أعادت عملية «عاصفة الحزم» العسكرية التي وجه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ببدئها، ووجدت دعما عالميا وإسلاميا وعربيا واسعا، وشارك فيها تحالف من 10 دول بهدف حماية ودعم الشرعية المنتخبة في اليمن، وتلبية لنداء الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي لحماية بلاده من المتمردين الحوثيين، ومنع خلق واقع جديد يريده الانقلابيون المدعومون من قبل إيران، ورفضهم كل الجهود الدبلوماسية لإيجاد حل للأزمة في البلاد، أعادت العملية المواقف السعودية مع جارتها الجنوبية التي ترتبط معها على مر العقود بعلاقة حسن الجوار، وهو عنصر ثابت في سياسة السعودية نحو جيرانها، مع التأكيد على أن اليمن يحتاج إلى السعودية ومعها دول الخليج التي شاركت 4 منها في «عاصفة الحزم»، أكثر من حاجتها إليه، مع الأخذ في الاعتبار أن عناصر داخل اليمن بإملاءات خارجية أساءوا إلى العلاقة مع السعودية ودول الخليج، ولم يدركوا أن العلاقة بين الطرفين يجب أن تؤسس على قواعد ثابتة من الاحترام المتبادل وأن يكون مبدأ المصالح هو المعيار الذي تتحرك من خلاله سياسته الداخلية والخارجية على السواء.
انتهجت السعودية طوال العقود الماضية سياسة النفس الطويل مع جيرانها، وهو ما أعطاها مكانة مرموقة ومكنها من النجاح والحضور اللافت إقليميا ودوليا، كما أن المصالح الحيوية للسعودية في الجزيرة العربية والخليج العربي واضحة ولا يمكن المساس بها على الإطلاق، وليست قابلة للجدل أو الحوار.
وشهدت العلاقات السعودية اليمنية منذ نحو قرن مدا وجزرا تبعا للتقلبات السياسية والصراعات في هذا القطر الذي يشترك مع جارته السعودية في حدود جغرافية واحدة، ولهما على البحر الأحمر من الجزر والموانئ المطلة عليه أهمية خاصة، ولكل من الدولتين مصالح مشتركة في توطيد الأمن في منطقة البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية.
ويشير الدكتور عبد الله سعود القباع أستاذ العلوم السياسية إلى أن اليمن عرف منذ استقلاله عام 1918 صورا مختلفة من التقلبات السياسية، وشهد سيلا متدفقا من الصراعات والاغتيالات الحزبية والقبلية والفردية مما جعله عرضة للمزايدات السياسية ومرتعا خصبا لأصحاب المقاصد الشخصية ومروجي الشعارات الآيديولوجية المختلفة. وفي حالات معينة كان المزايدون يلوحون دائما بأخطار خارجية ويحذرون الشعب اليمني من أن بلادهم تتعرض لمؤامرة، وأن الحل الوحيد لإنقاذها هو بقاء هؤلاء في السلطة وترك المجال لهم لكي يقرروا مستقبل اليمن ويكيفوا علاقته، حتى وإن جاء ذلك على حساب المصلحة الحقيقية للشعب اليمني.
وزاد الدكتور القباع على ذلك بالقول في كتابه «العلاقات السعودية اليمنية» والذي أنجزه عام 1992، بأن ذلك نتج عنه تعرض الهيكل الاجتماعي لليمن للتمزق ونشطت أبواق الدعاية السياسية وكثر تجار الشعارات وأصبح مستقبل اليمن ومصالحه سلعة تباع في الأسواق ومصدرا من مصادر الإثارة والارتزاق ووسيلة لتخويف الجماهير من عدو حاقد أو جار يتربص باليمن. والحقيقة أن هذه الأساليب وغيرها لم يكن الهدف منها المحافظة على توازن حقيقي بين طبقات المجتمع في اليمن وإنما الإبقاء على أشخاص معينين في الحكم وتمكينهم من ممارسة عادتهم في التسلط وكسب المغانم الشخصية.
ولفت الدكتور القباع إلى أن اليمن شهد تاريخه السياسي الحديث محاولات عدة لنشر «ثقافة المؤامرة» وإشاعة الحقد في أذهان اليمنيين وإشعارهم بأن عدم تمكنهم من اللحاق بقطار التنمية يعود في الواقع إلى دول الجوار أو إلى بعض الأوساط التي لا ترغب في تقدمهم أو اتحادهم.
واعتبر في هذا الصدد أنه ثبت علميا أنه من السهل على أي حكومة تتعرض لمشكلات داخلية أن توجه الأنظار إلى أخطار خارجية، وأن تخلق حالة من التوتر في علاقتها مع الآخرين، وأن تفسر النتائج بشكل لا يتفق مع المقدمات. ومثل هذه السياسة لا يكتب لها غالبا النجاح لأن الجماهير سرعان ما تكتشف اللعبة وتبدأ على الفور في التعرف على خطورة النهج الذي يحاول الإضرار بمصالحها وإغراقها في بحر من العداوات والأحقاد المزعومة التي لا تقود إلا للمزيد من الكوارث والدمار. وخير مثال على ذلك هو أن الشعب اليمني قد شعر بمختلف فئاته أن اعتراف السعودية بنظامهم الجمهوري في 1970 قاد إلى الاستقرار في اليمن، وأدى إلى تحقيق الكثير من المكاسب السياسية والمالية لبلادهم وأن ما تذيعه بعض الأبواق المتطرفة التي يخيفها التطور السلمي في العلاقات السعودية اليمنية هو أمر ليس له أي أساس من الصحة.
وشدد الباحث السعودي على أن بلاده حرصت منذ البداية على مبدأ حسن الجوار مع اليمن، وفتحت الباب على مصراعيه لأبناء الشعب اليمني ليعملوا في أراضيها ويمارسوا مختلف الحرف المهنية، ويزاولوا أعمال التجارة والمقاولات، وأعطيت لهم الأفضلية في أمور كثيرة مما عاد عليهم بالنفع العميم وسهل لهم تحويل مدخرات كبيرة قدرت بمليارات الدولارات.
ولم يكن هذا الشيء ممكنا لو لم تبادر الحكومة اليمنية في ذلك الوقت بإعطاء وزن خاص لعلاقتها مع السعودية وتبدي من الإشارات ما يوحي برغبتها في تمتين العلاقة مع هذا الجار الكبير.
وأورد أستاذ السياسة ما فعلته حكومة اليمن السابقة بتبنيها مواقف غير ودية تجاه السعودية ودول شبه الجزيرة العربية في دعمها مواقف العراق العدوانية ضد الكويت التي معها شعر اليمنيون بأن مصالحهم في السعودية والخليج قد بدأت تتعرض للخطر وأنهم مطالبون باستنكار مواقف حكومتهم المشبوهة التي لم تعمل إلا على الإضرار بهم وإهدار مصالحهم، ومع تزايد الإحساس بخطورة المشكلة أخذ اليمنيون يلجأون إلى وسائل التذمر المختلفة ويعبرون عن سخطهم ويعلنون عن رفضهم للسياسة التي بدأت تلحق بهم الضرر وتسيء إلى سمعة بلادهم في الداخل والخارج، وهو ما دفع أحد السياسيين اليمنيين الذين تابعوا عن كثب تورط حكومة اليمن (حكومة علي عبد الله صالح) في مؤامرة غزو صدام حسين الكويت، إلى القول «أعلنا موقفنا لأننا لا نقر القيادة اليمنية التي تطالب القوى الوطنية اليمنية، بأن تؤيد موقفها في صراع الخليج المناقض لمصالح الشعب اليمني، ولا ندري كيف تطلب منا أن نستسيغ الاشتراك في إثارة الحقد في نفوس يمنية على القيادات السعودية والخليجية التي زفت الخير الكثير لشعب اليمن، بينما لم يقدم إليه حزب بعث العراق سوى الكوادر الحزبية التي امتلأت خزائنها بأموال الشعب العراقي.. كما لم تشرح لنا القيادة اليمنية أين مصلحة الشعب اليمني حين تطالبنا بأن نمشي جميعا معها في جنازة العلاقات اليمنية السعودية الخليجية التي تحمل هذه القيادة نعشها».
وشدد الباحث القباع على أن بلاده تدرك أبعاد المؤامرة التي تحاول الإساءة إلى العلاقات السعودية اليمنية وتعرف القوى التي تقف وراء هذا المخطط، إلا أنها مع ذلك تؤمن بأن الروابط التاريخية التي تجمعها مع شعب اليمن هي أقوى من أن تؤثر فيها مثل هذه المؤامرات، كما شدد على أن سياسة المملكة الثابتة فيما يتعلق بحسن الجوار مع اليمن هدف استراتيجي وليس تكتيكيا، وأن القيادة اليمنية تخطئ كثيرا إذا ما اعتقدت أن مصالح المملكة في شبه الجزيرة العربية هي أمر تحدده الانفعالات أو تمليه المواقف الطارئة، وأنها حريصة كل الحرص على ترسيخ مبدأ حسن الجوار مع اليمن ومع غيره من البلدان المجاورة، ولكنها في نفس الوقت لا تريد أن يتم ذلك على حساب مصالحها أو كرامة مواطنيها.
ورأى الدكتور القباع أن الاهتمام الشديد الذي تبديه السعودية بمبدأ حسن الجوار لا يكمن أن يكون مصدره الضعف أو التهاون، ولكنه في الواقع تطبيق عملي لسياسة بلاده السلمية التي تعتمدها في التعامل مع جيرانها ومع غيرهم. ومن طبائع الأمور أن يستغل ضعاف النفوس هذه السياسة وأن يعمدوا إلى تشويه المواقف السعودية المرنة، وأن يستغلوا كل الفرص الممكنة لإساءة تفسير الأهداف الحقيقية للسياسة السعودية.
واستعرض الباحث العلاقات بين البلدين في الفترة ما بين 1932 و1963 بالتوقيع على اتفاقيات ومعاهدات وتحالفات إقليمية، عززت مسيرة التعاون العربي وأسهمت في إزالة الكثير من الخلافات بين البلدين، مشيرا في هذا الصدد إلى اتفاقية الطائف عام 1934، التي حسمت كل القضايا الحدودية العالقة بين البلدين، كما أشار إلى العلاقات السعودية اليمنية التي شهدت ازدهارا ملحوظا في الفترة الواقعة ما بين 1934 و1962، وأن كثيرا من الخلافات والنزاعات الجانبية كانت تحل بشكل سلمي، ومن خلال رابطة الانتماء العربي التي تعزز كيانها بعد قيام الجامعة العربية، وبعد الانقلاب اليمني الذي حدث في عام 1962 تأزمت العلاقات السعودية اليمنية، وتباعدت وجهات النظر بين الجانبين، خصوصا بعد التدخل العسكري المصري في اليمن، ووقوفه ضد أي محاولة لتسوية الأوضاع في اليمن بالطرق السلمية.
وبعد أن استقرت الأمور واعترفت السعودية بالنظام الجمهوري في اليمن في عام 1970 تحسن أداء العمل السياسي بين البلدين، وأسس مجلس للتنسيق بين البلدين، عهد إليه بالإشراف على برامج التنمية السعودية في اليمن، وقدمت مساعدات كبيرة وارتفع نتيجة لذلك مؤشر العلاقات الإيجابية بين البلدين، وترتب على ذلك أن تم التوقيع على اتفاقيات ثقافية واقتصادية عدة، وسار البلدان في مجال تعزيز علاقتهما بشكل أكثر إيجابية.
وأكد الباحث أن الاستقرار السياسي في نظر بلاده لا يقتصر بالضرورة على مؤسسات النظام السياسي الداخلي، وإنما يتعدى ذلك ليشمل الإقليم أو المنطقة التي يتفاعل من خلالها النظام السياسي لأي دولة من دول المنطقة، كما أكد أنه في تقدير المملكة فإن تحديث اليمن وتنميته لا يتطلبان الإقرار بأهمية الاستقرار داخل المجتمع اليمني فحسب، وإنما بتكثيف الجهود لخلق الظروف المثالية التي تساعد هذا الهدف، وأن هذا يقتضي من وجهة النظر السعودية أن يقتنع اليمنيون بأن الاستقرار هو صنو التنمية، وأن التنمية لا تتحقق إلا بتوافر عوامل الاستقرار الحقيقية، ولا شك أن الإيمان بمثل هذا المنظور التنموي يتطلب في نظر السعودية أن يتوارى عن الساحة السياسية في اليمن الذين ما زالوا يروجون «لثقافة المؤامرة»، وأن يحل محلهم العقلانيون والواقعيون وأن يدرك اليمنيون شعبا وحكومة أن مصلحتهم لا تتحقق إلا من خلال الإقرار بهذه الفلسفة.
إن الاعتراف بمثل هذه الحقائق كفيل بأن يضع القيادة اليمنية «أي قيادة» أمام مسؤولياتها، وأن يساعد على خلق الظروف الملائمة لإشاعة الفكر الهادئ ورفض الممارسات العقيمة التي كانت تتسبب دائما في تسميم العلاقات السعودية اليمنية.
إن العمل على تحقيق هذا الهدف الذي سعى إليه الرئيس المنتخب هادي لا يعتبر مصلحة مشتركة بين السعودية واليمن فحسب، ولكنه الشرط الضروري لإعادة الحرارة إلى العلاقات بين البلدين.
حرب الشرعية.. من سياسة النفس الطويل إلى مواجهة المؤامرة
الملك سلمان اتخذ القرار التاريخي لمنع فرض واقع جديد لطمس هوية اليمن وتمزيق وحدته
سيارة محترقة بعد مواجهات بين المقاومة الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي والحوثيين في عدن أمس (غيتي)
حرب الشرعية.. من سياسة النفس الطويل إلى مواجهة المؤامرة
سيارة محترقة بعد مواجهات بين المقاومة الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي والحوثيين في عدن أمس (غيتي)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
