جهود «أوبك بلس» عززت التوازن ونظمت الأسواق العالمية

شهبازوف قال لـ «الشرق الأوسط» إن المستقبل العالمي في مزيج الطاقة والنفط باقٍ لعقود

جهود «أوبك بلس» عززت التوازن ونظمت الأسواق العالمية
TT

جهود «أوبك بلس» عززت التوازن ونظمت الأسواق العالمية

جهود «أوبك بلس» عززت التوازن ونظمت الأسواق العالمية

في وقت تتأهب فيه باكو للاحتفاء بأكبر مصدر طاقة رياح على مستوى المنطقة بقوة 240 ميغاواط، كإحدى ثمرات التعاون بين السعودية وأذربيجان، خلال الأيام المقبلة، أكد وزير الطاقة الآذري برويز شهبازوف، أن مستقبل العالم في مزيج الطاقة، بيد أنه شدد على أن النفط سيظل مصدر الطاقة الرئيسي لعقود مقبلة، مشيراً إلى أن جهود (أوبك+) عززت التوازن ونظمت أسواق الطاقة العالمية.
وأكد شهبازوف في حوار مع «الشرق الأوسط» عزم بلاده التعاون استراتيجياً مع السعودية، خلال الفترة المقبلة في مجالات اقتصادية متعددة، بغية تطوير العلاقة الاقتصادية إلى أقصى حد ممكن خصوصاً في قطاع الطاقة، لافتاً إلى حزمة من المشروعات التي سيتعاون فيها الطرفان لا سيما في الطاقة المتجددة.

مشروعات مشتركة

وزاد: «كنا قد وقّعنا اتفاقية مع شركة (أكوابور) في السعودية، لتنفيذ عقد لتأسيس محطة إنتاج طاقة الرياح في أذربيجان، بقوة 240 ميغاواط وهذه تعد سعة جوهرية وأساسية كبيرة جداً ليس فقط لمصادر الطاقة المتجددة في بلادنا فحسب بل لكل دول الإقليم، ولكن لدينا أيضاً رغبة للتعاون في قطاع الغاز وتوليد الطاقة الغازية والذي من المؤكد سيكون إحدى قنوات التوسع في التعاون بين البلدين في المستقبل القريب».
وتابع: «نتوقع زيارة وفد سعودي خلال الشهر الجاري، للاحتفال معاً بإطلاق محطة طاقة الرياح سعة 240 ميغاواط، ونتطلع أيضاً خلال الزيارة لفرصة جديدة لبحث سبل توسيع تعاوننا الاقتصادي مع الوفد السعودي الزائر قريباً». مشيراً إلى عدة اتفاقيات أخرى سابقة لزيادة التبادل التجاري، إلى جانب اتفاقيات سياسية ودبلوماسية، مشدداً على ضرورة تفعيلها بشكل أقوى مع مزيد من المباحثات والاستشارات، بغية ترجمتها على أرض الواقع في المدى القريب.

دور استقرار السوق

وأوضح شهبازوف أن التعاون بين البلدين في قطاع النفط والغاز مهم وحيوي جداً لاستقرار أسواق النفط والغاز العالمية، مقراً بأن المملكة حملت على عاتقها لعقود الإسهام بقوة في تعزيز التوازن في السوق العالمية من أجل استقرار أسعار الطاقة، وهي كانت دائماً تأخذ بزمام المبادرة والقيادة في هذا السوق والقطاع، لافتاً إلى أن أذربيجان انضمّت إلى منظمة (أوبك+) والتي خرجت بصيغة تعد إحدى أهم قنوات ضبط السوق ودعم ودفع العمل المشترك لـ(أوبك+) والدول غير المنضوية في المنظمة، من أجل تحقيق استقرار سوق الطاقة العالمية والحصول على نقطة توازن.
ولفت إلى أن بلاده تقود إحدى أهم اللجان التي تضم معظم الدول الأكثر فاعلية في هذا الصدد والتي تتبنى صيغة عمل التوازن التي يتم المشاركة بها في هذه الصيغة، وللمفارقة فإنه لأول مرة تطلق إحدى أهم الصيغ الخلاقة التي تعالج مسألة التوازن بين دول (أوبك+) والدول غير المنضوية في (أوبك) من رئيس أذربيجان إلهام علييف خلال منتدى دلاس في فبراير (شباط) 2016، حيث اقترح صيغة لضمان مستقبل التعاون بين دول (أوبك) والدول غير المنضوية فيها، إذ بالفعل كان لذلك الاقتراح فاعليته وتحققت نتائجه على أرض الواقع في نهاية عام 2016، على حدّ تعبيره.
وزاد شهبازوف: «حالياً نرى في هذا الصيغة إحدى أهم أدوات تعزيز الاستقرار وتحقيق التوازن في السوق العالمية للطاقة التي يمكن تخاطب مستجدات الأمور بشكل أكثر ملاءمة للسوق في المستقبل وأكثر تأثيراً لأحد أهم مصادر الطاقة في العالم، والتي تعني النفط في المقام الأول حتى الآن».
ورغم توفر عدة مصادر جديدة للطاقة المختلفة، ووجود تقانات وتكنولوجيات جديدة لصنع مصادر جديدة للطاقة في العالم فإن شهبازوف يرى أن النفط سيكون هو مصدر الطاقة الأول والرئيسي والذي سيبقى لعدة أعوام مقبلة، وذلك لعد أسباب، منها أنه من الصعب أن يحل أي مصدر جديد من الطاقة محل مصدر الطاقة التقليدي وهو النفط ولا المواد البتروكيماوية، والمصدر الوحيد المسيطر الذي يمكن أن يحقق استقرار سوق الطاقة في العالم، وهذا ما يؤكد أهمية (أوبك+) كمصدر أساسي لخلق صيغة لاستقرار السوق وتحقيق التوازن للطاقة في العالم، حسب تعبيره.
ومع إقراره بأهمية توفير السعر العادل للطاقة فإنه في الوقت نفسه يعتقد شهبازوف أنه على صعيد أذربيجان على الأقل التي لديها عملاء لشراء الطاقة من الدول المختلفة، الأهم من ذلك ومن تحديد السعر هو ضمان انسياب الطاقة وتوفرها، لأن السعر يمكن أن ينخفض أو يرتفع ولكن لن يكون أثره وأهميته بمقدار توفر الطاقة نفسها فالأهم هو كيفية ضمان استدامة الطاقة واستقرارها، ولذلك لا يرى مَن يتحدث كثيراً عن مشكلات قضايا الطاقة في العالم أكثر لأن سوقها متوازنة جداً ومنظمة، في رأيه، و«من هذا المنطلق، من العدل تقدير جهود (أوبك+) في هذا الصدد».
وعلى صعيد إمدادات الغاز، طرح شهبازوف سؤالاً ملحّاً: لماذا هناك ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا وشح في إمدادات الغاز؟ حيث يقول: «رغم وجود حزمة استراتيجيات لمعالجة المنتج، غير أنها لم تمنع بروز أزمة أسعار وأزمة غاز حالياً مع توقعات باستمرارها لفترة مقبلة خصوصاً خلال الشتاء ولكن هذا الوضع لا يشمل الدول الأخرى في العالم، حيث إن هذا الوضع المتأزم لا ينطبق على قطاع النفط»، مشيراً إلى أن «ذلك مردّه إلى جهود (أوبك+) التي استطاعت أن ترسم خريطة طريق فعالة لاحتواء سوق الطاقة والنفط في العالم وحفظ توازن السوق بشكل مستقر ومنظم دولياً».

الجائحة أفرزت التحديات

وفي حديث ذي صلة، أكد شهبازوف أن جائحة «كورونا» أفرزت أحد أهم التحديات التي خلقت أزمة حقيقية في أسواق الطاقة العالمية على الإطلاق، الأمر الذي تسبب بشكل مباشر ليس فقط في انخفاض إنتاج النفط بشكل كبير جداً بل انخفض إلى ما تحت الصفر في أنحاء العالم، حيث يرى أن هذا كان مؤشراً قوياً لأي مستهلك في أي مكان من العالم على مستوى الأسواق الدولية، بأنه ليس من الضروري فقط إنتاج الطاقة وإنما الحاجة أكبر لخلق أكبر شكل من التعاون من جميع الأطراف المستفيدة من إنتاج واستهلاك النفط في هذا المجال، مبيناً أن هذا ما تم بالفعل خلال الجائحة في وقت انحدر فيه الاقتصاد العالمي إلى أدنى مستوى له.
ولفت إلى أن ذلك خلق حالة حرجة وصعبة للغاية لكل الفاعلين في أسواق الطاقة والاقتصاد، منتجين ومستهلكين في كل أنحاء العالم، في حين استطاع كشف ذلك إلى أي حد هناك حاجة ماسة لإيجاد آلية فعالة لمعالجة الوضع بالتعاون مع أصدقاء (أوبك)، مبيناً أن (أوبك+) تواجه هذا الوضع المعقد الصعب في سبيل أن تجد حلولاً لاحتوائه، بسبب غياب الآلية المناسبة لمواجهة الأزمات، مؤكداً أنه إن لم يتم إيجادها ستقود مستقبلاً إلى أزمة أخرى.
وأضاف: «هذا ما يستدعي استغلال تجاربنا في التعاطي مع مثل هذه الأوضاع لمعالجة المسائل الملحّة التي تواجه عمل آليات (أوبك+) في قضايا الأسواق العالمية للطاقة بين الفينة والأخرى، عموماً بدأنا نتعاون ونعمل بعضنا مع بعض واستطعنا أن نحقق شكلاً من أشكال استدامة الإمدادات النفطية، وحالياً نُقبل على وضعٍ أفضل ومستقر ومنظم في ظل انحسار الجائحة، واستطعنا إطلاق برنامج لزيادة إمدادات إنتاج الطاقة في الأسواق العالمية خطوة بخطوة وشهراً بشهر، وسيستمر معنا هذا البرنامج إلى نهاية هذا العام وكامل عام 2022». وتوقع شهبازوف الحصول على أفضل فرصة لاستقرار واستدامة أسواق الطاقة العالمية، مع الأخذ في الاعتبار نمو الاقتصاد الدولي، والحصول على قيمة إضافية، بإضافة 400 ألف برميل شهرياً، وفي العادي نعمل على عقد اجتماع وزاري لدول (أوبك+) كل شهر للوقوف على الوضع لمزيد من النقاش والتباحث بغية الحصول على الحلول الممكنة، و«كلما اتفقنا على خطوة ننتقل إلى الخطوة التي تليها، وكل هذه الخطوات لأجل بلوغ سوق عالمية مستقرة للطاقة».
المبادرات السعودية الخضراء
وبيّن أن اجتماع وزراء الطاقة في الرياض الأخير بمناسبة المبادرة السعودية الخضراء ومبادرة الشرق الأوسط الأخضر، كان بمثابة فرصة لمخاطبة الواقع واستشراف المستقبل بشكل أفضل، ولكنه يرى أن المستقبل بالنسبة إلى أسواق الطاقة العالمية يكمن في مزيج الطاقة، وبطبيعة الحال فإن المصادر الجديدة للطاقة الجديدة تعد عامل ازدهار وتطوير للمنطقة بالتأكيد، خصوصاً أنها تعالج مشكلة عالمية كبيرة وهي مسألة التغير المناخي.
وبرأي شهبازوف أنه برزت أهمية قصوى لتعزيز الاكتشافات والصناعات التكنولوجية لمعالجة التغير المناخي من خلال تقليل الانبعاثات الكربونية والغازات، واستدامة المخزون الغذائي والنقل صديق البيئة، حيث تعد أهم مستهدفات استدامة الطاقة الاستراتيجية، مبيناً أن ذلك ما اهتمت به المبادرة السعودية الخضراء وتعمل على ترجمته على أرض الواقع.
وقال شهبازوف: «نحتاج إلى مزيد من العمل لتنظيم أسواق الطاقة العالمية، ما من شأنه الإسهام في محاربة الكوارث الناجمة عن التغير المناخي، وهذه المبادرة تدفع العالم نحو تعاون مطلوب للغاية من أجل جودة الحياة ومن دون كوارث مناخية أو بيئية، ونتطلع إلى أن يكون مثل هذا الاجتماع منصة دورية تجمعنا لمزيد من الإنجاز في هذا الاتجاه».

وزير الطاقة الآذري برويز شهبازوف (الشرق الأوسط)



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.