الملقحون ضد «كوفيد ـ 19» ينقلون «دلتا» للآخرين

دراسة أشارت إلى تخلصهم منها بشكل أسرع

رجل يتلقى لقاح كورونا في البرازيل (أ.ب)
رجل يتلقى لقاح كورونا في البرازيل (أ.ب)
TT

الملقحون ضد «كوفيد ـ 19» ينقلون «دلتا» للآخرين

رجل يتلقى لقاح كورونا في البرازيل (أ.ب)
رجل يتلقى لقاح كورونا في البرازيل (أ.ب)

وجدت دراسة أن الأشخاص الذين تلقوا جرعتين من اللقاح ضد «كوفيد - 19» لديهم خطر أقل، ولكن لا يزال ملموساً، للإصابة بمتغير «دلتا»، مقارنة بالأشخاص غير المحصنين.
ويتخلص الأشخاص الذين تم تطعيمهم من العدوى بسرعة أكبر، لكن ذروة الحمل الفيروسي بين الأشخاص الذين تم تطعيمهم مماثلة لتلك التي لوحظت في الأشخاص غير المطعمين، وهو ما قد يفسر سبب استمرار قدرتهم على نقل الفيروس بسهولة في البيئات المنزلية، وفقاً لدراسة نُشرت في 28 أكتوبر (تشرين الأول) بدورية «ذا لانسيت أنفيكشن ديسيس».
وتظل اللقاحات فعالة للغاية في الوقاية من الأمراض الشديدة والوفيات الناجمة عن «كوفيد - 19»، لكن بعض الدراسات تشير إلى أنها قد تكون أقل فاعلية ضد متغير «دلتا» - السلالة السائدة حالياً في جميع أنحاء العالم - رغم عدم تحديد سبب ذلك.
ومن المعروف أن معظم حالات انتقال «كوفيد - 19» تحدث في المنازل، ولكن هناك بيانات محدودة حول مخاطر انتقال متغير «دلتا» من الأشخاص الذين تم تطعيمهم، والذين يعانون من عدوى خفيفة أو عديمة الأعراض في المجتمع.
ويقول البروفسور أجيت لالفاني، من «إمبريال كوليدج لندن» بالمملكة المتحدة، الذي شارك في قيادة الدراسة في تقرير نشره الموقع الإلكتروني لدورية «لانسيت»، بالتزامن مع نشر الدراسة، إن «اللقاحات ضرورية للسيطرة على الوباء، كما نعلم أنها فعالة جداً في الوقاية من الأمراض الخطيرة والوفاة من (كوفيد - 19)، ومع ذلك، فإن النتائج التي توصلنا إليها أظهرت أن التطعيم وحده لا يكفي لمنع الناس من الإصابة بمتغير (الدلتا) وانتشاره في البيئات المنزلية، فالانتقال المستمر الذي نشهده بين الأشخاص الملقحين يجعل من الضروري بالنسبة للأشخاص غير الملقحين الحصول على التطعيم لحماية أنفسهم من الإصابة بالعدوى الشديدة، خصوصاً أن المزيد من الأشخاص سيقضون وقتاً في الداخل على مقربة شديدة خلال أشهر الشتاء، ووجدنا أن القابلية للإصابة بالعدوى زادت بالفعل في غضون بضعة أشهر بعد جرعة اللقاح الثانية، لذلك يجب أن يحصل على الفور الأشخاص المؤهلون على جرعات معززة».
وضمت الدراسة الجديدة 621 مشاركاً، تم تحديدهم بواسطة نظام تتبع الاتصال بالمملكة المتحدة، بين سبتمبر (أيلول) 2020 وسبتمبر 2021. وكان جميع المشاركين مصابين بمرض «كوفيد - 19» بأعراض خفيفة أو بدون أعراض.
تم جمع معلومات الحالة الديموغرافية والتحصينية عند التسجيل، وأجرى المشاركون اختبارات «بي سي آر» يومية للكشف عن العدوى، وبغض النظر عما إذا كانت لديهم أعراض أم لا، فهي واحدة من الدراسات القليلة التي تم إجراؤها حتى الآن باستخدام مثل هذه البيانات التفصيلية من أسر حقيقية، حيث تقدم رؤى أساسية حول كيفية استمرار إصابة الأشخاص الذين تم تلقيحهم بمتغير «دلتا» ونقله إلى الآخرين.
وفي هذه الدراسة، تم تعريف المشاركين على أنهم غير محصنين إذا لم يتلقوا جرعة واحدة من لقاح «كوفيد - 19» قبل سبعة أيام على الأقل من التسجيل، وتم تطعيمهم جزئياً إذا تلقوا جرعة واحدة، وتم تطعيمهم بالكامل إذا تلقوا جرعتين، وأجريت الدراسة قبل أن تصبح معززات اللقاح متاحة على نطاق واسع.
وتم تحليل مخاطر الانتقال على أساس حالة التطعيم بالنسبة للمخالطين المنزليين المعرضين لحالات مؤشر متغير «دلتا» (أول حالة تم اكتشافها في الأسرة)، ومن خلال إجراء اختبارات تفاعل البوليميراز المتسلسل على عينات المسحات التي يقدمها كل مشارك يومياً لمدة 14 - 20 يوماً، تم تقدير التغييرات بمرور الوقت في الحمل الفيروسي - كمية الفيروس في أنف الشخص وحلقه - عن طريق نمذجة بيانات تفاعل البوليميراز المتسلسل، مما يتيح إجراء مقارنات بين الحالات التي تم تحصينها بالكامل من عدوى «دلتا»، والحالات غير المحصنة من عدوى «دلتا» و«ألفا» وعدوى ما قبل «ألفا».
تم تحديد ما مجموعه 205 جهات اتصال منزلية لحالات مؤشر متغير «دلتا»، ثبتت إصابة 53 منهم بفيروس «كوفيد - 19»، ومن بين 205 مخالطين، تلقى 126 (62 في المائة) جرعتين من اللقاح، وتلقى 39 (19 في المائة) جرعة واحدة من اللقاح، و40 (19 في المائة) لم يتم تلقيحهم، ومن بين المخالطين المنزليين الذين تلقوا جرعتين من اللقاح، أصيب 25 في المائة (31/126 من المخالطين) بمتغير «دلتا» مقارنة بـ38 في المائة (15/40) من المخالطين المنزليين غير المحصنين.
ومن بين المخالطين الملقحين المصابين بمتغير «دلتا»، كان متوسط الفترة الزمنية منذ التطعيم 101 يوم، مقارنة بـ64 يوماً للمخالطين غير المصابين، ويشير هذا إلى أن خطر الإصابة يزداد في غضون ثلاثة أشهر من تلقي جرعة ثانية من اللقاح، ويرجع ذلك على الأرجح إلى ضعف المناعة الوقائية؛ يشير المؤلفون إلى تراجع اللقاح كدليل مهم لجميع الأشخاص المؤهلين للحصول على جرعات معززة.
وتم تحليل مسارات الحمل الفيروسي اليومية لما مجموعه 133 مشاركاً، من بينهم 49 كان لديهم ما قبل «ألفا»، ولم يتم تلقيحهم، و39 مصاباً بـ«ألفا» ولم يتم تطعيمهم، و29 مصاباً بـ«دلتا» وتم تطعيمهم بالكامل، و16 مصاباً بـ«دلتا» ولم يتم تلقيحهم، ولاحظ الباحثون أن الأشخاص الذين تم تلقيحهم لم يسجلوا حمولة فيروسية أقل من الأشخاص غير المحصنين، وهو ما قد يفسر سبب استمرار انتشار متغير «دلتا»، رغم التطعيم، لأن الأشخاص يكونون أكثر عدوى خلال مرحلة ذروة الحمل الفيروسي.
وتقول الدكتورة أنيكا سينجاناياغام، المؤلفة الرئيسية المشاركة بالدراسة، إن «فهم مدى قدرة الأشخاص الذين تم تطعيمهم على نقل متغير (دلتا) إلى الآخرين هو أولوية للصحة العامة، ومن خلال إجراء أخذ عينات متكرر من المخالطين، وجدنا أن الأشخاص الذين تم تلقيحهم يمكن أن ينقلوا العدوى داخل الأسرة، بما في ذلك لأفراد الأسرة الملقحين، وتوفر نتائجنا رؤى مهمة حول تأثير التطعيم في مواجهة المتغيرات الجديدة، وعلى وجه التحديد، لماذا يستمر متغير (دلتا) في التسبب في ارتفاع أعداد حالات الإصابة بفيروس (كوفيد – 19) في جميع أنحاء العالم، حتى في البلدان التي ترتفع فيها معدلات التطعيم، وبالتالي، تظل التدابير الصحية والاجتماعية المستمرة للحد من انتقال العدوى، مثل ارتداء الأقنعة والتباعد الاجتماعي والاختبار، مهمة، حتى في الأفراد الذين تم تلقيحهم».


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
TT

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم، العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

وأضافت اللجنة، في تقريرها السنوي، أن 2025 كان العام الثاني على التوالي الذي يشهد عدداً قياسياً مرتفعاً من القتلى الصحافيين، والثاني على التوالي أيضاً الذي تتحمل فيه إسرائيل مسؤولية مقتل ثلثيهم. واللجنة منظمة مستقلة، مقرها نيويورك، توثق الهجمات على الصحافيين، حسبما أفادت به وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت اللجنة إن نيران إسرائيل أودت بحياة 86 صحافياً في 2025، معظمهم من الفلسطينيين في قطاع غزة. وأضافت أن 31 آخرين من العاملين قُتلوا في هجوم على مركز إعلامي لجماعة الحوثيين في اليمن، فيما مثل ثاني أكثر الهجمات إزهاقاً للأرواح التي سجّلتها اللجنة على الإطلاق.

وكانت إسرائيل أيضاً مسؤولة عن 81 في المائة من 47 حالة قتل صنّفتها لجنة حماية الصحافيين على أنها استهداف متعمّد أو «قتل». وأضافت اللجنة أن الرقم الفعلي ربما يكون أعلى من ذلك، بسبب قيود الوصول التي جعلت التحقق صعباً في غزة.

ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلب للتعليق. وسبق له القول إن قواته في غزة تستهدف المسلحين فقط، لكن العمل في مناطق القتال ينطوي على مخاطر كامنة. واعترفت إسرائيل باستهداف المركز الإعلامي باليمن، في سبتمبر (أيلول)، واصفة إياه في ذلك الوقت بأنه ذراع دعائية للحوثيين.


أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended