تواصل العصيان المدني في الخرطوم لليوم الرابع... وحشد لـ {مليونية} غداً

وزراء حمدوك يحذّرون من العنف ولجان المقاومة تعدّ «مفاجأة» لقيادة الجيش

لا تزال الخرطوم في حالة شلل وإغلاق شبه كامل بفعل العصيان المدني (إ.ب.أ)
لا تزال الخرطوم في حالة شلل وإغلاق شبه كامل بفعل العصيان المدني (إ.ب.أ)
TT

تواصل العصيان المدني في الخرطوم لليوم الرابع... وحشد لـ {مليونية} غداً

لا تزال الخرطوم في حالة شلل وإغلاق شبه كامل بفعل العصيان المدني (إ.ب.أ)
لا تزال الخرطوم في حالة شلل وإغلاق شبه كامل بفعل العصيان المدني (إ.ب.أ)

يتأهب السودانيون لأكبر تجمع احتجاجي في تاريخ البلاد غداً (السبت)، يعلنون فيه رفضهم الانقلاب العسكري الذي نفذته قيادة الجيش السوداني ضد الحكومة الشرعية برئاسة رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك. وفي غضون ذلك، تزايدت عمليات العنف المفرط الذي تمارسه القوات العسكرية ضد المحتجين السلميين؛ ما أدى إلى إزهاق العديد من الأرواح وجرح وإصابة أعداد كبيرة من الجرحى، في حين يتواصل احتجاز كبار المسؤولين والوزراء والزعماء السياسيين.
وأعلنت لجان مقاومة شعبية، وقوى سياسية ومدنية وشبابية، عن تنظيم موكب مليوني يوم غدٍ، يجري التحشيد والاستعداد له باحتجاجات ليلية في الأحياء والمدن، وإغلاق الطرقات بالمتاريس وإطارات السيارات المشتعلة، بالتزامن مع عصيان مدني تقارب نسبته مائة في المائة، وذلك منذ إعلان الرئيس السابق لمجلس السيادة الانتقالي، وقائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، حلّ مجلس السيادة ومجلس الوزراء وحكام الولايات ووكلاء الوزارات وأعلن حالة الطوارئ.
ويتزايد الغضب الشعبي في البلاد باطراد جراء الوحشية التي تتعامل بها القوات العسكرية بمختلف صنوفها مع المحتجين السلميين، والتي نتج منها مقتل 10 من المحتجين ومئات الجرحى، بحسب مدير الطب الشرعي هشام فقيري في إفادة لوكالة الصحافة الفرنسية. وقال فقيري «الاثنين الماضي وصلت المشارح 7 جثث لمتظاهرين، وجثة لجندي من قوات الدعم السريع»، وتابع «في الأيام التالية وصل عدد من الجثث - لم يحدده - بسبب أحداث العنف، وتبدو عليها آثار الضرب بآلات حادة».
من جهة أخرى، قال وزراء تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير في حكومة عبد الله حمدوك، أمس، إنهم يرفضون بشكل تام وقاطع الانقلاب العسكري، ولا يعترفون بأي نتائج قد تترتب عليه. ودعا كل من وزراء الخارجية مريم الصادق المهدي، والري ياسر عباس، والصحة عمر النجيب، والعمل تيسير النوراني، والنقل ميرغني موسى، الهادي محمد إبراهيم في بيان مشترك، قيادة الجيش إلى إلغاء كل الإجراءات غير الدستورية المعادية للتحول الديمقراطي فوراً، وإطلاق سراح رئيس الوزراء ليعود لممارسة مهامه الوطنية والدستورية، وإطلاق سراح كل المسؤولين الدستوريين والوزراء والسياسيين وجميع المعتقلين السياسيين فوراً.

- استعادة الشرعية
وحثّ البيان جماهير الشعب على مواصلة التظاهر والعصيان المدني، حتى إسقاط الانقلاب العسكري واستعادة الشرعية الدستورية، ودعا العاملين في الجهاز التنفيذي والمؤسسات العامة والقطاع الخاص للمشاركة في العصيان المدني. وطلب الوزراء في بيانهم ممن أطلقوا عليهم «أبناء وبنات شعبنا في القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى»، الحفاظ على سلامة المواطنين، والامتناع عن استخدام العنف ضدهم وإطلاق النار عليهم؛ لمنعهم من التعبير عن مواقفهم من الانقلاب العسكري.
وقال شباب لجان المقاومة، إنهم يعدون مفاجأة لقادة الجيش الذين انقلبوا على السلطة، وقال محمد سليمان معاوية، من قادة ما يطلق عليها «الثورة السودانية»، لـ«الشرق الأوسط»، إن الاستعدادات والحماس الفائق بين جماهير الشعب هي سيدة الموقف. وأوضح أن إيقاف «خدمة الإنترنت» لن يؤثر على الأعداد للمواكب المليونية التي ستهز أركان الانقلاب، مضيفاً «درجوا على إزالة المتاريس بشكل عنيف، لكن لجان المقاومة يعيدونها لمكانها، الشعب والبيوت ستكون كلها في الشارع يوم 30 أكتوبر»، مؤكداً أن الاحتجاجات ستستمر حتى إسقاط حكومة العسكر وعودة الديمقراطية. وتابع «كل الشعب يقف خلف رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ليرد الصاع صاعين».
وواجه الجيش السوداني، أمس، معارضة متزايدة في الشوارع، وتعهد مسؤولو أجهزة الدولة في الخرطوم بتمسكهم بالعصيان المدني، في حين سعى ناشطون إلى حشد الجماهير لمظاهرات. وكان الانقلاب الذي قاده الفريق عبد الفتاح البرهان يوم الاثنين على الحكومة المدنية قد دفع الآلاف للخروج إلى الشوارع رافضين عودة الحكم العسكري ومطالبين بعودة ترتيبات الانتقال إلى الحكم المدني إلى مسارها. وفي بيان نُشر على «فيسبوك» الليلة الماضية، قالت وزارات وأجهزة رسمية في ولاية الخرطوم، أكثر ولايات البلاد ازدحاماً بالسكان والتي تضم العاصمة ومدينة أم درمان المتاخمة لها، إنها لن تتنحى أو تسلم سلطاتها.
وأعلنت هذه الهيئات الإضراب العام رغم أنها ستواصل توفير الطحين (الدقيق) وغاز الطهي والرعاية الطبية للحالات الطارئة. وظلت السوق الرئيسية والبنوك محطات الوقود في الخرطوم مغلقة لليوم الثالث أمس (الخميس)، بينما كانت المستشفيات تقدم خدمات الطوارئ فقط. وفتحت متاجر صغيرة أبوابها، لكن طوابير طويلة تشكلت للحصول على الخبز.
سقط عدد من القتلى في اشتباكات مع قوات الأمن منذ وقوع الانقلاب، ويخشى معارضون أن تستخدم السلطات بقيادة الجيش المزيد من القوة. وقال المصدر المقرب من حمدوك، إن رئيس الوزراء دعا الجيش إلى تحاشي العنف ضد المحتجين. ويوزع معارضو الانقلاب منشورات تدعو إلى المسيرة المليونية غداً، معتمدين على وسائل قديمة للحشد الشعبي بعد أن قلصت السلطات استخدام الإنترنت والهواتف. وتجري الدعوة للمسيرة تحت شعار «ارحل»، وهو الشعار الذي استخدم في الاحتجاجات التي أطاحت بالبشير في أبريل (نيسان) 2019.
ويشهد السودان أزمة اقتصادية عميقة بلغ فيها التضخم مستويات قياسية وشهدت نقصاً في السلع الأساسية، لكن الفترة الأخيرة قد شهدت بعض علامات التحسن التي ساهمت فيها مساعدات قال كبار المانحين الغربيين، إنها ستتوقف ما لم يتم العدول عن الانقلاب. وتقول الأمم المتحدة، إن أكثر من نصف السكان يعيشون في فقر وبلغ معدل سوء التغذية بين الأطفال 38 في المائة. ونظام الرعاية الصحية في البلاد في حالة انهيار.

- هيمنة الجيش
وقد وضع الانقلاب العسكري حداً لفترة انتقالية هشة، كان الهدف منها أن ينتقل السودان إلى انتخابات في 2023 من خلال اقتسام السلطة بين المدنيين والعسكريين في أعقاب سقوط البشير. وأكد تحرك البرهان الدور المهيمن الذي يلعبه الجيش في السودان منذ الاستقلال عام 1956، وذلك بعد أسابيع من التوتر المتصاعد بين العسكريين والمدنيين في الحكومة الانتقالية بسبب قضايا منها ما إذا كان سيتم تسليم البشير وآخرين إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي لمواجهة اتهامات بارتكاب جرائم حرب ابان فترة حكمه التي امتدت 30 عاماً.
وقال البرهان، إنه تحرك لمنع انزلاق البلاد إلى حرب أهلية، ووعد بإجراء انتخابات في يوليو (تموز) 2023. وقال ناشطون، إن الجيش السوداني - في تجاهل للضغوط التي تبذلها العديد من الجهات - شنّ موجة جديدة من الاعتقالات شملت معارضين للإجراءات التي أعلنها قائد القوات المسلحة عبد الفتاح البرهان، الاثنين الماضي، والتي اعتبرها الكثيرون دخل السودان وخارج انقلاباً عسكرياً على الديموقراطية والتحول إلى الحكم المدني.
وتتواصل احتجاجات في مدن أخرى في أنحاء السودان المختلفة منذ تولي الجيش السلطة، شملت أيضاً ضرابات وعصياناً مدنياً من جانب المواطنين الرافضين لانقلاب العسكري. ونقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن محمد يوسف، العضو في تجمع المهنيين السودانيين، القول، إنه جرى اعتقال أكثر من 40 ناشطاً وصحافياً ومسؤولاً حكومياً كل يوم منذ الاثنين الماضي، بعضهم خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية. وقال، إن أي شخص سبق أن تحدث عن الجيش على «فيسبوك» أو «تويتر» أو التلفزيون أصبح «مستهدفاً».
وعلّق الاتحاد الأفريقي، أول من أمس، عضوية السودان، في خطوة عادة ما يتخذها بعد حدوث انقلابات في أي من الدول الأعضاء، في حين تتصاعد الضغوط الدولية من أجل عودة المدنيين إلى السلطة. وكان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان قال، بشأن من جرى اعتقالهم خلال الأيام الماضية، إنه سيتم تصنيفهم وأن من توجد عليه تهمة جنائية سيتم تقديمه للعدالة.
وأعاد المتظاهرون، أمس، نشر العوائق في الطرق لقطعها، ولا تزال شوارع العاصمة السودانية تشهد انتشاراً أمنياً مكثفاً للجيش وقوات الدعم السريع. وتعمل القوى الأمنية إلى إزالة المتاريس والعوائق التي أقامها المحتجون لإغلاق الطرق. لكن المتظاهرين يعيدونها عقب مغادرة قوات الأمن. وقال حاتم أحمد، البالغ من العمر 26 عاماً، لوكالة الصحافة الفرنسية، في منطقة بحري شرق الخرطوم «منذ نهار الأربعاء، تحاول القوات الأمنية إزالة المتاريس التي وضعناها في الطرق وتقوم بإطلاق الغاز المسيل والطلقات المطاطية. ولكن بعد مغادرة الأمن، نعيد البناء مرة أخرى ولن نزيلها إلا بعودة الحكومة المدنية».



توقيع أكبر اتفاق لتبادل أسرى في الأزمة اليمنية


اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)
اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)
TT

توقيع أكبر اتفاق لتبادل أسرى في الأزمة اليمنية


اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)
اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)

أعلن «تحالف دعم الشرعية في اليمن»، أمس (الخميس)، توقيع أكبر اتفاق لإطلاق سراح 1750 أسيراً ومحتجزاً من جميع الأطراف اليمنية، ويشمل 27 من «التحالف»، بينهم 7 سعوديين.

وأوضح المتحدث باسم «التحالف»، اللواء الركن تركي المالكي، أن توقيع الاتفاق تمّ في العاصمة الأردنية عمَّان، بحضور لجنة التفاوض بالقوات المشتركة للتحالف، وبمشاركة الأطراف اليمنية، وبرعاية مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ.

وأكد اللواء المالكي في بيان، أن ملف الأسرى والمحتجزين إنساني، ويحظى باهتمام مباشر من قيادة قوات التحالف حتى عودتهم جميعاً.

ورحبت الأمم المتحدة بالاتفاق، وعدّته خطوة مهمة لبناء الثقة وتحريك العملية السياسية، فيما قالت الحكومة اليمنية إن الاتفاق «تحول حقيقي» في الملف الإنساني، بينما وصفه الحوثيون بأنه «إنجاز تاريخي».

ويأمل الوسطاء الدوليون في أن يسهم تنفيذ الاتفاق في خلق أجواء أكثر إيجابية لدفع جهود السلام المتعثرة في البلاد.


تحركات دولية لتفكيك الأزمة السياسية في الصومال و«السيناريوهات محدودة»

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع قيادة «الملتقى الصومالي للإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع قيادة «الملتقى الصومالي للإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تحركات دولية لتفكيك الأزمة السياسية في الصومال و«السيناريوهات محدودة»

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع قيادة «الملتقى الصومالي للإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع قيادة «الملتقى الصومالي للإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)

دخلت واشنطن ولندن على خط الأزمة السياسية الصومالية بتسهيل حوار بين الحكومة والمعارضة، وسط تأزم الموقف المحيط بتمديد ولاية الرئيس حسن شيخ محمود عاماً آخر بعد تعديل دستوري تم التصديق عليه مؤخراً.

ذلك الحوار، الذي يركز على مسار الانتخابات المباشرة التي ترفضها قوى معارضة رئيسية، قد يقود تحت ضغوط دولية إلى تهدئة وتفاهم بشأن تمديد فترة ولاية شيخ محمود، بدلاً من انقضائها، غداً الجمعة، وذلك «لقيادة البلاد نحو انتخابات متفق عليها»، بحسب خبراء في الشؤون الصومالية والأفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

غير أنهم لفتوا إلى أن هذا سيكون بمثابة «احتواء مؤقت وليس تسوية مستدامة».

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع المعارض البارز شريف شيخ أحمد (وكالة الأنباء الصومالية)

وأفادت وسائل إعلام صومالية، الخميس، بأن حواراً تواصل لليوم الثاني بين الحكومة الفيدرالية وسياسيين من المعارضة، لم يتمكن في يومه الأول من التوصل إلى اتفاق بشأن النقاط الرئيسية المتعلقة بالعملية الانتخابية في البلاد.

وشارك في الاجتماع من جانب الحكومة، رئيس البلاد شيخ محمود ونائب رئيس الوزراء صالح أحمد جامع، بينما قاد المعارضة رئيس بونتلاند سعيد عبد الله ديني والرئيس الصومالي السابق شريف شيخ أحمد، بحسب ما ذكره الموقع الإخباري «الصومال الجديد».

وحضر أعضاء من السفارتين الأميركية والبريطانية في بداية الاجتماع، «ولعبوا دوراً في افتتاح المحادثات، ثم غادروا لاحقاً ليتمكن القادة الصوماليون من مواصلة المناقشات مباشرة»، وفقاً لما نشره الموقع الإخباري.

وتمسك كل من الطرفين بموقفه، حيث طالبت المعارضة بمناقشة القضايا الانتخابية، بينما أصرت الحكومة الفيدرالية على انتخابات «صوت واحد لكل شخص» التي بدأتها في بعض المناطق. واتفق الجانبان في النهاية على مواصلة المحادثات والاجتماع الخميس.

القضيتان المطروحتان

صرَّح مصدر مطلع على تفاصيل الحوار لـ«الشرق الأوسط»، الخميس، بأن جلسة الأربعاء «لم تتوصل إلى أي تفاهمات بين الجانبين، وتم الاجتماع مجدداً الساعة العاشرة صباح الخميس، وكان الخلاف سيد الموقف».

وتابع قائلاً إنه على طاولة الحوار المدعوم دولياً «لا يوجد سوى قضيتين مطروحتين؛ الأولى نوع الانتخابات التي ستُجرى في البلاد، حيث يرغب الرئيس في أن يُدلي الشعب بصوته بنفسه، بينما تُطالب المعارضة بأن يختار شيوخ العشائر والحكومات الإقليمية أعضاء مجلس الشعب؛ والثانية التعديلات الدستورية التي تُطالب المعارضة بإلغائها بالكامل والعودة إلى الدستور القانوني الذي أُقرّ عام 2012».

ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، عبد الله أحمد إبراهيم، أنه «من السابق لأوانه الحديث عن فشل المحادثات»، مضيفاً: «ليس أمام المجتمعين في النهاية سوى التوصل إلى اتفاق داخلياً، أو أن يفرض ضغط المجتمع الدولي اتفاقاً».

ويعتقد الخبير في الشأن الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن انخراط مسؤولين دوليين، خصوصاً من الولايات المتحدة وبريطانيا، في الحوار السياسي بالصومال يعكس قلقاً دولياً متزايداً من أن يهدد أي فراغ سياسي أو أمني الاستقرار الهش في البلاد، خاصة مع تعقّد الخلافات بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة.

وهو يرى أنه يمكن للتحركات الدولية أن تُحدث تأثيراً مهماً، خاصة أنها تمتلك أدوات ضغط متعددة، منها الدعم المالي والأمني للحكومة الصومالية، ورعاية التفاهمات وتقديم الضمانات.

مأزق «المدة»

عقب إقرار التعديل الدستوري في مارس (آذار) الماضي، قال رئيس مجلس النواب، آدم محمد نور مدوبي، إن جميع المؤسسات الدستورية ستعمل وفق الدستور المعدل الذي وقّعه شيخ محمود، وينص على أن تكون مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات بدلاً من أربع سنوات يُفترض أن تنتهي قبل منتصف الشهر الحالي.

بينما قال ائتلاف المعارضة الصومالية المعروف باسم «مجلس مستقبل الصومال»، في بيان، إن ولاية الرئيس تنتهي في 15 مايو (أيار) 2026، وإنه يرفض «بشكل واضح وصريح أي محاولة لتمديد فترة الولاية بعد المواعيد المحددة في الدستور المؤقت لعام 2012».

ونهاية أبريل (نيسان) الماضي، هدد رئيس بونتلاند سعيد عبد الله دني، المختلِف مع الحكومة الفيدرالية، بتصعيدٍ حال تم تجاوز المدة.

ونبه إبراهيم، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا»، إلى أن مدة الولاية قبل التعديل الدستوري تنتهي الجمعة، وبالتالي لن تعتبر المعارضة شيخ محمود رئيساً للبلاد، بل ستطلق عليه لقب «الرئيس السابق»، ومن الضروري إيجاد حل نهائي بشأن العملية الانتخابية والدستور المعدل بهذه الجلسات.

تقريب المسافات

وعلى مدى أكثر من عام ترفض المعارضة مسار الانتخابات المباشرة الذي ينهي عقوداً من النظام القبلي.

ويوم الأحد الماضي، توجهت 13 مديرية في ولاية جنوب غربي الصومال للإدلاء بأصواتها واختيار الحكومات المحلية ومجالس المديريات وممثلي الولايات بنظام الاقتراع المباشر، بينما اتجهت المعارضة لتنظيم مظاهرة دون استجابة لدعوة رئاسية للحوار في 10 مايو الحالي، وفق ما ذكرته وسائل إعلام صومالية.

ووقتها، دعا الرئيس السياسيين الطامحين إلى قيادة البلاد إلى طرح رؤى يمكن أن تحظى بقبول المواطنين، محذراً إياهم من «إثارة الحساسيات والعواطف بين أبناء الشعب»، بحسب وكالة الأنباء الصومالية.

ووسط هذه الخلافات، يرجح إبراهيم «التوصل إلى حل سياسي يرضي الطرفين، على أن تُمدد فترة ولاية الرئيس شيخ محمود لمدة عام لقيادة البلاد نحو انتخابات متفق عليها».

لكن التجربة الصومالية، بحسب جامع بري، «تُظهر أن أي اتفاق لا يحظى بقبول داخلي واسع غالباً ما يكون هشاً أو مؤقتاً. لذلك فالدور الدولي قد ينجح في تقريب المسافات وفتح قنوات الحوار، لكنه لا يستطيع فرض تسوية دائمة إذا استمرت حالة انعدام الثقة بين القوى السياسية».


توافق يمني لأضخم صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين

اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)
اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)
TT

توافق يمني لأضخم صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين

اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)
اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)

أعادت جولة المفاوضات الأخيرة بشأن ملف المحتجزين في اليمن إحياء الآمال بإمكانية تحقيق اختراقات إنسانية في مسار الأزمة المستمرة منذ أكثر من عقد، بعد الإعلان، الخميس، عن التوصل إلى اتفاق بين الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية يقضي بالإفراج عن أكثر من 1600 شخص، وفق ما أفاد به بيان أممي.

وجاء الإعلان عن الاتفاق بعد مفاوضات مكثفة استمرت نحو 14 أسبوعاً برعاية الأمم المتحدة في العاصمة الأردنية عمّان، واستندت إلى تفاهمات سابقة بدأت من مسقط أواخر العام الماضي، وشملت لاحقاً جولات تفاوض غير مباشرة في الرياض، قبل أن تُستكمل في الأردن بتوقيع الكشوف وآلية التنفيذ.

وقال المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، إن الاتفاق يمثل «لحظة ارتياح كبير لآلاف اليمنيين الذين طال انتظارهم المؤلم لعودة ذويهم»، مؤكداً أن المفاوضات الجادة أثبتت قدرة الأطراف على تحقيق تقدم في الملفات الإنسانية عندما تتوفر الإرادة السياسية.

رئيس وفد الحكومة اليمنية يصافح رئيس وفد الحوثيين بعد اتفاق تبادل الأسرى في عَمَّان (رويترز)

وأضاف غروندبرغ أن الاتفاق يعكس ما يمكن أن تحققه المفاوضات المستمرة، مشيداً بما وصفه بانخراط الأطراف «بحسن نية» رغم التعقيدات الإقليمية التي رافقت الأشهر الماضية، وداعياً إلى البناء على هذا الإنجاز من خلال تنفيذ عمليات إفراج إضافية، بما في ذلك الإفراجات الأحادية.

وأكد المبعوث تضامن الأمم المتحدة مع جميع المحتجزين تعسفياً وعائلاتهم، بمن فيهم موظفو المنظمة الدولية والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية المحتجزون لدى الحوثيين، مشدداً على أن المنظمة ستواصل الضغط «بعزم لا يلين» من أجل الإفراج عنهم.

كما عبّر غروندبرغ عن تقديره للدور الذي اضطلعت به الأردن في استضافة جولة المفاوضات وتقديم التسهيلات اللازمة لإنجاحها، مشيداً بدعم عمّان المستمر لجهود السلام في اليمن. ووجّه الشكر كذلك إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر على شراكتها في رئاسة اللجنة الإشرافية المعنية بتنفيذ اتفاق إطلاق سراح المحتجزين، ودورها في تسهيل المسار الإنساني بين الأطراف.

وحسب البيانات الصادرة عن الأطراف، فإن الاتفاق يشمل الإفراج عن مئات المحتجزين من الجانبين، بينهم 7 سعوديون و20 سودانياً، إضافة إلى محتجزين مرتبطين بالنزاع في جبهات مختلفة.

اختراق كبير

أوضح وفد الحكومة اليمنية المفاوض في ملف المحتجزين، أن الاتفاق ينص على الإفراج عن نحو 1750 محتجزاً، بينهم 27 من قوات التحالف العربي، في خطوة وصفها بأنها «تحول حقيقي» في هذا الملف الإنساني المعقد.

وأكد الوفد الحكومي أن المسار التفاوضي بدأ في العاصمة العُمانية مسقط في ديسمبر (كانون الأول) 2025 وفق قاعدة «الكل مقابل الكل»، قبل أن تنتقل المشاورات إلى الرياض لمدة شهر كامل لإرساء الترتيبات الفنية والإجرائية المتعلقة بتبادل الكشوف، وصولاً إلى جولة عمّان التي استمرت نحو 90 يوماً.

وأشار البيان الحكومي إلى أن المفاوضات واجهت «تعقيدات وعقبات كبيرة»، إلا أن الوفد تعامل معها «بروح وطنية وإنسانية» لإنجاح المسار وإعادة المحتجزين إلى أسرهم، مؤكداً أن التوقيع على الكشوف وآلية التنفيذ يمثل انفراجاً ملموساً في أحد أكثر الملفات حساسية.

كما ثمّن الوفد الحكومي الدور السعودي في دعم الملف، مشيداً بجهود الأردن والأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر في تيسير المفاوضات وإنجاحها.

ومن أبرز النقاط التي كشف عنها الجانب الحكومي ما يتعلق بالقيادي السياسي اليمني محمد قحطان، الذي تتهم الحكومة الحوثيين بإخفائه منذ سنوات.

وذكرت المصادر الحكومية أن الاتفاق نص على تشكيل لجنة مشتركة من الطرفين، بمشاركة أسرة قحطان، للتوجه إلى صنعاء والتحقق من مصيره واتخاذ الإجراءات اللازمة، بحضور اللجنة الدولية للصليب الأحمر بصفة وسيط محايد، وذلك قبل تنفيذ عملية إطلاق سراح المحتجزين.

ويُعدّ ملف قحطان من أكثر القضايا الإنسانية والسياسية تعقيداً في مسار مفاوضات الأسرى، حيث ظل اسمه مطروحاً في جميع الجولات السابقة بصفته أحد أبرز المشمولين بمبدأ «الكل مقابل الكل» الذي نص عليه اتفاق استوكهولم أواخر عام 2018.

كما نص الاتفاق الجديد على تنفيذ زيارات متبادلة للسجون وأماكن الاحتجاز في المرحلة التالية بعد تنفيذ عملية الإفراج، في خطوة يُنظر إليها بصفتها محاولة لتعزيز الشفافية وبناء الثقة بين الأطراف.

ترحيب حوثي

في المقابل، أعلن رئيس لجنة شؤون الأسرى التابعة للجماعة الحوثية، عبد القادر المرتضى، استكمال جولة المفاوضات بالتوقيع على قوائم الأسرى والمعتقلين.

وقال المرتضى إن الاتفاق يشمل الإفراج عن 1100 أسير ومعتقل من أتباع الجماعة، مقابل 580 من المحسوبين على الحكومة اليمنية، بينهم سبعة أسرى سعوديين و20 سودانياً، موضحاً أن التنفيذ سيتم بعد استكمال إجراءات اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وفي صنعاء المختطفة من قِبل الجماعة الحوثية، بارك رئيس المجلس الانقلابي مهدي المشاط الاتفاق، مدعياً أن الجماعة قدمت «كل التسهيلات» لإنجاز الملف الإنساني والإفراج عن الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل».

وزعم المشاط – وفق إعلام الجماعة- أن ملف الأسرى ظل في صدارة أولويات الجماعة، متعهداً بمواصلة العمل لإطلاق جميع المحتجزين بكل الوسائل الممكنة، في حين وصف المرتضى الاتفاق بأنه «إنجاز تاريخي» للأسرى وعائلاتهم.

ويرى مراقبون أن الاتفاق يمثل اختباراً جديداً لقدرة الأطراف اليمنية على ترجمة التفاهمات الإنسانية إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ، خصوصاً بعد تعثر جولات سابقة بسبب الخلافات المتعلقة بالأسماء وآليات التنفيذ.

ويستند الاتفاق الحالي إلى اللجنة الإشرافية الخاصة بتنفيذ اتفاق إطلاق سراح المحتجزين المنبثقة عن اتفاق اتفاق استوكهولم، الذي تعهدت بموجبه الأطراف بالإفراج عن جميع المحتجزين وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، إلا أن التنفيذ ظل جزئياً ومحدوداً خلال السنوات الماضية.

ويأمل الوسطاء الدوليون أن يسهم النجاح في تنفيذ الاتفاق الجديد في خلق مناخ أكثر إيجابية لدفع العملية السياسية المتعثرة، خصوصاً في ظل استمرار التوترات العسكرية والاقتصادية التي تُلقي بثقلها على الوضع الإنساني في اليمن.

ونجحت جولات التفاوض السابقة برعاية الأمم المتحدة واللجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر» في إطلاق دفعتين من الأسرى والمعتقلين لدى أطراف النزاع اليمني، حيث بلغ عدد المفرج عنهم في الدفعة الأولى أكثر من 1000 شخص، في حين بلغ عدد المفرج عنهم في الدفعة الثانية نحو 900 معتقل وأسير.

هانس غروندبرغ يتحدث جالساً بجوار كريستين سيبولا من اللجنة الدولية للصليب الأحمر (رويترز)

وتقول الحكومة اليمنية إنها تسعى إلى إطلاق كل المعتقلين وفق قاعدة «الكل مقابل الكل»، وتتهم الحوثيين بأنهم كل مرة يحاولون إجهاض النقاشات، من خلال الانتقائية في الأسماء أو المطالبة بأسماء معتقلين غير موجودين لدى القوات الحكومية.

وخلال عمليتي الإفراج السابقتين، أطلقت الجماعة الحوثية 3 من 4 من المشمولين بقرار مجلس الأمن الدولي 2216، وهم شقيق الرئيس السابق، ناصر منصور، ووزير الدفاع الأسبق محمود الصبيحي (عضو مجلس القيادة الرئاسي الحالي)، والقائد العسكري فيصل رجب.

ووسط حالة من الغموض، لا تزال الجماعة الحوثية ترفض إطلاق سراح الشخصية الرابعة، وهو السياسي محمد قحطان القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، كما ترفض إعطاء معلومات عن وضعه الصحي، أو السماح لعائلته بالتواصل معه، وسط تضارب التسريبات حول حياته.