«يونيسيف»: ثلث مسلحي الميليشيات في اليمن من الأطفال

«الحوثي» يوجه أنصاره باختطاف الصحافيين > مسيرات جماهيرية تحيي صمود المقاومة الشعبية في الجنوب

طفل يحمل السلاح خلال تجمع للحوثيين في صنعاء أمس (إ.ب.أ)
طفل يحمل السلاح خلال تجمع للحوثيين في صنعاء أمس (إ.ب.أ)
TT

«يونيسيف»: ثلث مسلحي الميليشيات في اليمن من الأطفال

طفل يحمل السلاح خلال تجمع للحوثيين في صنعاء أمس (إ.ب.أ)
طفل يحمل السلاح خلال تجمع للحوثيين في صنعاء أمس (إ.ب.أ)

حصلت «الشرق الأوسط» على وثيقة مسربة، بتوقيع اللجنة الثورية الأمنية التابعة للحوثيين، تحمل توجيها باختطاف 18 صحافيا وناشطا بمدينة ذمار، الواقعة إلى جنوب العاصمة صنعاء، قالت إنهم يشكلون خطرا أمنيا عليهم، وإن وجودهم في مسرح العملية السياسية يشكل خطرا أمام الرأي العام. وفي حين قالت منظمة «يونيسيف»، التابعة للأمم المتحدة إن «الأطفال يشكلون تقريبا ثلث الجماعات المسلحة التي تحارب»، شهدت المدن اليمنية، أمس، مسيرات جماهيرية بعد صلاة الجمعة، هاتفين بصمود المقاومة الشعبية في الجنوب في وجه الانقلابيين الحوثيين، مؤكدين دعمهم الكامل لقوات التحالف لشن عمليات «عاصفة الحزم» بقيادة المملكة العربية السعودية ضد المقرات العسكرية الخاصة بالحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح، ووقوفهم مع شرعية الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي.
وتضمنت الوثيقة التي حصلت عليها «الشرق الأوسط»، توجيهات من اللجنة الأمنية العليا لجماعة الحوثي المسلحة في محافظة ذمار لأجهزتها الأمنية باختطاف الصحافيين والناشطين المناوئين لهم، وقد تم اعتقال بعضهم بالفعل، في حين لا يزال يجري تعقبهم، ومنهم محمد الواشعي، حسين الصوفي، عبد الله المنيفي، إياد الوسماني، محمود الغابري وصحافيون وناشطون آخرون.
وتشير الوثيقة التي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها، إلى أن هؤلاء الصحافيين والناشطين «يشكلون خطرا أمنيا على المسيرة القرآنية، وأن وجودهم في مسرح العملية السياسية يشكل خطرا أمام الرأي العام». وقالت الوثيقة: «نظرا لما تمليه علينا المسؤولية الوطنية والمسيرة القرآنية والضرورة الثورية والواجب الوطني على كل من أيد (عاصفة الحزم) وأعطى المبررات لذلك، وأخص بذلك الصحافيين والناشطين الشباب، ليتسنى لنا اعتقال وحجز أعداد كبيرة من القيادات الإخوانية بذمار المؤيدين للعدوان السعودي.. ووجود الأسماء التالية في مسرح العملية السياسية خطر أمام الرأي العام والمجتمع اليمني».
وأضافت الوثيقة: «عليه، يتم حجز من سميناهم.. وحبس من يرفض ذلك، ترصدوا أماكن وجودهم، وليتم القبض عليهم في أسرع وقت».
ومنذ الانقلاب في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، سيطر المسلحون الحوثيون على محافظة ذمار، إحدى المدن الواقعة إلى جنوب العاصمة صنعاء بنحو 100 كيلومتر، تستمر الجماعة في ملاحقة واعتقال الصحافيين والناشطين المناهضين لهم، في حين خاضت المحافظة حروبا في مديرية آنس، إحدى مديريات محافظة ذمار، وفجروا فيها عددا من المساجد والمنازل واعتقل كثير من النشطاء بالمديرية، ولا يزال الصحافي سام عبد الله الغباري (الذي اختطفه المسلحون الحوثيون في 9 فبراير/ شباط على خلفية كتاباته المنتقدة لهم، وأبرزها كانت مقالته التي بعنوان «عودة قريش»، وكثير من المقالات الناقدة لسلوك الحوثيين، بالإضافة إلى نشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي)، معتقلا حتى الآن.
الجدير بالذكر أن جماعة الحوثي المسلحة شنت في الأيام الماضية حملة مداهمات مكثفة لمنازل المعارضين لهم من الناشطين والصحافيين وأعضاء وقيادات في «الإصلاح»، واختطفت بعضهم، حيث لا يزال بعضهم في المعتقلات.
من جهة ثانية، قالت الممثلة المقيمة لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في اليمن، جوليان هارنس، إن «الأطفال في اليمن الذي يعد أفقر دولة في منطقة الشرق الأوسط، ينضمون للجماعات المسلحة مقابل أجر مادي زهيد، وإنهم باتوا يشكلون تقريبا ثلث الجماعات المسلحة التي تحارب».
وأكدت المسؤولة الأممية، في تصريح صحافي لها، إن «هناك العديد من الدوافع المالية والثقافية التي دفعت الأطفال في اليمن للمشاركة في الحرب التي تشهدها البلاد حاليا، ومشاركة الأطفال في تلك الحرب تبدو كأنها شيء طبيعي في قطاعات كبيرة من المجتمع اليمني». وأضافت: «بعض الأطفال تتراوح أعمارهم بين 14 و15 عاما، وهناك من هم أصغر من هذا العمر».
في غضون ذلك، شهدت المدن اليمنية، أمس، مسيرات جماهيرية بعد صلاة الجمعة هاتفة بصمود المقاومة الشعبية في الجنوب في وجه الانقلابيين الحوثيين، ومؤكدة دعمها الكامل لقوات التحالف لشن عمليات «عاصفة الحزم» بقيادة المملكة العربية السعودية ضد المقرات العسكرية الخاصة بالحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح، ووقوفها مع شرعية الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي.
وفي محافظة تعز، الواقعة إلى جنوب العاصمة صنعاء، طالب المتظاهرون، الذين جابوا شوارع تعز رافعين شعارات مؤيدة لعملية «عاصفة الحزم»، معلنين وقوفهم مع شرعية الرئيس هادي، ومطالبين قوات التحالف بسرعة التحرك البري على الأرض، لحسم المعركة ضد الانقلابين الحوثيين وتأمين محافظة عدن، جنوب البلاد، واستعادة جميع مؤسسات الدولة التي تسيطر عليها جماعة الحوثي المسلحة، وإنهاء الانقلاب الحوثي، وشرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي، وتطهير العاصمة صنعاء وجميع المدن اليمنية من الميليشيات المسلحة، كما دعوا الجنود في الجيش اليمني إلى إعلان تأييدهم لشرعية الرئيس هادي وعدم موالاة جماعة الحوثي المسلحة والرئيس صالح، لتجنيب معسكراتهم قصف العاصفة.
وشدد خطيب الجمعة، في محافظة تعز، على ضرورة الوقوف مع أبناء مدينة عدن لمقاومة التمدد الحوثي العفاشي، وضرورة تقديم الدعم للمقاومة الشعبية، منددا بجميع الجرائم التي يتعرض لها أبناء عدن من قبل جماعة الحوثي المسلحة، وما يقومون به من قتل وتصفية لأبناء عدن، وإحراق محال ومنازل المواطنين والمراكز التجارية والمساجد.
ودعا خطيب جمعة ساحة الحرية عبد الحفيظ الشيباني الرئيس هادي إلى سرعة الحزم واتخاذ خطوات جدية لتغيير المعادلة على الواقع، بالإضافة إلى دعوته جميع أبناء تعز وإب والمحافظات الواقعة على خط سير إمدادات المسلحين الحوثيين من صنعاء إلى عدن، إلى قطع الطرق أمام تلك الإمدادات التي تذهب لقتل أبناء الجنوب.
وفي السياق ذاته، شهدت محافظة إب، وسط البلاد، مسيرة حاشدة جابت شوارع المدينة جدد فيها المتظاهرون دعمهم لشرعية الرئيس هادي ولعملية «عاصفة الحزم» وصمود المقاومة الشعبية في المحافظات الجنوبية والشرقية، وحيوا فيها حشود محافظة إب التي طهرت مديرتي القفر والمخادر والسدة بمحافظة إب من جماعة الحوثي المسلحة والموالين لهم.
وجدد المتظاهرون استنكارهم لعمليات الملاحقات والاعتقالات التي تقوم بها جماعة الحوثي المسلحة ضد قيادات وأعضاء حزب التجمع اليمني للإصلاح، وجميع النشطاء والصحافيين المناوئين لهم، مؤكدين أن ما يقوم به المسلحون الحوثيون لن يثنيهم عن الوقوف بقوة في وجه المشروع الانقلابي.
وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن «أبناء قبائل مديرية السدة تمكنوا من السيطرة على مقرات حكومية في المديرية، بما فيها مركز المديرية، بعدما كانت تسيطر عليها عناصر من تنظيم القاعدة، ودخل المسلحون الحوثيون المقبلون من معسكر يريم، التابع للحرس الجمهوري، ورفعوا شعار أنصار الله (الحوثيين)، وقتلوا أحد الأشخاص يدعي أنه ينتمي لتنظيم القاعدة، مما أدى إلى مواجهات بين الطرفين».
وأضافت المصادر ذاتها أن «القبائل تمكنت من طرد المسلحين الحوثيين ومسلحي تنظيم القاعدة من جميع المناطق في المديرية، والسيطرة على جميع المرافق الحكومية، بما فيها الأمنية، وأن السلطة المحلية في المديرية أكدت أنها لن تسمح بأن تكون منطقتهم مكانا للصراعات المسلحة، وحروب جماعة الحوثي المسلحة والرئيس السابق علي عبد الله صالح وعناصر تنظيم القاعدة»، مؤكدا أن القبائل مستعدة للمشاركة في تحرير المحافظة مع بقية القبائل من هيمنة المسلحين الحوثيين وجميع الميليشيات المسلحة، وأنهم يدعمون تحركات أبناء الفقر والمخادر التحررية.
وكان زعماء القبائل في مديرية السدة في محافظة إب، وسط البلاد، قد وقعوا فيما بينهم اتفاقا (وثيقة) يتضمن أحد بنودها «ضمان السلام والأمن الأهلي لجميع الأطراف في المنطقة»، متهمين جماعة الحوثي المسلحة بنقض الاتفاق، بعد رفعهم لشعارهم وقتل أحد عناصر تنظيم القاعدة.
من جهة أخرى، أكد القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، زيد الشامي، أن المسلحين الحوثيين وأتباعهم أغلقوا كل أبواب الحوار والتفاهم، واختاروا طريق الحرب والدمار دون مبرر، وقال الشامي في تصريح صحافي له إن «الرئيس هادي اضطر لطلب النجدة من أشقائه العرب، وإن اليمنيين اكتشفوا أن جيشهم عاجز عن الصمود، وإنه أعد فقط ليستسلم لأي جماعة مسلحة لا تؤمن بالدولة ولا بالدستور والقانون بدلا من القيام بحماية المواطن وحراسة الحدود».
ودعا القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، في تصريح له نشره القسم الإعلامي للحزب، جماعة الحوثي وأنصارهم إلى التخفيف من الوعد والوعيد، وأن يتوقفوا عن اجتياح المحافظات الجنوبية، وأن يكفوا عن استنبات العداوات بين اليمنيين الذين ظلوا، قبل ظهورهم، إخوة متحابين متعايشين من سقطرى إلى صعدة ومن المهرة إلى الحديدة.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.