هبة طوجي وأسامة الرحباني لـ «الشرق الأوسط» : في العلا عشنا ليلة لا تنسى

هبة طوجي وأسامة الرحباني في حفل مهرجانات العلا
هبة طوجي وأسامة الرحباني في حفل مهرجانات العلا
TT

هبة طوجي وأسامة الرحباني لـ «الشرق الأوسط» : في العلا عشنا ليلة لا تنسى

هبة طوجي وأسامة الرحباني في حفل مهرجانات العلا
هبة طوجي وأسامة الرحباني في حفل مهرجانات العلا

لم يمر تاريخ 29 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مرور الكرام على سماء منطقة العلا، في السعودية، فنجومها المتلألئة ازدادت بريقاً بعدما انضم إليها نجمان من نوع آخر، هما هبة طوجي وأسامة الرحباني.
كان الموعد مع حفل موسيقي استضافته «قاعة المرايا» ضمن مهرجانات العلا (لحظات العلا) أحياه الفنانان اللبنانيان، فتدفق الجمهور بالمئات، ممنياً النفس بسهرة موسيقية لا تشبه غيرها، لا سيما أن طوجي هي أول فنانة (امرأة) تفتتح هذا المسرح وتقف على خشبته.
صدح صوت طوجي في أغنيات تنوعت بين العربية والأجنبية، فقدمت «بغنيلك يا وطني»، و«إذا رجع وقلي بحبك»، و«لا بداية ولا نهاية» وغيرها. كما أدت أغنية الفيلم الأجنبي «علاء الدين» الذي مثلت فيه بصوتها شخصية بطلته جاسمين.

«ليلة»... أول تجربة غنائية
لطوجي بالخليجية

خصت طوجي الجمهور السعودي بأغنية «لو باقي ليلة» للموسيقار عبد الرب إدريس. وجاءت ضمن توزيع أوركسترالي ضخم أعده أسامة الرحباني، فأدتها ببصمة موسيقية عالمية.
تفاعل الجمهور السعودي مع أداء طوجي للأغنية وصفق لها طويلاً، اعتبرها لفتة تكريمية وأثنى عليها. تعلق هبة لـ«الشرق الأوسط»: «هي المرة الأولى التي أغني فيها الخليجية، وكنت أرى الوجوه مبتسمة انسجاماً معها». وهل لقيت صعوبة في أدائها؟ «ربما لأننا نعرف هذه الأغنية ونرددها تلقائياً، منذ الصغر سهل علي الأمر. كما أن اللهجات العربية على اختلافها نتبادلها في منطقتنا، لأنها منتشرة أينما كان. في النهاية الفن يصل بشكل سريع للآخر، ومن السهل حفظ اللهجة من خلال أغنية. ولكن ذلك لا يمنع من أن نجتهد في إتقانها، والوقوف على معرفة كيفية لفظ بعض كلماتها».
وهل تفكرين بأداء أغنية خليجية خاصة بك بعد هذه التجربة الناجحة؟ «كل شيء ممكن، ولا مرة رفضنا أسامة وأنا، القيام بأي عمل فني يمكنه أن يضيف إلى مسيرتنا. ويشرفني أن أقدم أغنية خليجية تشبهني، فالأمر يتعلق بوجود الفرصة المناسبة».

العلا في مقطوعة موسيقية

لم يشأ أسامة الرحباني إلا أن يعبر عن مدى احترامه وحبه للجمهور السعودي، وذلك من خلال معزوفة موسيقية استهل بها الحفل وخصصها للمناسبة، شارك فيها 53 موسيقياً يؤلفون أعضاء الأوركسترا السيمفونية المرافقة لهما في الحفل. جمعت الفرقة عائلات موسيقية من وتريات ونحاسيات وخشبيات وإيقاعيات، وصفها الرحباني بأنها تشبه العلا، وتعكس سحر طبيعتها. ويقول: «هي موسيقى من فيلم لهبة طورتها وحدثتها لتشبه في قالبها منطقة العلا. جمعت فيها التاريخ والصحراء وإيقاعات لها علاقة بالجياد العربية وجمال الطبيعة، ضمن لحن رائع وتوزيع موسيقي عالمي». وعما إذا ستُستخدم هذه المقطوعة في مناسبات رسمية ستقام في العلا يرد: «لا أفكر أبداً بهذه الطريقة. هذا الموضوع أتركه للمسؤولين عن هذه الموضوعات. كل ما رغبت به من خلال المقطوعة أن أبني محتوى موسيقياً، يقدمنا هبة وأنا في الحفل. وهو بمثابة فعل احترام مني للمنطقة التي أزورها».

الحفل ليلة فنية من العمر

يتحدث الثنائي الفني عن حفل العلا بحماس لافت ويصفانه بـ«الرائع»، وبأنه تألف من خليط بين الموسيقى الشرقية والغربية، وهو ما زوده ببعد عالمي. وعما ترك هذا الحفل في نفسيهما، قالا لـ«الشرق الأوسط»، «كان الحفل عابقاً بالتاريخ والموسيقى، فجاء بمثابة ليلة عمر سطرنا خلالها ذكرى فنية لا تنسى». ويضيف أسامة الرحباني: «نحرص في كل عمل نقدمه على التمسك بمستوى مهني عالٍ ومحترف. أينما حللنا نحاول أن نربط بين موسيقانا والمكان الذي نقف فيه. فكيف إذا كان هذا الموقع يعبق بالتاريخ كما في العلا؟ أحترم خصوصية كل جمهور وأعمل على تفاصيل دقيقة كي ألامسه عن قرب. فكتاباتي لديها بعد مختلف، وأينما كنت أحرص على ترك بصمة مختلفة، تماماً كلوحة تشكيلية تتجدد رؤيتك لها كلما شاهدتها. هذا هو الفن الأصيل الذي نصبو إليه دائماً، فيبقى ويستمر. إننا في كل مرة نتحدى ذاتنا كي نتخطى بنجاح ما سبق وقدمناه من قبل».

جمهور مميز

يهتم أسامة الرحباني والفريق العامل معه بالمكان والزمان اللذين يلفان الموقع، حيث يحيي فيه حفلاً ما. ويوضح: «دائماً أدرس بيئة المكان الذي يستضيفنا، وأحرص على أن تتشابه الموسيقى معه شرط احتفاظنا بهويتنا الفنية المعروفين فيها. أحب اكتشاف تاريخ المكان، لا سيما أني شغوف بهذه المادة وتخصصت فيها، فأكتشف كل ما يميزه وأعكسه على مؤلفاتي الخاصة به. وفي العلا كان برنامج الحفل غنياً ومنوعاً ضم أغنيات عن الحب والوجدان وعن دور المرأة في تطور المجتمعات. فالجمهور السعودي متعطش للأشياء الجميلة، وهو يتلقفها بشكل رائع، كما أنه يظهر حماسة تلقائية، وهو أمر ليس بغريب عن جمهور يتمتع بمستوى ثقافي رفيع». وتشاركه هبة الحديث: «تفاعل الجمهور كان رائعاً مع جميع الأغاني التي أديتها، في مقدمها (ليلة) التي شكلت مفاجأة السهرة. فهو جمهور مميز وأعجبت به منذ أولى حفلاتي في السعودية في عام 2017، وما زلت أتذكر حتى اليوم تفاعلهم مع أغنياتي. ومن المهم جداً أن يشعر الفنان بهذا التجاوب من قبل الجمهور. في النهاية لا يمكن لأي حفل أن ينجح من دون جمهور يتفاعل مباشرة مع الفنان».
وأهدى أسامة الرحباني الحفل لكل من أسهم في تنفيذه، في مقدمهم شركة «روتانا» والقيمين عليها. وتابع لـ«الشرق الأوسط»: «أهديه للحضور الذي أتحفنا بتفاعله، فالفن هو بمثابة جسر تواصل يربط بين الناس على اختلافهم ومن دون تمييز، فيتخطون معه أي مشكلات تواجههم مع شعوب أخرى».

جمال العلا ينعكس على الحفل
ويرى الرحباني أن الحفل كان بمثابة نقطة العودة إلى الخشبة والحياة الفنية الطبيعية بعد توقف تسببت به الجائحة. كما أن منطقة العلا بحد ذاتها زادت المناسبة توهجاً نظراً لأهميتها التاريخية. «لمست في العلا الهدوء والسكينة، وكان مشهد النجوم المتلألئة في سمائها وهي تغمرنا من فوق بمثابة وقفة استراحة روحانية كنا نلجأ إليها بعد التمرينات التي نقوم بها. فأن تقف في مبنى زجاجي تغطيه المرايا ويعكس مشهدية الصحراء ويلفحك أثناءها هواء عليل وأنت تنظر إلى الجبال الترابية المحيطة به، لهو أمر أكثر من رائع. ولعل المسافة البعيدة التي قطعها الناس لحضور الحفل يترجم حسهم الفني الرفيع. فهنا تكمن قيمة المهرجانات الفنية في أماكن بعيدة على مر الزمن. فهي تحث منظميها على تقديم عمل متألق يجذب الناس لحضوره».
وبدورها تقول طوجي: «بالفعل أغرمت بموقع العلا، ومهما قلت عنه أو وصفته يبقى قليلاً، ولا يفيه حقه وروعته. فالفكرة التي نكونها عن هذا المكان من الصور الفوتوغرافية واللقطات المصورة جميلة، ولكن واقعها أجمل بكثير. عادة ما يحملنا المكان الذي نغني فيه المسؤولية ويفرض علينا احترامه. وسر نجاح حفل العلا يكمن في هذا التلاقي ما بين الفن والشعر والموسيقى وهذا الموقع التراثي الذي وقفنا فيه». ويعلق أسامة: «التجربة كانت رائعة، وأتمنى تكرارها لأنها محطة فنية فريدة من نوعها».

العودة إلى الساحة الفنية

اعتبرت طوجي أن الحفل كان بمثابة العودة الحقيقية لها إلى الساحة الفنية بعد توقف دام أكثر من سنة تسببت به جائحة «كورونا»، حسب قولها. وتتابع: «كما أني ابتعدت بسبب فترة الحمل بطفلي الأول نائل، فكنت منشغلة باستقباله. حملت لي هذه العودة نوعاً من الرهبة والمسؤولية، وكأنها المرة الأولى التي أقف فيها على مسرح. وفي الوقت نفسه اجتاحني الحماس، شعرت أنه علي القيام بهذه الخطوة، وأن أنجح فيها مهما كلفني الأمر. لم يكن ذلك من أجلي ومن أجل جمهوري، والأشخاص الذين وثقوا بي فقط، بل من أجل طفلي نائل، إذ أردته أن يفتخر بي. اختلطت في داخلي مشاعر الفرح والمسؤولية والرهبة، وطغت عليها الأمومة، فكان تأثري كبيراً. لذلك سيحفر هذا الحفل في ذاكرتي ولن أنساه».

مشاريع فنية جديدة

مشاريع الثنائي الفني أسامة وهبة كثيرة للمرحلة المقبلة. يتقدمها إطلاق ألبوم غنائي ضخم كما يصفه الرحباني. «سيحمل بعداً فنياً عالمياً من ناحية الإنتاج والموسيقى والشعر. تتنوع موضوعاته بين الحب والخيبة والفرح والوطن والوجدانيات والحضارات، وتواصل الناس مع بعضها. يحاكي المنطقة العربية لا بل ما هو أبعد منها».
وتعلق طوجي: «متحمسة جداً لإطلاق هذا الألبوم وسيكون بأكمله بالعربية. سأحافظ فيه على هويتي وجوهر الموسيقى التي اعتدنا تقديمها. وفي الوقت نفسه، يحمل نقلة نوعية كبيرة، وأنماطاً موسيقية منوعة، وانفتاحاً عالمياً. يتألف مبدئياً من 16 أغنية. إنه يشبهني إلى حد كبير، لا سيما أني شاركت في كتابة بعض أشعاره وألحانه». ويضيف أسامة: «سيتضمن مفاجآت عدة وتواكبه كليبات مصورة، واختلافه سينطبع بالامتداد الفني العالمي الذي حققته هبة طوجي».
من ناحية ثانية، تستعد طوجي لإحياء عدة حفلات في بلدان مختلفة، وتحضر لإطلاق بعض أغاني الألبوم تباعاً.
نستوضح أسامة عن مسرحية «نفرتيتي» التي يعمل على تحضيرها منذ سنين طويلة، فيرد: «تواق لتنفيذها وما يعرقل ولادتها هو موضوع التمويل الذي تحتاجه. أتمنى أن أنفذ (نفرتيتي) لأنها تحكي عن المرأة في تلك الحقبة، وعن الصراعات التي أحاطت بها من قبل المتشددين والمتطورين، وحرب الإلغاء التي تبناها كل منهم بوجه الآخر. موضوع المسرحية يحمل طابعاً إنسانياً كبيراً، ويدمج ما بين الأسلوب المسرحي التاريخي والحديث معاً».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».