المستشار الرئاسي لمجلس القبائل العربية في مصر: «عاصفة الحزم» ضرورة قومية

العمدة طرَّام أكد لـ«الشرق الأوسط» دور القبائل في مواجهة الإرهاب بالمنطقة

العمدة أحمد طرَّام المستشار الرئاسي المصري للقبائل العربية («الشرق الأوسط»)
العمدة أحمد طرَّام المستشار الرئاسي المصري للقبائل العربية («الشرق الأوسط»)
TT

المستشار الرئاسي لمجلس القبائل العربية في مصر: «عاصفة الحزم» ضرورة قومية

العمدة أحمد طرَّام المستشار الرئاسي المصري للقبائل العربية («الشرق الأوسط»)
العمدة أحمد طرَّام المستشار الرئاسي المصري للقبائل العربية («الشرق الأوسط»)

أكد المستشار الرئاسي لمجلس القبائل العربية بمصر، العمدة أحمد طرَّام، أن «عاصفة الحزم» التي تقودها المملكة العربية السعودية ضد الانقلابيين الحوثيين في اليمن، «ضرورة قومية»، مشددا في حوار مع «الشرق الأوسط» على دور القبائل العربية في مواجهة الإرهاب بالمنطقة، وقال إن الرئيس عبد الفتاح السيسي قرر الوقوف بكل حزم وقوة ضد أي مخاطر قد يتعرض لها باب المندب «الذي نرى أنه أهم بالنسبة لنا من قناة السويس».
وكشف العمدة طرَّام، الذي ترأس في السابق مجلس العمد والمشايخ بغرب مصر، عن الاهتمام الخاص الذي يوليه الرئيس السيسي للقبائل العربية، خاصة تلك التي تعيش على الحدود مع ليبيا وفي سيناء والمنطقة الجنوبية، إضافة إلى القبائل الليبية نفسها، ودور كل منها، في مواجهة الإرهاب، مشيرا إلى وجود اتصالات مع قبائل ليبيا لعقد مؤتمر للمصالحة بالقاهرة «قد يكون قبل نهاية هذا الشهر»، وأن الاتصالات تشمل أيضا قبائل من مدينة مصراتة «التي يعدها البعض السبب في المشكلات التي تتعرض لها ليبيا».
ويضم مجلس القبائل العربية بمصر ممثلين عن القبائل من جميع محافظات الجمهورية، بمن في ذلك قبائل سيناء التي تقع فيها، بين حين وآخر، عمليات إرهابية. ويعد المجلس ظهيرا شعبيا للدولة.
وأضاف طرَّام، أن أحد أسباب نشاط المتطرفين في سيناء وقوعها على الحدود الإسرائيلية وانتشار البطالة فيها، قائلا إن «زملاءنا بمجلس القبائل من جنوب وشمال سيناء يرون أن الأمن يتحقق بالتنمية». وإلى أهم ما جاء في الحوار:
* كيف ينظر مجلس القبائل العربية بمصر لعملية «عاصفة الحزم» التي يقوم بها التحالف العربي في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية؟
- مجلس القبائل العربية يؤيد هذه العملية.. نحن نعي جيدا خطورة هذا المد الشيعي الذي يأتي من الجنوب، أي من اليمن، وكل الناس تعلم أن هناك خطرا على مضيق باب المندب الذي تمر منه الملاحة الدولية. إذا جرى إغلاق باب المندب من العدوان الحوثي ومن يدعمه، فهذا يعني أن شريان قناة السويس قد قطع. الرئيس السيسي أكد على أن مضيق باب المندب قضية أمن قومي، ويجب أن نقف بكل حزم وقوة ضد أي مخاطر قد يتعرض لها باب المندب. هذا المضيق مهم بالنسبة لنا، وربما أهم من قناة السويس نفسها، لأنه من دونه لن تكون هناك أي أهمية للقناة. هنا أؤكد مجددا على أن مجلس القبائل العربية يؤيد بكل قوة عملية «عاصفة الحزم» بقيادة السعودية.. أعتقد أن غالبية العالم تؤيد هذه الضربة لأنها حق شرعي، وتتصدى لخطر داهم من ناحية المد الإيراني الشيعي. إن شاء الله الدول العربية وعلى رأسها مصر قادرة على صد أي إرهاب أو أي خطر قد يمس أي دولة عربية.
* في الفترة الأخيرة لوحظ اهتمام الرئاسة المصرية بالقبائل العربية ودورها في الوقوف ضد مخاطر الإرهاب والتطرف.. هل هذه استراتيجية جديدة للدولة أم ماذا؟
- هذا اهتمام من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي واهتمام من كل أجهزة الدولة ينصب على أطراف الجمهورية والمحافظات الحدودية وقبائلها، إلى جانب باقي القبائل في البلاد. على سبيل المثال، لديك محافظة مطروح التي تقع على حدود ليبيا، ولديك محافظتا جنوب وشمال سيناء على الحدود الشرقية الملاصقتان لكل من قطاع غزة وإسرائيل.. هذه الأطراف الحدودية، بما فيها الحدود الجنوبية مع السودان، هي التي تأتي منها المشكلات عادة، ولهذا كان اهتمام السيد الرئيس بأن تكون المناطق الحدودية على رأس الأولويات، لأنها الأكثر عرضة لدخول الخطر منها على الدولة.. لهذا كان الاهتمام الأول للسيد الرئيس بتنمية الأطراف وتنمية محافظات الحدود.. ولهذا السبب جرى ذكر هذا الأمر في المادة 236 من الدستور المصري الجديد، وهو أن الدولة تكفل وضع وتنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة، ومنها الصعيد (وسط) وسيناء (شرق) ومطروح (غرب) ومناطق النوبة (جنوب)، وذلك بمشاركة أهلها في مشروعات التنمية وفي أولوية الاستفادة منها، مع مراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلي.
* هل كانت هناك لقاءات مع شخصيات من قبائل سيناء في الفترة الأخيرة، خصوصا أن سيناء تشهد أحداثا إرهابية؟
- بالتأكيد.. نحن بالطبع، وبصفتنا مجلسا قوميا لشؤون القبائل المصرية، معنا زملاء من جنوب وشمال سيناء، وبالطبع كان الاهتمام الأول في محافظة سيناء هو الاهتمام الأمني.. نحن نعلم أن الأمن لا يتحقق إلا بالتنمية، حين تكون هناك تنمية ومشروعات وحين توجد فرص عمل للناس، فهنا يتراجع الإرهاب، البطالة هي سبب رئيسي في نمو التطرف، ولذلك كل مشايخ قبائل شبه جزيرة سيناء لديهم اهتمام قوي جدا بالأمن في محافظتهم، ويدركون أيضا أن الاهتمام بالأمن يعني أن القائمين على الدولة يضعون في مقدمة المشروعات عملية التنمية في هاتين المحافظتين. يوجد أيضا تعاون بين القبائل على مستوى الجمهورية ومن كل محافظات مصر، بأن يكون أبناء القبائل قوة شعبية أو ظهيرا شعبيا للمساعدة في الحفاظ على الأمن في بلادنا، وأن نعمل على تفعيل عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا للحد من هذه الظاهرة الخطرة على مجتمعاتنا.
* كيف تفسر القيادات القبلية في سيناء العمليات الإرهابية التي تجري هناك؟
- أنت تعلم أن محافظتي جنوب وشمال سيناء تختلفان عن محافظة مطروح.. في محافظة مطروح تقع الحدود الغربية لمصر مع دولة ليبيا، ورغم أن فيها إرهابا وفيها ما فيها من مشكلات أمنية، فإن الطرف يبقى جارا عربيا شقيقا، وبالتالي مشكلاتنا أقل من المشكلات الموجودة في سيناء، على أساس أن سيناء تقع على حدود إسرائيل، وبالتالي، فإن مسؤولية الأمن في سيناء أكثر ثقلا على شيوخ قبائل سيناء والحدود الشرقية، من العبء الملقى على شيوخ قبائل الحدود الغربية للبلاد.
* في الفترة الأخيرة كانت هناك لقاءات لممثلي قبائل ومسؤولين من ليبيا، مع قبليين مصريين ومسؤولين في القاهرة.. إلى أي حد ترى التعاون بين البلدين؟
- أريد أن أشير هنا إلى مقولة ذكرها أحد مسؤولي الأمم المتحدة بشأن ليبيا، وهي أن حل مشكلات ليبيا لن يأتي إلا من خلال اتفاق القبائل. وبالتالي قمنا بعمل مبادرة للقبائل الليبية من جانب قبائل مصر، وهي أن نلتقي في القاهرة ونتبنى مشروع مصالحة مجتمعية أو وطنية بين القبائل في ليبيا. واستجابت قبائل المنطقة الشرقية في ليبيا، أي من بنغازي حتى الحدود المصرية. استجابوا وحضر إلى مصر ما بين 4 إلى 5 وفود ليبية في الفترة الأخيرة من كل التركيبات القبلية، واستقروا أخيرا على أن يعقد مؤتمر كبير تتبناه مصر يضم جميع قبائل ليبيا، من الغرب والشرق، ومن الشمال والجنوب، بما فيها قبائل مصراتة التي يعدها البعض السبب في مشكلات ليبيا في الوقت الراهن. وسيصل منها مندوبون. ستكون هناك جلسات مجتمعية ما بين هذه القبائل.. يتحاورون لكي يتوصلوا إلى حلول تتبناها القبائل الليبية. وإذا تبنت هذه القبائل الحلول الأمنية فكل قبيلة تعرف أبناءها وتعرف كيف تسيطر على الأمن في مناطقها. هذه السيطرة أو التحكم في الأمور من خلال هذه القبائل، سيؤدي إلى ظهور المعتدين، سواء كانوا أجانب أو ليبيين خارجين عن إجماع القبائل. ستتضح صورة مثل هؤلاء المعتدين وسيجري دحرهم إن شاء الله.
* ألم يتحدد موعد لهذا الاجتماع؟
- جرى تحديد أكثر من موعد، لكن أنت تعلم أن التجهيز لمؤتمر مثل هذا يحتاج إلى وقت ويتطلب اتصالات، لكن أعتقد أنه سيكون بنهاية هذا الشهر في القاهرة.
* في لقاءات مع الرئيس السيسي هل تشعر أنه يثق في أن الأمور بمصر والمنطقة تسير نحو التقدم ونحو بسط الأمن والأمل في نجاح اقتصادي؟
- بالتأكيد.. نحن في جلساتنا مع الرئيس السيسي أصبح لدينا يقين أن المؤتمرين اللذين عقدا في منتجع شرم الشيخ، وهما «المؤتمر الاقتصادي» و«مؤتمر القمة العربية»، قد نجحا وبدأت ثمارهما تتحقق. هذه النجاحات تعني أن هناك إصلاحا وأن هناك أمنا. نحن نسير في الطريق الصحيح.. أريد أن أشير أيضا إلى أن أحد الاهتمامات الكبيرة التي تشغل بال الرئيس، بعد قضية اليمن، هي ليبيا. القبائل العربية في ليبيا تعاني من المخربين والإرهابيين. والرئيس يتدخل بسرعة لنصرة القضايا العربية ويطبق المبدأ الذي ذكره من قبل، وهو أن تحرك مصر للوقوف مع أشقائها لن يستغرق إلا «مسافة السكة»، وهذا ما نراه على أرض الواقع اليوم، من ليبيا إلى اليمن.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.