة المملكة في خوض غمار الصناعة السينمائية، وتمكين صانعي الأفلام السعوديين والعرب من تحقيق طموحاتهم بإمكانيات مادية لم يسبق لدعم عربي أن حققه من قبل على هذا المستوى.
بعد ثلاث سنوات فقط من نقطة التحوّل التي أقرها ولي العهد محمد بن سلمان والحكومة السعودية، التي وضعت حجر الأساس لانتقال المملكة حثيثاً صوب مجالات الفن السابع عروضاً وإنتاجاً ومهرجانات وصناديق دعم، ارتفع منسوب الإنتاجات السينمائية فيها إلى معدل غير مسبوق، وشهدت صالات السينما التي تسارع إنشاؤها لتلبية حاجة المواطن إقبالاً كبيراً (أكثر من مليون بطاقة بيعت خلال هذه الفترة).
أمّا المهرجان ذاته فقد أنجز حضوراً كبيراً على صعيد المنطقة، وتمتع بحديث الصحافة والإعلام المتلفز الغربي والآسيوي، الذي رأى فيه لا المبادرة وحدها (على أهميّتها) بل الإنجاز الذي أصر القائمون على المهرجان تأكيد نوعيته وأهميّته.

على نحو رتيب
مهرجان «البحر الأحمر» ليس المهرجان السينمائي الوحيد في المملكة، بل هناك مهرجان «أفلام من السعودية»، وهو بانوراما تشمل كل ما حُقّق خلال السنة من أفلام سعودية قصيرة وطويلة، روائية أو تسجيلية. في دورته السابعة أكّد على أهميّته، وشهد التفاف صانعي الأفلام السعوديين حوله. رئيسه التنفيذي أحمد الملا كان صادقاً حين كرر في أحاديثه أنّه يرى المهرجان حدثاً ضرورياً وحافزاً للمخرجين والسينمائيين السعوديين لتقديم أعمالهم في ربوعه.
بمقارنة كل هذا الحجم من الحضور والمثابرة التي شهدتها المملكة (وهو جزء من جهود اقتصادية واجتماعية وإعلامية شاملة) بما شهدته الدول العربية من أحداث على صعيد الإنتاجات، والصناعات ذاتها، يتبلور الحدث السعودي والتقدم الذي تحقق من خلاله أفضل وأهم إنجاز سينمائي بين الدول العربية.
في أكثر من دولة عربية أخرى، سارت الأمور على نحو رتيب وتلقائي وبلا حرارة في بعض الأحيان. المهرجانات التي شهدتها تباينت. مهرجان مثل الجونة في مصر أكّد نجاحه السابق وأضاف إليه. مهرجانات أخرى مثل «أيام قرطاج السينمائي» و«مهرجان القاهرة» ومهرجانات مصرية أخرى ومغربية راوحت مكانها على الرغم مما نجحت في رصفه من أعمال جديدة.
الدول الأخرى التي شهدت إقامة مهرجانات في السابق، مثل سوريا ولبنان والعراق والجزائر فإنّ العدّاد فيها توقف، كلياً أو عملياً، أو استمر في التوقف تبعاً لمشاكل تختلف من بلد لآخر. إمّا أنّ الحالة الاقتصادية لا تسمح، وإمّا لأنّ التمويل غير كافٍ، أو لأنّ صالات السينما قليلة والاهتمام بتغيير وضعها ووضع الصناعة برمّته مفقود.
كانت هناك تظاهرات سُمّيت بالمهرجانات، لكنّها مرّت إما من تحت الرادار أو بالكاد فوقه، وفي الحالتين لم تترك تلك التظاهرات الأثر الذي صبت إليه. استغل جمهور محدود ما أتيح له من تظاهرات ومهرجانات وأقبل بنسبة تتراوح من مهرجان لآخر حسب حجم المهرجان وطاقته وأهمية ما عرضه.

عربي بتمويل غربي؟
والجمهور العربي، في عمومه، ما يزال بعيداً عن توفير الحماية الكاملة لإنتاجات الدول العربية. هو جمهور المهتمّين والهواة وطالبي الترفيه معاً. هؤلاء يشكلون نسبة محدودة إذا ما قيست بالجمهور الذي يمضي الساعات الطويلة أمام أجهزة التلفزيون والكومبيوتر يشاهد من عليها كل ما يستطيع الوصول إليه.
لا توجد إحصائية حديثة في هذا المجال، لكن الدول التي قادت الإقبال على صالات السينما خلال العام المنتهي قريباً، تشمل السعودية والإمارات والبحرين من ثمّ المغرب ومصر. بعض الدول الأخرى لديها أسواق أصغر وجمهور أقل لكن الباحث لن يجد ما يؤيد ذلك من إحصائيات حديثة بأرقام محددة.
رغم المعيقات، فإنّ عجلة الإنتاجات السينمائية في العالم العربي ما زالت تدور. ليس بالطموح الذي يمكن معه الحديث عن تقدم عددي، وبالتالي نوعي، إنّما بالقدر الكافي لأن يتم رصدها والحديث عنها من زاوية البحث عن الأكثر تميّزاً بينها في عداد 2021.
في الأساس، ما زالت السينما العربية تتكل، على نحو عام، على التمويل الغربي. والكثير من الحديث يدور في كل سنة حول الشروط التي يخضع لها منتجون ومخرجون عرب للفوز بتمويل أفلامهم عبر شركات فرنسية وألمانية وهولندية ودنماركية وبريطانية وسواها.
هذا الحديث الذي استرسل خلال السنة الحالية، كذلك مفاده أنّ الشركات الأجنبية توافق على السيناريوهات التي تعرض الجوانب السلبية من الحياة العربية، التي تدور حول المجتمعات والتقاليد وتنتقدها. أيضاً تلك التي تتحدث عن حقوق مهضومة للأقليات أو للنساء أو للأطفال. حسب قول أحد المخرجين: «إذا كان لديك سيناريو لفيلم تسجيلي أو روائي يعرض الصور السلبية وحدها، فإن لديك حظاً وافرا في نيل الموافقة على مشروعك».
آخر الأفلام العربية التي أدرجها هذا القول من قبيل التأكيد فيلم «ريش» لعمر الزهيري (مصر).
بعض آخر (أغلبهم ممن نال تمويلاً أجنبياً) ينفي هذا الوضع برمّته. يقولون إنّ الغرب لا يضع شروطاً ولا يفرض قيوداً أو ضغوطاً. ما يجدونه في مكاتب الشركات الأجنبية هو الدعم لقاء استحواذ حقوق العرض كما حال كل الإنتاجات الغربية ذاتها.
على ذلك، تجدر ملاحظة أنّ التوجه إلى الغرب طمعاً في التمويل بالنسبة لعدد لا بأس به من الأفلام العربية، ناتج عن فقر المؤسسات التي تستطيع أن ترعى سينمائيي الدول العربية. لا توجد شركات كبيرة تتموضع بحيث يمكن اللجوء إليها لتأمين ميزانيات أفلام مختلفة عن السائد (المُنتج غالبه في مصر)، وذلك لسبب جوهري: لا يوجد توزيع جيد من قبل شركات تؤمن عروض الفيلم في كل الدول العربية أو - على الأقل - في نصفها. وبعض هذا السبب يكشف عن سبب أعمق: العديد من الدول تفتقر إلى صالات السينما التي تؤمن ما هو ليس مصرياً أو هندياً أو أميركياً.
مرة ثانية، تبرز قيمة لا مثيل لها بإطلاق صناديق الدعم السعودية عبر مهرجان «البحر الأحمر الدولي» للأفلام المحلية في المملكة ولكل صاحب طموح عربي خارجها. المساهمات هنا تتم لقاء طلب وحيد، هو أن يُعرض الفيلم في الدورة المقبلة (أو التي تليها) من المهرجان. طلب عادي يمنح المهرجان السعودي معيناً من الأفلام علماً بأنه سيوالي كذلك سعيه لاستحواذ أفلام عربية أخرى لم يدعمها.

شدّت الرحال
هذا ما يدلف بنا إلى ما شهدته سنة 2021، من أفلام عربية تستحق التوقف عندها في هذا الاستعراض بصرف النظر عن نقاط نجاح أو فشل.
من هذا المنظور، فإنّ عام 2021 بدأ بدخول فيلم «الرجل الذي باع ظهره» لكوثر بن هنية، المربّع الأخير في ترشيحات الأوسكار السينمائية في مطلع السنة. كان هذا الفيلم التونسي الأول الذي ينجح في دخول الترشيحات الأخيرة فاز أو لم يفز. هو أيضاً واحد من تلك الأفلام التي انتُقد للجوئه إلى الشركات الغربية (فرنسية وألمانية وتركية وسويدية وبلجيكية)، وكذلك، رُفض هذا الانتقاد على أساس أنّ المشروع، بحجم مساحته ومتطلباته، لم يكن ليتم لو أنّ التمويل لم يحصل من قِبل تلك الجهات الإنتاجية.
النقد والرد عليه لا يفيدا كثيراً طالما أنّ وضع الصناعة السينمائية في غالبية البلاد العربية ليس مستقرّاً. ما هو أهم، هو أنّ المزيد من الأفلام العربية شهدت عروضها في مهرجانات دولية هذه السنة ولفتت انتباه (وأحياناً ثناء) الإعلام العالمي.
‫من بين هذه الأفلام خمسة شدّت رحالها إلى مهرجان «كان» السينمائي هي «ريش» لعمر الزهيري (الذي نال جائزة جمعية اتحاد النقاد والصحافيين العالميين - فبريسكي) و«لينغوي» لمحمد صالح هارون (الصومال) و«زوجة حفّار القبور» لعيدروس خضر أحمد (الصومال) و«البحر أمامكم» لإيلي داغر (لبنان) و«علي صوتك» لنبيل عيّوش الذي عُرض داخل المسابقة الرسمية. كما عرض «أوروبا» لحيدر رشيد في تظاهرة «نصف شهر المخرجين» الموازية لأعمال المهرجان الفرنسي.‬
بدوره عرض مهرجان برلين في مسابقته الرسمية «دفاتر مايا» لجوانا حاجي توما وخليل جريج بينما عرض مهرجان فنيسيا «أميرة» لمحمد دياب (وهو إنتاج مصري - أردني - الإمارات العربية المتحدة) في قسم «آفاق». كذلك شوهد فيلم «الغريب» لأمير فخر الدين في تظاهرة منفصلة انطلق من بعدها، كما «أميرة» صوب مهرجانات أخرى.
كل من «الغريب» و«أوروبا» و«زوجة حفّار القبور» و«أميرة» و«البحر أمامكم» و«علي صوتك» تمثّل بلدانها بين الأفلام التي تمر إرسالها لدخول مسابقة أوسكار «أفضل فيلم عالمي». الأفلام العربية الأخرى التي دخلت ذلك السباق: «حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)، «سعاد» لأيتن أمين (مصر)، «هيليوبوليس» لجعفر قاسم (الجزائر)، «كوستابرافا» لمنية عقل (لبنان)، و«فرططو الذهب» لعبد الحميد بوشناق (تونس).
الأكثر حظّاً في الانتقال من خانة تمثيل بلدانها إلى المرحلة الرسمية الأولي (انتخاب نحو إحدى عشر فيلماً لدخول الجولة الرسمية الثانية) هو «حد الطار» السعودي و«الغريب» هذا الأخير يداخله تمويل ألماني وسوري وقطري ولو أنه مقدّم باسم فلسطين.

نهضة أفلام سعودية
«حد الطار» هو أحد الأفلام السعودية المتعددة التي أفصح مهرجانا «البحر الأحمر» و«أفلام من السعودية» عن وجودها لتؤكد نهضة محلية تستفيد من دعم الدولة ومن موهبة واندفاع الجيل الجديد من صانعي السينما السعوديين. في إطار مهرجان «البحر الأحمر» وحده عرض ثمانية أفلام سعودية الإنتاج على نحو كامل لمخرجين سعوديين وما يماثلها تقريباً من أفلام شهدت دعماً سعودياً لمشاريع ومخرجين غير سعوديين.
من بين الأفلام السعودية المحلية «جنون» لمعن وياسر بن عمد الرحمن و«دولاب في» لأنس باطهف و«قوارير» لرغيد النهدي ونور الأمير ورُبى خفاجي من بين مخرجات أخريات. هذا هو حال فيلم آخر بعنوان «بُلوغ» شاركت في إخراجه خمس مواهب نسائية بينهن هند الفهّاد وفاطمة البنوي وجواهر العامري ونور الأمير.
من ناحيته عرض مهرجان أفلام السعودية ما بين الأول والسابع من يوليو (تموز) هذه السنة، 36 فيلماً ضمن برنامج سينما سعودية من بينها 14 فيلما تنافست على الجوائز، بينما توزعت الأفلام الباقية (22 فيلماً) في العروض الموازية.
العديد من الأفلام العربية المختلفة عُرضت في مهرجانات ثلاث هي «مالمو»، و«أيام قرطاج السينمائية»، و«مهرجان آسيا الدولي» في لوس أنجليس. كذلك خص «مهرجان القاهرة السينمائي» تظاهرته المعتادة تحت عنوان «آفاق السينما العربية» لعرض تلك التي اختارها للغاية.
على صعيد آخر، فالمهرجانات العربية أو ذات الإدارة العربية التي شهدت تقدّماً مهنياً واحترافياً أكثر من سواها هي: «مهرجان البحر الأحمر» و«مهرجان الجونة» و«مهرجان مالمو» و«مهرجان أفلام السعودية» و«مهرجان آسيا الدولي».
وفي حين باتت هذه المهرجانات المعين الأول لاستكشاف تيارات السينما العربية ومشاغلها، تتبدّى حقيقة أنّ السينما العربية حافظت على ما تعاملت به، خلال السنوات الماضية، من قضايا وطروحات. لا يمكن لومها في تداول مسائل اجتماعية أساسية تعيشها المجتمعات العربية أو أحداثاً تمر بها، لكنّ العديد منها برهن على أنّه يرفع قضاياه إلى الخط الأول من الاهتمام ويخفق في دفع الشروط الفنية إلى المصاف ذاته.
السينما اللبنانية، في هذا النطاق، ما زالت تتعامل مع الحرب الأهلية اللبنانية أو تبعاتها الحاصلة إلى اليوم. في عام 2021 شاهدنا ذلك مترجماً إلى عدد لا بأس به من الأفلام من بينها «دفاتر مايا» لجوانا حاجي توما وخليل جريج (عن فتح ملفات وذكريات تلك الحرب بعد سنوات من انتهائها)، و«يوسف» لكاظم فياض (عن تجارة السلاح في لبنان اليوم)، و«أعنف حب» لإيليان الراهب (مساءلة شخص عن دوره في تلك الحرب).
لكن هذا لا يعني أنّ الحرب ومداولاتها هي كل ما عرفته هذه السينما المصرّة على الاستمرار رغم الظروف الصعبة. إلى جانبها كانت هناك أفلام بديعة بمواضيع مختلفة من بينها «قلتلك خلص» لإيلي خليفي، و«تحت السماوات والأرض» لروي عريضة، و«النزلاء الزرق» لزينة دكّاش.
بلد آخر قريب يرزح تحت تلك الظروف المعاكسة، هو سوريا، والمشكلة هنا أنّ الأفلام المعادية للحكم هناك، لا تحاول أن تطرح سياسيا ما يجب طرحه حتى وإن أُنتج وصُوّر في مأمن. هذه المشكلة برزت في فيلمين هذه السنة، هما «نحن من هناك» لوسام طانيوس (الذي ينتمي كذلك إلى ازدهار أفلام يتناول فيها المخرجون شخصيات عائلية)، و«فلسطين الصغرى» لعبد الله الخطيب.
على نحو مخالف شوهد فيلمان سوريان جيدان هما، «المترجم» لرنا كزكز وأنس خلف ويدور حول ويلات الحرب الدائرة، و«الظهر إلى الجدار» لأوس محمد الذي بدوره يتعامل مع الوضع الحالي وكلاهما يمرّرا رسالتيهما من دون خطابة أو مباشرة.

أحداث مصوّرة وتحفة
وهناك تيار نسائي يحمل في ثناياه حسنات وسيئات الانفصال عن السينما ككيان جامع. على سبيل المثال يعكس فيلم «سعاد» لأيتن أمين (مصر)، وضع الفتاة التي تحمل وجهين متلازمين في حياتها؛ واحد ملتزم دينياً والآخر متحرر. في «كما أريد» لسماهر القاضي (مصر)، دور المرأة في مظاهرات 2013، وما عانته من المتظاهرين أنفسهم تدخل تحت بند التحرّش.
أفضل فيلم مصري شوهد خلال 2021، لن يكون سوى «صندوق الدنيا» لأحمد بهات، يليه مجموعة تعبت لإنجاز الفيلم المختلف عن السائد وحققت نجاحات أقل من المطلوب من بينها «ريش» لعمر الزهيري (شهد انقساماً شديداً حوله)، و«قابل للكسر» لأحمد رشوان (تسجيلي)، و«حظر تجوّل» لأمير رمسيس، و- مؤخراً - «أبو صدّام» لنادين خان، و«من القاهرة» لهالة جلال.
موضوع الهجرة من البلاد العربية إلى الغرب تراجع عما كان عليه في العامين الماضيين، لكنه ما يزال حاضراً. في «أوروبا» لحيدر رشيد، حكاية الشاب الذي يركض في غابات بلغاريا هرباً من مطارديه وبحثاً عن لجوء من أي نوع. ويستخدم «رجل خشب» لقتيبة الجنابي الرمز لإيصال غايته. المهاجر هنا رجل من خشب تشدّه الذكريات إلى وطنه والأمل في إيجاد بيت يحميه في الغربة معاً.
في آخر مطاف هذه السنة، سُحب فيلم «أميرة» لمحمد دياب من تمثيل الأردن في سباق الأوسكار، وتحوّل إلى مشكلة سياسية بين أطرافه وصانعيه.
آخر ما شوهد من أفلام عربية في سبيل رصد نشاطاتها فيلم «لو انهارت الجدران» للمغربي حكيم بلعبّاس: 17 قصة في فيلم من ساعتين وربع كل منها تصلح لتكون فيلماً منفصلاً. تجربة فريدة من نوعها. هذا الفيلم و«استعادة» لرشيد مشهراوي الذي عُرض في مهرجان البحر الأحمر (وتمّت مشاهدته في عرض خاص) كما «صندوق الدنيا» لأحمد البهات، و«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي، و«قلتلك خلص» لإيلي خليفي، و«الظهر إلى الجدار» لأوس محمد، و«دفاتر مايا» للزوجين جومانا حاجي توما وخليل جريج، هي أفضل ما شوهد من أفلام عربية هذا العام.


مقالات ذات صلة

شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

سينما «خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)

شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

يحاصر المخرج محمد حمّاد شخصياته بأوضاع اجتماعية جادّة. ولأنها جادّة فهي أيضاً صعبة.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» تولدت خلال جنازة والده.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

ممثلون كبار ندموا على أدوار قدّموها وتجاورت على رفوف منازلهم جوائز الأوسكار مع جوائز الراتزي عن أسوأ أداء... مَن هم هؤلاء النجوم؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

قالت المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم» لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

قال المخرج البنغالي رضوان شهريار سوميت، إن فيلمه «ماستر» جاء نتيجة مراقبة طويلة للتحولات الاقتصادية التي تشهدها بلاده.

أحمد عدلي (القاهرة )

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.


شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)
«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)
TT

شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)
«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)

«خروج آمن»

★★★★

• إخراج: محمد حمّاد

• النوع: دراما اجتماعية | مصر

معالجة إنسانية لشخصيات تبحث عن خلاص

يحاصر المخرج محمد حمّاد شخصياته بأوضاع اجتماعية جادّة. ولأنها جادّة فهي أيضاً صعبة. في فيلمه الأول «أخضر يابس» نجد بطلته امرأة يفوتها قطار الحياة بسرعة، ذلك الذي تستخدمه في المواصلات بطيئاً لكنه مستديم. مشكلتها أنها باتت وحيدة، حتى وإن كانت تعيش مع شقيقتها التي تتوق للزواج ولا تشعر بآلام شقيقتها الكبرى. يتجلّى عن ذلك الوضع سرد قاتم وإنساني للحالة التي يستعرضها الفيلم.

هذا يتكرّر في «خروج آمن» (ثاني فيلم روائي طويل للمخرج حمّاد منذ «أخضر يابس» قبل 10 سنوات). بطله سمعان محاط بظروف قاهرة: شاب لا مستقبل منظوراً ومتوقَّعاً له. يعمل رجل أمن في عمارة يستغلّه بعض مَن فيها لتأمين حاجاته اليومية. هناك إرهابي شاب يكنّ له العداء رغم أنّ سمعان يتستَّر عليه حين يدهم الأمن المكان بحثاً عنه. ثم هناك حقيقة أنه مسيحي يشعر بالدونية وسط محيطه، ويحمل في باله وجع خسارة أبيه (عندما قتل ليبيون والده لأنه قبطي).

المقابل النسائي هنا يأتي على شكل شابة معتلّة صحياً لكنها معدومة القدرة، لا على المعالجة الصحية فحسب، بل على تلك النفسية، في مجتمع لا أحد يرى أحداً آخر فيه. سمعان وفاطمة، كلٌّ من دين مختلف، لكن المخرج لن يذهب وراء قصة حبّ بل قصة تفاهم.

يستخدم حمّاد حنكته بوصفه مخرجاً ومؤلّفاً ليضع كلّ هذه الشخصيات وسواها في أماكن صحيحة. لا بطولات ولا إنجازات ولا حتى انتصارات. الخروج الآمن الوحيد بالنسبة إلى سمعان هو ارتكاب جريمة يرتاح فيها من الشعور بالخوف والخشية ممن قتله، وبالتالي، من وضعه المتعثّر. إنه خروج آمن (أو هكذا يقرّر) من عالم مقيَّد إلى آخر أفضل.

«خروج آمن» مصوَّر بدراية تربط بين الوضع الماثل والتأطير المناسب لكل مشهد. لا تنازل عن جعل الصورة ملازمة للحالة التي يعكسها المشهد. فيعكس حمّاد النظرة الإنسانية التي يشعر بها حيال شخصياته التي تشترك في المعاناة الماثلة مع توليف صحيح لا يفلت من بين يديه.

STRANGER

★★ 1-2

• إخراج: مادس هاديغارد

• النوع: تاريخ | الدنمارك

فيلم طموح عن الحياة قبل 4000 سنة

وفق كتاب للمؤرّخ كريس كريستنس «صعود عصر المجتمع البرونزي» الصادر عام 2023، فإن ملابس الشعوب الإسكندنافية سنة 2000 قبل الميلاد كانت عبارة عن رداء يشمل القامة من الكتفين لما بعد الركبتين. ما نراه في الفيلم العائدة أحداثه إلى 4000 سنة قبل الميلاد، فإن الملابس كانت شبيهة، باستثناء أنها كانت قصيرة للنساء وطويلة للرجال.

«غريبة»... الهجرة التي لم تنقطع يوماً (موتور برودكشن)

هل يمكن أن تكون ملابس شخصيات الفيلم على هذا النحو قبل 6000 سنة من اليوم؟ ماذا عن الذقون المحلوقة جيداً؟ ثم ماذا عن القول إنّ بعض الإسكندنافيين اكتشفوا بذور القمح والزراعة في ذلك الحين؟

لا أرغب الخوض في هذا الشأن إلا من باب التمنّي لو أنّ المخرج قدَّم المرحلة الزمنية نحو 2000 سنة إلى الأمام، لأنّ هناك تفاصيل كثيرة تحتاج إلى التدقيق. يستدعي «غريبة» الإعجاب في بعض نواحيه. من بينها حياكته قصة جديدة على هيئة موضوع يدور حول قبيلتين تنتمي بطلة الفيلم آثي (أنجيلا بوندالوفيتش) إلى إحداهما، التي وصلت إلى بقعة جديدة من الغابات الإسكندنافية (لا تبدو لي صالحة للزرع ولكن...) للاستقرار فيها. لكن القبيلة الأخرى هاجمتها وقتلت معظم أفرادها. الناجيان الوحيدان هما آثي وشقيقها ثاران (بنجامين شريفزاده) اللذان يقعان في قبضة القبيلة ويتحمّلان سوء معاملتها. لا تستمر الأحداث بمثل هذا التصاعد، بل تتحوّل إلى متابعة لا تغادر مكانها. يخفق الفيلم في إثارة اهتمام أوسع أو في إثراء حكايته لتصبح ضرورية. هو من ساعتين، ولو كان أقل ومنح مشاهديه الرغبة في التواصل مع مشكلته، لحقَّق نجاحاً أعلى. لكن ثمة ما يمكن إضافته إلى إيجابياته القليلة، وهو أنه منذ البداية يومئ بربط ما يدور حول الهجرة من موقع لآخر مع الهجرة التي لم تنقطع يوماً وتنتشر في زمننا الحاضر حول العالم بأسره.

WAR MACHINE

آلة حرب

★★ 1-2

• إخراج: باتريك هيوز

• النوع: أكشن/ خيال علمي | الولايات المتحدة

لا يفل الحديد إلا الحديد

ليس في الحبكة هنا ما هو جديد بالفعل. سبق للأرض أن دافعت عن نفسها ضدّ غزاة من الفضاء (بأشكالهم المتعدّدة) منذ الأربعينات. كذلك يذكّر الفيلم بالجزء الأول من سلسلة «المفترس» (إخراج جون مكتيرنان، 1987) باستثناء أنّ الشخصيات الموزَّعة في ذلك الفيلم تحت قيادة أرنولد شوارتزنيغر كانت أكثر صلابة.

«آلة حرب»... الحديد بالحديد (نتفليكس)

في جميع الأحوال، يعتمد الفيلم الجديد على نخبة من الجيش الأميركي يعهد إليها التحقُّق مما يحدث، وذلك بعد مدّة طويلة من التدريبات لاختيار الأكثر صلابة وقوة بين المجندين. الرقم 81 (آلان ريتشسون) يبزّ جميع الآخرين، وينطلق لمجابهة هذا الغزو الغريب. معظم أفراد فرقته يُباد، والوحش الآلي يبدو أقوى بكثير ولا سبيل لدحره. لكن لا يفني الحديد سوى الحديد، كما نرى عند نهاياته.

يوظّف المخرج وفريقه مناطق التصوير (نيوزيلندا وأستراليا) جيداً، ويفيد ذلك في مزج الأماكن الطبيعية في لُحمة المخاطر التي لا تتوقَّف (نهر جارف، جبال وعرة، وديان سحيقة...). مجموع ما تولّده الحبكة بعد نحو نصف ساعة من بداية الفيلم، وأماكن تصويرها، بالإضافة إلى مواجهة آلة الروبوت المسلّحة التي لا يمكن قهرها، نافع بوصفه تسلية وترفيهاً.

الممثل الأول ريتشسون لا يحلّ تماماً مكان شوارتزنيغر وجاذبيته، لكنه قابل للتصديق في مشاهد الخطر. المخرج الذي سبق وحقق «المرتزقة 3» يفهم مهنته ويؤمن تنفيذ مشاهد رائعة وتواصلاً في سرد جيد. كلّ ذلك لن يرفع الفيلم إلى أكثر من المستوى المعهود لأفلام تلتزم بالحركة وتتخلَّى عن عمق شخصياتها ومدلولاتها.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«مارتي سوبريم» و«سيرات»… مرشحا الأوسكار يفتتحان موسم أفلام العيد

«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
TT

«مارتي سوبريم» و«سيرات»… مرشحا الأوسكار يفتتحان موسم أفلام العيد

«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)

مطلع الأسبوع المقبل تعلن جوائز الأوسكار التي يترقبها عشاق السينما، وبعدها بأربعة أيام تبدأ صالات السينما السعودية في عرض أفلام رُشحت للفوز بالأوسكار، إذ يصل فيلما «مارتي سوبريم» Marty Supreme و«سيرات» Sirāt إلى دور السينما ليلة العيد، وتحديداً في 19 مارس (آذار)، ليأتي عرضهما في توقيت لافت، حيث يُتوقع أن ينعشا صالات السينما المحلية التي دخلت في حالة ركود نسبي خلال شهر رمضان.

وينتقل هذان الفيلمان سريعاً من دائرة ترشيحات الأوسكار إلى شباك التذاكر، في انعكاس للتحولات التي شهدتها سوق السينما في المملكة خلال السنوات الماضية، فبعد أن كانت أفلام المهرجانات تصل إلى الجمهور المحلي بفارق زمني طويل عن طرحها العالمي، باتت اليوم تُعرض في توقيت متقارب مع عرضها الدولي، ما يجعل الجمهور السعودي جزءاً من دورة المشاهدة العالمية للأفلام المرتبطة بموسم الجوائز.

تيموثي شالاميه في مشهد من الفيلم (imdb)

تيموثي شالاميه في سباق أفضل ممثل

يأتي فيلم «مارتي سوبريم» في مقدمة الأفلام المنتظرة، والتي لفتت الأنظار خلال موسم جوائز هذا العام، خصوصاً مع الأداء الاستثنائي الذي قدمه النجم الأميركي تيموثي شالاميه في دور لاعب تنس الطاولة مارتي ماوزر، وهي شخصية مستوحاة من اللاعب الأميركي الشهير مارتي ريسمان الذي كان أحد أبرز نجوم اللعبة في خمسينات القرن الماضي.

الفيلم من إخراج جوش سافدي، ودخل سباق جوائز الأوسكار بعدة ترشيحات، أبرزها أفضل فيلم وأفضل ممثل لتيموثي شالاميه، إضافة إلى ترشيحات في عدد من الفئات الفنية الأخرى. ويعد هذا الترشيح محطة مهمة في مسيرة شالاميه، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز نجوم جيله في هوليوود، خصوصاً بعد أدواره في أفلام مثل «Dune» و«Call Me by Your Name».

وجاء العرض الأول للفيلم في مهرجان نيويورك السينمائي 2025 قبل أن يُطرح تجارياً في دور العرض الأميركية نهاية العام نفسه عبر شركة «A24» التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز شركات الإنتاج والتوزيع المرتبطة بالأفلام المرشحة للجوائز. ومع طرحه التجاري، تحول «مارتي سوبريم» إلى أحد أبرز عناوين موسم الجوائز، مدعوماً بإشادات واسعة بأداء شالاميه.

فيلم «سيرات» مرشح الأوسكار عن فئة أفضل فيلم دولي (imdb)

«سيرات»... رحلة إنسانية معقدة

في المقابل، يقدم فيلم «سيرات» تجربة سينمائية مختلفة تنتمي إلى السينما الأوروبية ذات الطابع التأملي، وهو فيلم من إخراج المخرج الفرنسي الإسباني أوليفر لاكس المعروف بأسلوبه البصري الهادئ، واعتماده على الطبيعة بوصفها عنصراً أساسياً في بناء الصورة السينمائية.

وتدور أحداثه حول أب يُدعى لويس، يؤدي دوره الممثل الإسباني سيرجي لوبيز، ينطلق في رحلة عبر صحراء جنوب المغرب بحثاً عن ابنته التي اختفت خلال حفلة موسيقية في منطقة صحراوية نائية، ويرافقه في الرحلة ابنه الصغير، لتتحول هذه المغامرة تدريجياً إلى حالة إنسانية تتجاوز مجرد البحث عن شخص مفقود. وخلال الطريق، يلتقي الأب بمجموعة من الشباب الرحّل الذين يتنقلون بين حفلات موسيقى إلكترونية تُقام في الصحراء، حيث تختلط الأسئلة العائلية بالبحث عن المعنى والهوية، في عمل يعتمد على الإيقاع البصري وبناء الأجواء أكثر من اعتماده على التسلسل المباشر للأحداث.

ولفت الفيلم الأنظار منذ عرضه الأول في مهرجان كان السينمائي 2025، حيث شارك في المسابقة الرسمية، وتمكن من الفوز بجائزة لجنة التحكيم، وهي إحدى الجوائز الرئيسة في المهرجان، كما اختير «سيرات» لتمثيل إسبانيا في فئة أفضل فيلم دولي في جوائز الأوسكار، ليكون أحد الأفلام الأوروبية المنافسة في هذه الفئة خلال الدورة الحالية من الجائزة.

«شباب البومب3»... الكوميديا السعودية

وبينما تحضر أفلام موسم الجوائز في موسم العيد، لا يغيب الإنتاج المحلي عن صالات السينما، إذ ينضم إليها الفيلم الكوميدي «شباب البومب3»، الذي يبدأ عرضه أيضاً في 19 مارس، وهو امتداد لسلسلة الأفلام المقتبسة من المسلسل التلفزيوني الشهير «شباب البومب» الذي حقق شعبية واسعة في السعودية على مدى سنوات، واستطاعت السلسلة أن تنقل هذا النجاح إلى السينما، حيث حقق الجزآن السابقان حضوراً قوياً في شباك التذاكر المحلي.

يقود بطولة الفيلم الممثل السعودي فيصل العيسى إلى جانب محمد الحربي وعبد العزيز الفريحي وسلمان المقيطيب، في عمل يواصل تقديم مغامرات مجموعة من الأصدقاء التي اعتاد الجمهور على متابعتها في المسلسل الرمضاني. كما تدور أحداث الجزء الجديد حول عامر (فيصل العيسى) الذي يخطط لقضاء عطلة صيفية مع أصدقائه، غير أن خطته تصطدم بإصرار عائلته على مرافقته في الرحلة.

أفلام عالمية منتظرة

وإلى جانب أفلام موسم الجوائز، تشهد صالات السينما في موسم العيد عروضاً لأفلام عالمية أخرى بدأت بالفعل رحلتها في دور العرض الدولية خلال الأسابيع الماضية. من بينها فيلم الرعب «الغرباء: الفصل الثالث» The Strangers: Chapter 3، وهو أحدث أجزاء سلسلة الرعب الشهيرة التي تعود جذورها إلى فيلم The Strangers الصادر عام 2008. ويأتي الفيلم من إخراج ريني هارلن ويضم في بطولته مادلين بيتش وغابرييل باسو وإيما هورفاث، ويتابع قصة الناجية الوحيدة من هجمات الغرباء المقنّعين، والتي تجد نفسها مجدداً في مواجهة قاتليها أثناء محاولتها الهروب من المدينة.

كما ينضم إلى العروض فيلم «ذا برايد» The Bride!، وهو عمل درامي ذو طابع قوطي مستلهم من أسطورة فرانكنشتاين، ومن إخراج وكتابة ماغي جيلنهال ويضم طاقماً لافتاً من النجوم يتقدمه كريستيان بيل وجيسي باكلي، في حين تدور أحداث الفيلم في ثلاثينات القرن الماضي حول امرأة تُعاد إلى الحياة لتصبح «عروس الوحش»، في إعادة تخيّل معاصرة لفيلم Bride of Frankenstein الكلاسيكي.

موسم سينمائي ساخن

ويمكن القول إن موسم أفلام العيد في السعودية هذا العام يحمل قدراً كبيراً من التنوع والإثارة، إذ يجمع بين أعمال قادمة من قلب موسم الجوائز العالمية، وأخرى تنتمي إلى السينما السعودية الجماهيرية. وبين فيلم أميركي يتتبع صعود لاعب رياضي في عالم تنافسي، وفيلم أوروبي يقدم رحلة إنسانية في الصحراء، وفيلم سعودي كوميدي يعتمد على نجومية مسلسل تلفزيوني ناجح، يجد الجمهور نفسه أمام خيارات سينمائية متعددة في موسم واحد.

ومع استمرار توسع سوق السينما في المملكة، وازدياد عدد دور العرض، يبدو أن هذا التنوع سيصبح سمة أكثر وضوحاً في السنوات المقبلة، حيث تتقاطع الإنتاجات المحلية مع الأفلام العالمية في برامج العرض، لتمنح الجمهور فرصة متابعة أحدث التجارب السينمائية في وقت واحد.