عندما قرر برنار أرنو، أغنى رجل في فرنسا ومالك مجموعة «إل في إم إتش» التي تنضوي تحت أجنحتها كثير من بيوت الأزياء وشركات المنتجات المرفهة، بناء ما أصبح يعرف الآن بـ«مؤسسة لويس فويتون» في ضواحي باريس، كان لا بد أن يستعين بمعماري فذ يجسد طموحه وعشقه للفن المعاصر. فكرته أن تكون المؤسسة متحفا يحتضن لوحات خاصة وتُعرض فيه أعمال فنانين عالميين، شريطة أن تكون هذه الأعمال مهمة ونادرة. لم يبخل على عمليات التصميم والبناء بشيء، حيث تشير التقديرات أن تكلفة المبنى وصلت إلى نحو 143 مليون دولار أميركي. في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وعندما افتتح المتحف أو المؤسسة، كشف برنار أرنو عن طموحاته وأهدافه الفنية، إلا أن قلة استوعبت في ذلك الحين، ما قاله جيدا، لأن الاهتمام كان منصبا على الجانب المعماري اللافت الذي تتناطح فيه بعض الأجزاء وكأنها سحاب أو أشرعة معلقة على أهبة الإقلاع إلى كوكب آخر. كانت ردود الفعل متباينة حوله، لكنها في الأخير أجمعت أنه مشروع طموح من شأنه أن يغني باريس ثقافيا وفنيا. مما زاد من طمأنة النفوس أن من يدعمه هو أرنو بمساعدة مجموعة من المتحمسين للفن. مرت الشهور، وكشفت المؤسسة بداية هذا الشهر عن واحدة من أهدافها التي تتمثل في احتضان معارض مهمة تترك بصمة واضحة على المنطقة وتستقطب عشاق الفن المعاصر. «كيز تو باشن» Keys To a Passion أشرفت على تنظيمه كل من سوزان باجيه وبياتريس بارون، هو أول الغيث، وإن كان المثير فيه، للوهلة الأولى، أنه يعود إلى الماضي، ما قد يراه البعض متناقضا مع الرسالة التي قدمها برنار آرنو في أنه سيتخصص في الفن المعاصر. منظمو المعرض في المقابل لا يرون أن هناك أي تناقض بدليل أن الفنان بابلو بيكاسو نفسه قال إنه «ليس هناك ماضي أو مستقبل عندما يتعلق الأمر بالفن». تقول سوزان باجيه واحدة من المنظمين، إن المؤسسة «تهدف بالفعل أن تتخصص في الأعمال الفنية المعاصرة، لكن في الوقت ذاته لا تريد أن تتجاهل تاريخ الفن. كما تدل الأعمال التي تم اختيارها، فإنها كانت ولا تزال مرجعا للفنانين اليوم». ما تقصده أنه من الماضي نتعلم ونستلهم أعمال الحاضر والغد، وبالتالي ليس هناك أي تناقض مع ما وعدت به المؤسسة، بأن الفن المعاصر سيكون على رأس أولوياتها. ما يشير إليه المعرض أيضا أنه في عالم الإبداع دائم التغير، تُعتبر العودة إلى الماضي جزءا لا بد منه للبحث في أفكار متجددة ومبتكرة. على هذا الأساس، يعيد المعرض التذكير بفنانين كبار من خلال عرض أعمال أيقونية تعبر عن عبقريتهم، عدا أن الكثير منها كان ثوريا في عصرهم، تعمدوا فيها تكسير القوالب المتعارف عليها والتابوهات. وهذا تحديدا ما يجعل أعمالهم بمثابة بوصلات يقتدي بها فنانون معاصرون في رحلتهم نحو المستقبل. وتشير سوزان باجيه، أن الأعمال المعروضة متنوعة بشكل كبير، لكن هناك قاسما مشتركا بينها يتمثل في التجديد والثورة على المتعارف عليه في الفن، وبالتالي من المهم الأخذ بعين الاعتبار عند زيارة المعرض، أن بداية العصرنة تزامنت مع كثير من التغيرات الفلسفية والفكرية التي ساهمت في تغيير المجتمعات. صحيح أن فكرة الفن المعاصر تقوم على المستقبل، إلا أن هذا لا ينفي أن الماضي جزء من هذا المستقبل، حسب مقولة بيكاسو. فهناك دائما خيوط رفيعة وخفية من الماضي تتسلل إلى أعمال معاصرة. وهذا ما سيلمسه أي زائر للمعرض، الذي يمكن القول إنه الأول، بالمعنى الـ«تاريخي»، يستعرض أعمال فنانين كان لها دور في تغيير وجه الفن في القرن العشرين، نذكر منها أعمال لموندريان، وماليفيتش، وروثكو، وديلوناي، وليجير، وبيكابيا، ومانتش، وجياكوميتي، وماتيس، وكوبكا وغيرهم.
غني عن القول إن جمع أعمال بهذه القيمة ولمؤسسة جديدة، أمر صعب، احتاج إلى كثير من المحاولات وعمليات التواصل مع متاحف عالمية في كل من روسيا، والولايات المتحدة الأميركية، وأوروبا، وأستراليا وفرنسا، وكانت النتيجة جد موفقة ومرضية، ما يصب في صالح الزائر الذي سيجد نفسه أمام تحف لا تتاح له فرصة معاينتها عن قرب بسهولة، كما ستدخله تجربة فكرية وعاطفية يتفاعل فيها مع هذه الأعمال بتأني بعيدا عن إيقاع الحياة السريع ووسائل التواصل التي غيرت الكثير من ثقافة العصر.
تم تقسيم المعرض إلى 4 أقسام: التعبير الذاتي، والتأملي، والبوبيست، والموسيقى، حيث وضع كل قسم في إطار خاص يُسلط الضوء على أهميته ودلالاته ورموزه. التعبير الذاتي مثلا يركز على الحياة والموت والوحدة، وهو ما يتجلى في لوحة كازيمير مالفيتش «كومبليكس بريسنتمنت» Complex Presentiment أو لوحة «وولكينغ مان» Walking Man لألبيرتو جياكوميتي وغيرها.
بينما يركز القسم الثاني على أهمية التأمل من خلال أعمال كثيرة نذكر منها لوحة كلود مونيه «زنابق الماء» Water lilies أو «الكثبان» Dunes لموندريان، علما أن هذا الجزء يتشعب ليشمل أعمالا تجريدية لماليفيتش وبيت موندريان وروثكو، أو لوحات أكثر سوداوية كما في أعمال بيير بونار، أو بابلو بيكاسو، لا سيما سلسلة أعماله ماري تيريز في الثلاثينات.
القسم الثالث، ويسلط الضوء على حركة البوبيست، يلتقط ديناميكية الحياة العصرية وإيقاعها السريع الذي لا يتوقف عن التغير، من خلال أعمال روبرت ديلوناي «كارديف تيم» (فريق كارديف)، و«غراند ديجونيه» (الفطور الكبير) ولوحتان للفنان فرناند ليجيه و5 لوحات من الأربعينات للفنان فرانسيس بيكابيا وغيرها.
أما القسم الرابع والأخير، فيتعلق بالموسيقى ومدى تأثيرها على أعمال بعض الفنانين في بداية العشرينات من القرن الماضي، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. لوحة هنري ماتيس «دانس» Dance التي أنجزها في شبابه، مثلا، ولوحة «أحزان الملك» Sorrows of the King التي أنجزها في أواخر أيامه، تعرضان لأول مرة مع بعض، إلى جانب أعمال لجينو سيفيريني، كوبكا، وكاندينسكي وغيرهم.
ما لا شك فيه أن السيد برنار أرنو حقق الهدف من «فاوندايشن لويس فويتون»، لأن المعرض أكد أن قيمة المؤسسة لا تكمن في معمارها المتميز واللافت فحسب، بل أيضا في طموحاتها وبرامجها المتنوعة، وما تحتضنه من أعمال نادرة وبرامج ثقافية وفكرية مهمة. ثم إن المشرفين يؤكدون أنها لن تكون مقرا لأعمال رسامين أو مصممين فحسب، بل أيضا منبرا لشعراء وموسيقيين في المستقبل، الأمر الذي يعني أمسيات شعرية وحفلات موسيقية حية، ستجعل حيوية باريس تمتد من وسطها إلى ضواحيها.
سيمتد المعرض إلى السادس من شهر يوليو (تموز) 2015.
«مفاتيح إلى الشغف» معرض يؤكد أن أغنى رجل في فرنسا هداف ماهر
يجمع الماضي بالحاضر والمستقبل من خلال أعمال مبدعين غيروا وجه الفن إلى الأبد
من أعمال كاندينسكي
«مفاتيح إلى الشغف» معرض يؤكد أن أغنى رجل في فرنسا هداف ماهر
من أعمال كاندينسكي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

