تواصل العصيان المدني في الخرطوم لليوم الرابع... وحشد لـ {مليونية} غداً

وزراء حمدوك يحذّرون من العنف ولجان المقاومة تعدّ «مفاجأة» لقيادة الجيش

لا تزال الخرطوم في حالة شلل وإغلاق شبه كامل بفعل العصيان المدني (إ.ب.أ)
لا تزال الخرطوم في حالة شلل وإغلاق شبه كامل بفعل العصيان المدني (إ.ب.أ)
TT

تواصل العصيان المدني في الخرطوم لليوم الرابع... وحشد لـ {مليونية} غداً

لا تزال الخرطوم في حالة شلل وإغلاق شبه كامل بفعل العصيان المدني (إ.ب.أ)
لا تزال الخرطوم في حالة شلل وإغلاق شبه كامل بفعل العصيان المدني (إ.ب.أ)

يتأهب السودانيون لأكبر تجمع احتجاجي في تاريخ البلاد غداً (السبت)، يعلنون فيه رفضهم الانقلاب العسكري الذي نفذته قيادة الجيش السوداني ضد الحكومة الشرعية برئاسة رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك. وفي غضون ذلك، تزايدت عمليات العنف المفرط الذي تمارسه القوات العسكرية ضد المحتجين السلميين؛ ما أدى إلى إزهاق العديد من الأرواح وجرح وإصابة أعداد كبيرة من الجرحى، في حين يتواصل احتجاز كبار المسؤولين والوزراء والزعماء السياسيين.
وأعلنت لجان مقاومة شعبية، وقوى سياسية ومدنية وشبابية، عن تنظيم موكب مليوني يوم غدٍ، يجري التحشيد والاستعداد له باحتجاجات ليلية في الأحياء والمدن، وإغلاق الطرقات بالمتاريس وإطارات السيارات المشتعلة، بالتزامن مع عصيان مدني تقارب نسبته مائة في المائة، وذلك منذ إعلان الرئيس السابق لمجلس السيادة الانتقالي، وقائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، حلّ مجلس السيادة ومجلس الوزراء وحكام الولايات ووكلاء الوزارات وأعلن حالة الطوارئ.
ويتزايد الغضب الشعبي في البلاد باطراد جراء الوحشية التي تتعامل بها القوات العسكرية بمختلف صنوفها مع المحتجين السلميين، والتي نتج منها مقتل 10 من المحتجين ومئات الجرحى، بحسب مدير الطب الشرعي هشام فقيري في إفادة لوكالة الصحافة الفرنسية. وقال فقيري «الاثنين الماضي وصلت المشارح 7 جثث لمتظاهرين، وجثة لجندي من قوات الدعم السريع»، وتابع «في الأيام التالية وصل عدد من الجثث - لم يحدده - بسبب أحداث العنف، وتبدو عليها آثار الضرب بآلات حادة».
من جهة أخرى، قال وزراء تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير في حكومة عبد الله حمدوك، أمس، إنهم يرفضون بشكل تام وقاطع الانقلاب العسكري، ولا يعترفون بأي نتائج قد تترتب عليه. ودعا كل من وزراء الخارجية مريم الصادق المهدي، والري ياسر عباس، والصحة عمر النجيب، والعمل تيسير النوراني، والنقل ميرغني موسى، الهادي محمد إبراهيم في بيان مشترك، قيادة الجيش إلى إلغاء كل الإجراءات غير الدستورية المعادية للتحول الديمقراطي فوراً، وإطلاق سراح رئيس الوزراء ليعود لممارسة مهامه الوطنية والدستورية، وإطلاق سراح كل المسؤولين الدستوريين والوزراء والسياسيين وجميع المعتقلين السياسيين فوراً.

- استعادة الشرعية
وحثّ البيان جماهير الشعب على مواصلة التظاهر والعصيان المدني، حتى إسقاط الانقلاب العسكري واستعادة الشرعية الدستورية، ودعا العاملين في الجهاز التنفيذي والمؤسسات العامة والقطاع الخاص للمشاركة في العصيان المدني. وطلب الوزراء في بيانهم ممن أطلقوا عليهم «أبناء وبنات شعبنا في القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى»، الحفاظ على سلامة المواطنين، والامتناع عن استخدام العنف ضدهم وإطلاق النار عليهم؛ لمنعهم من التعبير عن مواقفهم من الانقلاب العسكري.
وقال شباب لجان المقاومة، إنهم يعدون مفاجأة لقادة الجيش الذين انقلبوا على السلطة، وقال محمد سليمان معاوية، من قادة ما يطلق عليها «الثورة السودانية»، لـ«الشرق الأوسط»، إن الاستعدادات والحماس الفائق بين جماهير الشعب هي سيدة الموقف. وأوضح أن إيقاف «خدمة الإنترنت» لن يؤثر على الأعداد للمواكب المليونية التي ستهز أركان الانقلاب، مضيفاً «درجوا على إزالة المتاريس بشكل عنيف، لكن لجان المقاومة يعيدونها لمكانها، الشعب والبيوت ستكون كلها في الشارع يوم 30 أكتوبر»، مؤكداً أن الاحتجاجات ستستمر حتى إسقاط حكومة العسكر وعودة الديمقراطية. وتابع «كل الشعب يقف خلف رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ليرد الصاع صاعين».
وواجه الجيش السوداني، أمس، معارضة متزايدة في الشوارع، وتعهد مسؤولو أجهزة الدولة في الخرطوم بتمسكهم بالعصيان المدني، في حين سعى ناشطون إلى حشد الجماهير لمظاهرات. وكان الانقلاب الذي قاده الفريق عبد الفتاح البرهان يوم الاثنين على الحكومة المدنية قد دفع الآلاف للخروج إلى الشوارع رافضين عودة الحكم العسكري ومطالبين بعودة ترتيبات الانتقال إلى الحكم المدني إلى مسارها. وفي بيان نُشر على «فيسبوك» الليلة الماضية، قالت وزارات وأجهزة رسمية في ولاية الخرطوم، أكثر ولايات البلاد ازدحاماً بالسكان والتي تضم العاصمة ومدينة أم درمان المتاخمة لها، إنها لن تتنحى أو تسلم سلطاتها.
وأعلنت هذه الهيئات الإضراب العام رغم أنها ستواصل توفير الطحين (الدقيق) وغاز الطهي والرعاية الطبية للحالات الطارئة. وظلت السوق الرئيسية والبنوك محطات الوقود في الخرطوم مغلقة لليوم الثالث أمس (الخميس)، بينما كانت المستشفيات تقدم خدمات الطوارئ فقط. وفتحت متاجر صغيرة أبوابها، لكن طوابير طويلة تشكلت للحصول على الخبز.
سقط عدد من القتلى في اشتباكات مع قوات الأمن منذ وقوع الانقلاب، ويخشى معارضون أن تستخدم السلطات بقيادة الجيش المزيد من القوة. وقال المصدر المقرب من حمدوك، إن رئيس الوزراء دعا الجيش إلى تحاشي العنف ضد المحتجين. ويوزع معارضو الانقلاب منشورات تدعو إلى المسيرة المليونية غداً، معتمدين على وسائل قديمة للحشد الشعبي بعد أن قلصت السلطات استخدام الإنترنت والهواتف. وتجري الدعوة للمسيرة تحت شعار «ارحل»، وهو الشعار الذي استخدم في الاحتجاجات التي أطاحت بالبشير في أبريل (نيسان) 2019.
ويشهد السودان أزمة اقتصادية عميقة بلغ فيها التضخم مستويات قياسية وشهدت نقصاً في السلع الأساسية، لكن الفترة الأخيرة قد شهدت بعض علامات التحسن التي ساهمت فيها مساعدات قال كبار المانحين الغربيين، إنها ستتوقف ما لم يتم العدول عن الانقلاب. وتقول الأمم المتحدة، إن أكثر من نصف السكان يعيشون في فقر وبلغ معدل سوء التغذية بين الأطفال 38 في المائة. ونظام الرعاية الصحية في البلاد في حالة انهيار.

- هيمنة الجيش
وقد وضع الانقلاب العسكري حداً لفترة انتقالية هشة، كان الهدف منها أن ينتقل السودان إلى انتخابات في 2023 من خلال اقتسام السلطة بين المدنيين والعسكريين في أعقاب سقوط البشير. وأكد تحرك البرهان الدور المهيمن الذي يلعبه الجيش في السودان منذ الاستقلال عام 1956، وذلك بعد أسابيع من التوتر المتصاعد بين العسكريين والمدنيين في الحكومة الانتقالية بسبب قضايا منها ما إذا كان سيتم تسليم البشير وآخرين إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي لمواجهة اتهامات بارتكاب جرائم حرب ابان فترة حكمه التي امتدت 30 عاماً.
وقال البرهان، إنه تحرك لمنع انزلاق البلاد إلى حرب أهلية، ووعد بإجراء انتخابات في يوليو (تموز) 2023. وقال ناشطون، إن الجيش السوداني - في تجاهل للضغوط التي تبذلها العديد من الجهات - شنّ موجة جديدة من الاعتقالات شملت معارضين للإجراءات التي أعلنها قائد القوات المسلحة عبد الفتاح البرهان، الاثنين الماضي، والتي اعتبرها الكثيرون دخل السودان وخارج انقلاباً عسكرياً على الديموقراطية والتحول إلى الحكم المدني.
وتتواصل احتجاجات في مدن أخرى في أنحاء السودان المختلفة منذ تولي الجيش السلطة، شملت أيضاً ضرابات وعصياناً مدنياً من جانب المواطنين الرافضين لانقلاب العسكري. ونقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن محمد يوسف، العضو في تجمع المهنيين السودانيين، القول، إنه جرى اعتقال أكثر من 40 ناشطاً وصحافياً ومسؤولاً حكومياً كل يوم منذ الاثنين الماضي، بعضهم خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية. وقال، إن أي شخص سبق أن تحدث عن الجيش على «فيسبوك» أو «تويتر» أو التلفزيون أصبح «مستهدفاً».
وعلّق الاتحاد الأفريقي، أول من أمس، عضوية السودان، في خطوة عادة ما يتخذها بعد حدوث انقلابات في أي من الدول الأعضاء، في حين تتصاعد الضغوط الدولية من أجل عودة المدنيين إلى السلطة. وكان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان قال، بشأن من جرى اعتقالهم خلال الأيام الماضية، إنه سيتم تصنيفهم وأن من توجد عليه تهمة جنائية سيتم تقديمه للعدالة.
وأعاد المتظاهرون، أمس، نشر العوائق في الطرق لقطعها، ولا تزال شوارع العاصمة السودانية تشهد انتشاراً أمنياً مكثفاً للجيش وقوات الدعم السريع. وتعمل القوى الأمنية إلى إزالة المتاريس والعوائق التي أقامها المحتجون لإغلاق الطرق. لكن المتظاهرين يعيدونها عقب مغادرة قوات الأمن. وقال حاتم أحمد، البالغ من العمر 26 عاماً، لوكالة الصحافة الفرنسية، في منطقة بحري شرق الخرطوم «منذ نهار الأربعاء، تحاول القوات الأمنية إزالة المتاريس التي وضعناها في الطرق وتقوم بإطلاق الغاز المسيل والطلقات المطاطية. ولكن بعد مغادرة الأمن، نعيد البناء مرة أخرى ولن نزيلها إلا بعودة الحكومة المدنية».



أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
TT

أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)

في حي شعبي شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يقف محمد، ذو الأحد عشر عاماً، أمام «فرشة» صغيرة لبيع الألعاب، يراقب أترابه وهم يختارون ما يريدون بفرح، بينما اكتفى هو بالنظر بصمت قبل أن يغادر ممسكاً بيد شقيقه الأصغر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أشتري سيارة لعبة وأن ألبس ملابس جديدة للعيد، لكنَّ أبي قال إن الوضع صعب، وربما يشتريها لي في السنة المقبلة».

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو فرحة العيد في صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باهتة لدى كثير من الأطفال الذين أثقلت الحرب كاهل أسرهم، وحوَّلت أحلامهم البسيطة إلى أمنيات مؤجلة. فالظروف المعيشية والاقتصادية المتدهورة، وارتفاع الأسعار، وغياب الرواتب، وندرة فرص العمل، دفعت آلاف العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الغذاء، فيما أصبحت ملابس العيد والألعاب رفاهية بعيدة المنال.

وأجرت «الشرق الأوسط» جولة في بعض شوارع وأسواق صنعاء، ورصدت مشاهد تختصر حجم المعاناة والحرمان اللذين يعيشهما مئات الأطفال، في ظل ازدياد معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرةً على احتياجات الصغار الأساسية.

في سوق «السنينة» بمديرية معين وسط المدينة، كانت الطفلة ريم (9 أعوام) تساعد والدتها على بيع بعض الحلويات المنزلية، بينما تراقب فساتين العيد المعلقة على واجهات المحلات.

الأطفال في اليمن يتحملون المشقة لمساعدة عائلاتهم (الشرق الأوسط)

وتقول الطفلة: «أتمنى أن ألبس فستاناً وردياً وأن أخرج للعب مع البنات، لكنَّ أمي تعجز دائماً عن توفير ذلك».

وفي حي الحصبة شمال صنعاء، يجلس الطفل سليم إلى جوار والده داخل «فرشة» صغيرة لبيع الخضراوات، وهو يعبث بطائرة ورقية صنعها بنفسه.

ويقول: «أحلم بأن أكون مهندساً وأن أبني متجراً كبيراً لأبي، وأساعده يومياً في البيع والشراء حتى يستطيع تأمين كل احتياجاتي من الملابس والألعاب وغيرها».

ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأطفال في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين يتمسكون بأحلامهم الصغيرة، ويحاولون صناعة فرحتهم بوسائل بسيطة. ففي بعض الحارات الشعبية، يجتمع الصغار للعب بالكرات الورقية أو الألعاب القديمة، بينما تحاول أسر الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، عبر تقديم مبالغ رمزية للأطفال أو إعداد وجبات منزلية متواضعة.

آثار نفسية ومعيشية

تؤكد تقارير إنسانية أن الأطفال في اليمن هم الأكثر تضرراً من الأزمة الممتدة، حيث يعاني كثير منهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب والفقر الناتجين عن الانقلاب الحوثي.

ويرى مختصون اجتماعيون أن الأعياد في اليمن فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها التقليدية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انعكست الأزمة الاقتصادية والحرب المستمرة على حياة الأسر، خصوصاً الأطفال.

طفلة يمنية تراجع دروسها برفقة ميزان في أحد شوارع صنعاء (إكس)

ويؤكد هؤلاء أن كثيراً من الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين باتوا يواجهون واقعاً قاسياً حرمهم من أبسط مظاهر الفرح المرتبطة بالعيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج إلى الحدائق وشراء الألعاب.

وحسب التقارير الدولية، فإن استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن تركا آثاراً نفسية ومعيشية عميقة على الأطفال، الذين كبر كثير منهم قبل أوانهم، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والخوف وعدم الاستقرار.

تحذيرات أممية

في موازاة ذلك، يشير الطفل أيهم (15 عاماً)، الذي يقطن مع عائلته في حي القاع بصنعاء، إلى أن الأطفال باتوا أكثر وعياً بالظروف القاسية التي تمر بها أسرهم، الأمر الذي يدفعهم إلى كتمان رغباتهم أو تأجيل أحلامهم الصغيرة مراعاةً لأوضاع آبائهم.

ويضيف: «أمنيتي الوحيدة أن يأتي يوم أحتفل فيه مع أسرتي بعيد بلا حرب، وبأحلام لا تؤجلها الحاجة».

ويتزامن ذلك مع تحذير برنامج الغذاء العالمي من استمرار الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الثانية في اليمن، مع تسجيل مستويات أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

يمنيون في صنعاء يبتكرون ألعاباً لأطفالهم خلال أيام العيد (الشرق الأوسط)

وأوضح البرنامج الأممي أن بيانات الرصد من بُعد تشير إلى أن الفقر الغذائي الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً لا يزال عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، رغم تسجيل تحسن طفيف في مارس (آذار) الماضي.

وحسب التقرير، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ الخطورة، إذ يُقدَّر أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب توقعات بتعرض نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة لسوء التغذية خلال العام الجاري.

Your Premium trial has ended


ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
TT

ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)

أكدت بيانات أممية حديثة أن واحداً من كل شخصين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية يعاني من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل استمرار التدهور الاقتصادي وتراجع المساعدات الإنسانية واتساع آثار الصراع؛ الأمر الذي جعل ملايين السكان غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية.

ووفق تقرير أممي حديث بشأن مستويات الأمن الغذائي، فإن نحو 5 ملايين يمني يعيشون حالياً في «المرحلة الثالثة أو ما فوقها» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، وهي مرحلة «الأزمة» أو «ما هو أسوأ»، حتى الشهر الحالي.

«حالة الطوارئ»

وأظهرت البيانات أن نحو 1.4 مليون يمني دخلوا المرحلة الرابعة؛ «حالة الطوارئ»، في مؤشر على اتساع فجوات استهلاك الغذاء، واضطرار كثير من الأسر إلى اتباع استراتيجيات تكيف قاسية، مثل بيع الممتلكات أو المواشي أو اللجوء إلى التسول، للبقاء على قيد الحياة.

وأشار التقرير إلى أنه لولا المساعدات الإنسانية المحدودة التي قُدمت لنحو 1.7 مليون شخص خلال الفترة الماضية، لكانت مستويات انعدام الأمن الغذائي أشد سوءاً، موضحاً أن 47 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، البالغ عددهم 10.5 مليون نسمة، يعانون من «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي».

انخفاض حاد في المساعدات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية (الأمم المتحدة)

وعلى الرغم من حدة الأزمة، فإن التقرير تحدث عن تحسن موسمي طفيف في توافر الغذاء وإمكانية الحصول عليه مقارنة بالفترة السابقة، التي بلغ فيها عدد السكان في «المرحلة الرابعة» نحو 1.6 مليون يمني.

وعزا التقرير هذا التحسن المحدود إلى زيادة الإنتاج الزراعي والرعوي المحلي اليمني، وتوسع نطاق المساعدات الإنسانية، إضافة إلى ارتفاع الدعم المجتمعي عبر الزكاة والصدقات خلال الفترة الأخيرة، رغم تأكيده أن هذه العوامل لا تزال غير كافية لمعالجة الفجوات الغذائية المتصاعدة.

وأكدت البيانات أن نحو 60 في المائة من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة مصدراً رئيسياً للعيش، في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى ما بين 25 و30 في المائة من الاحتياجات الغذائية الوطنية؛ مما يجعل اليمن أكبر عرضة لتقلبات أسعار الغذاء العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالصراع الإقليمي.

وصنف التقرير جميع المحافظات اليمنية الـ12 الخاضعة لسيطرة الحكومة ضمن «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، في مؤشر على اتساع مواطن الضعف الهيكلية وتراجع قدرة الأسر على امتصاص الصدمات الاقتصادية والمعيشية.

وأوضح أن النازحين اليمنيين داخلياً والفئات المهمشة والأسر الأشد فقراً هم الأكبر تضرراً من ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل وانخفاض حجم المساعدات الإنسانية.

مخاوف من تفاقم الأزمة

نبهت الأمم المتحدة إلى أن أي تصعيد إضافي في النزاع أو استمرار خفض التمويل الإنساني في اليمن سيؤدي إلى اتساع الفجوات الغذائية وتسارع لجوء السكان إلى آليات تكيف أكبر هشاشة خلال الأشهر المقبلة.

وتوقعت البيانات أن يتدهور الوضع الغذائي سريعاً خلال موسم الجفاف الممتد من يونيو (حزيران) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، مع ارتفاع عدد السكان في «المرحلة الثالثة أو أعلى» إلى 5.4 مليون شخص، يمثلون 51 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، بينهم 1.6 مليون شخص في «المرحلة الرابعة».

1.8 مليون يمني وصلوا إلى «المرحلة الرابعة» من انعدام الأمن الغذائي (الأمم المتحدة)

وتمثل هذه الأرقام زيادة بنحو 400 ألف شخص مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع تحذيرات بأن النقص الحاد في التمويل سيؤدي إلى تقليص برامج الأمن الغذائي في اليمن لتشمل نحو 1.2 مليون شخص فقط، بثلث الحصة الغذائية القياسية.

وأشار التقرير إلى أن الصدمات المناخية، بما فيها الفيضانات المفاجئة، وتأخر مواسم الزراعة، وانتشار الآفات الزراعية، وارتفاع تكاليف المدخلات، ستؤدي إلى مزيد من تراجع الإنتاج الزراعي وانخفاض دخول الأسر اليمنية.

تراجع القدرة الشرائية

أكد التقرير الأممي أن استمرار عدم انتظام صرف الرواتب، وشح فرص العمل، يواصلان تقويض القدرة الشرائية للأسر اليمنية، في وقت يسهم فيه نقص السيولة المحلية والقيود المصرفية في زيادة صعوبة الحصول على الغذاء، خصوصاً للأسر المعتمدة على التحويلات المالية.

كما أشار إلى أن التوترات المرتبطة بـ«البنك المركزي»، وقيود السحب النقدي، وعدم الاستقرار المالي، تعرقل أنشطة التجار وتفاقم الضغوط الاقتصادية على السكان.

واحد من كل شخصين يمنيين يعاني من «انعدام الأمن الغذائي الحاد» (الأمم المتحدة)

وأوضح التقرير أن المساعدات الغذائية الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية شهدت انخفاضاً حاداً منذ مطلع العام الحالي؛ نتيجة تخفيضات التمويل، حيث من المقرر أن يحصل 1.7 مليون شخص فقط على الدعم بمستويات متفاوتة من التغطية الغذائية.

وأكد أن محدودية التغطية، وانخفاض قيمة التحويلات، وتراجع وتيرة توزيع المساعدات، تؤدي إلى اتساع فجوات استهلاك الغذاء لدى الأسر المعتمدة على هذا الدعم.

وتوقع التقرير أن تتفاقم الأزمة خلال الربع الأخير من العام الحالي، مع ارتفاع عدد السكان المصنفين في «المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)» إلى نحو 1.8 مليون شخص، بزيادة تبلغ نحو 150 ألف شخص مقارنة بالمستويات الحالية.

وأشارت البيانات الأممية إلى أن هذا التدهور المتوقع في اليمن يعكس الاعتماد الكبير للسكان على المساعدات الإنسانية الخارجية لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، إلى جانب هشاشة سبل العيش والاقتصاد المحلي.


ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر التعاون الإسرائيلي مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ بدء الاعتراف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى رفض إعلان اعتزام الإقليم فتح سفارة له في القدس المحتلة.

وبحسب خبراء ومحللين، فإن ذلك الرفض العربي يحمل رسالة تحذيرية لأرض الصومال وإسرائيل، وستمتد حدوده من الإدانات والتحركات الدبلوماسية إلى إصدار قرارات بمساعدة واسعة لمقديشو لمنع أي تمدد لإسرائيل في المنطقة وإمكانية مقاطعة الإقليم.

وعمقت إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وأدانت السعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا وجيبوتي والصومال وفلسطين وسلطنة عمان والسودان واليمن ولبنان وموريتانيا إعلان الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس المحتلة، قبل أيام.

وأكد وزراء خارجية تلك الدول في بيان مشترك، الأحد، إدانة تلك الخطوة بأشد العبارات، ووصفوها بأنها غير قانونية ومرفوضة، وعدَّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومساساً مباشراً بالوضعين القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة».

وأعرب الوزراء عن رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة أو منح شرعية لأي كيانات أو ترتيبات تخالف قواعد القانون الدولي، مؤكدين دعمهم الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف أحمد الشرقاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البيان المشترك خطوة إيجابية فيما يتصل بوقف اعتداءات الإقليم الانفصالي على سيادة الصومال وحقوق القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه رسالة مباشرة أيضاً لأرض الصومال وإسرائيل بأن أي خطوات ستكون محل رفض عربي وإسلامي وتحذيرية لأي جهة أخرى يمكن أن تكرر مسار الإقليم الانفصالي.

بدوره، يرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية» مختار غباشي أن المواقف الدبلوماسية العربية تتواصل بهدف رفض أي وجود إسرائيلي في منطقة البحر الأحمر أو خلق قاعدة باعتبار ذلك تهديداً لأمن الدول العربية.

وأدان الصومال، الأربعاء الماضي، ذلك الإعلان أيضاً، معتبراً الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي».

كما سبق وحذرت الجامعة العربية في بيان من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وكانت دول عربية وأفريقية قد أدانت في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

ورغم ذلك، لا يتوقع الشرقاوي أن تصل حدود الرفض إلى دعم الصدام بين مقديشو والإقليم الانفصالي، مشدداً على ضرورة أن تتضمن المرحلة المقبلة قرارات أشد حسماً بمساندة الحكومة الصومالية وتقوية بسط سيطرتها على أراضيها، وكذلك مقاطعة الإقليم الانفصالي.

وشدد الشرقاوي على أهمية تعاظم الدور العربي والإسلامي لمنع أي وجود إسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر لما له من أضرار كبيرة على استقرار المنطقة.

في المقابل، لا يستبعد غباشي، أن يتم دعم مقديشو بشكل واسع على كل المستويات «لمنع أي تهديد لسيادتها وسيادة الدولة العربية، ولو وصل الأمر لدعم صدام مباشر بين الصومال والإقليم الانفصالي، لمنع التمدد الإسرائيلي»، على حد قوله.