غادر المخرج مانويل دي أوليڤييرا السينما ولم تغادره. عاش 107 سنوات أمضى منها 84 سنة في السينما. بعض المخرجين لا يمضي أكثر من أربعة عقود فيها أو خمسة. كثيرون يتوقفون عند بلوغهم سن الخامسة والسبعين وحتى ما قبل ذلك. لكن المخرج البرتغالي الذي عُرف بأنه أكبر المخرجين المعمرين، أنجز 62 فيلما طويلا وقصيرا آخرها في العام الماضي بعنوان «رستوللو العجوز».
ولد في قرية برتغالية سنة 1908 أي قبل 6 سنوات من اندلاع الحرب العالمية الأولى وحقق أول أفلامه «فلوفيال الكادح» سنة 1931، قبل عام واحد من تسلم دي أوليفييرا آخر السلطة هو الديكتاتور أنطونيو دي أوليفييرا سالازار التي انتحت سلطته في منتصف السبعينات بعد سنوات من الحكم تمت فيها مقارنته بموسيلليني وفرانكو كأحد أضلع الحكام الديكتاتوريين في الغرب في تلك الحقبة.
ليس أن مهنة المخرج الراحل توقفت خلال سنوات حكم سالازار، لكنها بالتأكيد خلت من المميزات الفكرية والفنية لأن سالازار كان مشهوداً له بمعارضة أي تيار غير يميني بالكامل. ودي أوليفييرا كان على خط اليسار دوما. وكان عليه، ككل مخرج آخر، أن ينال موافقة مكتب رسمي للسينما يعطي التصاريح بعد أن يقرأ السيناريو ليرى ما إذا كان يصلح سياسيا أم لا (تماما كما كان في عهد الحقبة الستالينية في كل أرجاء أوروبا الشرقية آنذاك).
كان عمر السينما حين ولد دي أوليفييرا لا يتجاوز العشر سنوات بكثير لكنه إذ بدأ الإخراج في مطلع الثلاثينات، لم ينو اللحاق بأي مدرسة معروفة. صحيح أن أفلام أولى له مثل «دورو، نهر جار» و«بوبو» (1942) اتبعت سردا تقليديا إلى حد بعيد، إلا أن مواضيعها وطروحاتها كانت بعيدة جدا عن التقليد. في الواقع دي أوليفيير كان تقليدا قائما بحد ذاته ينطلق من رغبة في تتويج عمله بالمعنى الذي يريد الوصول إليه وليس بالأحداث التي تؤدي إلى ذلك المعنى.
كثير من أفلامه قبل عام 1970 كانت قصيرة وهي سينما داوم عليها دي أوليفييرا من دون انقطاع. لكن نشاطه في الفيلم الطويل ازداد حضورا بعد عام 1971 عبر أفلام مثل «حب مقضي عليه» و«الماضي والحاضر» و«فرنشيسكا».
سمة أخرى من سمات أعمال المخرج هي علاقته بالأدب. معظم أفلامه هي تحويل لنصوص روائية أو مسرحية بما فيها. وهو استمر في منوال عمله هذا حتى النهاية. وأحد أفضل ما حققه من أفلام هو «جيبو والظل» قبل 3 أعوام عندما كان المخرج في السنة 104 من عمره المقتبس عن مسرحية للبرتغالي الراحل (سنة 1930) راوول جرمانو برانداو حول عائلة، في أواخر القرن التاسع عشر، مؤلفة من رجل عجوز اسمه جيبو (قام بدوره الفرنسي ميشيل لاندسال) والأم دوروتيا (الإيطالية كلوديا كاردينالي) وزوجة ابنهما كانديدنا (جين مورو). هذه الصياغة ليست مستقلة لا عن النص ولا عن الصرح المسرحي في الشكل والتصميم العام وتستمد معظم شحنتها من الإجادة المطلقة من هذا الالتزام. فهي موضوعه في موقع واحد (غرفة استقبال في منزل متواضع) بل وفي مكان واحد من هذه الغرفة غالبا (مكتب يعمل عليه جيبو كمحاسب ولجانبه كرسي آخر تتبادل زوجته وزوجة ابنه الجلوس عليه) وفي زمن واحد (ليل ونهار) وبلا أحداث تتطلب فعلا معينا، باستثناء واحد يقع مباشرة بعد منتصف الفيلم الذي لا تزيد مدة عرضه عن 88 دقيقة.
رغم ذلك هو فيلم مشبع: جيبو محاسب يعيش وزوجته في دعة حالكة. ها هو يحصي للشركة المصاريف والعائدات بأناة وأذنه لشكوى زوجته من الفقر الشديد الذي يعيشانه. زوجة ابنه (التي يعطف عليها جيبو كثيرا) تستمع إلى حوارهما متأثرة. الثلاثة يعيشون وضعا ماديا وعاطفيا صعبا رغم قوة العلاقة الأسرية بينهم، تلك التي خرج عنها الابن الغائب.
في أحد المشاهد يعود الابن، المطارد من البوليس بسبب سرقاته ويسطو على مال أودعه الأب في خزنته قال إنه يعود إلى الشركة التي يعمل لها والذي عليه إعادته. لكن الحقيقة أن المال المسروق لم يكن ملك الشركة كما ادعى جيبو، بل مال سرقه جيبو من رجل قتله رغبة في استحواذه. في مطلع الفيلم نرى الجريمة ولا نرى القاتل. في نهايته يدخل البوليس مع شاهد عيان وهذا يشير بيده إلى جيبو.
بجانب هذا الفيلم حقق دي أوليفييرا أربعة أفلام أخرى حتى حين وفاته. وما بين سنة 1990 و2010 أنجز ما معدله فيلم (قصير أو طويل) واحد كل سنة. وعدد أفلامه الروائية الطويلة 21 كثير منها كان إنتاجا فرنسيا أو فرنسيا - إسبانيا مشتركا.
دي أوليفييرا كان مخرجا عتيقا ليس لأنه عاش كل هذه السنوات المديدة، بل لأنه لم يرض أن يتغير أو يغير منوال عمله واهتماماته. وهو، بعد كل تلك الحياة الشغوفة بالسينما، خرج منها وقد فاز بمكانته كأحد أساتذة العمل السينمائي ذي الميراث الفني والثقافي الواسع.
رحيل أكبر المخرجين المعمرين مانويل دي أوليڤييرا
https://aawsat.com/home/article/328781/%D8%B1%D8%AD%D9%8A%D9%84-%D8%A3%D9%83%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%8A%D9%84-%D8%AF%D9%8A-%D8%A3%D9%88%D9%84%D9%8A%DA%A4%D9%8A%D9%8A%D8%B1%D8%A7
رحيل أكبر المخرجين المعمرين مانويل دي أوليڤييرا
قدم 62 فيلمًا طويلاً وقصيرًا
مانويل دي أوليفييرا
- بالم سبرينغز: محمد رُضا
- بالم سبرينغز: محمد رُضا
رحيل أكبر المخرجين المعمرين مانويل دي أوليڤييرا
مانويل دي أوليفييرا
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

