تواصل العصيان المدني في الخرطوم لليوم الرابع... وحشد لـ {مليونية} غداً

وزراء حمدوك يحذّرون من العنف ولجان المقاومة تعدّ «مفاجأة» لقيادة الجيش

لا تزال الخرطوم في حالة شلل وإغلاق شبه كامل بفعل العصيان المدني (إ.ب.أ)
لا تزال الخرطوم في حالة شلل وإغلاق شبه كامل بفعل العصيان المدني (إ.ب.أ)
TT

تواصل العصيان المدني في الخرطوم لليوم الرابع... وحشد لـ {مليونية} غداً

لا تزال الخرطوم في حالة شلل وإغلاق شبه كامل بفعل العصيان المدني (إ.ب.أ)
لا تزال الخرطوم في حالة شلل وإغلاق شبه كامل بفعل العصيان المدني (إ.ب.أ)

يتأهب السودانيون لأكبر تجمع احتجاجي في تاريخ البلاد غداً (السبت)، يعلنون فيه رفضهم الانقلاب العسكري الذي نفذته قيادة الجيش السوداني ضد الحكومة الشرعية برئاسة رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك. وفي غضون ذلك، تزايدت عمليات العنف المفرط الذي تمارسه القوات العسكرية ضد المحتجين السلميين؛ ما أدى إلى إزهاق العديد من الأرواح وجرح وإصابة أعداد كبيرة من الجرحى، في حين يتواصل احتجاز كبار المسؤولين والوزراء والزعماء السياسيين.
وأعلنت لجان مقاومة شعبية، وقوى سياسية ومدنية وشبابية، عن تنظيم موكب مليوني يوم غدٍ، يجري التحشيد والاستعداد له باحتجاجات ليلية في الأحياء والمدن، وإغلاق الطرقات بالمتاريس وإطارات السيارات المشتعلة، بالتزامن مع عصيان مدني تقارب نسبته مائة في المائة، وذلك منذ إعلان الرئيس السابق لمجلس السيادة الانتقالي، وقائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، حلّ مجلس السيادة ومجلس الوزراء وحكام الولايات ووكلاء الوزارات وأعلن حالة الطوارئ.
ويتزايد الغضب الشعبي في البلاد باطراد جراء الوحشية التي تتعامل بها القوات العسكرية بمختلف صنوفها مع المحتجين السلميين، والتي نتج منها مقتل 10 من المحتجين ومئات الجرحى، بحسب مدير الطب الشرعي هشام فقيري في إفادة لوكالة الصحافة الفرنسية. وقال فقيري «الاثنين الماضي وصلت المشارح 7 جثث لمتظاهرين، وجثة لجندي من قوات الدعم السريع»، وتابع «في الأيام التالية وصل عدد من الجثث - لم يحدده - بسبب أحداث العنف، وتبدو عليها آثار الضرب بآلات حادة».
من جهة أخرى، قال وزراء تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير في حكومة عبد الله حمدوك، أمس، إنهم يرفضون بشكل تام وقاطع الانقلاب العسكري، ولا يعترفون بأي نتائج قد تترتب عليه. ودعا كل من وزراء الخارجية مريم الصادق المهدي، والري ياسر عباس، والصحة عمر النجيب، والعمل تيسير النوراني، والنقل ميرغني موسى، الهادي محمد إبراهيم في بيان مشترك، قيادة الجيش إلى إلغاء كل الإجراءات غير الدستورية المعادية للتحول الديمقراطي فوراً، وإطلاق سراح رئيس الوزراء ليعود لممارسة مهامه الوطنية والدستورية، وإطلاق سراح كل المسؤولين الدستوريين والوزراء والسياسيين وجميع المعتقلين السياسيين فوراً.

- استعادة الشرعية
وحثّ البيان جماهير الشعب على مواصلة التظاهر والعصيان المدني، حتى إسقاط الانقلاب العسكري واستعادة الشرعية الدستورية، ودعا العاملين في الجهاز التنفيذي والمؤسسات العامة والقطاع الخاص للمشاركة في العصيان المدني. وطلب الوزراء في بيانهم ممن أطلقوا عليهم «أبناء وبنات شعبنا في القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى»، الحفاظ على سلامة المواطنين، والامتناع عن استخدام العنف ضدهم وإطلاق النار عليهم؛ لمنعهم من التعبير عن مواقفهم من الانقلاب العسكري.
وقال شباب لجان المقاومة، إنهم يعدون مفاجأة لقادة الجيش الذين انقلبوا على السلطة، وقال محمد سليمان معاوية، من قادة ما يطلق عليها «الثورة السودانية»، لـ«الشرق الأوسط»، إن الاستعدادات والحماس الفائق بين جماهير الشعب هي سيدة الموقف. وأوضح أن إيقاف «خدمة الإنترنت» لن يؤثر على الأعداد للمواكب المليونية التي ستهز أركان الانقلاب، مضيفاً «درجوا على إزالة المتاريس بشكل عنيف، لكن لجان المقاومة يعيدونها لمكانها، الشعب والبيوت ستكون كلها في الشارع يوم 30 أكتوبر»، مؤكداً أن الاحتجاجات ستستمر حتى إسقاط حكومة العسكر وعودة الديمقراطية. وتابع «كل الشعب يقف خلف رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ليرد الصاع صاعين».
وواجه الجيش السوداني، أمس، معارضة متزايدة في الشوارع، وتعهد مسؤولو أجهزة الدولة في الخرطوم بتمسكهم بالعصيان المدني، في حين سعى ناشطون إلى حشد الجماهير لمظاهرات. وكان الانقلاب الذي قاده الفريق عبد الفتاح البرهان يوم الاثنين على الحكومة المدنية قد دفع الآلاف للخروج إلى الشوارع رافضين عودة الحكم العسكري ومطالبين بعودة ترتيبات الانتقال إلى الحكم المدني إلى مسارها. وفي بيان نُشر على «فيسبوك» الليلة الماضية، قالت وزارات وأجهزة رسمية في ولاية الخرطوم، أكثر ولايات البلاد ازدحاماً بالسكان والتي تضم العاصمة ومدينة أم درمان المتاخمة لها، إنها لن تتنحى أو تسلم سلطاتها.
وأعلنت هذه الهيئات الإضراب العام رغم أنها ستواصل توفير الطحين (الدقيق) وغاز الطهي والرعاية الطبية للحالات الطارئة. وظلت السوق الرئيسية والبنوك محطات الوقود في الخرطوم مغلقة لليوم الثالث أمس (الخميس)، بينما كانت المستشفيات تقدم خدمات الطوارئ فقط. وفتحت متاجر صغيرة أبوابها، لكن طوابير طويلة تشكلت للحصول على الخبز.
سقط عدد من القتلى في اشتباكات مع قوات الأمن منذ وقوع الانقلاب، ويخشى معارضون أن تستخدم السلطات بقيادة الجيش المزيد من القوة. وقال المصدر المقرب من حمدوك، إن رئيس الوزراء دعا الجيش إلى تحاشي العنف ضد المحتجين. ويوزع معارضو الانقلاب منشورات تدعو إلى المسيرة المليونية غداً، معتمدين على وسائل قديمة للحشد الشعبي بعد أن قلصت السلطات استخدام الإنترنت والهواتف. وتجري الدعوة للمسيرة تحت شعار «ارحل»، وهو الشعار الذي استخدم في الاحتجاجات التي أطاحت بالبشير في أبريل (نيسان) 2019.
ويشهد السودان أزمة اقتصادية عميقة بلغ فيها التضخم مستويات قياسية وشهدت نقصاً في السلع الأساسية، لكن الفترة الأخيرة قد شهدت بعض علامات التحسن التي ساهمت فيها مساعدات قال كبار المانحين الغربيين، إنها ستتوقف ما لم يتم العدول عن الانقلاب. وتقول الأمم المتحدة، إن أكثر من نصف السكان يعيشون في فقر وبلغ معدل سوء التغذية بين الأطفال 38 في المائة. ونظام الرعاية الصحية في البلاد في حالة انهيار.

- هيمنة الجيش
وقد وضع الانقلاب العسكري حداً لفترة انتقالية هشة، كان الهدف منها أن ينتقل السودان إلى انتخابات في 2023 من خلال اقتسام السلطة بين المدنيين والعسكريين في أعقاب سقوط البشير. وأكد تحرك البرهان الدور المهيمن الذي يلعبه الجيش في السودان منذ الاستقلال عام 1956، وذلك بعد أسابيع من التوتر المتصاعد بين العسكريين والمدنيين في الحكومة الانتقالية بسبب قضايا منها ما إذا كان سيتم تسليم البشير وآخرين إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي لمواجهة اتهامات بارتكاب جرائم حرب ابان فترة حكمه التي امتدت 30 عاماً.
وقال البرهان، إنه تحرك لمنع انزلاق البلاد إلى حرب أهلية، ووعد بإجراء انتخابات في يوليو (تموز) 2023. وقال ناشطون، إن الجيش السوداني - في تجاهل للضغوط التي تبذلها العديد من الجهات - شنّ موجة جديدة من الاعتقالات شملت معارضين للإجراءات التي أعلنها قائد القوات المسلحة عبد الفتاح البرهان، الاثنين الماضي، والتي اعتبرها الكثيرون دخل السودان وخارج انقلاباً عسكرياً على الديموقراطية والتحول إلى الحكم المدني.
وتتواصل احتجاجات في مدن أخرى في أنحاء السودان المختلفة منذ تولي الجيش السلطة، شملت أيضاً ضرابات وعصياناً مدنياً من جانب المواطنين الرافضين لانقلاب العسكري. ونقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن محمد يوسف، العضو في تجمع المهنيين السودانيين، القول، إنه جرى اعتقال أكثر من 40 ناشطاً وصحافياً ومسؤولاً حكومياً كل يوم منذ الاثنين الماضي، بعضهم خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية. وقال، إن أي شخص سبق أن تحدث عن الجيش على «فيسبوك» أو «تويتر» أو التلفزيون أصبح «مستهدفاً».
وعلّق الاتحاد الأفريقي، أول من أمس، عضوية السودان، في خطوة عادة ما يتخذها بعد حدوث انقلابات في أي من الدول الأعضاء، في حين تتصاعد الضغوط الدولية من أجل عودة المدنيين إلى السلطة. وكان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان قال، بشأن من جرى اعتقالهم خلال الأيام الماضية، إنه سيتم تصنيفهم وأن من توجد عليه تهمة جنائية سيتم تقديمه للعدالة.
وأعاد المتظاهرون، أمس، نشر العوائق في الطرق لقطعها، ولا تزال شوارع العاصمة السودانية تشهد انتشاراً أمنياً مكثفاً للجيش وقوات الدعم السريع. وتعمل القوى الأمنية إلى إزالة المتاريس والعوائق التي أقامها المحتجون لإغلاق الطرق. لكن المتظاهرين يعيدونها عقب مغادرة قوات الأمن. وقال حاتم أحمد، البالغ من العمر 26 عاماً، لوكالة الصحافة الفرنسية، في منطقة بحري شرق الخرطوم «منذ نهار الأربعاء، تحاول القوات الأمنية إزالة المتاريس التي وضعناها في الطرق وتقوم بإطلاق الغاز المسيل والطلقات المطاطية. ولكن بعد مغادرة الأمن، نعيد البناء مرة أخرى ولن نزيلها إلا بعودة الحكومة المدنية».



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.