تعثّر مبادرات الحل في السودان و«لجان المقاومة» تعلن التصعيد

وفد من الجامعة العربية في الخرطوم... وفرنسا تلوّح بوقف عملية إلغاء الديون

شبان من المحتجين يحاولون وضع المتاريس بأحد شوارع العاصمة الخرطوم في 30 أكتوبر الماضي (رويترز)
شبان من المحتجين يحاولون وضع المتاريس بأحد شوارع العاصمة الخرطوم في 30 أكتوبر الماضي (رويترز)
TT

تعثّر مبادرات الحل في السودان و«لجان المقاومة» تعلن التصعيد

شبان من المحتجين يحاولون وضع المتاريس بأحد شوارع العاصمة الخرطوم في 30 أكتوبر الماضي (رويترز)
شبان من المحتجين يحاولون وضع المتاريس بأحد شوارع العاصمة الخرطوم في 30 أكتوبر الماضي (رويترز)

وصلت الجهود الأممية والإقليمية والوطنية، الرامية لحل الأزمة المستفحلة في السودان، بين قيادة الجيش السوداني ورئيس الوزراء المعزول عبد الله حمدوك، المستمرة منذ 25 أكتوبر (تشرين الأول)، إلى طريق شبه مسدودة، بينما يستعد الشارع لجولة جديدة من التصعيد السلمي، إذ انطلقت دعوات مكثفة من تجمع المهنيين ولجان المقاومة ولجان النقابات لعصيان مدني شامل في كل أنحاء البلاد لمدة يومين.
ويتمسك رئيس الوزراء المعزول، عبد الله حمدوك، الموجود تحت الإقامة الجبرية، بشروطه إطلاق سراح جميع المعتقلين من قادة السلطة الانتقالية والسياسيين والناشطين، والالتزام الصارم بالوثيقة الدستورية، قبل الدخول في أي حوار مع الجانب العسكري، الذي يرفض عودة الأوضاع لما كانت عليه الأمور، ويمضون في محاولة تثبيت الأمر الواقع.
وأكد مصدران من حكومة حمدوك تعثر المفاوضات، وأكدا أن قيادة الجيش رفضت العودة إلى مسار التحول الديمقراطي، كما يطالب حمدوك. وأضاف المصدران لـ«رويترز» أن الجيش شدد أيضاً من القيود على حمدوك، وحد من قدرته على عقد اجتماعات أو إجراء اتصالات سياسية.
ومن المقرر أن يصل إلى الخرطوم في غضون الساعات القليلة المقبلة وفد عالي المستوى من الجامعة العربية، مكلف من الأمين العام، أحمد أبو الغيط، للإسهام في معالجة الوضع المتأزم في السودان.
ويلتقي الوفد الذي يقوده مساعد الأمين العام، حسام زكي القيادات السودانية من المكونات المختلفة، لدعم الجهود المبذولة لعبور الأزمة السياسية الحالية، في ضوء الاتفاقات الموقعة والحاكمة للفترة الانتقالية.
وغادر وفد رفيع من حكومة جنوب السودان، الخرطوم، أول من أمس، بعد أن فشل في ترتيب لقاء يجمع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، لتجاوز الخلافات. كما غادر وفد من الاتحاد الأفريقي البلاد بعد فشل مساعيه أيضاً.
وكان رئيس البعثة الأممية لدعم الانتقالي في السودان، فولكر بيرتيس، ذكر في تصريحات سابقة، أن المحادثات أثمرت عن خطوط عريضة لاتفاق محتمل على عودة إلى تقاسم السلطة بين العسكريين والمدنيين، لكنه شدد على ضرورة التوصل إلى ذلك الاتفاق خلال أيام قبل أن يتشدد الجانبان في مواقفهما.
ومن جهتها، دعت لجان المقاومة في الخرطوم ومدن البلاد الأخرى، إلى ما سمته «ليلة المتاريس»، بوضع المتاريس والحواجز لإغلاق كل الطرقات والشوارع الرئيسية والداخلية، استعداداً لمواصلة العصيان المدني والإضراب السياسي الشامل حتى الثلاثاء المقبل.
ويرفض الثوار في الشارع، الكتلة الرئيسية والفاعلة في المشهد السياسي، «أي تفاوض أو مساومة أو حوار مع قادة الانقلاب العسكري»، ويطالبون القوى السياسية بفض الشراكة فوراً، و«الانخراط في قيادة الجماهير لإسقاط الانقلاب العسكري واستعادة الحكم المدني كاملاً في البلاد».
وأصدرت تنسيقيات لجنة المقاومة في أم درمان أكبر مدن العاصمة الخرطوم، بياناً أكدت فيه «مواصلة التصعيد الثوري واسترداد الثورة من العسكر»، وعدم الشراكة مطلقاً مع ما سمتهم اللجنة الأمنية لنظام البشير المعزول.
ودعت جميع الثوار في الخرطوم للمشاركة الواسعة في وضع «المتاريس» والتظاهرات في الأحياء والأسواق، وفي عصيان مدني يتوج التصعيد الثوري بمليونية إسقاط المجلس العسكري الانقلابي في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.
ودفع تجمع المهنيين السودانيين بمسودة مقترح لميثاق سياسي للنقاش تلتف حوله الكيانات السياسية والنقابية لاستكمال الثورة عبر إسقاط الانقلاب العسكري.
واقترح اختيار شخصية وطنية مستقلة لرئاسة الوزراء، من قبل القوى الموقعة على الإعلان السياسي، وتكوين المجلس التشريعي في غضون شهرين.
ودعا في الميثاق لإعادة هيكلة القوات المسلحة وتصفية جهاز أمن النظام المعزول، وأيلولة كل استثمارات الأجهزة الأمنية والعسكرية إلى الحكومة المدنية.
ومن جانبها، أعلنت جامعة الخرطوم تعليق الدراسة إلى أجل غير مسمى احتجاجاً على اعتداء قوات ترتدي الزي العسكري على الأساتذة والطلاب صبيحة الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وأدانت جامعة الخرطوم، أعرق الجامعات في السودان والوطن العربي، الانقلاب العسكري على الحكومة الانتقالية.
وقرر مجلس العمداء بعد اجتماع طارئ أمس، تعليق الدراسة التي توقفت منذ صبيحة الانقلاب بجميع كليات الجامعة إلى أجل غير مسمى، كما وجه الاجتماع بإخلاء من تبقى مِن الطلاب بالداخليات حفاظاً على سلامتهم، على أن تتكفل إدارة الجامعة بترحيلهم لولاياتهم.
وناقش الاجتماع الاعتداءات التي تعرضت لها الجامعة والطلاب والطالبات في الداخليات عقب الانقلاب على الحكومة الانتقالية، وما تبعه من الاعتداء على الأساتذة واقتحام داخلية الوسط بواسطة رتل من العناصر التي ترتدي الزي العسكري. وأدانت في بيان التعدي على الطلاب ضرباً وشتماً وسرقة ونهباً وتشريداً، كما رفض الاجتماع رفضاً قاطعاً انتهاك حرمة الحرم الجامعي بواسطة مسلحين يرتدون الزي العسكري.
ووجه أعضاء مجلس العمداء الإدارة القانونية بتحريك إجراءات جنائية ضد المتورطين في أعمال الاعتداء على الطلاب والجامعة، والتقصي في هذا الأمر، مع التوثيق الكامل لهذه التعديات السافرة بحق الطلاب والجامعة.
وفي الردود الدولية، ذكرت وزارة الخارجية الفرنسية، في بيان أمس، أن «الانقلاب»، الأخير في السودان، يثير تساؤلات حول اتفاق «نادي باريس» الذي تم التوقيع عليه في يوليو (تموز) الماضي، لإعادة صياغة دين بقيمة 23.5 مليار دولار. وأضافت الوزارة، في بيان مساء أول من أمس: «من الواضح أن الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر الماضي، يضع العملية موضع تساؤل»، وتابعت: «إلغاء الدين كان جزءاً من دعم فرنسا للتحول الديمقراطي».
وكانت الولايات المتحدة قد علقت بالفعل، حزمة مساعدات اقتصادية للبلاد، بعد أن أزال الجيش هيكل السلطة الانتقالية.
وكان نادي باريس، وهو مجموعة غير رسمية، مكونة من 22 من الدائنين من الحكومات الغربية الغنية بالأساس، قد وافق في يوليو الماضي على إلغاء نحو 14.1 مليار دولار، من عبء الدين للدولة الواقعة شمال أفريقيا وإعادة هيكلة 9.4 مليار دولار. ووافق صندوق النقد الدولي على قرض بقيمة 2.5 مليار دولار، قائلاً إن السودان مؤهل لتخفيف أعباء الديون.
والجمعة، دعا مجلس حقوق الإنسان الأممي الجمعة إلى «عودة فورية» للحكومة المدنية في السودان بعد «انقلاب 25 اكتوبر»، فيما طالبت وزيرة الخارجية في الحكومة المقالة بإحالة «جريمة» الانقلاب على المحكمة الجنائية الدولية. واعتمد المجلس قراراً ندد فيه أيضاً بـ«التوقيف الظالم» لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك وكذلك مسؤولين آخرين، مطالباً بأن يفرج العسكريون «فوراً» عن «كل الأفراد المعتقلين بشكل غير شرعي أو تعسفي».
وندد المجلس بسلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان وجرح أكثر من 300 شخص خلال الاحتجاجات، وقطع الإنترنت عن العاصمة منذ الانقلاب، ما يمنع السكان من الوصول إلى المعلومات. وتم تكليف خبير بمراقبة الموقف على الأرض، ورفع تقرير مكتوب إلى المجلس بحلول جلسة منتصف 2022.
وطرحت القيادات الجمهورية والديمقراطية في الكونغرس مشروع قرار يدين انقلاب السودان، ويدعو إلى فرض عقوبات على قادة الجيش. ويعرب المشروع الذي قدمه السيناتور الديمقراطي بوب مننديز والجمهوري جيم ريش في مجلس الشيوخ بالتعاون مع النائب الديمقراطي غريغوري ميكس والجمهوري مايك مكول عن دعم الولايات المتحدة للشعب السوداني وتطلعاته الديمقراطية. كما يعترف برئيس الوزراء عبد الله حمدوك وأعضاء وزارته كالقادة الدستوريين للحكومة الانتقالية السودانية، ويدعو المجلس العسكري إلى الإفراج عن كل المسؤولين المدنيين وأشخاص آخرين اعتقلوا خلال «الانقلاب» أو بعده، ويطالب المشرعون بعودة الحكم الدستوري احتراماً للوثيقة الدستورية كنقطة بداية للمفاوضات مع المدنيين تجاه حكم مدني تام.



ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
TT

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)

تفاقمت معاناة السكان في مناطق الساحل الغربي لليمن، عقب السيول الجارفة التي لم تتوقف عند إغراق القرى وتدمير المنازل، بل تسببت أيضاً في تحريك ألغام أرضية ومتفجرات خلّفها الحوثيون؛ مما ضاعف من حجم الكارثة الإنسانية ورفع مستوى المخاطر التي تهدد حياة المدنيين.

وارتفعت حصيلة الضحايا إلى 22 قتيلاً، بينهم أطفال ونساء، فيما تضرر أكثر من 430 منزلاً بين دمار كلي وجزئي، إضافة إلى خسائر واسعة في الأراضي الزراعية والبنية التحتية، في وقت لا تزال فيه فرق الإنقاذ والإغاثة تواصل جهودها وسط تحديات ميدانية معقدة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن السيول التي اجتاحت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، دمّرت نحو 38 منزلاً بشكل كلي، وألحقت أضراراً جزئية بأكثر من 400 منزل، فضلاً عن نفوق نحو 460 رأساً من الماشية وفقدان نحو 600 أخرى، في ضربة موجعة لمصادر دخل السكان.

عشرات المساكن في المخا وموزع غرب اليمن دمرتها السيول (إعلام حكومي)

وامتدت الأضرار إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، حيث جرفت السيول التربة والمحاصيل، كما تضررت الطرقات وشبكات المياه؛ مما أدى إلى عزل بعض القرى وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إليها.

ووفق مصادر إغاثية، فإن معظم الضحايا سقطوا في مديرية المخا، خصوصاً بمنطقتي النجيبة والغرافي، فيما شهدت مناطق الهاملي والسفالية والمفرق في مديرية موزع أضراراً متفاوتة في الممتلكات والبنية التحتية.

كما لا يزال 5 أشخاص في عداد المفقودين، في حين أفاد سكان محليون بالعثور على جثتي طفلين جرفتهما السيول بمنطقة السبلة، في مشهد يعكس قسوة الكارثة وحجم الخسائر البشرية.

الخطر الأكبر

لم تقف تداعيات الكارثة عند حدود الدمار الذي خلفته السيول، بل كشفت عن تهديد أخطر تمثل في جرف الألغام الأرضية والعبوات الناسفة إلى مناطق مأهولة بالسكان؛ مما وضع حياة المدنيين أمام خطر مزدوج.

وأفاد سكان في مديرية المخا بالعثور على ألغام مضادة للدبابات جرفتها السيول من مناطق مرتفعة، بينها الكدحة ووادي رسيان، إضافة إلى عبوات ناسفة ظهرت في مناطق سكنية، منها عزلة الزهاري شمال المدينة.

وفي مديرية موزع، تكررت المشاهد ذاتها، حيث عُثر على ألغام من مخلفات الحوثيين في مناطق زراعية وسكنية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من استمرار تدفق هذه المتفجرات مع أي موجة أمطار جديدة.

ودفعت هذه التطورات الفرق الهندسية إلى التدخل العاجل، حيث باشرت عمليات مسح ميداني لتحديد مواقع الألغام وتأمين مسارات آمنة للسكان، في سباق مع الزمن لتجنب سقوط مزيد من الضحايا، خصوصاً مع عودة الأهالي إلى تفقد منازلهم ومزارعهم.

جهود إغاثية

في موازاة ذلك، كثّفت الجهات الحكومية و«خلية الأعمال الإنسانية في المقاومة الوطنية» من تحركاتها الميدانية، حيث سُيّرت قوافل إغاثية إلى المناطق المتضررة، شملت توزيع مواد غذائية وإيوائية ومياه نظيفة على الأسر المنكوبة.

وأعلنت الخلية استكمال عمليات حصر الأضرار وتحديد الأسر المتضررة، تمهيداً لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية خلال الأيام المقبلة، في ظل الحاجة المتصاعدة للدعم، خصوصاً مع تضرر مصادر الدخل وغياب مقومات الحياة الأساسية.

كما واصلت فرق الأشغال العامة فتح الطرقات المتضررة، وإزالة مخلفات السيول، وإعادة توجيه مجاري المياه بعيداً عن التجمعات السكنية، في محاولة للحد من تفاقم الأضرار.

طارق صالح يلتقي عائلات ضحايا السيول في المخا (إعلام حكومي)

وفي السياق، زار عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، عدداً من المناطق المنكوبة في ريف المخا، واطّلع على حجم الخسائر، موجهاً بتكثيف الجهود الإغاثية وتقديم الدعم الطبي العاجل، إلى جانب الإسراع في إعادة تأهيل الطرق لضمان وصول المساعدات.

وخلال لقائه أهالي الضحايا، نقل صالح تعازي القيادة السياسية، مؤكداً أن التعامل مع تداعيات الكارثة يتطلب استجابة عاجلة وشاملة، تأخذ في الحسبان حجم التحديات، وفي مقدمتها خطر الألغام التي ما زالت تحصد أرواح المدنيين حتى بعد انحسار السيول.

Your Premium trial has ended


اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
TT

اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)

تواجه الأمم المتحدة اختباراً جديداً ومعقداً في اليمن، بعدما دعت المجتمع الدولي إلى توفير نحو 2.6 مليار دولار لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية للعام الحالي، في وضع اقتصادي دولي محفوف بالمخاطر، بينما يزداد الوضع سوءاً في الداخل بعد أن وصلت أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

وظهرت في السنوات الماضية صعوبة تأمين التمويل الكامل لتلك الخطط، في ظلِّ تساؤلات عن قدرة ورغبة المجتمع الدولي في توفير هذا التمويل في ظل أزمات اقتصادية عالمية متلاحقة وتزاحم غير مسبوق للأزمات الإنسانية حول العالم، بينما تعتمد جهود مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الذي يقود خطط الاستجابة على تعهدات الدول المانحة.

وتقدر الوكالات الأممية أن نحو 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني، بزيادة 2.8 مليون شخص عن العام الماضي، وبما نسبته نحو 14 في المائة، مما يعكس تدهوراً حاداً، مدفوعاً بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية، والصدمات الاقتصادية.

يرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية)، أن بلوغ الاحتياجات الإنسانية هذه المستويات، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية، ويؤكد أنه، ومع وصول نسبة تمويل خطة الاستجابة، حتى مارس (آذار) 2026، إلى قرابة 10 في المائة فقط، فإن الحل لا يكمن في مجرد حشد المليارات، بل في «استعادة الثقة».

عائلة يمنية مكونة من أم و7 أطفال نزحت من الحديدة إلى منطقة دار سعد في عدن (الأمم المتحدة)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المانحين ورجال الأعمال يحتاجون لضمانات بأن مساهماتهم تذهب لمن يستحقها، بينما تسعى الحكومة، وبإسناد من تحالف دعم الشرعية، لتقديم هذا «النموذج الشفاف» كما يصفه.

وبيَّن بلفقيه أن العمل الإنساني عانى طويلاً من خلل في إدارة الأموال والبيانات، مما استوجب أن يرتكز النشاط الحكومي الحالي على إقرار آلية «النافذة الواحدة» والتي من خلالها يتم رفع الاحتياجات الحقيقية من واقع الميدان وبإشراف حكومي مباشر، لإنهاء العشوائية، وضمان التوزيع العادل للمساعدات، والسماح للبنك المركزي بالرقابة على التدفقات المالية، مما يدعم استقرار العملة الوطنية.

ويتحدث عاملون في المجال الإنساني عمّا بات يُعرف بـ«إرهاق المانحين»، حيث أصبح واضحاً بعد أكثر من عقد من الأزمة، تراجع رغبة بعض الحكومات عن تمويل أزمات طويلة الأمد تبدو بلا أفق سياسي قريب للحل.

أزمة تمويل تتكرر

في معظم الأعوام، لم تحصل الاستجابة الإنسانية في اليمن سوى على جزء من التمويل المطلوب، مما اضطر وكالات الإغاثة إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والصحية أو خفض أعداد المستفيدين.

أكثر من 35 ألف يمني سيحصلون على مساعدات متنوعة بتمويل ياباني (الأمم المتحدة)

يتهم إيهاب القرشي، الباحث في الشأن الإنساني والاقتصادي اليمني، الأمم المتحدة بإدارة الملف الإغاثي والإنساني في اليمن بشكل كارثي، بعد أن حددت، خلال 14 عاماً ماضية، الاحتياجات الإنسانية وخطط الاستجابة بمبلغ 38.265 مليار دولار، ولم تحصل من المانحين حتى أواخر الشهر الحالي سوى على 21.571 مليار دولار، بما نسبته 59 في المائة.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أعلى معدل تمويل بلغ 75 في المائة في عام 2017، بينما كان أدنى معدل تمويل في عام 2024، والذي وصل إلى 17 في المائة، ولم يتجاوز في العام الماضي 54 في المائة، بينما لم يتم الحصول على أكثر من 9 في المائة خلال الفترة المنقضية من هذا العام.

ولا يتوقع القرشي أن يتجاوز تمويل خطة الاستجابة هذا العام بأكثر من 40 في المائة، إلى جانب تراجع تمويل المساعدات المباشرة لليمن في هذا الإطار الهام جداً ومع زيادة الاحتياجات.

ويتفق غالبية المراقبين للشأن الاقتصادي والإنساني في اليمن على أن التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، وما يلقي من آثار على الاقتصاد العالمي ومضاعفة كلفة النقل والتأمين البحريين سيحد من إمكانية حصول الأمم المتحدة على تمويل لخططها الإغاثية في اليمن، وأيضاً حصول الحكومة نفسها على مساعدات مباشرة.

مفترق طرق إنساني

بحسب الخبراء، فإن تمويل الإغاثة في اليمن تأثَّر على مدى السنوات الماضية بمختلف الأزمات والحروب، بدءاً بجائحة «كورونا» التي عطلت الاقتصاد العالمي لوقت طويل، قبل أن تأتي الحرب الروسية - الأوكرانية لتتسبب بأزمات تموينية كبيرة على مستوى العالم.

وبينما ينتقد جمال بلفقيه، المسؤول الإغاثي اليمني، غياب التنظيم والرقابة الميدانية خلال الفترات الماضية من نشاط وجهود الأمم المتحدة ووكالاتها، مما أدَّى إلى فشل وصول المساعدات لكثير من مستحقيها، طالب بتنظيم العمل الإنساني وترتيب أولوياته لفتح آفاق جديدة تمكن من كسب ثقة رجال الأعمال والدول المانحة.

سوق في مدينة المكلا شرق اليمن حيث يعاني جميع سكان البلاد من تدهور القدرة الشرائية (أ.ف.ب)

وأكَّد أن الحكومة بصدد بناء أرضية مشتركة قوية مع القطاع الخاص والمجتمع الدولي للانتقال من مرحلة «تسكين الأزمة» إلى مرحلة «التعافي الاقتصادي الشامل».

وصرفت الأزمات الإنسانية الناتجة عن الحروب في عدة دول ومناطق في المنطقة والعالم كالسودان وغزة، أنظار الجهات الإغاثية عن الأزمة في اليمن.

ويحدِّد الباحث إيهاب القرشي مجموعة عوامل أدَّت لخفض التمويل خلال السنوات الماضية، مثل عدم تقدير الوضع الإنساني في اليمن بشكل واقعي، بسبب القصور الفني لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وقصور أدوار وزارة التخطيط اليمنية، مما تسبب بالإعلان عن احتياجات غير حقيقة.

وإلى جانب ذلك، يجري تشتيت المخصصات وإهدارها كمصاريف تنفيذية وإدارية، بينما كانت الجماعة الحوثية تسيطر على المساعدات وتوجهها إلى ميزانية حروبها، وبشهادة الأمم المتحدة، بالإضافة إلى عدم الثقة بالمنظمات الإغاثية من قبل المانحين.

مساعدات دوائية قدمتها منظمة الصحة العالمية العام الماضي لعلاج الكوليرا في اليمن (الأمم المتحدة)

وتأتي أخيراً ممارسات التضييق والانتهاكات الحوثية ضد هذه المنظمات بعدما انتهت مصالح الجماعة مع الأمم المتحدة ووقف الولايات المتحدة تمويل الوكالة الأميركية للتنمية، وإنهاء تمويلها لخطط الاستجابة، وهي أكبر الدول المموِّلة لخطط الاستجابة.

ويواجه المجتمع الدولي اختباراً صعباً، فإما الاستجابة لنداءات التمويل ومنع تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، وإما ترك واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم تواجه خطر التفاقم في وقت تتزايد فيه الضغوط على منظومة العمل الإنساني العالمية.


إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.