في غمرة لهاثه وراء تأمين أساسيات لقمة العيش والحد الأدنى من الحياة الكريمة ثم إشباع طموحاته في حياة مرفهة تتوجها أحدث السيارات والبيوت الأنيقة والأرصدة المحترمة بالبنوك، قد ينسى إنسان العصر الحديث أنه ليس بالماديات وحدها يحيا، ولا بالإشباع الجسدي بمفرده يمكنه مواصلة العيش فهناك أيضاً روحه التي تتوق للتحليق في جو نوراني وفطرته التي تهفو للتخفيف من أثقال الحياة اليومية من حين إلى آخر. هذه هي الفكرة العامة التي تخرج مشبعاً بها من العرض المسرحي الذي يستمر على مسرح «الطليعة» بالقاهرة حتى التاسع عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري.
يتناول العمل بعض القصص والمواقف ذات الدلالة المفعمة بالصفاء والشفافية والتصالح مع الذات لدى عدد من الشخصيات التاريخية التي يستحضرها الذهن الجمعي عادة باعتبارها رمزاً لقوة الإيمان والتسامح مع الآخرين مثل أبو الحسن الشاذلي والسيد البدوي والمرسي أبو العباس. حكايات تختلط فيها الحقائق الموثقة بجموح الخيال الشعبي الذي يضفي على الشخصية عادة هالة من الخوارق ولكن تظل الحكاية رغم ذلك مليئة بالعبرة والقدرة الخاصة على تحريك المشاعر وإثارة الانفعالات في أجواء روحانية شديدة الخصوصية.
وقد اختار مؤلف العمل مسعود شومان، وهو أحد أبرز شعراء العامية في مصر وله جهد واسع في البحث عن الأشعار الفطرية الخاصة بالثقافات المحلية في مصر، لا سيما في المحافظات الحدودية، شكلاً درامياً للعمل يشبه فكرة الراوي الشعبي وشاعر الربابة ولكنه يأتي هذه المرة في ثوب غنائي روحاني غير تقليدي عبر أداء حركي محدود للشخصيات، لكنه يغرق في رواية الحكايات على إيقاع موسيقى خافتة ورقصات تنورة أسهمت في إبراز تلك الحالة التي تجمع بين الصفاء والتحليق من ناحية وبين السرد القصصي الشعري من ناحية أخرى.
اللافت أن سرد الحكاية يتم بين عدد من الممثلين - 7 بالتحديد، يتناوبون السرد وهم جلوس على الأرض، ما يعمّق من الإحساس بحميمية الحالة ويؤصل لفكرة المسرح الشعبي أو «مسرحة الفرجة» الذي يبدو خارجاً من الموروث الثقافي المصري على نحو يتمرد على الشكل «الغربي» للمسرح.
ثمة خمسة عازفين في الخلفية والمنشد سمير عزمي يتدخل بالتعليق على بعض المواقف مقاطعاً أو مكملاً سرد الحكاية على لسان الممثلين السبعة الذين يتبارون في الاستيلاء على عقول وقلوب المشاهدين على مدار سبعين دقيقة تؤازرهم رقصات التنورة.
كان وضع الجلوس تحدياً خاضه الممثلون لا سيما أحمد مجدي ومحمود الزيات وهبة قناوي بنجاح لافت من خلال تعبيرات الوجه والجسد وتلوين نبرة السرد تبعاً لاختلاف المواقف ليعطوا للقصة طاقتها العاطفية الهادرة، أما ألحان حازم الكفراوي فقد بدت أقرب ما تكون إلى الحسّ الشعبي لتناسب الفكرة العامة للعمل التي تروي عدة حكايات مختلفة تتشابه في المضمون الإيماني وتختلف في التفاصيل بعيداً عن القصة التقليدية التي تقوم على وحدة الحدث بما فيها من مقدمة وعقدة وحل، من هنا تعامل المخرج عادل حسان مع الموضوع ببساطة ولم يحمله أكثر مما يحتمل ليحافظ على تلقائيته.
وجاءت الديكورات وملابس العرض التي صممها محمد هاشم لتكريس تلك الأجواء المغرقة في الروحانية المفعمة بحس شعبي، فثمة جلابيب بيضاء ومسابح خشبية تتدلى من الأعناق وراقص تنورة بزيه التقليدي، فضلاً عن ستائر بيضاء تعكس إضاءة خافتة تتلون حسب الموقف، بالإضافة لهذا المزيج الأخاذ من النقوش الإسلامية والموتيفات الشعبية التي تعلو بابين على يمين ويسار خشبة المسرح.
ويكشف مؤلف العمل الشاعر مسعود شومان عن مفاجأة، حيث كانت فكرة العرض المسرحي متضمنة لقصائد ديوانه «صاحب مقام» وحين طلب منه المخرج عادل حسان أن يشتغل عليه لإعداده للمسرح، قام بمزاوجة الحكايات النثرية بمقاطع الشعر التي كانت موجودة بالفعل في الديوان، بحيث يمكن اعتبار «صاحب مقام» مسرحاً غنائياً، فالشعر والغناء بطلا العرض، فهما يمثلان البنية التي قام عليها النص، والغناء هنا ليس تعليقاً على المشاهد لكنه جوهر العمل.
ويضيف شومان، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»: «أتصور أن هذا النوع من المسرح يحتاج إلى مشاهد مدرب على تذوق الفن في عالم يموج بالغناء الغث والنصوص الأصلية، لذلك لم يحقق العرض جماهيرية عريضة لكنه حقق مشاهدات مقدرة خصوصاً في الأقاليم، كما اجتذب في العاصمة جمهوراً لا بأس به وإلا لما تم عرضه للموسم الثاني.
ويشير شومان إلى أن الرسالة المضمرة في العمل شعرية وجمالية في المقام الأول ثم رمزية تشير إلى مصر وأرضها ونيلها وتسامح شعبها، وكيف أن الدين والسعادة عند المصريين يسيران يداً بيد، وأن من يبررون القتل والدماء ليس لهم دين.
10:43 دقيقه
«صاحب مقام» تستعيد أجواء الراوي الشعبي في قالب غنائي
https://aawsat.com/home/article/3301291/%C2%AB%D8%B5%D8%A7%D8%AD%D8%A8-%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%85%C2%BB-%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A3%D8%AC%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D9%88%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A8-%D8%BA%D9%86%D8%A7%D8%A6%D9%8A
«صاحب مقام» تستعيد أجواء الراوي الشعبي في قالب غنائي
المسرحية المصرية تتميز ببساطة الديكور ورقصات التنورة
حركة على إيقاع الروحانيات (مسرح الطليعة) - الغناء أضاف بعداً روحانياً (مسرح الطليعة)
- القاهرة: رشا أحمد
- القاهرة: رشا أحمد
«صاحب مقام» تستعيد أجواء الراوي الشعبي في قالب غنائي
حركة على إيقاع الروحانيات (مسرح الطليعة) - الغناء أضاف بعداً روحانياً (مسرح الطليعة)
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

