«حواديت المآذن»... ارتبطت بطموح الحكام وشهدت معاركهم ومؤامراتهم

«حواديت المآذن»... ارتبطت بطموح الحكام وشهدت معاركهم ومؤامراتهم

إيهاب الحضري يكتب عن مساجد مصر والأسرار المخفية بين حجارتها
الخميس - 4 جمادى الأولى 1443 هـ - 09 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15717]

يرصد كتاب «حواديت المآذن – التاريخ السري للحجارة» الصادر عن دار «الفؤاد» بالقاهرة، للكاتب الصحافي إيهاب الحضري، الأدوار المهمة التي لعبتها مساجد مصر في تاريخها السياسي والاجتماعي، لافتاً إلى أنها تعد ثروة معمارية وأثرية، تُخفي بين حجارتها الكثير من الحكايات والمعارك التي ارتبطت بالطموح والمجد الشخصي للحكام في شتى العصور، وشهدت معاركهم ومؤامراتهم تحت عباءة الدين.
يبدأ الحضري رحلته بجامع «ابن طولون» لافتاً إلى أن ملايين المصريين لا يعرفون موقعه لكنهم يتداولون صورته يومياً دون أن ينتبهوا، فهي تتصدر العملة المالية من فئة خمسة جنيهات. على قمة جبل «يشكر» بنى أحمد بن طولون مسجده الفريد بعد أن وضع شرطاً بالغ الصعوبة وهو أن يصمد المبنى في مواجهة تقلبات الزمن. كان يريد بناء جامع «إذا احترقت مصر بقي وإن غرقت نجا» ربما لهذا السبب اختار الجبل الذي كان الناس في ذلك العصر يعتقدون أن سفينة نوح استقرت عليه بعد انتهاء الطوفان فارتفاعه يحمي المسجد من خطر الفيضان، كما أن الطوب الأحمر الذي استُخدم في بنائه يزداد صلابة إذا شب حريق في البناء! وبالفعل بقي المسجد صامداً بينما اختفت كل منشآت «القطائع»، عاصمة الدولة الطولونية التي توسطها لسنوات طويلة ليصبح أقدم المساجد القائمة على وضعها الأصلي منذ تشييدها، حيث يزيد عمره على عمر القاهرة بنحو قرن كامل، فقد تم تشييده في سبعينات القرن التاسع الميلادي. السلالم الخارجية لا تنقل الزائر إلى أعلى فقط بل تمنحه شعوراً بالسمو ينساب بداخله تدريجياً، وبعد خطوات قليلة من عبور بابه الضخم يشعر بأنه انتقل بين عالمين خصوصاً مع مساحة المسجد التي تصل لستة أفدنة ونصف. على الصحن المتسع تُطل مئذنته الملتوية الفريدة من أعلى لتمنح المكان خصوصية لا تتكرر في بقية مساجد مصر، فقد تم تشييده على غرار مئذنة سامراء تلك المدينة العراقية التي نشأ فيها ابن طولون فظلت حاضرة في وجدانه وقرر بناء عاصمة حكمه على طرازها.


مفارقات ابن طولون


يرتبط مسجد ابن طولون بحكايات حافلة بالدلالات، فإحدى القصص ترجّح أن المهندس الذي بناه مسيحي هو سعيد بن كاتب الفرغاني، مما يدل على مرحلة ذهبية كان النسيج فيها واحداً رفع شعار «الدين لله والوطن للجميع» قبل قرون طويلة من إطلاقه في العصر الحديث. والغريب أنه عند التفكير في بناء المسجد كان الفرغاني في السجن بدلاً من مكافأته على تشييد منشأة أخرى، فقد ذهب ابن طولون ليعاين المنشأة لكنّ قدم حصانه غاصت بموضع به جير لا يزال رطباً وتعثرت الفرس، واعتقد الأمير أن الفرغاني تعمَّد ذلك فأمر بجلده خمسمائة جلدة وسجنه. مرت فترة عَلِم بعدها السجين برغبة الحاكم في بناء المسجد وكتب له مبدياً استعداده لتشييده بنظام فريد لا يعتمد على أعمدة سوى عمودي القبلة ثم رسم له تخطيطاً للجامع وافق عليه ابن طولون وخصص لتشييده مائة ألف دينار قابلة للزيادة، وشرع المهندس في بنائه على جبل يشكر. وبعد انتهاء العمل زاره ابن طولون ففر المهندس إلى أعلى المئذنة خوفاً من مصير مشابه لما سبق أن ناله، لكن النهاية كانت مختلفة هذه المرة فقد حصل على مكافأة سخية قدرها عشرة آلاف دينار.


مفارقات «الحاكم بأمر الله»


السكينة التي تسيطر على هذا الجامع لا تتناسب إطلاقاً مع حجم الإثارة التي شهدها عصر تشييده، فهو ذو طراز إسلامي تقليدي لكن رائحة العتاقة التي تنبعث منه والفخامة التي يبدو عليها تخبئ معاناة سنوات طويلة رفع خلالها المسجد شعار «ارحموا عزيز قوم ذل». وللمفارقة العجيبة، فإن من بدأ تشييده كان العزيز بالله، الخليفة الفاطمي الذي اختفى اسمه من على مسجده ليحمل اسم ابنه الذي استكمل بناءه وأصبح ثاني أكبر مساجد القاهرة بعد «ابن طولون»، وعبر رحلة عمرها نحو ألف عام عانى كثيراً حتى تحول قبل إعادة إعماره إلى مخزن عشوائي للبصل!
بخطوات قليلة ينتقل الزائر من شارع المعز إلى صحن الجامع، وإذا كان من عشاق التاريخ فعليه أن يرتفع ببصره سريعاً لينتقل من أحجار الجدران الحديثة إلى المئذنتين اللتين تحتفظان في ذاكرتهما بتفاصيل قديمة جعلت من «الحاكم بأمر الله» واحداً من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ المصري. بدأ الخليفة الأب بتأسيسه عام 990م ثم توفي بعدها بستة أعوام ليتولى ابنه مقاليد الحكم وعمره لم يناهز 12 عاماً، فأمره الأوصياء عليه باستكمال العمل الذي انتهى عام 1002م، لكن الحاكم قرر زيادة فخامة الجامع وانتهى ذلك بعد عشر سنوات وكانت أول صلاة به في الجمعة الأولى من رمضان عام 1013م.
تعرض المسجد لتحولات كثيرة أدت لترميمه وبدءاً من القرن الخامس عشر لاقى إهمالاً شديداً وأصبح أطلالاً حتى إن جنود الحملة الفرنسية استخدموا مئذنتيه في القرن الثامن عشر كبرجَي مراقبة، ثم تحول مكانه إلى مصنع قبل تشييد مبنى بداخله أصبح بذرة لأول متحف للتراث الإسلامي. في الليل يبدو الجامع أكثر جاذبية بإضاءته التي تمنحه قدرة إضافية على الإبهار.
توسع الجامع وظلت جدرانه ترتفع على مدار مراحل البناء وتزايد معها عمر الخليفة الطفل، الذي تشرَّب لعبة السياسة وأتقنها فأطاح بوزراء كبار حاولوا التلاعب به وتحويله إلى مجرد واجهة وفرض أنفسهم كحكام من الظل وكان مصيرهم القتل الذي أنهى جبروتهم ومن بينهم وزيره القوي برجوان صاحب الحارة الشهيرة بشارع المعز. لقد ضاق الخليفة بسيطرة الوزير عليه فأرسل مَن قتله خلال وجوده بالحمام وقام بمصادرة أمواله وممتلكاته وكان مما تضمنته مقتنياته المنقولة مائتا مليون دينار ذهب وخمسين إردباً من الدراهم الفضية، والإردب وحدة من الأوزان تعادل نحو 150 كيلوغراماً أو أكثر. وللدلالة على ضخامة مقتنياته قيل إنه تم نقلها من بيته بالحارة الشهيرة إلى قصر الخليفة على مراحل فكان يتم نقل دفعتين منها يومياً على مائتي جمل واستمر ذلك أربعين يوماً، بخلاف ما يملكه من منازل وضِياع وعبيد وجوارٍ وبهائم.


جامع «السلطان حسن»


بدأ السلطان حسن في تشييد مدرسته 1356م، وكان عمره 22 عاماً. تبدو السن صغيرة، لكنه كان في تلك الفترة في الثلث الأخير من عمره حيث سيتعرض للقتل بعدها بنحو خمس سنوات. حرص السلطان على أن تكون القبة بالغة الفخامة لكي تضم جثمانه بعد رحيله، فأبدع المهندس في تشييدها وزخرفتها بل إنه خرج عن العرف المتّبع فيما سبقه من المساجد فوضع القبة أمام محراب المنبر وفصل بينهما بجدار ضخم في الصحن فتتسع الرؤية. الأروقة الأربعة تنتصب شامخة ومن أعلى تُطل المئذنتان الباقيتان ربما تشعران بالحنين لزمن كان يحفظ للمآذن قدرها قبل أن تأتي مكبرات الصوت لتحيلها إلى التقاعد ولا يبقى منها سوى الجمال القديم الذي أصبح بعيداً عن اهتمام المارة في الشوارع المحيطة حيث شغلتهم هموم الحياة اليومية عن النظر لأعلى فخطوا مسرعين نحو أشغالهم التي لا تتيح لهم وقتاً للإحساس بالجمال.
عندما شرع السلطان حسن في البناء كان يخطط لتشييد أربع مآذن لكنه لم يبنِ سوى ثلاث، بعدها بسنوات سقطت تلك الواقفة على الباب فقتلت نحو ثلاثمائة شخص من بينهم أطفال كانوا في الطريق وكبار كانوا في القبو أو مرّوا صدفة في الطريق، واعتبر الناس أن الحادث نذير شؤم وتنبأوا بقرب زوال حكم السلطان حسن، وهو ما تحقق بعدها بفترة قصيرة.


مسجد «الملكة صفية»


يستحضر هذا المسجد ذكريات نزاع غريب بين ملكة عثمانية لم تزر القاهرة إطلاقاً ومملوك لها بدأ تشييد الجامع ثم مات قبل أن يكتمل وكان يمكن أن يحتفظ المسجد باسمه حتى الآن لو جاء الحكم لصالحه. في أحد أيام عام 1594 نظرت هيئة المحكمة بإسطنبول الدعوى غير التقليدية. وكان عثمان آغا قد بدأ تشييد المسجد وخصص له أوقافاً كثيرة شملت 400 فدان في منوف وعقارات بحي بولاق منها 17 شونة و32 دكاناً و15 رَبعاً و5 آبار. خلال التشييد مات عثمان آغا، ولأنه من مماليكها رفعت الملكة صفية، زوجة السلطان العثماني مراد الثالث، الدعوى وأوكلت عنها عبد الرازق آغا الذي أكد أن عثمان عبد لها وبالتالي لا يحق له بناء الجامع ولا تخصيص أوقاف له، وقدم فتوى دينية بأن من حق السيدة أن تستحوذ على كل ممتلكات مملوكها. لكن الطرف الثاني في الدعوى أقسم أن الملكة أعتقت عثمان قبل إنشاء المسجد ثم طلب سماع شهادتها بشكل مباشر فوافق القاضي على طلبه وأرسل مندوبين إلى القصر أقسمت أمامهما الملكة صفية أنها لم تحرر عبدها قبل وفاته، وبهذا صدر الحكم لصالحها وتم إلغاء الوقفية واستُكمل بناء المسجد وصار باسمها، ليصبح ثالث جامع أُقيم على الطراز العثماني بمصر بعد «سليمان باشا» بالقلعة و«سنان باشا» في بولاق.
لجأ إيهاب الحضري إلى أسلوب أدبي يعتمد التشويق وسلاسة السرد جعل الكتاب (220) صفحة من القطع المتوسط، لينجو من فخ الكتابات التاريخية الجافة ويأخذ شكل الفصول الأدبية المثيرة، لكن يؤخذ عليه الاستطراد في التعليقات التي جاءت أحياناً خارج سياق الحدث.


كتب

اختيارات المحرر

فيديو