«ويكيبيديا» في قلب حلبة الصراع الغربي ـ الصيني

بين حرية التعبير والتلاعب بالمعلومات

جيمي ويلز
جيمي ويلز
TT

«ويكيبيديا» في قلب حلبة الصراع الغربي ـ الصيني

جيمي ويلز
جيمي ويلز

حظرت موسوعة «ويكيبيديا» الحديثة في قرار بارز أخيراً عمل 7 محررين صينيين وألغت صلاحيات الإدارة من 12 مستخدماً، للتلاعب بالمعلومات التي تنتقد الصين.
ينتمي الأفراد الذين سُحبت صلاحياتهم أو حظرهم إلى شبكة «وسطاء الميديا من البرّ الصيني (أي جمهورية الصين الشعبية)»، وقد جرى التعامل معهم بعد ورود تقارير تفيد بأنهم يسعون إلى السيطرة على «ويكيبيديا» وتحويل محتواها إلى تبنّي وجهة نظر قومية صينية متشددة. والمعروف أن الموسوعة المجانية على الإنترنت يحرّرها متطوعون وتستضيفها مؤسسة «ويكيميديا»، وهي منظمة غير ربحية مقرها في مدينة سان فرنسيسكو بالولايات المتحدة.
مؤسسة «ويكيميديا» علّقت في بيان لها أنها اتخذت هذا الإجراء في أعقاب «تحقيقات طويلة وعميقة» في أنشطة ذات صلة ببعض أعضاء الشبكة المذكورة. ثم بلغت الأمور ذروتها بحرب كلامية بين محرّري «ويكيبيديا» المناصرين للديمقراطية وأولئك المناصرين للشيوعية في العاصمة الصينية بكين. وقد اتُّهم المناصرون بالتهجم على المحرّرين وترهيب من لهم موقف مؤيد للديمقراطية. كذلك اندلعت «حروب تحريرية» بين المجموعتين بسبب تحرير المحتوى المتعلق بالاحتجاجات والسرديات المتعلقة بالصين وحكومتها.
وفي بيان صدر في أعقاب الحظر، قالت ماغي دينيس، نائبة رئيس مؤسسة «ويكيميديا» لشؤون مرونة واستدامة المجتمع، إن هذا الإجراء جاء نتيجة «مخاوف من التسلل»، وأعقب تحقيقاً استغرق سنة كاملة، ووصفت القضية بأنها «غير مسبوقة في مجالها». ولم تستبعد المؤسسة احتمال أن يكون المستخدمون المتسببون في المشكلات مرتبطين بالحكومة الصينية، غير أنها أشارت إلى أن هذا ليس محل تركيز التحقيقات. وتابعت دينيس في رسالة بالبريد الإلكتروني: «كنا بحاجة إلى العمل على أساس معلومات موثوقة تفيد بأن بعض أفراد (وليس كل أعضاء) هذه المجموعة (WMC) تعمدوا مضايقة وترهيب وتهديد أعضاء آخرين في مجتمعنا، بما في ذلك بعض حالات الإيذاء البدني للآخرين، من أجل تأمين سلطتهم الخاصة وتخريب الطبيعة التعاونية لمشاريعنا».
أيضاً أشارت المؤسسة إلى أنها لم تتمكّن بعد من الكشف عن الأدلة المحددة التي أدت للحظر بسبب الاعتبارات القانونية والمخاطر المحتملة على سلامة المستخدم. ولفهم أفضل للظروف التي أدت إلى هذا العمل غير المسبوق، كانت على اتصال مباشر مع الكثير من المساهمين في «ويكيبيديا» الصينية. وهي مجموعة تضم المحررين في البر الصيني، الذين يصفون أنفسهم بأنهم «مؤيدون لبكين» أو على الأقل «متوافقون مع بكين». وهنا يؤيد الصحافي الهندي الكبير راتان سينغ جيل، في تعليق له، قرار «ويكيميديا»، قائلاً إنه «لفترة طويلة للغاية، استُخدمت (ويكيبيديا) لخدمة أجندات سياسية. ويتعين عليها الآن إعادة النظر في سياساتها التحريرية وسياسات المجتمع».
جيمي ويلز مؤسس «ويكيبيديا»، من جهته، أكد أن مبادئ المنصة من حرية التعبير والحيادية مطبَّقة عالمياً. وأردف: «لديّ خبرة عميقة في التحدث إلى الناس في جميع أنحاء العالم. وفكرة أن الناس في الصين، على سبيل المثال، يتعرّضون لغسل دماغ لدرجة أنهم ما عادوا يستطيعون رؤية الحياد... مجرد خطأ». وتابع ويلز: «كثيرون من الناس يستطيعون القول: هذه نظرتي للعالم. ولكن هناك وجهات نظر أخرى، ويجب على الموسوعة تقديم تفسير لوجهات النظر المختلفة بطريقة منصفة».
وفي سياق متصل، أشارت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في مقال لها، إلى أن التهديد بالاعتقال من الحزب الشيوعي الصيني كان بمثابة خطر «يهدد أسس (ويكيبيديا) ذاتها».

روابط بالغة التوتر
في الواقع، ترتبط بكين مع «ويكيبيديا» بعلاقات باردة جداً منذ إطلاق «ويكيبيديا» الصينية عام 2001، وكانت الحكومة الصينية لفترة طويلة متشككة في أمر «ويكيبيديا». وجرى حظرها في الصين بشكل متقطع منذ 2004.
وفي عام 2015، نشرت بكين «جدار الحماية الكبير» لحجب نسخة «ويكيبيديا» باللغة الصينية، ثم شرعت في حجب كل نسخ اللغة من الموقع خلال عام 2019 -قبل بضعة أشهر من الذكرى السنوية الثلاثين لاحتجاجات ميدان تيان آن مين الكبيرة في بكين.
ثم في عام 2020 رفضت الحكومة الصينية طلب «ويكيميديا» الحصول على وضعية المراقب الرسمي في «المنظمة العالمية للملكية الفكرية»، بسبب زعم ممثل الصين أنه رصد قدراً كبيراً من المحتوى والمعلومات المضللة في انتهاك لمبدأ «الصين الواحدة» على صفحات الإنترنت المنتسبة إلى «ويكيميديا»، وأن فرع تايوان في «ويكيميديا» «يضطلع بأنشطة سياسية يمكن أن تقوّض سيادة الدولة وسلامتها الإقليمية».
وبعد ذلك، في عام 2021 رفضت الحكومة الصينية طلب مؤسسة «ويكيميديا» الحصول على وضع المراقب في «المنظمة العالمية للملكية الفكرية» مجدداً للسبب نفسه المتذرَّع به في عام 2020.

«جدار حماية عظيم»
الجدير بالذكر، أنه من أجل الوصول إلى «ويكيبيديا» في البر الصيني، يتوجب على المستخدمين استخدام شبكة افتراضية خاصة، أو الاتصال غير المباشر «بروكسي» للتحايل على «جدار الحماية العظيم» في البلاد. وتتولى هذه التطبيقات تغيير مسار «الخادم الإلكتروني»، وتسمح للمستخدم بزيارة المواقع التي يصار إلى حظرها عادةً لنقل البيانات الآتية من عنوان بروتوكول الإنترنت الخاص بهذا الشخص.
وهنا يوضح الصحافي الهندي أنانتي شارما، أن الصين تملك موقعاً لموسوعة محلية تسمى «بايدو بايك»، يحتوي على أكثر من 24.5 مليون مقالة مقارنةً مع 1.2 مليون مقالة لـ«ويكيبيديا» الصينية. ووفقاً للتقارير، فإن «بايدو بايك» تفرض الرقابة على محتواها وفقاً لطلب الحكومة الصينية، كونها شركة صينية المنشأ بعكس «ويكيبيديا». ولاستخدام «ويكيبيديا»، على المستخدمين الوصول إليها من خلال (خادم وكيل = بروكسي) أو (VPN = الشبكة الخاصة الافتراضية).
ومن الأمثلة على «الحروب التحريرية» بين المستخدمين في هونغ كونغ والمستخدمين المؤيدين لبكين، ثمة مقالة عن حادثة وقعت في هونغ كونغ عام 2019، حيث أُجري عليها 123 تعديلاً على مدى يومين، مع استخدام كلمات مثل «الفصائل الريفية» و«الإرهابيين» بالتبادل. وفي يوليو (تموز) كشف موقع «هونغ كونغ فري برس» أن المحرّرين الصينيين في البر الصيني هددوا، حسبما زُعم، بإبلاغ السلطات عن مستخدمي هونغ كونغ بشأن «انتهاكات الأمن الوطني»، ما يشكّل أيضاً تهديداً مادياً لهم.

وجهة النظر الصينية
من ناحية أخرى، ردت شبكة «دبليو إم سي WMC» الصينية على مؤسسة «ويكيميديا»، زاعمةً أن هذا العمل كان «قمعاً محسوباً» للمحررين من البر الصيني، برعاية القوى المناهضة لبكين. كذلك أشار تقرير الشبكة الصينية في بيانها إلى أن الادعاءات الموجّهة ضدهم ليست سوى «تشهير».
أما صحيفة «غلوبال تايمز»، وهي صحيفة يومية يسيطر عليها الحزب الشيوعي الصيني، فرأت أن الحادث يرقى إلى مستوى «القمع المدروس» للمحررين في البر الصيني. ونقلت الصحيفة عن يان إينمينغ، مدير موقع «ويكيبيديا» الصيني ورئيس شبكة «دبليو إم سي» الذي جرى حظره، قوله إن قرارات الحظر أصابته بإحباط كبير وبددت آمال المستخدمين الآخرين المتضررين، الذين ساهموا كثيراً في موقع «ويكيبيديا» باللغة الصينية. وتابع يان: «بيد أن قطع العلاقات والتخلي عن الآمال في المؤسسة لا يكلفنا شيئاً، ذلك أننا لم نتلقَّ مساعدات منها على أي حال». ويسعى المحررون المطرودون حالياً إلى إنشاء موسوعة جديدة خاصة بهم لديها «مرونة وخيارات أكثر» بعد التأسيس.
أخيراً، وفقاً للصحافي الهندي مانوغ جوشي، فإن «جدار الصين الناري كان سبباً في حجب (ويكيبيديا) على نحو أو آخر لأكثر من عقد من الزمان. وعلى هذا فإن أرضية الملعب لم تكن مستوية أو متكافئة لفترة طويلة. لكنهم يواجهون اليوم مشكلة مع محرّري البر الصيني الذين يدافعون عن أجندة مؤيدة لسلطات بكين. وهذا ما حدث عند انخراط الصين في مواضيع سياسية حساسة على (ويكيبيديا): حبس مستخدمي الإنترنت المشككين في المؤسسة الصينية، والسماح للمروّجين المخلصين للنظام الحاكم بالمرور عبر الشبكة، فضلاً عن وجود عدد هائل من المواطنين في الصين، يصبح لديك جيش من مروّجي الدعايات (المستقلين) القادرين على خلق (الإجماع) الذي يدعم وجهة نظر المؤسسة الصينية».


مقالات ذات صلة

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

إعلام زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي.

إيمان مبروك (القاهرة)
إعلام جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

جاء إطلاق «مدونة السلوك» المهني في ظل حالة من الفوضى، وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، وعدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد.

سعاد جرَوس (دمشق)
يوميات الشرق تُكرّم «جوائز List» مجموعة تجارب استثنائية تُعيد تعريف معايير التميّز والرفاهية في العالم العربي (SRMG)

مجلة «List» تطلق النسخة الأولى من جوائزها

أطلقت مجلة «List»، النسخة الأولى من جوائزها، بالشراكة مع علامة «ريتشارد ميل»، التي تحتفي بالإبداع والتميّز بمجالات السفر والرفاهية والثقافة وفنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.