«الإصلاح» اليمني يربك القوى السياسية والحوثيين ويعلن تأييده «عاصفة الحزم»

الحوثيون يقتحمون ساحة اعتصام بالحديدة ويعتقلون نشطاء

عناصر من حركة الحوثي خلال مظاهرة في تعز أمس (أ.ف.ب)
عناصر من حركة الحوثي خلال مظاهرة في تعز أمس (أ.ف.ب)
TT

«الإصلاح» اليمني يربك القوى السياسية والحوثيين ويعلن تأييده «عاصفة الحزم»

عناصر من حركة الحوثي خلال مظاهرة في تعز أمس (أ.ف.ب)
عناصر من حركة الحوثي خلال مظاهرة في تعز أمس (أ.ف.ب)

أربك حزب التجمع اليمني للإصلاح القوى السياسية في اليمن وقيادة جماعة الحوثي المسلحة بعد إصداره بيان الأمانة العامة للإصلاح التي أعلنت فيه تأييدها لعملية «عاصفة الحزم» التي تنفذها قوات التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية ضد المقار العسكرية لجماعة الحوثيين المسلحة والرئيس السابق علي عبد الله صالح.
وقامت جماعة الحوثي المسلحة، بعد إعلان «الإصلاح» تأييده لعمليات «عاصفة الحزم»، بحملة ملاحقات واعتقالات لعناصر حزب الإصلاح في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها بما فيها اختطاف العشرات في محافظة عمران واقتيادهم إلى جهة مجهولة، في حين يرى البعض من إعلان «الإصلاح» تأييده، وهو الإعلان للمشاركة في الحرب غير أن حزب الإصلاح يرى أنه ليس إلا بمثابة موقف سياسي وليس عند «الإصلاح» ما يحارب به من الأساس، وذلك في الوقت التي تستمر فيه جماعة الحوثي المسلحة بقمع المسيرات الاحتجاجية المناهضة التي تشهدها جميع المحافظات اليمنية مرحبين بعمليات «عاصفة الحزم» وتأكيد وقوفهم مع شرعية الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي.
ويرى مراقبون سياسيون، أن بيان حزب الإصلاح يحمل في طياته الإعلان لحرب داخلية فعلية أو قد تشكيل جبهات داخلية قتالية على الأرض بمساندة قوات التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية وهي بديل للتدخل البري الذي قد تقوم به قوات التحالف.
وفي الوقت الذي أكدت فيه مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك اختلافا بين أعضاء الأمانة العامة لحزب التجميع اليمني للإصلاح، والتي قال عنها إنها ضعيفة، بشأن البيان الذي تم إصداره في هذه الأوقات الصعبة، يقول مصدر خاص لـ«الشرق الأوسط»، إنه «قد تكون هناك اختلاف بين أعضاء التجمع اليمني للإصلاح لأن تأييده لم يكن بالجديد فقد كان الحزب مؤيدا لتلك العمليات، لكن كان من المفترض الاستمرار بصمتهم إلى حين تهدأ الأوضاع ويحقق التحالف شيئا، لكنه في هذا الوقت قد يحمل في طياته الكثير مع التأكيد أنهم في الأخير هم حزب مؤدلج وحزب ديني ويطبقون مبدأ السمع والطاعة لأي قرارات تصدرها الأمانة العامة».
وأضاف: «تأييد حزب التجمع اليمني للإصلاح لعمليات (عاصفة الحزم) جاء بسبب إسراف جماعة الحوثي المسلحة بعمليات القتل والتعذيب والاعتقالات والملاحقات ضد جميع المناوئين لهم وقد يقود هذا البيان إلى خلق جبهات داخلية فعلية».
ويؤكد مراقبون سياسيون لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان (الإصلاح) هو إعلان حقيقي باستعدادهم للقيام بالعمليات البرية وأنه ليس هناك داع لقوات التحالف القيام بتدخل بري لأن حزب الإصلاح هو من سيقوم بهذه المهمة، وخصوصا أن قوات التحالف أرسلت بالمعونات والذخائر عبر الطيران إلى اللجان الشعبية بمحافظة عدن، جنوب اليمن، وهذا الدعم كرسالة أو مفاجأة جديدة بمثابة إمداد بري في مقابل ما يقومون به من عمليات جوية ضد المقار العسكرية الخاصة بجماعة الحوثي المسلحة والرئيس السابق علي عبد الله صالح. وبمعنى آخر، فإن بيان (الإصلاح) وإعلان تأييدهم لعمليات (عاصفة الحزم)، هو رسالة للخليج بأنها هي من ستقوم بالمهمة لمواجهة جماعة الحوثي المسلحة بريا وأن عليهم إرسال الدعم لهم».
وكان التجمع اليمني للإصلاح أعلن تأييده لـ«عاصفة الحزم» التي ينفذها التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية بناء على استخدام الرئيس اليمني عبد ربه هادي لصلاحياته الدستورية واستنادا إلى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، واتفاقية الدفاع المشترك لجامعة الدول العربية، واتفاقية الطائف التي تم تجديدها في اتفاقية جدة عام 2000م، وذلك حسب البيان.
وعبر الإصلاح في بيانه، الذي حصل «الشرق الأوسط» على نسخه منه، عن شكره وتأييده للأشقاء في دول التحالف وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية الذي أوضح البيان أنهم «استجابوا لطلب الرئيس الشرعي للبلاد المسؤول عن حماية وأمن واستقرار وسلامة الوطن وأبنائه ومقدراته، ويحدونا الأمل أن تعيد هذه العملية الأمور إلى نصابها ومسارها الصحيح وإخراج البلاد من الأزمة التي تسبب بها الحوثيون وحلفاؤهم الذين يتحملون كامل المسؤولية عن كل النتائج المترتبة على هذه العملية».
وأعرب البيان عن أمله «أن يؤدي ذلك إلى عودة المسار السياسي والحوار الجاد والمسؤول لتنفيذ مخرجات الحوار الوطني التي أجمعت عليها كل القوى السياسية بعد حوار عميق شارك فيه الجميع وتوافقوا على نتائجه، ولم يبقَ إلا تنفيذ المخرجات واستكمال ما تبقى من استحقاقات المبادرة الخليجية المخرج الوحيد والأمن للبلاد من الأزمة التي نعيشها»، مؤكدين إدانتهم بأشد العبارات للسلوك الثأري الانتقامي المدمر الذي مارسته القوى المضادة المتمثلة بعلي صالح والحوثيين والتي وقفت ضد عملية التغيير الشعبي السلمي التي قام بها الشعب اليمني وقبلت أن تكون مخلبا هداما لمشروع العنف والهيمنة الإيرانية على وطننا وشعبنا.
وفي محافظة الحديدة، غرب اليمن، اقتحم مسلحو الحوثي ساحة التغيير بالمدينة، بعد صلاة الجمعة، مستخدمين الرصاص الحي والهراوات ضد المتظاهرين الرافضين لهم والمؤيدين لعمليات «عاصفة الحزم» ووقوفها مع شرعية عبد ربه منصور هادي. وأكد شهود عيان لـ«الشرق الأوسط»، أن «جماعة الحوثي المسلحة فرقت مظاهرة مناوئة لهم باستخدام الرصاص الحي والهراوات بعد صلاة الجمعة عندما اجتمعوا لينطلقوا بمسيرتهم الرافضة لهم والمرحبة لعمليات (عاصفة الحزم) وإعلان وقوفها لشرعية الرئيس هادي، وأن المسلحين الحوثيين قاموا باختطاف عدد من الناشطين بالإضافة إلى نهب معدات الصلاة التي كانت في الساحة من ميكروفونات وغيرها».
وحمل المتظاهرون جماعة الحوثي المسؤولية عن مقتل أكثر من ثلاثين عاملا في حريق بمصنع الألبان في الحديدة إثر إطلاق المسلحين الحوثيين لقذائف على المصنع عقب غارة شنتها طائرات عملية «عاصفة الحزم» على معسكر الدفاع الساحلي، الموالي للرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، والقريب من المصنع.
وقال السكان المحليون لـ«الشرق الأوسط»، إن «جماعة الحوثي المسلحة تريد من قوة التحالف أن تستهدف المدنيين، وذلك من خلال نقل الحوثيين للمعارك إلى المدن ونشر مضادات الطيران في الأحياء المأهولة بالسكان وفوق أسطح المدارس».
وفي الوقت الذي ينتظر فيه الكثير من شباب الثورة والمواطنين اليمنيين توجيه خطاب من الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي يوجه فيه أبناء اليمن بما يقومون به تجاه الانقلاب الحوثي لكي لا يصبح هناك ميليشيات تتحارب فيما بينها البين، دعا الناشط السياسي، خالد الآنسي، عبر صفحة التواصل الاجتماعي (الفيسبوك)، دعا الرئيس هادي بتوجيه خطاب إلى الشعب يدعوه فيه إلى الانتفاض في وجه الانقلاب وميليشياته في كل مكان يوجد فيه. وقال في دعوته: «لن يسقط الانقلاب ويقلعه من جذوره إلى انتفاضة شعبية في وجهه في جميع أرجاء اليمن. الناس لا تريد أن تتحول إلى ميليشيات تواجه ميليشيات، لكنها مستعدة لأن تكون مقاومة شعبية تواجه الميليشيات مع السلطة..مع الدولة.. مع النظام».
وأضاف الآنسي: «الضربات الجوية من دون مقاومة شعبية في مواجهة عصابات وميليشيات لن تحسم المعركة لأن العصابات والميليشيات لا يهمها أن يدمر اليمن ولا يهمها أن يموت الشعب بالحرب أو حتى بالجوع ويهمها فقط أن تبقى على الأرض حتى لو تحولت الأرض كلها إلى أشلاء وخرائب».
من جهة أخرى، أعلنت أحزاب اللقاء المشترك في محافظة ذمار، التي يسيطر عليها المسلحون الحوثيون، تأكيدها على تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني وتهيئة الأجواء لحوار مستقبلي بناء يعمل على إخراج الوطن من محنته الراهنة، وأن ما تقوم به ميليشيات الحوثي المسلحة من تجاوزات لكل القيم والأعراف لا يبشر بمستقبل التعايش السلمي من قبل الحوثيين.
وقال مشترك ذمار في بيان صحافي له، حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه: «وقفت أحزاب اللقاء المشترك بمحافظة ذمار أمام الانتهاكات التي ارتكبتها وترتكبها جماعة الحوثي بالمحافظة ومنها الاختطافات التي طالت الناشطين مانع سليمان ومحمد الكبودي، وآخرها اقتحام منزل البرلماني عبد العزيز جباري، رئيس التكتل الوطني للإنقاذ أمين عام حزب العدالة والبناء، واختطاف نجله واحتلال المنزل من قبل ميليشيات الحوثي المسلحة، وأن ما حدث هو سابقة خطيرة لم تحدث من قبل على مستوى المحافظة، متجاوزين بذلك كل القيم والأعراف وتعكس واقعا سياسيا يتسم بالانسداد والظلمة، ولا يبشر بمستقبل للتعايش السلمي من قبل (أنصار الله/ الحوثيين)، رغم كل ما يمر به الوطن من أزمة خانقة بفعل تغييب لغة الحوار والركون إلى الخارج لحل الخلافات». ودعا البيان العقلاء من الحوثيين إلى العودة إلى الرشد وسرعة مغادرة منزل النائب جباري وإطلاق جميع المختطفين، وإزالة أسباب التوتر وتجاوز الصراعات التي قال عنها إنها «لن تزيد الأمور إلا تعقيدا».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.