تحدي المستقبل: 85 قطعة سلاح في اليمن بمعدل 3 لكل فرد

خبير لـ {الشرق الأوسط}: جمع الأسلحة بعد «عاصفة الحزم» أهم مشاريع الحكومة اليمنية

عناصر تابعة لحركة الحوثيين يلوحون بأسلحتهم في مظاهرة بمدينة تعز أمس (أ.ف.ب)
عناصر تابعة لحركة الحوثيين يلوحون بأسلحتهم في مظاهرة بمدينة تعز أمس (أ.ف.ب)
TT

تحدي المستقبل: 85 قطعة سلاح في اليمن بمعدل 3 لكل فرد

عناصر تابعة لحركة الحوثيين يلوحون بأسلحتهم في مظاهرة بمدينة تعز أمس (أ.ف.ب)
عناصر تابعة لحركة الحوثيين يلوحون بأسلحتهم في مظاهرة بمدينة تعز أمس (أ.ف.ب)

يركز المتحدث الرسمي لقيادة قوات تحالف «عاصفة الحزم»، العميد أحمد عسيري على، قصف مخازن السلاح التي بحوزة الحوثيين وقوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، وبالطبع الأسلحة التي استولى عليها الحوثيون من الجيش اليمني، حيث تمثل هذه المخازن بما تحتويه من كميات هائلة من الأسلحة حجر الزاوية في يمن ما بعد «عاصفة الحزم».
اليمن بلد ينتشر فيه السلاح بشكل رهيب حتى إن بعض التقارير تضع حجم السلاح خارج سيطرة الدولة - قبل أحداث 2011 وما تلاها حتى انقلاب الحوثيين على الشرعية - بنحو 85 مليون قطعة سلاح مما يعني 3 قطع سلاح لكل مواطن يمني.
تعمل قوات التحالف على تحييد الأسلحة الثقيلة، وذلك بتدميرها واستهداف مواقعها بشكل متواصل منذ بدء «عاصفة الحزم» قبل أكثر من أسبوعين، في حين عمد الحوثيون وأنصار الرئيس المخلوع بعد توالي الضربات الجوية على مراكزهم وتجمعاتهم إلى تخزين الأسلحة فوق المنازل ووسط الأحياء السكنية. اليمن الذي اجتاز أحداث عام 2011 دون اللجوء إلى السلاح رغم فائضه الضخم، دفعه الحوثيون بانقلابهم على الشرعية واستيلائهم على سلاح الجيش اليمني إلى خيار السلاح كحل للأزمة السياسية.
تحدث لـ«الشرق الأوسط» الدكتور أشرف كشك، مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة والموجه الأكاديمي بكلية الدفاع بحلف الناتو بروما، لتحليل هذه الظاهرة واستشراف المستقبل اليمني وخيارات تجنيب بلد ضخم كاليمن فوضى انتشار السلاح.
يقول الدكتور أشرف كشك: «أعتقد أن قيام جماعة أنصار الله - الحوثيين - بتخزين الأسلحة في الأماكن المدنية يعني انتشار المزيد من الأسلحة في مناطق اليمن المختلفة، وذلك سيكون له تداعيات بالغة الخطورة على الداخل اليمن، ليس فقط سيكون سيناريو تكرار الحالة الليبية الراهنة أو أفغانستان، وإنما سيكون النموذج اليمني أكثر حدة لعدة أسباب».
ويعد الخبير الاستراتيجي الأسباب التي قد تدفع بالحالة اليمنية إلى نموذج جديد وهي 3 أسباب: الأول، الخبرة اليمنية في تجارة الأسلحة. والثاني، أن الأسلحة التي ستنتشر في هذه الحالة ليست أسلحة شخصية أو خفيفة، وإنما أسلحة جيوش «الجيش اليمني». والسبب الثالث، المساحة الشاسعة للدولة اليمنية.
يقول الدكتور كشك إن «خبرة أهل اليمن بتجارة الأسلحة التي لها أسواق معروفة ومعلنة وفي ظل غياب سلطة الدولة المركزية التي يمكنها الحد من انتشار تلك الأسلحة، تجعل من اليمن يسير في اتجاه عسكرة الصراع الذي ربما لن ينتهي بانتهاء الأزمة الراهنة، بل قد تشهد مناطق أخرى مستقبلاً تحديًا لسلطة الحكومة المركزية لسبب أو لآخر».
ويضيف أن «الأسلحة التي يتم الحصول عليه الآن ليست بقايا أسلحة خفيفة ولكنها أسلحة الجيش اليمني التي ستكون بذورا لحرب أهلية محتملة».
كما يعتبر أن «مساحة اليمن الشاسعة بتضاريسها الجغرافية الوعرة التي يسهل إخفاء تلك الأسلحة فيها أحد التحديات التي تواجه الحكومة الشرعية عندما تبسط سيطرتها على التراب اليمني»، ويشير إلى أنه يمكن الحصول على المزيد من تلك الأسلحة - الأسلحة الثقيلة - من الخارج، خصوصا من عبر الحدود البحرية».
وينصح الخبير الاستراتيجي والموجه الأكاديمي في كلية الدفاع بحلف الناتو، إلى أنه يتعين أن تكون هناك جهود موازية للجهود العسكرية في الفترة الراهنة للحيلولة دون انتشار تلك الأسلحة بشكل كبير بين المدنيين من خلال عدة آليات: أولاها، أن يكون بؤرة اهتمام عملية «عاصفة الحزم» قطع خطوط الاتصال الرئيسية بين مخازن الأسلحة الرئيسية والتجمعات المدنية. والثانية، بعد الانتهاء من عملية «عاصفة الحزم» يتعين أن تكون قضية جمع الأسلحة هي التحدي الأول الذي يتعين على الحكومة الشرعية مواجهته من خلال وسائل كثيرة انتهجتها دول الجوار وأثبتت نجاحها ومنها إعطاء السكان المحليين مهلة محددة لتسليم أسلحتهم وتجديد تلك المهلة إذا اقتضت الضرورة ذلك، كما يشير إلى ضرورة وضع تشريع صارم يجرم حيازة تلك الأسلحة من خلال عقوبات مشددة ورادعة.
ويضيف إلى أنه من المهم تفعيل دور لمنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام في توعية المواطنين بمخاطر حيازة تلك الأسلحة وأن الأسلحة يجب أن تكون حكرًا على الدولة بوصفها السلطة الشرعية التي تكون مهمتها الأولى حفظ أمن واستقرار المواطنين.
كما يشدد الخبير الاستراتيجي على مسؤولية دول الجوار والمجتمع الدولي في هذه القضية التي تعتبر من أهم المشاريع التي يحتاجها المجتمع اليمني، والتي سترسم مستقبله بعد انتهاء عمليات «عاصفة الحزم». وهنا يشير إلى أن المجتمع الدولي كان له اهتمام واضح بقطاع الأمن في الدول التي تشهد صراعات. وأوضح أنه في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى مسألتين:
الأولى، قرار مجلس الأمن الدولي في أبريل (نيسان) 2014 بشأن إعادة بناء أجهزة الأمن في مناطق ما بعد الصراعات وهو القرار الأول من نوعه، وقال إن القرار تضمن إمكانية دمج جهود بناء تلك القطاعات ضمن أعمال بعثات السلام التابعة للمنظمة الأممية حيث إن ذلك سيؤدي إلى ترسيخ سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.
والثانية، بحسب الدكتور كشك، تتلخص في الدور الذي يضطلع به حلف الناتو تجاه بناء الجيوش في الدول التي تتقدم للحلف بطلب في هذا الشأن. وقال إن «للحلف تجارب مهمة في هذا الشأن منها دول أوروبا الشرقية وأفغانستان والعراق، وأخيرًا الطلب الذي تقدمت به الحكومة الليبية ضمن هذا السياق».
كما لفت إلى أن دول الجوار وكل الدول الإقليمية التي تعمل على استقرار وأمن اليمن يمكنها الاضطلاع بدور مهم في بناء تلك المؤسسات الأمنية إما من خلال إيفاد خبراء للمساهمة في بناء ذلك القطاع أو استضافة مجموعات من القوات المسلحة وقوات الأمن اليمنية في دورات تدريبية متخصصة. وقال إن «الهدف من هذه الجهود التي يفترض أن تتضافر، هو إعادة بناء القوات المسلحة لتكون جيشًا وطنيًا لليمن وليست تابعة لهذا الفصيل السياسي أو ذاك، حيث أوضحت الأزمة الراهنة في اليمن انعكاس التركيبة السياسية والمناطقية لليمن على واقع القوات المسلحة، وهنا تكمن الخطورة».
وأضاف: «أعتقد أن النهوض بالمؤسسات الدفاعية والأمنية في اليمن يتعين أن يكون جزءًا من تصور أكبر للإسراع بتطوير اليمن نحو مفهوم الدولة المدنية الحديثة التي تعلو فوق الجميع ولا تكون عرضة للاستقطابات المذهبية أو العرقية التي يتوازى معها انتشار ثقافة حمل الأسلحة بما يهيئ كل الظروف لحرب أهلية لن تقتصر تداعياتها على الداخل اليمن، وإنما ستكون تحديًا جديدًا لأمن دول مجلس التعاون بل والأمن الإقليمي برمته». وفي رأيي، ستكون التحدي الأكبر بالنظر أيضا للموقع الجيواستراتيجي لليمن الذي قد يتحول إلى نقطة ترانزيت مهمة للجماعات الإرهابية من وإلى شبه الجزيرة العربية.



زيارة محمد بن سلمان تعزز الشراكة مع فرنسا

Prince Mohammed bin Salman, Saudi Crown Prince and Prime Minister (SPA)
Prince Mohammed bin Salman, Saudi Crown Prince and Prime Minister (SPA)
TT

زيارة محمد بن سلمان تعزز الشراكة مع فرنسا

Prince Mohammed bin Salman, Saudi Crown Prince and Prime Minister (SPA)
Prince Mohammed bin Salman, Saudi Crown Prince and Prime Minister (SPA)

تحمل زيارة وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى باريس التي ستبدأ رسمياً يومي الأحد والاثنين، أهمية سياسية واستراتيجية، في ظلّ تنامي العلاقات بين السعودية وفرنسا واتّساع مجالات التعاون بينهما.

وأعلن الديوان الملكي السعودي أنَّ الزيارة، تأتي بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، واستجابة لدعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

من جانبه، أكَّد قصر الإليزيه أنَّ الزيارة تعكس «حيوية الحوار» بين البلدين، وتتيح تعزيز الشراكة الاستراتيجية، مشيراً إلى أنَّ ماكرون وولي العهد سيعقدان للمرة الأولى اجتماع مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي ــ الفرنسي. وتشمل المباحثات ملفات اقتصادية واستراتيجية، إلى جانب أزمات المنطقة، خصوصاً لبنان وسوريا وغزة وأمن الملاحة في هرمز والبحر الأحمر. كما يحضر وليّ العهد، مساء الأحد، مع الرئيس ماكرون مراسمَ اختتام كأس العالم للرياضات الإلكترونية، في خطوة تعكس تنامي التعاون الرياضي والثقافي بين البلدين. وتختتم الزيارة بتوقيع اتفاقيات جديدة وتعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني.


إدانة عربية وإسلامية للمخطط الاستيطاني «إي1»


حفّارات خرّبها مستوطنون في قرية سعير الفلسطينية قرب الخليل أمس (أ.ب)
حفّارات خرّبها مستوطنون في قرية سعير الفلسطينية قرب الخليل أمس (أ.ب)
TT

إدانة عربية وإسلامية للمخطط الاستيطاني «إي1»


حفّارات خرّبها مستوطنون في قرية سعير الفلسطينية قرب الخليل أمس (أ.ب)
حفّارات خرّبها مستوطنون في قرية سعير الفلسطينية قرب الخليل أمس (أ.ب)

أعربتِ السعودية والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا وقطر ومصر، أمس، عن إدانتها القاطعة لاستمرار سياسات إسرائيل الاستيطانية غير القانونية في الأرض الفلسطينية المحتلة، ورفضها الكامل لمخطط «إي1» الاستيطاني، وما يرتبط به من أنشطة استيطانية شرق القدس الشرقية المحتلة.

وجدّد وزراء الدول الثماني، في بيان مشترك، إدانتهم للانتهاكات وأعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون، بدعم من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بحق الشعب الفلسطيني وممتلكاته، مؤكدين أنَّ هذه الممارسات لا تنتقص بأي حال من الأحوال من حقوق الفلسطينيين غير القابلة للتصرف، وتشكل انتهاكاً للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وتهديداً خطيراً للأمن والسلم الإقليمي والدولي.

وحذّر الوزراء من أنَّ مخطط «إي1» الاستيطاني يمثل تصعيداً خطيراً من شأنه المضي قدماً في التوسع الاستيطاني والضمّ، وتقويض التواصل الجغرافي للأرض الفلسطينية المحتلة، ولا سيما بين الضفة الغربية والقدس الشرقية، بما يهدد قابلية تجسيد دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافياً وقابلة للحياة.

وحذَّر الرئيس الفلسطيني محمود عباس من نية تل أبيب فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها.


زيارة محمد بن سلمان إلى باريس لتعزيز العلاقات ودعم اتفاقية الشراكة

من لقاء موسع جمع ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي في الرياض 2 ديسمبر 2024 (واس)
من لقاء موسع جمع ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي في الرياض 2 ديسمبر 2024 (واس)
TT

زيارة محمد بن سلمان إلى باريس لتعزيز العلاقات ودعم اتفاقية الشراكة

من لقاء موسع جمع ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي في الرياض 2 ديسمبر 2024 (واس)
من لقاء موسع جمع ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي في الرياض 2 ديسمبر 2024 (واس)

يقوم الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي يومي الأحد والاثنين بزيارة رسمية لفرنسا تلبية لدعوة الرئيس إيمانويل ماكرون الذي سبق له أن قام بزيارة دولة إلى السعودية في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2024، أسفرت عن توقيع مجموعة واسعة من الاتفاقيات والتفاهمات، وأفضت خصوصاً إلى إطلاق «مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي ــ الفرنسي».

وتعد زيارة الأمير محمد بن سلمان، إلى باريس الثالثة من نوعها بعد زيارتين سابقتين قام بهما في يوليو (تموز) 2022 ويونيو (حزيران) 2023.

وغادر الأمير محمد بن سلمان، البلاد، الجمعة، متوجهاً إلى فرنسا. وذكر الديوان الملكي السعودي أن الزيارة تأتي بناءً على توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، واستجابة للدعوة الموجهة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

أول اجتماع لمجلس الشراكة

وتأتي هذه الزيارة بعد أن حقق البلدان قفزة كبيرة في علاقاتهما الثنائية عقب التوقيع على اتفاقية الشراكة التي اتبعت بمذكرة شكلت ما يشبه «خريطة الطريق» لهذه الشراكة التي تشمل العديد من المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والفنية والرياضية، وكلها وردت في البيان المشترك الذي صدر بمناسبة زيارة ماكرون الأخيرة للسعودية.

وليل الخميس ــ الجمعة، أصدر قصر الإليزيه بياناً اعتبر فيه الزيارة «انعكاساً لحيوية الحوار القائم بين فرنسا والمملكة السعودية وأنها سوف تتيح تعزيز الشراكة الاستراتيجية التي تجمع بلدينا». ويضيف البيان أنه «لهذه الغاية، سيعقد رئيس الجمهورية وولي العهد السعودي، للمرة الأولى، اجتماع مجلس الشراكة الاستراتيجية الفرنسي ــ السعودي».

بيد أن أول لقاء بين ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي سيتم، وفق البرنامج الرسمي للزيارة، مساء الأحد 23 أغسطس (آب) في «القصر الكبير» القائم في أسفل جادة الشانزليزيه حيث ستجرى، بحضورهما، مراسم اختتام «كأس العالم للرياضات الإلكترونية» التي استضافتها فرنسا للمرة الأولى، بطلب من السعودية.

وجاء في البيان الرئاسي أن استضافة باريس لهذه البطولة العالمية الكبرى «تعكس جاذبية فرنسا المتجددة لاستضافة الفعاليات الرياضية الدولية الكبرى، بعد النجاح الذي حققته، ولا سيما، خلال دورة الألعاب الأولمبية والبارالمبية في باريس عام 2024». ويضيف البيان أن ذلك «يجسد الطموح المشترك لفرنسا والمملكة العربية السعودية لجعل الرياضة والثقافة وسيلتين لتعزيز التقارب بين البلدين».

وتجدر الإشارة إلى أنها المرة الأولى التي تجرى فيها هذه الرياضات خارج العاصمة السعودية. وستشهد احتفالات ليل الأحد توزيع الجوائز على الفائزين في مجمل الرياضات التي تواصلت طوال سبعة أسابيع بمشاركة 2000 لاعب من مائة دولة ومائتي نادٍ، بينها نوادٍ سعودية بارزة. وبحسب المنظمين، فإن القيمة الإجمالية للجوائز تصل إلى 75 مليون دولار.

الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس 16 يونيو 2023 (واس)

وسيكون يوم الاثنين حافلاً حيث سيستقبل الرئيس الفرنسي، رسمياً، ضيفه الأمير محمد بن سلمان في قصر الإليزيه، على أن يعقد بعد الظهر لقاء ثنائي، يعقبه ترؤسهما لاجتماع «مجلس الشراكة» الذي سيختتم، وفق البرنامج الرسمي، بالتوقيع على مجموعة من الاتفاقيات. وبعدها سيحضر الزعيمان اختتام منتدى الأعمال السعودي، الذي يلتئم في باريس بمناسبة الزيارة الرسمية. وينتهي الاثنين بعشاء رسمي في قصر الإليزيه على شرف الأمير محمد بن سلمان والوفد المرافق.

وبحسب القصر الرئاسي، فإن محادثات الطرفين سوف تتناول «القضايا الاقتصادية والاستراتيجية الكبرى التي تشكل إطار الشراكة الفرنسية السعودية». كما سيتبادلان الآراء بشأن أبرز التحديات الإقليمية، في سياق يستدعي تنسيقاً وثيقاً بين فرنسا وشركائها في منطقة الخليج من أجل دعم الاستقرار والسلام في الشرقين الأدنى والأوسط.

جولة على الأزمات الإقليمية

تقول مصادر رئاسية فرنسية إن زيارة الأمير محمد بن سلمان تأتي وسط «أزمة إقليمية اندلعت قبل عدة أشهر ولا أحد يمتلك تصوراً حول كيفية انتهائها». وتعتبر باريس أن اختيار ولي العهد السعودي المجيء إلى فرنسا «إشارة مهمة».

وستوفر الزيارة نفسها الفرصة للرئيس ماكرون والأمير محمد بن سلمان، للتباحث بخصوص الأزمات الإقليمية، وأولاها إغلاق مضيق هرمز ونتائجه وكيفية إنهاء هذه الحالة، مع التركيز على العمل الذي يتم القيام به حول تنويع طرق إمداد الطاقة والتواصل بين الشرق الأوسط وأوروبا. وأفادت مصادر الإليزيه بأن ثمة تقدماً قد تحقق بشأن عدد من المشاريع التي فضلت عدم الخوض في تفاصيلها.

وبحسب المصادر المشار إليها، فإن الجانبين سيتناولان مجموعة من الملفات الإضافية، وهي ثلاثة: الملف اللبناني الذي بشأنه دعت باريس لاجتماع تصفه مصادرها بـ«التحضيري والتقني»، وتحديداً على مستوى رؤساء أركان جيوش 15 دولة. وفُهم أن الولايات المتحدة ستكون حاضرة فيه. وتقول باريس إنها تعمل مع الرياض حول هذا الملف «بشكل وثيق»، مؤكدة أن البلدين يتشاركان «تمسكهما بالسيادة اللبنانية ودعم السلطات هناك».

وأشارت مصادر الإليزيه إلى وجود «مشاريع أخرى» يتم العمل حولها بعيداً عن الأضواء. لكن المؤشرات تدل على أنها تتناول ملف انتهاء ولاية قوة اليونيفيل الدولية في جنوب لبنان وأن باريس وروما تعملان على بلورة صيغة تجنب الفراغ، علماً أن الأمم المتحدة طرحت عدة خيارات.

وليس بعيداً عن لبنان، سيكون الملف السوري حاضراً على طاولة المباحثات. وتفيد باريس بأنها تعمل بالتعاون مع الرياض حول هذا الملف مذكرة بأن الرئيس ماكرون قام بزيارة رسمية لسوريا مؤخراً.

ولي العهد السعودي خلال لقاء سابق مع الرئيس الفرنسي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس 16 يونيو 2023 (واس)

غير أن الاهتمامات الدولية والإقليمية لن تغطي على الهدف الأول للزيارة وهو تعزيز العلاقات الثنائية بين باريس والرياض.

ورداً على السؤال حول تأخر انعقاد «مجلس الشراكة الاستراتيجية» بين البلدين، فإن السبب يعود إلى أن المجلس يلتئم برئاسة ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي، وهي المرة الأولى التي يلتقيان فيها وجهاً لوجه منذ زيارة الرئيس ماكرون للسعودية قبل أقل من عامين.

ونوهت باريس بالبعثة الموسعة التي ترافق ولي العهد السعودي في زيارته والتي تعكس من جهة نظر فرنسا تنوع مجالات الشراكة وقوة العلاقات التي نسجها الطرفان. وتؤكد المصادر الفرنسية أن فرنسا تمثل، من بين الدول الأوروبية كافة «الشريك الأكبر والأكثر تأثيراً والراغب في مواكبة السعودية في مسارها الصاعد».

ومن جانب آخر، فإن الوفد الموسع «سيتيح إجراء اجتماعات وزراية متعددة المجالات ما يعكس اتساع العلاقات وتنوعها».

وعندما سئلت مصادر الإليزيه عن نظرتها للاتفاق الدفاعي الذي أبرم في مكة المكرمة بين السعودية وباكستان وتركيا، في الثامن من الشهر الحالي، كان ردها أنه يشكل «صورة للهندسة الإقليمية الجديدة»، وأنه «سيكون بالغ الأهمية أن نستمع للرؤية السعودية» حول هذا التطور.

البحث عن وسيلة للخروج من مأزق الحرب

يجمع المراقبون في باريس على اعتبار أن الصفة التي تغلب على العلاقات السعودية ــ الفرنسية أنها «وثيقة ومنتجة»، وأن التواصل بين ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي «دائم» والتنسيق بينهما قائم بشأن الملفات التي تفرض نفسها على إقليم الشرق الأوسط، بدءاً من الحرب الأميركية - الإيرانية، إلى أوضاع لبنان وغزة واليمن وأمن الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر.

ويرى برتراند بيزانسينو، السفير الفرنسي السابق في الرياض، أن زيارة ولي العهد السعودي تندرج في ثلاثة سياقات؛ أولها يتناول تطورات الوضع الإقليمي حيث يتساءل العديد من قادة الدول الخليجية حول أفضل الوسائل للخروج من الأزمة التي تضرب المنطقة. ورغم تفهمهم للدور المركزي الذي تلعبه الولايات المتحدة، فإنهم يرون أنهم ملزمون بالبحث عن أشكال أخرى لضمان أمنهم ومصالحهم.

والسياق الثاني عنوانه أن للدول الأوروبية حضوراً في المنطقة، ولها مصالح سياسية واقتصادية واستراتيجية ودور يمكن أن تلعبه، وأن تفاهمها مع الرياض يساعدها على ذلك.

ويشير بيزانسينو إلى أهمية فرنسا باعتبار أنها من بين الدول الأوروبية، التي تقوم بدور رائد في الشرق الأوسط.

ومن هنا تجيء فائدة التشاور والتنسيق معها حول أفضل الصيغ للخروج من الوضع المأزوم، ولكن أيضاً مع الأطراف الأخرى الفاعلة؛ أكانت باكستان أو تركيا أو غيرهما من الأطراف. ويتوقع بيزانسنو أن تأتي محادثات الإليزيه على الاتفاق الأمني الثلاثي (السعودي ــ الباكستاني ــ التركي).

أما السياق الثالث فيتناول الشراكة الاستراتيجية المتعددة المجالات المبرمة بين البلدين والمشاريع المشتركة التي أطلقاها معاً، اقتصادياً وثقافياً وتعليمياً ورياضياً، التي ستكون موضع بحث وتبادل.

لكن السفير السابق يتوقع طرح ملفات أخرى بالغة الأهمية سيتم التشاور بشأنها، وعلى رأسها الملف الفلسطيني، إن في غزة أو في الضفة الغربية.

وتجدر الإشارة إلى أن باريس والرياض أطلقتا العام الماضي مبادرة إعادة إحياء «حل الدولتين» الذي حصد دعماً واسعاً في الأمم المتحدة قبل عام من الآن، ودفع دولاً رئيسية، أولاها فرنسا وبريطانيا، إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

ويتوقع المراقبون أن يكون الملفان اللبناني والسوري حاضرين على طاولة المباحثات، خصوصاً أن باريس تخطط لاستضافة اجتماع تمهيدي في 17 سبتمبر (أيلول) المقبل، مخصص لدعم الجيش اللبناني وقوات الأمن الداخلي.

الأمير محمد بن سلمان والرئيس ماكرون شهدا توقيع مذكرة تفاهم بشأن تشكيل مجلس الشراكة الاستراتيجي في الرياض 2 ديسمبر 2024 (واس)

ويعزو العديد من المحللين اتفاق مكة الذي يؤكد صانعوه أنه «دفاعي محض وغير موجه ضد أحد» لرغبة الأطراف الثلاثة في إيجاد توازنات جديدة في الإقليم.

ومن جانبه، يعتبر بيزانسينو أن الدول المعنية ودولاً خليجية أخرى راغبة في أن يسمع رأيها في أي حل مستقبلي وأن تحفظ مصالحها، خصوصاً أن لا أحد اليوم قادر على تلمس صورة الحل للحرب المتعددة الأشكال القائمة بين الولايات المتحدة وإيران.

ولذا، فإن أحد أهداف اتفاق مكة يكمن في أنه يوفر «الثقل الكافي» لأطرافه من أجل التأثير في مجرى الأحداث وحتى يكون أي اتفاق قادم ملائماً للمصلحة الخليجية.

وثمة ملف آخر مرتبط بأمن مضيق هرمز، الذي من أجله دعت الرياض لمؤتمر ضم 43 وفداً أسفر عن إطلاق «التحالف الدفاعي البحري» للمحافظة على أمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وعن التزام 14 دولة بالمشاركة فيه.

وفي 14 الشهر الحالي، أعلنت الرياض رسمياً عن قيام «التحالف البحري للدفاع عن البحر الأحمر». والسؤال المطروح اليوم يتناول إمكانية التنسيق بين «المهمة البحرية الأوروبية» في البحر الأحمر المسماة «أسبيديس» التي أطلقت في فبراير (شباط) من عام 2024، و«التحالف» الذي أطلقته السعودية، خصوصاً أن الطرفين يعملان للهدف عينه. وليس من المستبعد أن يكون هذا الجانب حاضراً في محادثات الإليزيه، الاثنين المقبل.