خريطة طريق محدّثة لمراحل مرض الربو وعلاجه

مؤتمر طبي سعودي لتدارس وسائل الحدّ من تبعاته

خريطة طريق محدّثة لمراحل مرض الربو وعلاجه
TT

خريطة طريق محدّثة لمراحل مرض الربو وعلاجه

خريطة طريق محدّثة لمراحل مرض الربو وعلاجه

الربو الشُعبي الرئوي أحد الأمراض المزمنة المنتشرة في جميع أنحاء العالم بما فيها المملكة العربية السعودية. وقد لوحظ خلال العقود الأخيرة أن عدد حالات الإصابة بهذا المرض آخذة في الزيادة، ويعزى ذلك لانتشار المهيجات والمؤثرات التي يمكن أن تسبب تهيج الجهاز التنفسي وبشكل خاص القصبة الهوائية، إضافة إلى وجود مواد لها علاقة بالتطور الحضاري للإنسان بما فيها المواد الكيميائية والملوثات الكيميائية وعوادم السيارات، بالإضافة إلى المحسسات والمهيجات التنفسية المنتشرة في المدن الصناعية بجميع أنحاء العالم.

مؤتمر طبي
أقامت الجمعية السعودية لطب الأسرة والمجتمع بالتعاون مع شركة «غلاسكو السعودية» مساء يوم الثلاثاء الماضي، التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، مؤتمراً طبياً، لمناقشة «المستجدات الطبية والعلاجية لمرض الربو»، تم بثه افتراضياً عبر المنصة الإلكترونية لملتقى الخبرات لتنظيم المعارض والمؤتمرات. وتجاوز عدد الحضور 2000 طبيب وممرض وممارس صحي من داخل المملكة ومن خارجها.
وحول أهمية المؤتمر، صرح لـ«ملحق صحتك» رئيس المؤتمر الدكتور أشرف أمير استشاري طب الأسرة نائب رئيس الجمعية السعودية لطب الأسرة والمجتمع، بأن للربو الشعبي مضاعفات وتبعات خطيرة على المريض وعلى أسرته وعلى المجتمع، فبالنسبة للموظف فإنه يفقد ساعات عديدة من العمل وتقل إنتاجيته بسبب تردده على المستشفيات، وإذا كان طالباً فسوف تتأثر ساعاته التعليمية بسبب الغياب المتكرر ودخوله في نوبات حادة من الالتهاب الشعبي.
إن مريض الربو قد لا يتمتع بجودة الحياة كغيره من الأقران لما يعاني من كثرة ضيق النفس والكحة المزمنة والكتمة، بالإضافة إلى ضرورة استخدامه للموسوعات الشعبية عند تعرضه للحالات الحادة من النوبات والأزمات الربوية، بالإضافة إلى زيارة أقسام الطوارئ بشكل مستمر وأحياناً التنويم بها. وللأسف، كثير من مرضى الربو الشعبي يكون لديهم المرض غير متحكم فيه بشكل جيد فتزداد معاناتهم من المضاعفات المتكررة التي تصل إلى حد الخطورة واحتمال تعرض المريض للوفاة.

الربو في السعودية
يواصل الدكتور أشرف أمير، هناك عدة دراسات محلية نشرت بهذا الخصوص، أوضحت أن نسبة البالغين الذين يعانون من أعراض الربو في المملكة تصل إلى نحو 18.2 في المائة، وأن نسبة المرضى المشخصين بالربو ويستخدمون البخاخات الموسعة للشعب الهوائية تصل ما بين 11 في المائة إلى 16 في المائة.
والآن، أصبح الربو من الأمراض المزمنة التي تتطلب من الشخص المصاب بها أن يتعايش معها لفترات طويلة قد تكون على مدى حياته في حالة استمرار وجود المحسّسات والمهيجات للربو. وفي مجتمعنا نجد أن عناصر المرض المزمن بالنسبة لمرض الربو قد أصبحت مكتملة، فهو مرض له أعراض حادة، وتوجد له مضاعفات كأي مرض مزمن آخر، وله تأثير على جودة الحياة، إضافة إلى التبعات العديدة على الأسرة وعلى المجتمع وعلى النظام الصحي في استهلاك الموارد بشكل كبير.
وأوضح أمير أن التحكم في مرض الربو ليس على المستوى المطلوب، فهناك كثير من المرضى لديهم الربو غير متحكم فيه. وللأسف، الكثيرون يعتقدون أن استخدام مضادات «بيتا» قصيرة المفعول هو علاج نهائي للمرض. وفي الحقيقة فإنها أدوية فعالة تمنحهم التخلص السريع من الأعراض الحادة للربو، ولكنها تظل مضادات قصيرة المفعول تعطي تحسناً سريعاً، ولكنه مؤقت ولا تعطي حالة من الاستقرار الكامل للتهيج الداخلي للقصبة الهوائية.
إن مريض الربو يحتاج لاستخدام بخاخات الكورتيكوستيرويد للتخفيف من حدة التفاعلات الالتهابية وتخفيف نسبة الإفرازات والأعراض الجانبية الناتجة عن التفاعلات الالتهابية. وقد وجدت إحدى الدراسات أن المرضى الذين يستخدمون مضادات «بيتا» قصيرة المفعول بشكل كبير ومتكرر ويعتمدون عليها قد يؤدي ذلك إلي دخولهم في مضاعفات خطيرة. وقد ربطت دراسة أخرى بين استخدام هذه البخاخات والوفاة، فكلما زاد استخدام مضادات «بيتا» قصيرة المفعول، كانت هناك احتمالية لحدوث مضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة.
ووجه د. أمير رسالة للقراء بأن مضادات «بيتا» قصيرة المفعول لا بد أن تستخدم مع الكورتيكوستيرويدات. والآن تتوفر لدينا أنواع من البخاخات التي تحتوي على النوعين معاً في مستحضر واحد، مضادات «بيتا» التى تؤدي إلى توسيع القصبة الهوائية والكورتيكوستيرويدات التي تخفف من الأمراض الالتهابية المصاحبة لتضييق الشعب الهوائية. وعليه ننصح المرضى باستخدام العلاج حسبما توصي به المنهجيات العلمية العالمية، وأهمها الدليل العلمي العالمي «جينا» (GINA) الذي تم تحديثه هذا عام 2021.
ووجه رسالة أخرى للأطباء بتوخي الدقة والحرص على التشخيص المبكر لحالات الربو واستخدام العلاجات المناسبة بما فيها مضادات «بيتا» قصيرة المفعول والكورتيكوستيرويدات معاً في بخاخ واحد، وهو التوجه العلمي الحديث لحماية المرضى من مضاعفات الربو الخطيرة.
إن دور الأطباء، خصوصاً على مستوى الرعاية الصحية الأولية مهم جداً، ليس فقط على المستوى المحلي بل عالمياً، من حيث التوصل إلى التشخيص الجيد الصحيح لحالات الربو مبكراً، فمن غير المقبول أن تمر هذه الحالات عليهم باعتبارها مجرد حالات تحسس في القصبة الهوائية أو على أنها حالات تحسسية تنفسية فقط من دون التوصل إلى التشخيص السليم، ما يجعل عملية العلاج لا تصل إلى المستوى المأمول في التحكم بالمرض بشكل جيد وبالطرق العلمية الموصى بها من الجمعيات العالمية والمحلية في هذا المجال، وبالتالي يضطر مريض الربو للدخول في نوبات متكررة تحيل المرض إلى حالات متقدمة ومضاعفات صحية كثيرة قد تؤثر على جودة حياته.

الأعراض والمسببات
تحدثت إلى «صحتك» الدكتورة هبة بزيع استشارية طب الأسرة، مديرة إدارة «العافية» بالمركز الطبي الدولي بجدة وأحد المتحدثين، وأوضحت أن الربو هو من الأمراض المزمنة الشائعة (339 مليون مصاب في العالم) التي تصيب الرئتين في جميع الأعمار. ومن عوارضه الصفير، وضيق التنفس، والسعال غالباً ليلاً، أو في الصباح الباكر أو بعد عمل التمارين أو التعرض للمحسسات أو المهيجات (allergens) وأيضاً التدخين. كان الاعتقاد السائد أن سبب الربو التضيق في الشعب الهوائية، والصحيح أن السبب الأساسي هو التهاب مزمن (chronic airway inflammation) يؤدي إلى التضيق في الشعب الهوائية، وهذا أدى إلى تغيير النظرة إلى المرض، حديثاً، خصوصاً في طرق ووسائل العلاج.
هناك عدة أسباب للإصابة بمرض الربو، منها أسباب جينية وأخرى بيئية (مثل التدخين والتدخين السلبي)، وثالثة مهنية.

التشخيص
تقول الدكتورة هبة بزيع: «يتم تشخيص الربو غالباً بوجود الأعراض المذكورة سابقاً والتأكد من عدم وجود أمراض أخرى تحمل الأعراض نفسها مثل مشاكل القلب والارتجاع المريئي وبعض الأمراض التنفسية الأخرى. وللتأكد من التشخيص، يتم إجراء فحص التنفس في عيادة الأمراض الصدرية لمعرفة مدى كفاءة عمل الرئتين قبل وبعد استخدام علاج الربو».
ووفقاً للتحديث الأخير لدليل «GINA-2021» التشخيصي العلاجي للربو، فقد صُنف الربو كمرض مزمن خطير ومميت، إن لم يتم علاجه بالطريقة الصحيحة، وله تأثير كبير على نوعية الحياة للمريض المصاب به.
لقد طرأ تغيير أساسي وكبير في السنوات الأخيرة في توصيات «جينا» (Gina guidelines) لعلاج الربو، بعد ما ثبت أن السبب الأساسي وراء أزمات الربو هو الالتهاب (inflammation)، وليس ضيق الشعب الهوائية (Broncho-constriction)، وعلى هذا الأساس توصي آخر تحديثات دليل «جينا» (GINA) باستعمال مستنشق الكورتيكوستيرويد (Inhaled CorticoSteroid (ICS)) من بداية التشخيص حتى في حالات النوبات الربوية الخفيفة، حيث كان الاعتماد كلياً، خلال الـ40 سنة الفائتة، على استخدام مضادات بيتا قصيرة المفعول (short-acting beta(2)-agonist (SABA)) لتخفيف العوارض كضيق النفس وغيرها، بينما وجدت الدراسات أن الاعتماد على «SABA» هذه قد يؤدي إلى زيادة حدة المرض، إضافة للزيارات المتكررة للطوارئ والتنويم بالمستشفيات، وقد تحدث الوفاة بعد ذلك. وهذا ينطبق على كل خطوات «جينا» (GINA steps)، حيث إن مريض الربو حتى في الخطوة الأولى (step-1) معرض للإصابة بنوبات شديدة، علماً بأن علاج «سابا» يعالج النتيجة ولا يعالج السبب.
وبناء على هذا، يوصي دليل «جينا - 2021» (GINA-2021) بصرف مستنشق الكورتيكوستيرويد (ICS) لكل مريض ربو في كل مراحل المرض وخطوات العلاج كعلاج متحكم (CONTROLLER) في المرض ومخفف (RELIEVER) للأعراض. وفي حال أن المريض يفضل استخدام بخاخ (SABA)، يجب على الطبيب التأكد من أنه يستعمل مستنشق الكورتيكوستيرويد (ICS) مباشرة بعد استعمال (SABA) والمفضل في آخر تحديث للدليل، أي استعمال جهاز استنشاق واحد للمتحكم والمخفف (ICS+SABA).

مراحل المرض
تحدثت لملحق «صحتك» الدكتورة مريم الشيخ استشارية العناية الحرجة لأمراض الرئة بالمركز الطبي الدولي وأحد المتحدثين، أكدت أهمية التشخيص الصحيح لمرض الربو وتقسيمه إلى 5 خطوات، وفقاً لدليل «جينا» (2021 GINA):
- المرحلة (1)، (2): أعراض قليلة خلال أسبوع ولا توجد أعراض ليلية.
- المرحلة (3): أعراض في أغلب أيام الأسبوع وعلى الأقل مرة في الأسبوع ليلاً.
- المرحلة (4): أعراض في أغلب أيام الأسبوع وأكثر من مرة ليلاً مع انخفاض في وظائف الرئة.
- المرحلة (5): عدم التحسن مع العلاجات المعروفة سابقاً.
أما عن طرق العلاج، فتواصل د. مريم الشيخ: هناك تغيير جذري في العلاج بناء على مراحل المرض وخطوات دليل «جينا - 2021» الحديث، ويتم إعطاء العلاج بإحدى طريقتين:
- الطريقة الأولى: استنشاق الكورتكوستيرويد inhaled corticosteroid (ICS) مع موسع الشعب الهوائية طويل المفعول long-acting beta(2)-agonist (LABA) ويعطى بجرعات تختلف حسب مرحلة المرض، وقد يحتاج المريض أحياناً لإضافة حبوب كورتيزون وبجرعات مختلفة، أو إضافة علاجات متقدمة بيولوجية للحساسية (anti-IgE, anti-interleukin) للحالات صعبة التحكم. وهذا لم يكن موجوداً سابقاً، وكان يعطى عند الكتمة short-acting beta(2)-agonist (SABA) كموسع شعب هوائية قصير الممفعول، وحالياً تم إيقاف استخدامه (لوحده) بعد أن أشارت جميع الدراسات إلى أن استخدامه منفرداً يرفع نسبة الوفاة.
- الطريقة الثانية: استنشاق الكورتكوستيرويد inhaled corticosteroid (ICS) مع موسع الشعب الهوائية قصير المفعول short-acting beta(2)-agonist (SABA)، ويعطى بجرعات تختلف حسب مرحلة المرض والتحكم في أعراضه.
- تخفيض الجرعات: يتم تخفيض جرعات الكورتيزون المستنشقة بنسبة من 25 إلى 50 في المائة كل ثلاثة شهور بعد التأكد من استقرار وضع المريض وانتظامه في أخذ العلاجات، أو عدم تعرضه لأي أزمة ربو استدعت دخول الطوارئ والتنويم خلال من ستة شهور إلى سنة. ويتم الشرح تفصيلياً للمريض عن الخطة العلاجية، وأنه غير مسموح بإيقاف العلاج تلقائياً حتى لا يتعرض لأزمات حادة قد تصل إلى حد الوفاة، وفقاً للدراسات والبراهين التي اشتمل عليها التحديث الأخير لدليل «جينا». وتتم إعاده تقييم المريض كل 3 أو 6 شهور، وبناء عليه يُعاد تصنيف المرض وتخفيف أو زيادة الجرعات.

التحكم بالنوبات
وأخيراً، هل يمكن التحكم في نوبات الربو؟ تقول الدكتورة بوميكا أجاروال (Bhumika Aggarwal) الخبيرة في مجال أمراض الجهاز التنفسي، وأحد المتحدثين في المؤتمر، إن التحكم بالأعراض وتجنب تفاقمها ممكن من خلال الالتزام بتناول الأدوية بانتظام، وحسب إرشادات الطبيب المعالج. وأكدت أهمية متابعة المريض لحالته الصحية واكتشاف أي تغير في نمط مرضه مبكراً لتجنب المضاعفات الخطيرة المتوقعة. كما أكدت أهمية استخدام أجهزة الربو بالشكل الصحيح وعدم الإفراط في تناول موسعات الشعب الهوائية أو إيقافها مباشرة من دون استشارة الطبيب.
كما يمكن السيطرة على النوبات بالابتعاد عن المسببات مثل التدخين، والغبار، وتلوث الهواء، والحيوانات الأليفة وغيرها، بالإضافة إلى الالتزام بالعلاج، حسب توصيات الطبيب المعالج والانتباه إلى الأعراض التي تسبق النوبة الربوية (asthma exacerbation) ومراجعة الطبيب المعالج بانتظام واتباع التعليمات الموجودة في خطة علاج الربو (asthma action plan)، والتي تختلف من مريض لآخر، حسب آخر تحديث للدليل (GINA) التشخيصي العلاجي للربو.
• استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

صحتك فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب.

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك 7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

أمّ تحمل في إحدى يديها طفلاً، وفي الأخرى ملفاً طبياً أثقل من عمره الصغير، تتنقل بين أروقة المستشفيات والعيادات حائرة، تطلق تساؤلات بلا إجابة واضحة

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

يُسوّق البلميط المنشاري بوصفه علاجاً طبيعياً لتضخم البروستاتا، وهو أحد المكملات الغذائية الأكثر مبيعاً.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
يوميات الشرق يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق خلايا تولد كأنَّ الذاكرة اختارت أن تتأخَّر في الرحيل (شاترستوك)

«المعمّرون الخارقون» يكشفون عن سرّ الدماغ الذي لا يشيخ

يُعرَّف «المعمّر الخارق» بأنه شخص يبلغ 80 عاماً أو أكثر، ويتمتّع بوظائف إدراكية تماثل شخصاً متوسّط المستوى في منتصف العمر تقريباً...

«الشرق الأوسط» (لندن)

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب
TT

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب. ولذا تُعدّ هذه العناصر في دمك بمثابة مؤشر على صحة قلبك.

نهج استباقي

ويُعتبر إجراء فحوصات الدم لفهم خطر إصابتك بمرض الشريان التاجي نهجاً استباقياً للحفاظ على صحة قلبك. ولذا من المفيد جداً التعاون مع طبيبك لفهم نتائجك وتحديد الخطوات التالية الأنسب.

ونقدم إليك هنا مزيداً من التوضيحات حول تلك الفحوصات القلبية التي يتم التعرُّف عليها من خلال تحاليل الدم:

1. التروبونين: وهو الاختبار الأكثر شيوعاً لتشخيص الإصابة بنوبة الجلطة القلبية. التروبونين Troponin مادة تُفرزها أنسجة القلب عند تعرضها للتلف، وهو ما يحدث في أثناء النوبة القلبية وحالات أخرى تتعرض فيها أنسجة عضلة القلب للتلف بفعل الالتهابات العضلية. والتروبونين مركب بروتيني موجود في عضلة القلب والعضلات الهيكلية، وهو يُنظم انقباضها.

وعند تلف عضلة القلب، تُفرز أنواع محددة من التروبونين القلبي في مجرى الدم، ما يجعل فحص الدم أداة تشخيصية أساسية للنوبات القلبية والإصابات والإجهاد. وترتفع مستويات التروبونين عادة خلال 3-4 ساعات من الإصابة، تبلغ ذروتها خلال 12- 48 ساعة، وقد تبقى مرتفعة لمدة أسبوع إلى أسبوعين. ولذا فإن الغرض من إجراء تحليل التروبونين هو قياس مدى حصول تلف في أنسجة عضلة القلب، وخصوصاً في قسم الطوارئ لتشخيص سبب الشكوى من ألم الصدر، الذي من أسبابه القلبية كل من: احتشاء عضلة القلب (نوبة الجلطة القلبية Myocardial Infarction)، والذبحة الصدرية غير المستقرة Unstable Angina، والتهاب عضلة القلب Myocarditis.

ولذا، فإن الأعراض التي تستدعي إجراء الفحص تشمل ألماً في الصدر، وضيقاً في التنفس، ودواراً، وغثياناً، وألماً ينتشر إلى الذراعين أو الظهر أو الرقبة. ويقوم الطبيب بتفسير النتيجة وفق حالة المريض. وفي حين أن المستويات المرتفعة جداً غالباً ما تشير إلى نوبة قلبية، فإن الارتفاعات المتوسطة قد تنتج عن انسداد الجلطة في الشرايين الرئوية Pulmonary Embolism، أو أمراض الكلى المزمنة، أو تسمم الدم بالالتهابات الميكروبية (الإنتان)، أو إنها نتيجة ممارسة التمارين الرياضية الشاقة. ولذا يتطلب ارتفاع التروبونين إجراء مزيد من التقييم لشرايين القلب، لتحديد ما إذا كان الضرر ناتجاً عن متلازمة الشريان التاجي الحادة Acute Coronary Syndrome أو عوامل أخرى.

2. تحليل الدم دي-دايمر D-DIMAR: ودي-دايمر هي بالأساس بروتينات معينة في الدم يتم فحص مستواها لاستبعاد حصول بعض اضطرابات التخثر الدموي، أي استبعاد وجود جلطة دموية خطيرة. وهي بالأساس شظايا من المركَّبات الكيميائية التي ترتفع نسبتها في الدم عند تحلل خثرة الجلطة الدموية. ولذا قد ترتفع مستويات دي-دايمر في الدم إذا كنت تعاني من جلطة كبيرة داخل أحد الأوعية الدموية الكبيرة في «داخل» الجسم، مثل تخثر جلطة الأوردة العميقة، وهي جلطة في الأوردة العميقة التي في الساقين أو الفخذين، ويمكن أن تؤدي إلى مشكلات خطيرة في الرئة إذا انتقلت مع الدم إلى الأوعية الدموية في الرئة (جلطة الانسداد الرئوي).

وحينما يستقبل الطبيب حالة تتضمن تورماً وألماً واحمراراً في إحدى الساقين أو الفخذين (يشتبه بجلطة أوردة عميقة)، أو حالة من الشكوى من صعوبة في التنفس مع سرعة نبضات القلب وألم في الصدر وسعال وانخفاض في نسبة الأكسجين في الدم (يشتبه بجلطة الانسداد الرئوي)، فإن الطبيب ضمن الفحوصات التي يطلبها آنذاك، قد يطلب تحليل الدم لمعرفة مستوى دي-دايمر. وإذا كانت النتيجة منخفضة أو طبيعية، فهذا يعني أن دمك يحتوي على مستويات منخفضة من بروتين دي-دايمر. ولذا فمن «غير المُرجح» أن تكون مصاباً باضطراب تخثر في مكان ما من جسمك. وإذا كانت النتيجة مرتفعة أو إيجابية، فهذا يعني وجود مستويات عالية من بروتين دي-دايمر في دمك. وسيحتاج الطبيب حينئذ إلى إجراء مزيد من الفحوصات والتصوير لمعرفة ما إذا كانت ثمة جلطة دموية، ومكانها، وسببها.

ومع ذلك سيُراعي الطبيب احتمالات وجود حالات وعوامل قد تؤثر على نتائج اختبار دي-دايمر؛ حيث من الممكن أن يكون مستوى دي-دايمر مرتفعاً دون وجود جلطة دموية. أو قد تكون النتيجة المرتفعة أيضاً نتيجة التقدم في السن، أو الحمل، أو وجود عدوى ميكروبية في الجسم، أو أمراض مزمنة في الكبد، أو ارتفاع مستوى الكوليسترول والدهون في الدم، أو تناول أدوية ترفع من نسبته في الدم، مثل الأدوية المضادة للصفيحات مثل الأسبرين، وكلوبيدوغريل (بلافيكس)، وبراسوغريل (إفيينت)، وتيكاجريلور (بريلينتا).

مؤشرات خطر

3. الكوليسترول والدهون الثلاثية: توصي النصائح الطبية ببدء إجراء تحليل الدم لفحص الكوليسترول بين سن 20 و35 عاماً، وذلك اعتماداً على عوامل الخطر الخاصة بك للإصابة بأمراض القلب. ولذا يجب إجراء اختبار الكوليسترول المتكرر أو إجراء مراقبة إضافية أخرى:

- إجراء الاختبار مرة كل 5 سنوات للرجال الذين لديهم مستويات كوليسترول طبيعية.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا حدثت تغييرات في نمط الحياة (بما في ذلك زيادة الوزن والنظام الغذائي).

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تعاني من مرض السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب، أو السكتة الدماغية، أو مشكلات تدفق الدم في الساقين أو القدمين أو بعض الحالات الأخرى.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تتناول أدوية للتحكم في ارتفاع الكوليسترول.

ويقدم تحليل الدم المعتاد للكوليسترول والدهون، نتائج 4 عناصر، هي:

- الكوليسترول الثقيل HDL: وهو الكوليسترول الحميد؛ لأنه كلما ارتفع في الدم انخفضت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الكوليسترول الخفيف LDL: وهو الكوليسترول الضار؛ لأنه كلما ارتفع في الدم، ارتفعت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الدهون الثلاثية TG: وعند ارتفاعها مع ارتفاع الكوليسترول الخفيف أو انخفاض الكوليسترول الثقيل، ترتفع احتمالات تراكم الكوليسترول والدهون في جدران الشرايين.

- الكوليسترول الكلي TC: وهو محصلة قياس تلك العناصر الثلاثة في نتائج تحليل الكوليسترول.

وفي تقييم عموم الناس، يُجرى تحليل الدم للكوليسترول دون الحاجة للصوم Non-Fasting. ولكن في متابعة مرضى الشرايين القلبية، والمرضى الذين يعانون من متلازمة التمثيل الغذائي Metabolic Syndrome (عند وجود 3 من المؤشرات التالية: زيادة محيط البطن- ارتفاع الدهون الثلاثية- انخفاض الكوليسترول الثقيل- ارتفاع ضغط الدم- ارتفاع السكر A=في الدم) أو مرض السكري، أو مرضى اضطرابات الكوليسترول، يجب أخذ عينة الدم للتحليل بعد الصوم (لمدة تتراوح ما بين 9 و12 ساعة).

4. الببتيد الدماغي المدر للصوديوم BNP: وهذا نوع من البروتينات التي ينتجها القلب والأوعية الدموية، ويُعرف أيضاً بـ«النوع (بي) من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم». والأساس في عمله أنه يساعد الجسم على التخلص من السوائل المتراكمة فيه، وكذلك على إرخاء الأوعية الدموية، وتسهيل نقل الصوديوم إلى البول (كي يسحب معه مزيداً من الماء الخارج في سائل البول).

وفي حال تضرر القلب -وخصوصاً ضعف قوة القلب- يفرز الجسم نِسَباً عالية من النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في مجرى الدم، وذلك في محاولة لتخفيف الضغط على القلب. ويتمثل أحد أهم استخدامات فحص النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في محاولة تحديد ما إذا كان ضيق النَّفَس ناجماً عن فشل القلب أم لا.

تختلف مستويات النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم حسب السن ونوع الجنس والوزن. وبالنسبة للأشخاص المصابين بفشل القلب، يمكن أن يكون إرساء قيمة قاعدية للنوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم نافعاً جداً. وبالتالي، يمكن للاختبارات المستقبلية أن تساعد على تقدير مدى نجاح العلاج، أو مدى الانتكاس في التحكم في تداعيات حالة ضعف القلب. وأهم تلك التداعيات هو تراكم كثير من السوائل في الجسم، وخصوصاً الرئتين والساقين.

أدوات تشخيصية أساسية للنوبات القلبية أو وجود جلطة دموية خطيرة

رصد الالتهابات

5. البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية us-CRP: وهو بروتين يفرزه الكبد ضمن استجابة الجسم للإصابة أو العدوى. وتؤدي هذه الاستجابة إلى حدوث تورُّم داخل الجسم يُطلق عليه الالتهاب. ويؤدي الالتهاب دوراً رئيسياً في تراكم اللويحات (المحتوية على الكوليسترول والدهون) في الشرايين القلبية، مسبباً ما يُطلق عليه مرض تصلب الشرايين الذي من مظاهره تضيقات الشرايين القلبية وتداعياتها. ويساعد اختبار تحديد معدل البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية في تحديد مدى خطر الإصابة بأمراض القلب، قبل ظهور الأعراض بشكل واضح لدى المريض.

ويرتبط ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية بزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية والأمراض القلبية.

ولكن قد تُسبب أشياء عدة (مثل الإصابة بنزلة زكام، أو الركض لمسافة طويلة) ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» لفترة وجيزة. ولذا، ينبغي إجراء الاختبار مرتين، على أن يفصل بينهما أسبوعان. ويُشير ارتفاع مستوى البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية عن 2.0 ملِّيغرام لكل لتر (ملغم/ لتر) إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.

6. تحاليل أخرى: في حالات معينة، قد يطلب الطبيب إجراء تحليل الدم لوظائف الغدة الدرقية TSH، عند الشكوى من الخفقان أو تراكم السوائل حول القلب.

كما قد يطلب تحليل تراكم السكر في الهيموغلوبين HbA1c، لمعرفة مدى انضباط مستويات سكر الدم لدى مرضى السكري.

وقد يطلب الطبيب قياس مستويات السيراميد Homocysteine في الدم الذي قد يرتبط ارتفاعه بتصلب الشرايين. وأيضاً يتابع طبيب القلب نتائج تحليل وظائف الكلى؛ خصوصاً عند وصفه للمريض أدوية إدرار البول.

وفي حالات المرضى الذين يتلقون دواء منع تجلط الدم، مثل الوارفارين، يتابع الطبيب نتائج تحليل نسبة التخثر الدولية INR لتحديد الجرعة المناسبة من هذا الدواء.وأيضاً إجراء تحليل الدم CBC لمعرفة نسبة الهيموغلوبين ومدى وجود فقر الدم.

وينظم فيتامين «دي» مستويات الكالسيوم والفوسفات في الجسم. ولكن ترتبط المستويات المنخفضة من فيتامين «دي» بمخاطر متنوعة على صحة القلب. كما قد تشير المستويات المنخفضة إلى صعوبة تحمل أدوية الستاتين (أدوية خفض الكوليسترول) وإلى احتمال ارتفاع ضغط الدم.


لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟
TT

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

كشفت دراسة جديدة لباحثين من كلية الطب بجامعة ستانفورد بالولايات المتحدة، ونُشرت في 9 فبراير (شباط) الحالي في مجلة علم الأعصاب «Journal of Neuroscience»، عن احتمالية أن يكون السبب في صعوبة تعلم الرياضيات math راجعاً إلى أسباب عصبية في الأساس تؤدي إلى اختلاف الطريقة التي يعمل بها المخ في كل طفل.

«عُسر الحساب»: مشكلة شائعة

من المعروف أن صعوبة تعلم الرياضيات تُعد من المشكلات الشائعة في التعليم، وعلى وجه التقريب في معظم المجتمعات، تعاني نسبة من السكان تتراوح بين 3 إلى 7 في المائة من صعوبة تعلم مادة الرياضيات، أو ما يُسمى عسر الحساب dyscalculia، الذي يشمل صعوبات في فهم ومقارنة الكميات، وتعلم العدّ، وفهم رموز الأرقام، وتعلم المهارات الرياضية المختلفة مهما كانت بسيطة.

أوضح الباحثون أن القدرة على حل المسائل الرياضية، والتعامل مع الأرقام يحتاجان إلى مهارات عصبية متعددة، مثل المعالجة البصرية (من خلال إرسال الإشارات إلى المخ لترجمة الأرقام إلى كميات معينة، وأيضاً ترجمة الرموز المختلفة، مثل الجمع، والطرح، والضرب)، والذاكرة قصيرة المدى (للاحتفاظ بتفاصيل المسألة الرياضية أثناء حلها).

قام الباحثون بإجراء الدراسة على 87 طفلاً من أطفال الصفين الثاني والثالث في المدارس الأميركية يتراوح متوسط أعمارهم بين 7 و9 أعوام. ومنهم 34 طفلاً يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات، إذ حصلوا على متوسط درجات أقل من أقرانهم بشكل ملحوظ في اختبار لقياس قدرة الطالب العادي على حل المسائل الرياضية. أما بقية الأطفال الآخرين فقد حصلوا على درجات أعلى، مما يشير إلى قدرة طبيعية على تعلم الرياضيات.

اختار الباحثون مهمة معينة لاختبار القدرة على التعامل مع الأرقام، حيث طُلب من الأطفال إكمال سلسلة من المقارنات البسيطة لحل مسائل حسابية، وفي كل محاولة تتم المقارنة بين كميتين، وكان عليهم تحديد أي الكميتين أكبر، وذلك لتقييم الاختلافات في نشاط المخ أثناء تعاملهم مع الأرقام، وتم عمل أشعة رنين مغناطيسي لكل الأطفال المشاركين، لرصد نشاط المخ أثناء قيام الأطفال بحل المسائل.

في كل محاولة كانت الكميات تُعرض بشكل مختلف، وعلى سبيل المثال تُعرض على صورة أرقام مكتوبة، وفي أحيان أخرى كانت تُعرض على شكل مجموعات من النقاط، ما يتطلب من الطفل تقدير المجموعة التي تحتوي على عدد أكبر من العناصر بسرعة. وكان هدف العلماء من التبديل بين مجموعة الأرقام ومجموعات النقاط تقييم قدرة الطفل على التعامل مع الحسابات، وتوقع الإجابة بمجرد الرؤية.

قام الباحثون بتصميم المسائل بحيث تتضمن مسائل سهلة (التي يوجد بها فارق كبير بين الأرقام، وبالتالي تكون الإجابة واضحة، مثل 7 مقابل 2)، وأخرى صعبة (التي يوجد بها فارق بسيط يفصل بين الأرقام مثل 6 مقابل 7)، وبالتالي تكون الإجابة أكثر صعوبة.

دراسة أداء الأطفال

بدلاً من التركيز فقط على صحة الإجابات، أو خطئها، ركز الفريق البحثي على معرفة الكيفية التي تغير بها أداء كل طفل، في المحاولات المختلفة، عن طريق مراقبة هل يقوم الطفل بتعديل أسلوبه بعد ارتكاب الأخطاء من عدمه؟ ومدى حرصه على تحديد الرقم الأكبر، سواء في المسائل السهلة، أو الصعبة، ومدى سرعة اكتشافه لأخطائه، وإبطاء وتيرة الحل في المسألة التالية بعد ارتكاب الخطأ، وهي كلها أمور أساسية في تعلم الرياضيات، أو التعامل مع الأرقام بشكل عام.

وفي المسائل المتعلقة بالرموز العددية، كان الأطفال من ذوي القدرات الرياضية الطبيعية أكثر تباطؤاً عند إجراء المقارنات الصعبة بين الأرقام المتقاربة، مقارنة بالمقارنات السهلة. وفي المقابل لم يقم الأطفال الذين يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات بتغيير طريقة تفكيرهم بنفس القدر أثناء حل المسائل، بمعنى أنهم لم يحاولوا التباطؤ، أو تغيير سلوكهم في المسائل الصعبة، وبالتالي ساهم ذلك في ارتكابهم للأخطاء.

أظهرت النتائج نمطاً ثابتاً للمجموعتين، حيث كان الأطفال الذين يواجهون صعوبة في الرياضيات أقل ميلاً لتغيير طريقة حلهم بعد الخطأ في حل المسألة، حتى عندما ارتكبوا أنواعاً مختلفة من الأخطاء، ولم يقوموا بتغيير طريقة تفكيرهم استجابة لهذه الأخطاء. وكانت هذه الصعوبة في تعديل السلوك بمرور الوقت فرقاً جوهرياً بين الأطفال ذوي القدرات الرياضية الطبيعية، والذين يواجهون صعوبات في تعلم الرياضيات.

وأوضحت فحوصات أشعة الرنين المغناطيسي أن الأطفال الذين واجهوا صعوبة أكبر في تعلم مادة الرياضيات أظهروا نشاطاً أضعف في المناطق المسؤولة عن مراقبة الأداء، وتعديل السلوك في القشرة المخية، وفي الأغلب ترتبط هذه المناطق العصبية بالتحكم المعرفي، ما يعني القدرة على تقييم الأخطاء، وتغيير طرق التفكير، والمساعدة في اتخاذ القرارات، والتحكم في الاندفاع، والتكيف مع المعلومات الجديدة.

تشير النتائج إلى أن صعوبات الرياضيات قد لا تنبع فقط من مشكلات في مجرد التعامل مع الأرقام، بل قد يواجه بعض الأطفال صعوبة في مراجعة عمليات تفكيرهم أثناء حلّهم للمسائل، لأن القدرة على إدراك الخطأ وتجربة أسلوب جديد تُعد أمراً أساسياً في حل المسائل الرياضية.

في النهاية، أكد الباحثون على ضرورة الاهتمام بمشكلة صعوبة تعلم الرياضيات على وجه التحديد، وعدم التعامل معها كما لو كانت مجرد تراخٍ، وإهمال دراسي، خاصة في الطفولة المبكرة، لأن مخ الأطفال لا يزال في طور النمو، ما يُتيح لهؤلاء الأطفال اكتساب المهارات، وتطوير القدرات اللازمة للتكيف مع هذه الحالة من خلال برامج تعليمية فردية.

• استشاري طب الأطفال


حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
TT

حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته

في عيادة أسنان رقمية حديثة، تظهر صورة أشعة جانبية للأسنان الخلفية على الشاشة. وخلال ثوانٍ، يحدد النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي منطقة مظللة ويعرض تقديراً رقمياً: «احتمال تسوّس 87 في المائة». وفي تلك اللحظة القصيرة، يتحول الرقم من نتيجة تحليل بصري إلى عنصر مؤثر في القرار العلاجي.

لم يعد التشخيص قائماً على قراءة الطبيب وحده، بل أصبح نتيجة تفاعل بين الخوارزمية والخبرة السريرية والسياق الصحي للمريض. وهنا لا نتعامل مع أداة تشخيصية إضافية فحسب، بل مع تحول هادئ في بنية اتخاذ القرار داخل العيادة.

بماذا تخبرنا أبحاث 2026؟

شهدت السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في استخدام نماذج التعلم العميق لتحليل الصور الشعاعية للأسنان، ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «المراجعة اليابانية لعلم الأسنان» (Japanese Dental Science Review)، أظهر باحثون أن أنظمة تعتمد على التصوير بالهواتف الذكية المدعوم بالذكاء الاصطناعي استطاعت تحسين معدلات كشف التسوّس، خصوصاً في البيئات محدودة الموارد الصحية.

غير أن الدراسة نفسها أشارت إلى أن الأداء التشخيصي لا يعتمد على الخوارزمية وحدها، بل يتأثر بجودة الصورة، ومستوى الإضاءة، ونوع الجهاز المستخدم، وخبرة من يلتقط الصورة. وهو ما يؤكد أن الدقة المعلنة ليست قيمة ثابتة، بل نتيجة تفاعل معقد بين التقنية والبيئة السريرية.

وفي دراسة حديثة اخرى نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) الصادرة عن مجموعة «نيتشر»، حذّر باحثون من «يونيفرسيتي كوليدج لندن» من الاعتماد غير المشروط على نماذج تحليل الصور الطبية دون مراقبة مستمرة لأدائها بعد التطبيق السريري، مؤكدين أن فاعلية الأنظمة قد تتغير مع اختلاف السكان وأنماط المرض.

تحوّل التوزيع: التحدي الصامت

يصف علماء الذكاء الاصطناعي هذه الظاهرة بما يُعرف بتحول التوزيع (Distribution Shift)، حيث يتعلم النموذج من بيانات ذات خصائص محددة، ثم يُستخدم لاحقاً في بيئات تختلف من حيث الأجهزة أو خصائص المرضى أو انتشار الأمراض.

قد يُدرَّب النظام على صور عالية الجودة في مركز أكاديمي متقدم، ثم يُستخدم في عيادة مجتمعية بإمكانات تصوير مختلفة. في هذه الحالة، قد تنخفض الدقة تدريجياً دون ظهور إنذار واضح، مما يجعل الخطأ يتسلل بصمت إلى الممارسة اليومية.

الخطر هنا لا يكمن في الخطأ المفاجئ، بل في الثقة المستمرة بنظام تغيّر أدائه دون أن نلاحظ.

حين تحاط الخوارزميات بسياج الأخلاق

انحياز البيانات وعدالة التشخيص

تناولت مراجعات حديثة في «مجلة طب الأسنان البريطانية المفتوحة» (BDJ Open) قضية انحياز البيانات في أنظمة كشف التسوّس. فالخوارزميات تتعلم مما يُقدَّم لها؛ وإذا جاءت بيانات التدريب من مجموعات سكانية محدودة، فقد لا يكون الأداء متكافئاً عند تطبيقها على مجتمعات مختلفة.

وهنا يظهر سؤال أخلاقي جوهري: هل يحصل جميع المرضى على جودة تشخيص متساوية؟ أم أن الفوارق غير المرئية داخل البيانات قد تعيد إنتاج تفاوتات صحية قائمة؟

الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على توسيع الوصول إلى الرعاية، لكنه قد يعكس تحيزاتنا البشرية إن لم يُصمم ويُختبر بعناية.

الصندوق الأسود ومسؤولية الطبيب

لا يزال كثير من نماذج التعلم العميق تعمل بوصفها «صناديق سوداء»، تقدم توصيات دون تفسير واضح لمسار القرار. وعندما يشير النظام إلى تسوّس غير موجود أو يفشل في اكتشاف آفة مبكرة، تبقى المسؤولية المهنية والقانونية في نهاية المطاف على عاتق الطبيب.

إن دخول الخوارزمية إلى صلب القرار لا يلغي الحكم السريري، لكنه يعيد توزيع مصادر النفوذ المعرفي داخل العيادة، مما يجعل الحاجة ملحّة لتطوير أنظمة تفسيرية تدعم القرار البشري بدل أن تستبدله.

مَن يتحمل الخطأ عندما تصمت الخوارزمية؟

الخطر ليس في الخطأ... بل في التصميم

الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان ليس منافساً للطبيب، بل أداة قد تعزز دقة التشخيص وتحسن الوصول إلى الرعاية. غير أن الخطر الحقيقي يظهر عندما تُعامل نتائج الدراسات بوصفها ضماناً مطلقاً للأداء في كل سياق سريري.

ما نحتاج إليه ليس خوارزمية معصومة، بل منظومة تجعل الخطأ مرئياً، وحدود الاستخدام واضحة، وآليات المراجعة مستمرة.

إن القرار العلاجي يظل فعلاً إنسانياً يتحمل تبعاته من يتخذه، عندما تصبح التقنية شريكاً وليس بديلاً.

يبقى التسوّس مرضاً بيولوجياً، لكن التعامل معه قرار سريري وأخلاقي في آن واحد. والذكاء الحقيقي لا يتمثل في الثقة العمياء بالخوارزمية، بل في القدرة على استخدامها بوعي نقدي، ومعرفة متى نتفق معها... ومتى نعيد النظر في توصياتها.. في النهاية، قد تقرأ الآلة الصورة بدقة متزايدة، لكن مسؤولية فهم الإنسان الذي خلف الصورة ستبقى مهمة الطبيب.