واشنطن تدرس تقديم مساعدات عسكرية «فتاكة» لأوكرانيا

تهديدات غربية بعقوبات ضد روسيا إذا غزتها... وميلي يجري اتصالاً بغيراسيموف لتفكيك «الصراع العملياتي»

سفينة تابعة للقوات البحرية الروسية تجوب البحر الأسود (رويترز)
سفينة تابعة للقوات البحرية الروسية تجوب البحر الأسود (رويترز)
TT

واشنطن تدرس تقديم مساعدات عسكرية «فتاكة» لأوكرانيا

سفينة تابعة للقوات البحرية الروسية تجوب البحر الأسود (رويترز)
سفينة تابعة للقوات البحرية الروسية تجوب البحر الأسود (رويترز)

تتجه إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى تصعيد ضغوطها على روسيا، على خلفية الأزمة مع أوكرانيا، فيما التوتر لا يزال على أشده، على الحدود الأوكرانية، مع بدء كييف وموسكو تدريبات عسكرية، تشمل وحدات برية وجوية وبحرية، ومع حديث روسي عن استعدادات نووية للحفاظ على «الجهوزية العسكرية». وذكرت محطة «سي إن إن»، أن إدارة بايدن تدرس إرسال مستشارين عسكريين وأسلحة جديدة إلى أوكرانيا في مواجهة التعزيزات العسكرية الروسية بالقرب من الحدود بين البلدين. ومن المتوقع أن تشمل حزمة المساعدات، أسلحة «فتاكة» كقذائف «مورتر»، وأنظمة دفاع جوي مثل صواريخ «ستينغر»، وصواريخ جافلين الجديدة المضادة للدبابات والدروع. وقالت مصادر إن البنتاغون، ضغط من أجل إرسال بعض المعدات التي كانت سترسل إلى أفغانستان، قبل تنفيذ الانسحاب الأميركي، وإرسالها بدلا من ذلك إلى أوكرانيا، مثل طائرات الهليكوبتر من طراز «إم آي - 17». وكان الجيش الأميركي أوقف إرسال مثل هذه المعدات إلى أفغانستان مع انتهاء مهمته هناك في أغسطس (آب) الماضي. ونقلت المحطة الإخبارية عن تلك المصادر قولها، إن المسؤولين الأميركيين أجروا محادثات مع الحلفاء الأوروبيين بشأن حزمة عقوبات جديدة، يمكن فرضها سريعا في حال قامت روسيا بغزو أوكرانيا.
ومع تزايد الحشود العسكرية الروسية على الحدود الأوكرانية، تخشى أجهزة الاستخبارات الأميركية وحلف الناتو، من أن تكون مقدمة لعملية عسكرية على الحدود الشرقية لأوكرانيا من مواقع متعددة، كما حدث عندما غزت روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014 في ظل خطاب روسي قاس تجاه أوكرانيا. وكان وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، قد أعرب الأسبوع الماضي، عن خشيته من قيام روسيا بارتكاب «خطأ جسيم». وقال: «قلقنا هو أن روسيا قد ترتكب الخطأ الجسيم المتمثل في محاولة تكرار ما قامت به عام 2014، عندما حشدت قواتها على طول الحدود، وعبرت إلى الأراضي الأوكرانية ذات السيادة، مدعية بشكل كاذب أنها استفزت». غير أن وزارة الخارجية نفت أن يكون لديها معلومات عن حزمة المساعدات العسكرية المقترحة. ويوم الاثنين اتهمت موسكو أوكرانيا بأنها «استفزازية»، وأثارت مخاوف بشأن مساعدة واشنطن لها. وقال جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية في بيان، إن «الولايات المتحدة وحلفاءها يواصلون ضخ الأسلحة إلى أوكرانيا ودفعها نحو استخدامها، بما في ذلك الطائرات دون طيار لأغراض الاستفزازات العسكرية». واعتبر المتحدث باسم الخارجية الروسية ديمتري بيسكوف، أنه في حال كان الحديث عن إرسال مساعدات عسكرية إلى أوكرانيا صحيحا، فقد يؤدي إلى «زيادة تفاقم الوضع على خط الحدود». وأكد المسؤولون الروس أن القوات والوحدات العسكرية موجودة في المنطقة كجزء من التدريبات والرد على تهديدات الناتو. كما وصفوا التقارير التي تفيد بأنهم قد يغزون أوكرانيا قريبا بأنها «كاذبة».
إلى ذلك ذكرت وكالة «إنترفاكس» الروسية الأربعاء، أن طائرات وسفنا روسية حربية أجرت تدريبات على صد الهجمات الجوية على القواعد البحرية والرد بضربات جوية خلال مناورات عسكرية في البحر الأسود، كما أجرت أوكرانيا أيضا مناورات قتالية. ونقلت «إنترفاكس» عن أسطول البحر الأسود الروسي قوله إن «قرابة عشرة من أطقم طائرات وسفن من قاعدة نوفوروسيسك البحرية التابعة لأسطول البحر الأسود... شاركت في هذه المناورات القتالية». وأضافت أن مقاتلات سوخوي كانت من بين الطائرات التي تدربت على كيفية الرد على الهجمات الجوية المعادية وقامت بطلعات تدريبية فوق مياه البحر الأسود بالتعاون مع أسطول البحر الأسود. ويتمركز أسطول البحر الأسود الروسي في شبه جزيرة القرم، التي ضمتها موسكو من أوكرانيا عام 2014، في المقابل بدأت أوكرانيا، التي تتهم روسيا بحشد القوات بالقرب منها وتقول إن بيلاروسيا قد ترسل أيضا مهاجرين عبر حدودها، عملية لتعزيز حدودها بما في ذلك مناورات عسكرية للوحدات المضادة للدبابات والمحمولة جوا.
على صعيد آخر، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي، أجرى يوم الثلاثاء، اتصالا هاتفيا بنظيره الروسي الجنرال فاليري غيراسيموف، وسط مخاوف الولايات المتحدة المتزايدة بشأن حشد القوات الروسية بالقرب من الحدود الأوكرانية. وقال الكولونيل ديف باتلر، المتحدث باسم هيئة الأركان المشتركة، في بيان عن المكالمة، إنهما ناقشا «العديد من القضايا الأمنية ذات الصلة». وقال بتلر: «المكالمة الهاتفية هي استمرار للتواصل بين القائدين لضمان الحد من المخاطر وتفكيك الصراع العملياتي». من جهتها قالت وزارة الدفاع الروسية، في بيان منفصل، إن قائدي الجيشين «ناقشا قضايا الأمن الدولي الجارية»، بحسب وكالة الأنباء الروسية «تاس». ولم يقدم أي من البيانين مزيدا من التفاصيل عن تلك المحادثة الهاتفية.
من جهة أخرى قال الجنرال باتلر، إن الجنرال ميلي أجرى محادثة هاتفية مماثلة مع نظيره الأوكراني، اللفتنانت جنرال فاليري زالوغني، يوم الاثنين، حيث تبادلا، «وجهات النظر والتقييمات للبيئة الأمنية المتطورة في أوروبا الشرقية».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».