«ثقب في السياج» المكسيكي و«أبو صدّام» المصري يفوزان بأهم مسابقتين في {القاهرة السينمائي}

من الفيلم الفائز بذهبية القاهرة «ثقب في السياج»
من الفيلم الفائز بذهبية القاهرة «ثقب في السياج»
TT

«ثقب في السياج» المكسيكي و«أبو صدّام» المصري يفوزان بأهم مسابقتين في {القاهرة السينمائي}

من الفيلم الفائز بذهبية القاهرة «ثقب في السياج»
من الفيلم الفائز بذهبية القاهرة «ثقب في السياج»

لم يكن من السهل توقع أي من نتائج الدورة الـ43 لمهرجان القاهرة السينمائي. الأمر الوحيد الذي رجح الاحتمالات كان قوّة الأفلام الأجنبية، مقارنة مع مثيلاتها العربية، مما يرجح فوز أحد تلك الأفلام الآتية من وراء الحدود العربية. وهذا ما حدث فعلاً، فالجائزة الأولى ذهبت إلى الفيلم المكسيكي «ثقب في السياج» ليواكين دل باسو. والجائزة الفضية (الثانية في الأهمية) ذهبت إلى الفيلم الإيطالي «جسد ضئيل» للورا ساماني والبرونزية للفيلم الكوري «انطوائيون» لهونغ سيونغ يون.
الوجود العربي الوحيد في هذه النتائج جاء في نطاق جائزة أفضل ممثل، إذ نالها محمد ممدوح عن الفيلم المصري «أبو صدّام». المقابل النسائي ذهب إلى الممثلة الإيطالية سوامي روتورلو عن دورها في «كيارا» ليوناس كاربنيانو.
يكشف هذا قدراً من عزوف لجنة التحكيم التي قادها المخرج الصربي أمير كوستاريتزا عن منح الأفلام على نحو استرضائي. فمن فاز هنا فاز لأنّه استحق الفوز في إطار منافسة قوية أشرنا إليها في رسالة سابقة تحدثنا فيها عن عدم وجود توقعات، نظراً لعدد من الأفلام الجيدة الآتية من الدول الأوروبية والآسيوية، ونظراً لاختلاف المنوال والاهتمامات في الوسط الفني هنا.
وثبة لبنانية
وكنا كذلك أشرنا إلى أنّ الفيلم اللبناني «دفاتر مايا»، الذي عرضناه في نقد موسّع، هو أفضل ما شوهد لحينه وتبين لاحقاً أنّه بقي الأفضل بين معظم ما عُرض واستحق الفوز بالجائزة الأولى في مسابقة «آفاق السينما العربية»، التي حشدت أفلاماً قدمت إليها من السعودية ومصر والمغرب ولبنان وفلسطين والجزائر وتونس من بين أخرى.
«دفاتر مايا» لجوانا حاجي توما وزوجها وشريكها في كل أعمالها خليل جريج، تناول منظور الحرب اللبنانية وذكرياتها من زاوية غير مسبوقة وبأسلوب عمل ابتكاري جيد.
الجائزة الثانية في هذا المجال ذهبت أيضاً لفيلم لبناني هو «فياسكو»، لنقولا خوري. وجائزة الفيلم غير الروائي نالها الفيلم المصري «هنا القاهرة» لهالة جلال، وأحسن أداء تمثيلي حصدتها عفاف بن محمود عن دورها في فيلم «أطياف» لمهدي هميلي.
وهناك فيلم لبناني آخر حاز على التقدير هو «الغريب»، لأمير فخر الدين، الذي نال الجائزة الأولى في تظاهرة «أسبوع النقاد الدولية».
في واقعها حفلت السينما اللبنانية مؤخراً بنجاحات لا بأس بها في المحافل الدولية آخرها فوز فيلم «يوسف»، لكاظم فيّاض بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان «آسيا وورلد فيلم فستيفال»، الذي أُقيم في مدينة لوس أنجليس في مطلع الشهر الماضي.
وإذا ما عاينا وضع الإنتاجات اللبنانية خلال العام الحالي، نجد عدداً لا بأس به من الإنجازات التي ما زالت تحت مستوى الرادار ولم يُشر إليها، أو يراها أحد، مثل «حرب ميغيل» لإليان الراهب و«موت عذراء وخطيئة الموتى» لبيت بربري و«جفاف» لرمي عيتاني و«أخطبوط» لكريم قاسم.
وكان «النهر» لغسّان سلهب عُرض في نطاق «آفاق السينما العربية»، لكنه خرج بلا ذكر في نتائج هذه المسابقة. على ذلك ينضم هذا الفيلم إلى الأعمال المتعددة التي قدّمتها السينما اللبنانية في خضم هذه الظروف الاقتصادية والأمنية الصعبة.
القاهرة
الفيلم الفائز بالجائزة الأولى في المسابقة الرئيسية في مهرجان القاهرة هذا العام، «ثقب في السياج» هو ثاني فيلم لمخرجه المكسيكي يواكين دل باسو بعد عمله الأول Maquinaria Panamericana سنة 2016. الانتظار الطويل مردّه أنّ دل باسو في بلاده، من المخرجين المستقلّين، الذين كسواهم حول العالم، عليهم الانتظار طويلاً قبل أن يجدوا التمويل اللازم. والمرء لا يستطيع إلا أن يتخيّل أن المخرج، في هذه الأثناء عاين السيناريو أكثر من مرّة وأضاف إليه أو اختزل منه كما أراد.
الماثل على الشاشة مدهم وقاس. قدرة الفيلم على استحواذ انتباه الاهتمام لما وراء العروض المهرجاناتية صعب (كان شارك في مهرجاني فينيسيا ولندن هذه السنة). لكن موضوعه حافل بالإسقاطات الاجتماعية والثقافية التي تتمحور حول من يملك السُلطة وماذا يفعل بها.
يبدأ بتصوير حافلة من التلامذة الصغار تصل إلى منطقة محاطة بسياج على التلاميذ البقاء داخله. هي رحلة استجمام وصلوات دينية وانصياع لأوامر المرشدين والمعلّمين التي تبدأ بالتحذير من الخروج من هذا الموقع أو التعامل مع أي من السكّان. وهذا التحذير يأتي مصحوباً بعبارة… «وتذكروا أنكم مُراقبون». لا يكمل الخطيب العبارة ليشرح من يراقب من، لكنه يفصح عن أنّ الرقيب الأول هم المجموعة التي قادت هؤلاء التلاميذ إلى المكان المسيّج.
ما يعانيه هؤلاء الفتيان طوال الوقت هو أقسى الممارسات الممنوحة لمن هم فوق، في القيادة، على من هم تحت، التلاميذ. قد تذكرك بعض المشاهد بالنصف الأول من رائعة ستانلي كوبريك Full Metal Jacket سنة 1987. هناك شاهدنا ذلك المجنّد الشاب (فنسنت داونوفريو) يتلقّى تنكيلاً لفظياً وجسدياً من قبل العريف (ر. لي إرمي) حتى يفقد المجنّد اتزانه العقلي ويخسر شعوره بأي قيمة، فيقتل العريف من ثمّ يطلق النار على نفسه وينتحر.
في فيلم دل باسو النهاية ليست مماثلة، لكن قسوة الأساتذة والمشرفين على الطلاب تشبه قسوة العريف على المجنّد. ما يضيفه المخرج في هذا الوضع هو كيف ينفّس الأولاد ذلك العنف الممارس عليهم بأفعال عنف فيما بينهم. إنّه الضغط السيكولوجي الممعن، الذي لا يستطيع متلقيه درأه عن نفسه فيستدير صوب من لا حول له أو قوّة ليمارس التعنيف عليه.
وإذ يخلص الفيلم هذا الوضع موحياً ببنية اجتماعية متعددة الطبقات يحاول استغلال ما يستطيع من مواقف لدعم حالة من التشويق والغموض تبدأ من تحذير الطلاب التعامل مع ما وراء السياج (رغم استخدام الفيلم كلمة Fence لوصف الحدود التي لا يستطيع التلاميذ اجتيازها، فإنّ المعنى مزدوج، إذ يضم وصف ما هو خارج عن المخيّم أو الموقع الذي تدور فيه الأحداث). هذا التحذير يخلق حالة خوف مسبقة بين الفتيان وحالة من الغموض بين المشاهدين، لا يحاول المخرج هنا الانتقال من داخل المخيّم إلى خارجه، ولا التعريف بماهية الأحداث التي وقعت في السابق ويحذّر المشرفون الطلاب منها.
الانتقال من الغموض إلى التشويق ومن التشويق إلى الرعب يأتي لاحقاً بعد أن يعرض المخرج لما يمكن له أن يؤكد أنّ هناك ما يُريب فعلاً لا داخل المخيّم فقط بل خارجه أيضاً. التوليفة الكاملة تتبدّى منذ ربع الساعة الأولى من ثمّ تتصاعد، وهي رصد ما يحدث لمجموعة من الأولاد القابعين تحت سُلطة فوقية طاغية، مما يجعل بعضهم يمارس العنف على الآخرين بدورهم.
كل ذلك يدلف بالفيلم إلى حالة هستيرية شاملة بلا شخصية (أو شخصيات محورية). على قوّة عرضه ومفاداته (السلطتان الدينية والسياسية تعملان معاً كما حال مفادات الإسباني الراحل لوي بونيَل) يجد المشاهد نفسه بريئاً مما يدور. يخلق الفيلم مسافة آمنة في الوقت الذي يطالع عن كثب فوضى الحياة في ذلك المخيّم. يستعرض ويدلي بأبعاده ومضامينه، لكنه لا يسعى لتوفير عمل يذهب باتجاه المشاهدين، بل يتركهم في الوضع الحيادي وإن كان لا يخلو من القلق والتساؤل.
حدث على الطريق السريع
باقي الأفلام التي فازت بالجوائز (باستثناء «بنات عبد الرحمن» لزيد أبو حمدان الذي خرج بجائزة الجمهور) سبق وعرضناها في حينها. لكنّ فوز الممثل محمد ممدوح عن دوره في «أبو صدّام» يستحق التوقف عنده بإمعان.
«أبو صدّام» هو فيلم للمخرجة نادين خان (ابنة المخرج الراحل محمد خان) التي كانت حققت فيلماً واحداً من قبل هو «هرج ومرج» سنة 2012. (شوهد في مهرجان دبي حينها) كشف عن استعداد فني جاهز للانطلاق. هذا الفيلم الثاني هو الانطلاق فعلياً، لكنه ليس بالفيلم الخالي من الشوائب ونواحي الضعف في نطاق الكتابة. مثل فيلمها السابق، يحمل في طيّاته موهبة واضحة، لكنها لا تزال تحتاج إلى ترتيب المفادات حسب أولوياتها. هو فيلم طريق نتعرّف فيه على «أبو صدّام» (كما يؤديه محمد ممدوح بجدارة) يقود شاحنة كبيرة فارغة تنطلق من موقع بعيد إلى موقع بعيد آخر وإلى جانبه الفتى حسن (أحمد داش). الأول يقود والثاني يساعد لقاء أجر. أبو صدّام والشاحنة التي يقود يتماثلان في القوّة والهيمنة وإرشاداته للفتى حسن هي أوامر عليه تنفيذها: «عينك على الطريق» يطلب منه أكثر من مرّة، لكن عين الفتى على حقيبة أبو صدّام المودعة في خزنة صغيرة فوق رأسه تحمل مبلغاً من المال. على الطريق يسرقها ويحاول الإفلات من عمله، لكنها يعيدها إلى مكانها حين يدرك أنّه لن يستطيع الابتعاد عن أبو صدّام حال يكتشف هذا سرقته. من ثم يقتنص فرصة أخرى ويسرق المال، قبل أن يعيده مرّة ثانية إلى حيث وجده خوفاً من بطش أبو صدّام.
بالنسبة لـ«أبو صدّام»، الذي يحمل بدناً ضخماً يعفيه عن أن يكون ضحية ما ويلقّب نفسه بـ«ملك الطريق»، شخصيته ليست بلا ضعف شديد. كان تعارك مع زوجته التي طلبت تدخل شقيقها، مما اضطره لقبول وساطة حين وصل إلى عرس مقام في منطقة صحراوية. لكنه وبعد أن أعلن أنّه قبل الوساطة يهدد زوجته بالمزيد من العنف إذا ما اتصلت بذويها وأنّها إذا تركت البيت فهي لن تعود إليه. هذه المنطقة تبقى رخوة في السيناريو. صراخ أبو صدّام الدائم يمنع المُشاهد من معرفة القصّة الخلفية تماماً. كان يمكن لمشهد واحد (ربما في المقدّمة) أن يفي بغرض التمهيد، لكن نادين خان توفر كل الحوارات الهاتفية بمنوال واحد.
مشكلة أبو صدّام الأخرى، هي أنّه مع بداية الرحلة، وبينما كان يحاول تجاوز حافلة أقدمت فتاة تقود سيارة حمراء على مضايقته باستخدام بوق السيارة لتتجاوزه. عندما سمح لها بذلك أخذت تهدده بتصرّفاتها الانتقامية قبل أن تنطلق بعيداً. يلتقي بها لاحقاً في استراحة على الطريق. لا يتحدّث معها، لكنّ عينيه تتشبّع من النظر إلى محاسنها. تشعر بالخطر. تنصرف.
هي ذاتها التي ستبلغ عنه أمن المنطقة فإذا بالأمن، في نهايات الفيلم، يوقفه نتيجة ذلك الإبلاغ. عند هذه النقطة يكون «أبو صدّام» قد وقع تحت الضغط النفسي الناتج عن مغامرة أخرى غير موفّقة إذ كان التقى، خلال العرس، براقصة دعاها لمشاركته الشاحنة فوق سرير في المقعد الخلفي. لا نرى ما حدث بالفعل، لكنه كان راضياً من ممارسة الحب على عكسها. يحاول ممارسة الحب من جديد معها لكي يؤكد سطوته، لكنّها تصدّه وتضربه تاركة ورماً في جبهته. كل ذلك، وفوقه الشكوى التي تقدّمت بها السائقة الشابة وأدت إلى احتجازه لساعات زادت من غليانه وكشفت له أنّه ليس «ملك الطريق»، وأن قوّته ليست مطلقة. حين يرى سيارة حمراء يعتقد أنّها هي ذاتها التي أضافت إلى متاعبه ينطلق صوبها ويصدمها رغم أنّها ليست السيارة ذاتها. أبو صدّام» فيلم مفعم تدرس فيه المخرج شخصية محددة وواضحة. لا تحاول نادين خان الخروج بمفاد اجتماعي ما، بل تسرد حدثاً طويلاً واحداً بمفارقاته. وإذا ما كان الفيلم افتقد شيئاً فهو ذلك المفاد المطلوب. هذا يتّضح أكثر عندما نقارن بين فيلمها هذا وفيلم ستيفن سبيلبرغ Duel الذي كان أول فيلم له يُعرض عالمياً (سنة 1971). في ذلك الفيلم (وهناك أمثلة أخرى) شاهدنا رجلاً يقود سيارته على طرق ولاية أريزونا. هناك خلاف مع زوجته (بصوت طبيعي لكن هذا ليس مهمّاً في هذه المقارنة كون الأداء الصوتي هو نتيجة السلوك والثقافة الاجتماعية)، وشاحنة كبيرة تطارده طوال الطريق. المفاد هنا هو أنّ الشاحنة (التي لا نرى سائقها) ترمز إلى الاضطهاد أو القوى غير المنظورة التي تهيمن على مقدّرات الناس أو النظام ضد الفرد. ما يخلو منه «أبو صدّام» هو هذا التعامل مع الحالة الماثلة لإخراجها من مجرد حكاية إلى وضع تحتضن فيه مفاداً أعلى.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».