سينما المهرجانات العربية تعكس الطموحات المحقّة

الحدث الأهم سعودي

«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)
«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)
TT

سينما المهرجانات العربية تعكس الطموحات المحقّة

«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)
«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)

ندلف في هذه الأيام من عام لآخر. الفاصل ربما كان واهياً لمن يعتقد أنّ الأمور تمضي كعادتها من دون جدول زمني معين. الكورونا ومتحوّراته مثال واضح. كم يتمنى المرء لو أنّ الوباء يتوقف في الحادي والثلاثين من هذا الشهر، فجأة، كما وُلد فجأة، لكنّه لا يعرف شيئاً عن أيام الأسبوع ولا جداول الشهر أو السنين.
على ذلك، هناك من يصر على اعتبار أنّ كل سنة تبدأ وتنتهي في حدودها الزمنية وعلى ذلك، لا بدّ لنا من الامتثال لهذا الوضع فنستفيد من أخطائنا، ونخطط لأهدافنا، من ثمّ نراجع ما حققناه منها أو لم نحقق ولماذا.
في نطاق واسع كالسينما، لا بد من هذه الوقفات ومن مراجعة ما حُقّق وما لم يُحقّق. ما نجح وما فشل. كيف تصرّفت السينما حيال طموحاتها وما الذي أنجزته من أحداث ومشاريع وتوجّهات. وعلى حلقتين متواليتين سنقوم بهذه المراجعة على أدق نحو نستطيعه، متوقفين عند النجاحات والإخفاقات والتيارات والأفلام معاً.
الحلقة الأولى هنا، هي عن السينما العربية التي ما زالت تتنفس الآمال والأحلام والإنجازات.
تبعاً لذلك، فإنّ الحدث الأهم في السينما العربية خلال سنة 2021، هو إطلاق الدورة الأولى من مهرجان «البحر المتوسط»، أول نافذة سعودية - عالمية على السينما الحدثية والتعبير الأوفى عن رغبة المملكة في خوض غمار الصناعة السينمائية، وتمكين صانعي الأفلام السعوديين والعرب من تحقيق طموحاتهم بإمكانيات مادية لم يسبق لدعم عربي أن حققه من قبل على هذا المستوى.
بعد ثلاث سنوات فقط من نقطة التحوّل التي أقرها ولي العهد محمد بن سلمان والحكومة السعودية، التي وضعت حجر الأساس لانتقال المملكة حثيثاً صوب مجالات الفن السابع عروضاً وإنتاجاً ومهرجانات وصناديق دعم، ارتفع منسوب الإنتاجات السينمائية فيها إلى معدل غير مسبوق، وشهدت صالات السينما التي تسارع إنشاؤها لتلبية حاجة المواطن إقبالاً كبيراً (أكثر من مليون بطاقة بيعت خلال هذه الفترة).
أمّا المهرجان ذاته فقد أنجز حضوراً كبيراً على صعيد المنطقة، وتمتع بحديث الصحافة والإعلام المتلفز الغربي والآسيوي، الذي رأى فيه لا المبادرة وحدها (على أهميّتها) بل الإنجاز الذي أصر القائمون على المهرجان تأكيد نوعيته وأهميّته.

على نحو رتيب
مهرجان «البحر الأحمر» ليس المهرجان السينمائي الوحيد في المملكة، بل هناك مهرجان «أفلام من السعودية»، وهو بانوراما تشمل كل ما حُقّق خلال السنة من أفلام سعودية قصيرة وطويلة، روائية أو تسجيلية. في دورته السابعة أكّد على أهميّته، وشهد التفاف صانعي الأفلام السعوديين حوله. رئيسه التنفيذي أحمد الملا كان صادقاً حين كرر في أحاديثه أنّه يرى المهرجان حدثاً ضرورياً وحافزاً للمخرجين والسينمائيين السعوديين لتقديم أعمالهم في ربوعه.
بمقارنة كل هذا الحجم من الحضور والمثابرة التي شهدتها المملكة (وهو جزء من جهود اقتصادية واجتماعية وإعلامية شاملة) بما شهدته الدول العربية من أحداث على صعيد الإنتاجات، والصناعات ذاتها، يتبلور الحدث السعودي والتقدم الذي تحقق من خلاله أفضل وأهم إنجاز سينمائي بين الدول العربية.
في أكثر من دولة عربية أخرى، سارت الأمور على نحو رتيب وتلقائي وبلا حرارة في بعض الأحيان. المهرجانات التي شهدتها تباينت. مهرجان مثل الجونة في مصر أكّد نجاحه السابق وأضاف إليه. مهرجانات أخرى مثل «أيام قرطاج السينمائي» و«مهرجان القاهرة» ومهرجانات مصرية أخرى ومغربية راوحت مكانها على الرغم مما نجحت في رصفه من أعمال جديدة.
الدول الأخرى التي شهدت إقامة مهرجانات في السابق، مثل سوريا ولبنان والعراق والجزائر فإنّ العدّاد فيها توقف، كلياً أو عملياً، أو استمر في التوقف تبعاً لمشاكل تختلف من بلد لآخر. إمّا أنّ الحالة الاقتصادية لا تسمح، وإمّا لأنّ التمويل غير كافٍ، أو لأنّ صالات السينما قليلة والاهتمام بتغيير وضعها ووضع الصناعة برمّته مفقود.
كانت هناك تظاهرات سُمّيت بالمهرجانات، لكنّها مرّت إما من تحت الرادار أو بالكاد فوقه، وفي الحالتين لم تترك تلك التظاهرات الأثر الذي صبت إليه. استغل جمهور محدود ما أتيح له من تظاهرات ومهرجانات وأقبل بنسبة تتراوح من مهرجان لآخر حسب حجم المهرجان وطاقته وأهمية ما عرضه.

عربي بتمويل غربي؟
والجمهور العربي، في عمومه، ما يزال بعيداً عن توفير الحماية الكاملة لإنتاجات الدول العربية. هو جمهور المهتمّين والهواة وطالبي الترفيه معاً. هؤلاء يشكلون نسبة محدودة إذا ما قيست بالجمهور الذي يمضي الساعات الطويلة أمام أجهزة التلفزيون والكومبيوتر يشاهد من عليها كل ما يستطيع الوصول إليه.
لا توجد إحصائية حديثة في هذا المجال، لكن الدول التي قادت الإقبال على صالات السينما خلال العام المنتهي قريباً، تشمل السعودية والإمارات والبحرين من ثمّ المغرب ومصر. بعض الدول الأخرى لديها أسواق أصغر وجمهور أقل لكن الباحث لن يجد ما يؤيد ذلك من إحصائيات حديثة بأرقام محددة.
رغم المعيقات، فإنّ عجلة الإنتاجات السينمائية في العالم العربي ما زالت تدور. ليس بالطموح الذي يمكن معه الحديث عن تقدم عددي، وبالتالي نوعي، إنّما بالقدر الكافي لأن يتم رصدها والحديث عنها من زاوية البحث عن الأكثر تميّزاً بينها في عداد 2021.
في الأساس، ما زالت السينما العربية تتكل، على نحو عام، على التمويل الغربي. والكثير من الحديث يدور في كل سنة حول الشروط التي يخضع لها منتجون ومخرجون عرب للفوز بتمويل أفلامهم عبر شركات فرنسية وألمانية وهولندية ودنماركية وبريطانية وسواها.
هذا الحديث الذي استرسل خلال السنة الحالية، كذلك مفاده أنّ الشركات الأجنبية توافق على السيناريوهات التي تعرض الجوانب السلبية من الحياة العربية، التي تدور حول المجتمعات والتقاليد وتنتقدها. أيضاً تلك التي تتحدث عن حقوق مهضومة للأقليات أو للنساء أو للأطفال. حسب قول أحد المخرجين: «إذا كان لديك سيناريو لفيلم تسجيلي أو روائي يعرض الصور السلبية وحدها، فإن لديك حظاً وافرا في نيل الموافقة على مشروعك».
آخر الأفلام العربية التي أدرجها هذا القول من قبيل التأكيد فيلم «ريش» لعمر الزهيري (مصر).
بعض آخر (أغلبهم ممن نال تمويلاً أجنبياً) ينفي هذا الوضع برمّته. يقولون إنّ الغرب لا يضع شروطاً ولا يفرض قيوداً أو ضغوطاً. ما يجدونه في مكاتب الشركات الأجنبية هو الدعم لقاء استحواذ حقوق العرض كما حال كل الإنتاجات الغربية ذاتها.
على ذلك، تجدر ملاحظة أنّ التوجه إلى الغرب طمعاً في التمويل بالنسبة لعدد لا بأس به من الأفلام العربية، ناتج عن فقر المؤسسات التي تستطيع أن ترعى سينمائيي الدول العربية. لا توجد شركات كبيرة تتموضع بحيث يمكن اللجوء إليها لتأمين ميزانيات أفلام مختلفة عن السائد (المُنتج غالبه في مصر)، وذلك لسبب جوهري: لا يوجد توزيع جيد من قبل شركات تؤمن عروض الفيلم في كل الدول العربية أو - على الأقل - في نصفها. وبعض هذا السبب يكشف عن سبب أعمق: العديد من الدول تفتقر إلى صالات السينما التي تؤمن ما هو ليس مصرياً أو هندياً أو أميركياً.
مرة ثانية، تبرز قيمة لا مثيل لها بإطلاق صناديق الدعم السعودية عبر مهرجان «البحر الأحمر الدولي» للأفلام المحلية في المملكة ولكل صاحب طموح عربي خارجها. المساهمات هنا تتم لقاء طلب وحيد، هو أن يُعرض الفيلم في الدورة المقبلة (أو التي تليها) من المهرجان. طلب عادي يمنح المهرجان السعودي معيناً من الأفلام علماً بأنه سيوالي كذلك سعيه لاستحواذ أفلام عربية أخرى لم يدعمها.

شدّت الرحال
هذا ما يدلف بنا إلى ما شهدته سنة 2021، من أفلام عربية تستحق التوقف عندها في هذا الاستعراض بصرف النظر عن نقاط نجاح أو فشل.
من هذا المنظور، فإنّ عام 2021 بدأ بدخول فيلم «الرجل الذي باع ظهره» لكوثر بن هنية، المربّع الأخير في ترشيحات الأوسكار السينمائية في مطلع السنة. كان هذا الفيلم التونسي الأول الذي ينجح في دخول الترشيحات الأخيرة فاز أو لم يفز. هو أيضاً واحد من تلك الأفلام التي انتُقد للجوئه إلى الشركات الغربية (فرنسية وألمانية وتركية وسويدية وبلجيكية)، وكذلك، رُفض هذا الانتقاد على أساس أنّ المشروع، بحجم مساحته ومتطلباته، لم يكن ليتم لو أنّ التمويل لم يحصل من قِبل تلك الجهات الإنتاجية.
النقد والرد عليه لا يفيدا كثيراً طالما أنّ وضع الصناعة السينمائية في غالبية البلاد العربية ليس مستقرّاً. ما هو أهم، هو أنّ المزيد من الأفلام العربية شهدت عروضها في مهرجانات دولية هذه السنة ولفتت انتباه (وأحياناً ثناء) الإعلام العالمي.
‫من بين هذه الأفلام خمسة شدّت رحالها إلى مهرجان «كان» السينمائي هي «ريش» لعمر الزهيري (الذي نال جائزة جمعية اتحاد النقاد والصحافيين العالميين - فبريسكي) و«لينغوي» لمحمد صالح هارون (الصومال) و«زوجة حفّار القبور» لعيدروس خضر أحمد (الصومال) و«البحر أمامكم» لإيلي داغر (لبنان) و«علي صوتك» لنبيل عيّوش الذي عُرض داخل المسابقة الرسمية. كما عرض «أوروبا» لحيدر رشيد في تظاهرة «نصف شهر المخرجين» الموازية لأعمال المهرجان الفرنسي.‬
بدوره عرض مهرجان برلين في مسابقته الرسمية «دفاتر مايا» لجوانا حاجي توما وخليل جريج بينما عرض مهرجان فنيسيا «أميرة» لمحمد دياب (وهو إنتاج مصري - أردني - الإمارات العربية المتحدة) في قسم «آفاق». كذلك شوهد فيلم «الغريب» لأمير فخر الدين في تظاهرة منفصلة انطلق من بعدها، كما «أميرة» صوب مهرجانات أخرى.
كل من «الغريب» و«أوروبا» و«زوجة حفّار القبور» و«أميرة» و«البحر أمامكم» و«علي صوتك» تمثّل بلدانها بين الأفلام التي تمر إرسالها لدخول مسابقة أوسكار «أفضل فيلم عالمي». الأفلام العربية الأخرى التي دخلت ذلك السباق: «حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)، «سعاد» لأيتن أمين (مصر)، «هيليوبوليس» لجعفر قاسم (الجزائر)، «كوستابرافا» لمنية عقل (لبنان)، و«فرططو الذهب» لعبد الحميد بوشناق (تونس).
الأكثر حظّاً في الانتقال من خانة تمثيل بلدانها إلى المرحلة الرسمية الأولي (انتخاب نحو إحدى عشر فيلماً لدخول الجولة الرسمية الثانية) هو «حد الطار» السعودي و«الغريب» هذا الأخير يداخله تمويل ألماني وسوري وقطري ولو أنه مقدّم باسم فلسطين.

نهضة أفلام سعودية
«حد الطار» هو أحد الأفلام السعودية المتعددة التي أفصح مهرجانا «البحر الأحمر» و«أفلام من السعودية» عن وجودها لتؤكد نهضة محلية تستفيد من دعم الدولة ومن موهبة واندفاع الجيل الجديد من صانعي السينما السعوديين. في إطار مهرجان «البحر الأحمر» وحده عرض ثمانية أفلام سعودية الإنتاج على نحو كامل لمخرجين سعوديين وما يماثلها تقريباً من أفلام شهدت دعماً سعودياً لمشاريع ومخرجين غير سعوديين.
من بين الأفلام السعودية المحلية «جنون» لمعن وياسر بن عمد الرحمن و«دولاب في» لأنس باطهف و«قوارير» لرغيد النهدي ونور الأمير ورُبى خفاجي من بين مخرجات أخريات. هذا هو حال فيلم آخر بعنوان «بُلوغ» شاركت في إخراجه خمس مواهب نسائية بينهن هند الفهّاد وفاطمة البنوي وجواهر العامري ونور الأمير.
من ناحيته عرض مهرجان أفلام السعودية ما بين الأول والسابع من يوليو (تموز) هذه السنة، 36 فيلماً ضمن برنامج سينما سعودية من بينها 14 فيلما تنافست على الجوائز، بينما توزعت الأفلام الباقية (22 فيلماً) في العروض الموازية.
العديد من الأفلام العربية المختلفة عُرضت في مهرجانات ثلاث هي «مالمو»، و«أيام قرطاج السينمائية»، و«مهرجان آسيا الدولي» في لوس أنجليس. كذلك خص «مهرجان القاهرة السينمائي» تظاهرته المعتادة تحت عنوان «آفاق السينما العربية» لعرض تلك التي اختارها للغاية.
على صعيد آخر، فالمهرجانات العربية أو ذات الإدارة العربية التي شهدت تقدّماً مهنياً واحترافياً أكثر من سواها هي: «مهرجان البحر الأحمر» و«مهرجان الجونة» و«مهرجان مالمو» و«مهرجان أفلام السعودية» و«مهرجان آسيا الدولي».
وفي حين باتت هذه المهرجانات المعين الأول لاستكشاف تيارات السينما العربية ومشاغلها، تتبدّى حقيقة أنّ السينما العربية حافظت على ما تعاملت به، خلال السنوات الماضية، من قضايا وطروحات. لا يمكن لومها في تداول مسائل اجتماعية أساسية تعيشها المجتمعات العربية أو أحداثاً تمر بها، لكنّ العديد منها برهن على أنّه يرفع قضاياه إلى الخط الأول من الاهتمام ويخفق في دفع الشروط الفنية إلى المصاف ذاته.
السينما اللبنانية، في هذا النطاق، ما زالت تتعامل مع الحرب الأهلية اللبنانية أو تبعاتها الحاصلة إلى اليوم. في عام 2021 شاهدنا ذلك مترجماً إلى عدد لا بأس به من الأفلام من بينها «دفاتر مايا» لجوانا حاجي توما وخليل جريج (عن فتح ملفات وذكريات تلك الحرب بعد سنوات من انتهائها)، و«يوسف» لكاظم فياض (عن تجارة السلاح في لبنان اليوم)، و«أعنف حب» لإيليان الراهب (مساءلة شخص عن دوره في تلك الحرب).
لكن هذا لا يعني أنّ الحرب ومداولاتها هي كل ما عرفته هذه السينما المصرّة على الاستمرار رغم الظروف الصعبة. إلى جانبها كانت هناك أفلام بديعة بمواضيع مختلفة من بينها «قلتلك خلص» لإيلي خليفي، و«تحت السماوات والأرض» لروي عريضة، و«النزلاء الزرق» لزينة دكّاش.
بلد آخر قريب يرزح تحت تلك الظروف المعاكسة، هو سوريا، والمشكلة هنا أنّ الأفلام المعادية للحكم هناك، لا تحاول أن تطرح سياسيا ما يجب طرحه حتى وإن أُنتج وصُوّر في مأمن. هذه المشكلة برزت في فيلمين هذه السنة، هما «نحن من هناك» لوسام طانيوس (الذي ينتمي كذلك إلى ازدهار أفلام يتناول فيها المخرجون شخصيات عائلية)، و«فلسطين الصغرى» لعبد الله الخطيب.
على نحو مخالف شوهد فيلمان سوريان جيدان هما، «المترجم» لرنا كزكز وأنس خلف ويدور حول ويلات الحرب الدائرة، و«الظهر إلى الجدار» لأوس محمد الذي بدوره يتعامل مع الوضع الحالي وكلاهما يمرّرا رسالتيهما من دون خطابة أو مباشرة.

أحداث مصوّرة وتحفة
وهناك تيار نسائي يحمل في ثناياه حسنات وسيئات الانفصال عن السينما ككيان جامع. على سبيل المثال يعكس فيلم «سعاد» لأيتن أمين (مصر)، وضع الفتاة التي تحمل وجهين متلازمين في حياتها؛ واحد ملتزم دينياً والآخر متحرر. في «كما أريد» لسماهر القاضي (مصر)، دور المرأة في مظاهرات 2013، وما عانته من المتظاهرين أنفسهم تدخل تحت بند التحرّش.
أفضل فيلم مصري شوهد خلال 2021، لن يكون سوى «صندوق الدنيا» لأحمد بهات، يليه مجموعة تعبت لإنجاز الفيلم المختلف عن السائد وحققت نجاحات أقل من المطلوب من بينها «ريش» لعمر الزهيري (شهد انقساماً شديداً حوله)، و«قابل للكسر» لأحمد رشوان (تسجيلي)، و«حظر تجوّل» لأمير رمسيس، و- مؤخراً - «أبو صدّام» لنادين خان، و«من القاهرة» لهالة جلال.
موضوع الهجرة من البلاد العربية إلى الغرب تراجع عما كان عليه في العامين الماضيين، لكنه ما يزال حاضراً. في «أوروبا» لحيدر رشيد، حكاية الشاب الذي يركض في غابات بلغاريا هرباً من مطارديه وبحثاً عن لجوء من أي نوع. ويستخدم «رجل خشب» لقتيبة الجنابي الرمز لإيصال غايته. المهاجر هنا رجل من خشب تشدّه الذكريات إلى وطنه والأمل في إيجاد بيت يحميه في الغربة معاً.
في آخر مطاف هذه السنة، سُحب فيلم «أميرة» لمحمد دياب من تمثيل الأردن في سباق الأوسكار، وتحوّل إلى مشكلة سياسية بين أطرافه وصانعيه.
آخر ما شوهد من أفلام عربية في سبيل رصد نشاطاتها فيلم «لو انهارت الجدران» للمغربي حكيم بلعبّاس: 17 قصة في فيلم من ساعتين وربع كل منها تصلح لتكون فيلماً منفصلاً. تجربة فريدة من نوعها. هذا الفيلم و«استعادة» لرشيد مشهراوي الذي عُرض في مهرجان البحر الأحمر (وتمّت مشاهدته في عرض خاص) كما «صندوق الدنيا» لأحمد البهات، و«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي، و«قلتلك خلص» لإيلي خليفي، و«الظهر إلى الجدار» لأوس محمد، و«دفاتر مايا» للزوجين جومانا حاجي توما وخليل جريج، هي أفضل ما شوهد من أفلام عربية هذا العام.


مقالات ذات صلة

العلا ضمن القائمة النهائية لجوائز الإنتاج العالمية 2026

يوميات الشرق يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)

العلا ضمن القائمة النهائية لجوائز الإنتاج العالمية 2026

أُدرجت محافظة العلا السعودية ضمن القائمة النهائية للمرشحين لجوائز الإنتاج العالمية 2026 في فئة «مدينة الأفلام 2026»، التي تنظمها مجلة «سكرين إنترناشونال».

«الشرق الأوسط» (العلا)
يوميات الشرق دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)

لاعبون وشعراء في الأعمال السعودية... اختبار جديد للنجومية

في مشهد أصبح يتكرر مؤخراً في الأعمال السعودية، يشارك لاعب كرة قدم في فيلم سينمائي، ويظهر شاعر في عمل درامي، ويتصدر مغنٍّ بطولة سينمائية في أول مشاركة له.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يُبرز الفيلم أهمية الرهان على الموهبة (الشركة المنتجة)

فيلم «معّوز»... تجربة سينمائية تراهن على ثيمة تحقيق الأحلام

تستقبل دور العرض في مصر والعالم العربي النسخة المدبلجة من فيلم الرسوم المتحركة العالمي «معّوز (GOAT)» الذي انطلقت حملته الدعائية، أخيراً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق محمد سعد في لقطة مع أبطال الفيلم (الشركة المنتجة)

اتهام صُنّاع «فاميلي بيزنس» بـ«اقتباس» فكرته من الفيلم الكوري «طفيلي»

لاحقت الفيلم المصري «فاميلي بيزنس» اتهامات بـ«اقتباس» فكرة الفيلم الكوري الجنوبي الشهير «طُفيلي» الذي حاز السعفة الذهبية لمهرجان «كان».

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرّة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المُنتجة)

«شتاء روسيا»... فيلم يرصد منفى الأسئلة وعبء الذنب

يقترب المخرج النمساوي باتريك شيها من جيل روسي وجد نفسه فجأة خارج الجغرافيا وخارج الزمن...

أحمد عدلي (القاهرة)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً