محمود الورداني: لا أهرب من سيرتي الذاتية وقناعاتي الفكرية أثرت أعمالي

الروائي المصري يرى أن الكتابة عملية اكتشاف

محمود الورداني
محمود الورداني
TT

محمود الورداني: لا أهرب من سيرتي الذاتية وقناعاتي الفكرية أثرت أعمالي

محمود الورداني
محمود الورداني

خمسون عاماً من الكتابة ومكابداتها في تجربة الروائي محمود الورداني، أحد أبرز كتاب جيل السبعينيات في مصر، الذي أصدر عدداً من الأعمال الروائية والقصصية ومنها «رائحة البرتقال» و«بيت النار» و«الإمساك بالقمر». كما ينتظر صدور روايته الجديدة «ساعات الأسر».
ويعتز الورداني بجيله الذي تحمل عبء هزيمة 1967. ويرى أن كتاباته لا تنفصل عن هموم هذا الجيل، كما يعتز أيضاً بمهن متواضعة عمل بها مثل «صبي مكوجي» و«بائع ثلج».
هنا حوار معه حول عالمه الروائي ورحلته مع الكتابة:

> ألم تتخوف من فكرة الخضوع لذائقة جمعية حين دعوت أصدقاءك على «فيسبوك» لمشاركتك اختيار عنوان روايتك الجديدة «ساعات الأسر»؟
- لدي دائما صعوبة في الاستقرار على عناوين كتبي، وكنت ألجأ لأصدقائي المباشرين قبل أن ألج عالم التواصل الاجتماعي. ربما تكون الشيخوخة سببا في اللجوء لأمر كهذا، لكن آراء أصدقائي - رغم احترامي لها - ليست ملزمة، وأنظر إليها بتجرد قدر الإمكان.
> ما الإضافة الجديدة من وجهك نظرك التي تحملها «ساعات الأسر» في سياق تجربتك الإبداعية؟
- كل ما كتبته لا أعتقد أنه يشكل إضافة ما، ولا أظن أن الإضافة كانت تعنيني مطلقا، ما يعنيني هو الكتابة ذاتها. لا أكتب من أجل أن أضيف شيئا أو فكرة أو موقفا أو رأيا محددا. الكتابة هي عملية اكتشاف، ولو كنت أكتب من أجل أن أضيف لما كتبت شيئا. قبل الكتابة لا تكون الأمور واضحة... لا الشخصيات ولا ملامح الواقع ولا إلى أين تمضي الأحداث. حسب تجربتي، أنطلق من إحساس ما غامض. من عالم أو حكاية أو تصور أو معنى ما غير محدد، والمنتج النهائي هو عملية اختبار كل هذا واستكماله من خلال الكتابة. في أحيان كثيرة كان لدي تصور ما في رواية مثل «رائحة البرتقال» لرحلة الرجل الذي يحمل الطفلة ويدور بها في ليلة مخيفة باحثا عن أمها وحبيبته، وقبل أن يحمل الرجل الطفلة من مهدها، كنت حائرا: كيف تمضي الرواية، ولكن عندما حملها وتسلل بها من مطارديه، مضيت أنا خلفهما وتتبعتهما تقريبا في رحلة كنت أكتشفها عبر الكتابة ذاتها. أما في رواية مثل «الروض العاطر» فقد انطلقت من قصة قصيرة لي، أحسست بعد نشرها أنها جزء أو تفصيلة من عمل أكبر، فمضيت في الكتابة لأختبرها.
> ينظر عادة لإقدام المبدع على تدوين سيرته الذاتية على أنها بمثابة الوصول لمحطة النهاية في رحلته الإبداعية، في أي سياق تضع عملك «الإمساك بالقمر – فصول من سيرة زمننا»؟
- الكتاب ليس سيرة ذاتية، بقدر ما هو سيرة أيامنا وزماننا نحن أبناء سبعينيات القرن الماضي، ويتناول الفترة من عام 1968 عندما نشرت أول قصة لي وأنا في الثامنة عشرة وحتى شتاء عام 1981 عندما ألقي القبض علي أنا وزوجتي، واعتبرت أن الفترة التالية تشكل مرحلة مختلفة. الكتاب إذن قصة تشكل هذه الموجة وهمومها وتساؤلاتها في أعقاب واحدة من أقسى الهزائم التي تعرضت لها بلادنا عام 1967. هي أيضاً قصة مقاهينا وأماكن تجمعنا وبيوتنا وبحثنا وكتاباتنا الأولى. كيف انتزعنا استقلالنا عن الأجهزة الرسمية التي سلمنا بفشلها، وكيف أصدرنا في هذا السياق كتاباتنا الأولى، كما خضنا العديد من تجارب النشر والعمل الثقافي.
وفي الوقت نفسه شارك أبناء هذه الموجة في الحركة السياسية النشطة، سواء في الجامعات أو في المنظمات اليسارية غير العلنية. وشهد عقدا السبعينيات والثمانينيات حراكا سياسيا وفكريا واجتماعيا على كل المستويات، كما شهد تشكل تيارات واتجاهات جديدة في الأدب والفن، وصدرت عشرات الأعمال الأدبية المختلفة مع السائد. كذلك تعرض أبناء هذا الجيل للاعتقال والتشريد والنفي.
> بدا للبعض أن العنوان الفرعي «فصول من سيرة زمننا» هو رغبة منك في الهروب من أشباح السيرة الذاتية التي تتطلب أكبر قدر من الصراحة وتعرية الذات؟
- ليس هناك هروب من الحديث عن سيرتي الذاتية لأنني لم أقصد كتابتها، بل قصدت سيرتنا نحن أبناء هذه الموجة. «الإمساك بالقمر» عمل يرصد تلك السنوات التي شعر فيها أبناء السبعينيات أنهم يمسكون بالقمر ولا أقل، وهي الفترة التي شغل أغلبها أنور السادات منصب الرئاسة، وكان معروفا بكراهيته شبه الشخصية للمثقفين والكتّاب المستقلين، وتوالت الصدامات بينه وبيننا.
> عملت في حرف ومهن عديدة في سنوات صباك: «صبي مكوجي» و«بائع ثلج» و«عامل مطبعة»... إلى أي حد تركت تلك التجربة بصمتها على عالمك الإبداعي؟
- لقد تشرفت بالعمل في تلك المهن وغيرها، فأنا أنتمي لأسرة فقيرة جدا، ولدت ونشأت في حي شبرا، واعتدت أن أعمل في فترة الإجازة الصيفية مستغلا عطلة المدرسة لأوفر القليل. لم أشعر وأنا منخرط في هذه المهن بالغبن أو الظلم أو الحاجة، بل كنت فرحا تقريبا وأنا أجر عربة الثلج وأدور بها في شهور الصيف لأوزع الثلج على البيوت والمقاهي. أو وأنا أحمل ملابس السادة المكوية إلى بيوتهم، أو أدفع بكر الورق وأنقل صفوف الكتب في المطبعة، أو أعمل «كاشير» في محل عصير قصب وغيرها. مارست تلك المهن بلا ميلودراما، بل بجدية واهتمام. بالتأكيد تأثرت بها واستلهمت منها بعض تجاربي في الكتابة وخصوصاً في رواية «بيت النار» ومجموعة «السير في الحديقة ليلا» وغيرهما، لكن الأهم أنها شكلتني وأستمد منها ما أظنه صلابتي وقدرتي على الاحتمال.
> تعرضت للاعتقال في بداية السبعينيات بسبب نشاطك في الحركات السياسية اليسارية، ترى ما الذي يبقى من تلك التجربة الآن؟
- الحقيقة أنني لم أتعرض وحدي لتلك التجربة، بل أغلب أبناء السبعينيات دفعوا ثمن اختياراتهم ودفاعهم عن الحرية والعدل والديمقراطية. زاملت في السجن لأكثر من مرة العديد من زملائي من الكتّاب والفنانين ممن لفقت لهم قضايا للزج بهم في السجون، بسبب نشاطهم السياسي ودفاعهم عن حرية التعبير وحق التنظيم المستقل ورفض الاتفاقيات والمعاهدات التي أبرمها النظام مع إسرائيل آنذاك، فضلا عن رفض السيطرة الأميركية. تلك هي العناوين العريضة التي كنت وزملائي نتعرض بسببها للاعتقال، وكان أغلبنا يخرج بعد شهور لعدم ثبوت أدلة على استعمالنا للعنف، وما نلبث أن نعتقل مرة أخرى تحت نفس التهم الجاهزة، فنقضي عدة أشهر وهكذا، وذلك لنبقى في الدائرة الشريرة من التشريد والفصل من أعمالنا وإيذاء عائلاتنا.
وبطبيعة الحال ليس من الضروري أن نكون حققنا ما طالبنا به، لكن من المؤكد أننا حققنا الكثير. أستطيع أن أقول إنني تشرفت أيضاً بتعرضي للاعتقال، وتشرفت بدفع الثمن، ليس على سبيل التضحية والبطولة والفداء، بل ببساطة من أجل حقنا في ممارسة دورنا ككتّاب وكمشتغلين بالعمل العام ومواطنين في بلدنا. لقد عاصرنا أعنف الإجراءات والقرارات والتغييرات في اتجاه العدوان على الحرية والعدل، ولم يكن أمامنا إلا المواجهة المباشرة مهما كان الثمن الذي دفعناه. وغني عن البيان أنني استفدت من تلك التجربة على المستوى الأدبي في عدد من التجارب الروائية، سواء في مجموعة قصصية مثل «النجوم العالية»، أو رواية مثل «أوان القطاف» أو «موسيقى المول» وغيرها.
> لماذا تراجع برأيك دور اليسار ثقافيا في العالم العربي لصالح التيارات المتطرفة دينيا؟
- التراجع الثقافي والسياسي أيضاً لم يكن مسؤولية اليسار وحده، فقد تحالفت أغلب النظم العربية مع قوى التطرف الديني، وليس سرا على سبيل المثال أن أنور السادات قام بالإفراج عن الإخوان المسلمين وفتح المجال أمام الجماعة الإسلامية منذ سبعينيات القرن الماضي لمواجهة النشاط اليساري والناصري المناوئ لسياساته، وقد وصل الأمر إلى حد عقد الصفقات المباشرة. وليس سرا أيضاً أن أغلب النظم العربية اعتبرت أن قوى اليسار في السياسة والثقافة هي العدو الأساسي لها، ولم تكتف بتكميم الأفواه وتغييب الديمقراطية وفتح المجال واسعا لقوى التطرف الديني، بل قامت أيضاً بفتح أبواب السجون والمعتقلات على مصراعيها لليساريين والديمقراطيين.
ليس معنى هذا أن اليسار لم يرتكب أخطاء، وكانت بعض فصائله تنتهج أساليب بالغة التطرف، وأبعدتهم ممارساتهم عن التأثير في مجتمعاتهم، ويبقى أن المسؤول الأول والرئيس عن التراجع المخيف وسيطرة قوى التطرف الديني التي أنتجت من بين ما أنتجت تنظيما دمويا مخيفا مثل داعش، هو بعض النظم العربية.
> قناعاتك السياسية والآيديولوجية هل أثرت سلبا أم إيجابا على نصوصك الأدبية أم أعطت عمقا لرؤيتك الفنية؟
- قناعاتي السياسية والآيديولوجية هي باختصار أنا ككاتب في المحل الأول، ولست ممن يصدقون أن هناك كاتبا بلا آيديولوجية، بل إن إنكار البعض لدور القناعة السياسية والآيديولوجية للكاتب هو في حد ذاته آيديولوجية. لا أظن مطلقا أن يعيش الكاتب وينتج بمعزل عن قضايا عصره وزمانه، أو يخفي مواقفه السياسية، أو يتخلى عن دوره في الدفاع عن الحرية والعدل. بالطبع ليس معنى هذا أن يكون الكاتب بوقا لأي أفكار مهما كانت صحيحة وشريفة من وجهة نظره. وليس معنى هذا أن تكون الأعمال الأدبية من شعر وقصة ورواية مجرد أفكار.
اسمحي لي أن أتحدث هنا عن نفسي، فمواقفي السياسية وأفكاري معلنة ومعروفة منذ عدة عقود، كما أنني كتبت عدداً لا بأس به من الأعمال الأدبية، وكتبت في التاريخ أيضاً، ولا أظن أنني تخليت عن المغامرة والتجديد. أظن أنني لم أكتب الواقع أبدا... كتبت الرواية والقصة القصيرة، ومهما تأثرت هذه الأعمال بالواقع واعتمدت على مادته، إلا أنها لها استقلالها وفرادتها.
> خمسون عاما من الإبداع... ما الذي تنظر إليه بغضب حين تستحضر نصف قرن من التجارب في الثقافة والحياة؟
- أظن أنني عشت كما أحببت أن أعيش تقريبا. أنا سعيد بالاستغناء والامتلاء الذي أشعر به، خصوصاً أنني على المستوى الشخصي لم أضطر للمواءمات والتزام خطوط حمراء والحرص على الظهور والتواجد. وإذا كنت عجزت عن كتابة كل ما هفوت إليه، فإنني ما زلت حتى الآن، بعد أن تجاوزت السبعين أتطلع لمزيد من الكتابة. إنني أنظر ورائي برضى على وجه الإجمال وليس بغضب.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.