«شهر 10»، مسلسل تعرضه فضائيات عدة، بينها «إم بي سي 4» وتطبيق «شاهد». تضع الدراما إصبعها على قضية بالغة الأهمية يرفع أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام شعارها، ويشجّع على تحطيم الخوف الملتفّ حولها: سرطان الثدي. تلتقي المقاربة العلمية بتخبّطات الحياة، حيث الطلاق والغيرة والشكوك والعلاقات العائمة على شبر ماء؛ فيحمل العمل، بضمير، آهات الموجوعين ويساعدهم على التخطّي.
تحفّز المشاهدة على الوعي لضرورة إجراء الصورة الشعاعية السنوية، لا سيما لمن يتجاوزن الأربعين. فالمسلسل يتفادى الوقوع في الوعظ أو التنظير، ويتيح الخروج بإفادة اجتماعية ومعلومة طبية، مع تصحيح المفاهيم الخاطئة، من دون التسبب بضجر الناس وتحميل المتعبين من يومياتهم الطويلة أعباء إضافية. يتنبّه إلى عدم الاستخفاف بالمرض بذريعة تحلّي المريضة بقوة استثنائية؛ وفي آن، يرفض اعتباره مسرحاً للموت والنهايات المأساوية. دائماً هناك هذا الجبار العصي على الهزيمة، الذي يسمّونه الأمل. فالمشكلة تسير في اتجاهها الصحيح: من العقدة إلى الحل، ومن الصدمة إلى ضبط الأعصاب. والأهم، من اسوداد الدنيا إلى التمسّك بألوان الحياة. «الخلطة» ما بين عالم العيادة والتحاليل؛ وبين المشاعر الإنسانية واختلاف السلوك وفق الظروف، تعبّد الطريق لدخول المسلسل إلى المنازل كضيف مُرحّب به، رغم قسوة الطرح (السرطان) وصعوبة تقبّله في الواقع وأمام الكاميرا.
الأبطال الرئيسيون: كاريس بشار بدور الطبيبة «رلى»، جان دكاش بدور الطبيب «نديم»، ورنين مطر بدور الطبيبة «هيلدا». ثلاثية الأطباء في عيادة بيروتية لإجراء الفحوص والكشف المبكر عن سرطان الثدي، فمساندة النساء بالدعم المعنوي وأحياناً التكفّل بعلاج غير القادرات مادياً.
تُضاف إلى الثلاثية الثابتة، فسحة الترفيه المكوّنة من لمى مرعشلي بدور المُساعِدة «دعاء» وعلي اتحاد بدور العامل في المطبخ «مصطفى». هما «رشّة» تمويه يتقصّد المسلسل «إهداءها» للمُشاهد، فلا يشعر بثقل المادة المطروحة ولا بعبء المعالجة. فـ«دعاء» و«مصطفى» بما يقدّمانه من فكاهة، امتداد لرسالة المسلسل القائمة على الأمل المتّكئ على الابتسامة البشرية المنبثقة من صميم الآلام، ومن الظلام وخربطة «ترتيب» الحياة. هناك فسحة للتنفيس والتمويه والضحكات. ودفء في أكثر الأيام برودة.
مع الأبطال الرئيسيين، يحضر ضيوف الحلقات في كونهم اختزالاً لحالات نفسية واجتماعية يعترضها السرطان فتضطر إلى مواجهته. مرة بالحسنى ومرة بالإكراه.
لكن دائماً، تنتصر خيارات الحياة على أشباح الموت. من خلال نجمات ونجوم من لبنان ومصر وسوريا، منهم أمل عرفة ورودريغ سليمان، أيتن عمران ومازن معضم، نهلا داود، نغم أبو شديد، أندريه ناكوزي... وضمن حلقات متصلة - منفصلة، يتطرّق المسلسل إلى الظروف النفسية والشخصية، العوارض، لحظة الحقيقة المفجعة، والقرار الذي لا مهرب منه: المواجهة حتى النهاية.
لا تشبه حالة أخرى، مع تعمُّد فتح نافذة على عالم المشاهير (درامياً) وإظهار كيفية تأثرهنّ بالصدمة وشعورهنّ لوهلة بتهاوي العالم على رؤوسهنّ. فمن صخب الأضواء والأجندة الممتلئة بالمواعيد، إلى عقود العمل والجماهير والوهم المُخادع عن سير الأيام «بطمأنينة» إلى الأبد؛ يُؤكد المسلسل، أنّ الصحة هي الأهم، وحين تهتزّ لن يبقى عرشٌ على حاله، وإن كان «محصّناً» بالثروة والشهرة. عندها، لا يعود الفارق جوهرياً بين مريضة تحت الضوء وأخرى لم يسمع بها أحد. كلتاهما أمام امتحان متوحّش تكاد صعوبته تكون واحدة.
المسلسل توعوي مهم، يذكّر بما لا ينبغي نسيانه: جميع النساء معرّضات. يا للهول، إنها الحقيقة المُرة! لا يكتفي العمل بالتذكير بها، وليس هذا هدفه الأسمى. بل يشجّع على التحرّك في أسرع وقت، ومباغتة المرض قبل التفشّي. تتفاوت بطلاته لجهة مراحل السرطان وتمكّنه من أجسادهنّ؛ ومع ذلك، تلتقين جميعاً على درب الشفاء.
واحدة من أهم الرسائل: لا تؤجّلي. وما يضاهيها أهمية: لا تُهملي. اجعلي من سلامتكِ أولوية، فالطب يتطوّر واحتمالات الانتصار على الخبيث مرتفعة بشرط التشخيص المبكر.
العمل من عشر حلقات، قصة سيناريو وحوار وليد زيدان (شاركت في الكتابة بتول ورد) وإخراج رندة علم الحريصة على التقاط الانفعالات من دون ميل الكاميرا إلى الإحباط والسوداوية. الإنتاج لشركة «روش» العالمية للأدوية، والتنفيذ لـ«2 souls production». لا يدّعي المسلسل ضخامة إنتاجية بقدر حرصه على تعديل نظرة النساء (والمجتمع) إلى المرض، بكونه ليس «نهاية الدنيا». لديه حرص آخر: تأكيد أهمية احتضان المريضة ومداراة حالتها النفسية. فالدعم المعنوي جانبٌ من العلاج، والثقة والتفهّم وتقبّل حكم القدر، إن اجتمعت مع الإرادة والدواء، تسهَّلت الطريق واخترق الضوء عتمة النفق.
تتشابك الحكايات المتعلقة بأجواء العيادة مع معاناة شخصية يتكبّدها الأطباء أنفسهم، ومع ذلك، يُظهرون للمريض ابتسامة عريضة. فكاريس بشار بدور الطبيبة المُعالجة، تأتي إلى عملها ومشاكلها العائلية في ذروتها: طليق انتهازي وأبناء يتأرجحون بين أنانيات الأب. كما الطبيبان «نديم» و«هيلدا»، وعلاقة الحب بينهما المشرّعة للريح، لكون الطبيبة الجميلة ملوّعة نفسيا من خيانة والدها لوالدتها، وثقتها معدومة بأي رجل نتيجة مشهديات نازفة تحملها من طفولتها. المسلسل إنساني. تحية نبيلة للمحاربات والمنتصرات والمتشبثات بالحياة.
«شهر 10» دراما للتوعية بسرطان الثدي ومحاولة شجاعة لتحطيم الخوف منه
https://aawsat.com/home/article/3274531/%C2%AB%D8%B4%D9%87%D8%B1-10%C2%BB-%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D9%84%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%B3%D8%B1%D8%B7%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%AF%D9%8A-%D9%88%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%B4%D8%AC%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%B7%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%88%D9%81-%D9%85%D9%86%D9%87
«شهر 10» دراما للتوعية بسرطان الثدي ومحاولة شجاعة لتحطيم الخوف منه
تحية لمحاربات المرض الخبيث والمتشبثات بالحياة
أبطال المسلسل على رأسهم كاريس بشار
- بيروت: فاطمة عبد الله
- بيروت: فاطمة عبد الله
«شهر 10» دراما للتوعية بسرطان الثدي ومحاولة شجاعة لتحطيم الخوف منه
أبطال المسلسل على رأسهم كاريس بشار
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

