سايروف وفيتزجيرالد... من الاحتفاء بالكتابة والحياة إلى جحيم الأنا المتفاقمة

الثنائي العاصف الذي جسّد صعود الحلم الأميركي ومأزقه في آن

زيلدا سايروف وسكوت فيتزجيرالد
زيلدا سايروف وسكوت فيتزجيرالد
TT

سايروف وفيتزجيرالد... من الاحتفاء بالكتابة والحياة إلى جحيم الأنا المتفاقمة

زيلدا سايروف وسكوت فيتزجيرالد
زيلدا سايروف وسكوت فيتزجيرالد

لا تنتمي العلاقة التي ربطت بين الكاتب الأميركي سكوت فيتزجيرالد وزوجته زيلدا سايروف، إلى ذلك النوع من العلاقات العاطفية المشبوبة التي شهدها القرن الماضي، كما حال جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار، أوغالا وسلفادور دالي، أو أراغون وإلسا تريوليه. فرغم أن تلك العلاقة قد تبرعمت في زمن الحرب، وفوق أرض الكتابة والفن، فإنها لم تتحول إلى افتتان بالغ بالآخر، أو إلى نزوع شبه صوفي للاتحاد به في مواجهة الخوف والوحشة والتشظي، كما كان حال العلاقات الأخرى. وقد لا يكون التباين متصلاً بأمزجة الأشخاص وبخلفيتهم الاجتماعية والنفسية فحسب، بل بتأثير الحرب المتفاوت على المجتمعين الأميركي والأوروبي في القرن الماضي، فضلاً عن الفوارق المهمة في المفاهيم ونظام القيم والنظرة إلى المستقبل. صحيح أن فيتزجيرالد وزيلدا قد التقيا عند المربع الأخير للحرب العالمية الأولى، لكن تلك الحرب التي طحنت القارة الأوروبية برحى الرعب والكراهية والانقسام، لم تصب أميركا بالقدر نفسه، بل خرجت منها أكثر قوة وازدهاراً ومكانة سياسية واقتصادية من ذي قبل. وهو ما انعكست نتائجه بصورة جلية عبر نزوع الجيل الجديد إلى التمرد وإعلاء الحواس والاندفاع العارم باتجاه الحياة. ولما كان سْكوت وزيلدا يجمعان في شخصيهما كل ما يطمح إليه شبان تلك المرحلة من حيوية ووسامة وفورانٍ جسدي وروحي، فقد أمكنهما كثنائي ناجح، وعبر اندفاعهما العاصف باتجاه العيش، أن يتحولا خلال فترة زواجهما الأولى إلى رمز نموذجي لجيل ما بعد الحرب، أو لما أطلق عليه المؤرخون تسمية «عصر الجاز». وإذا كان الشغف بالكتابة هو العنصر الآخر في معادلة الإغواء، والعامل الحاسم في زواج الطرفين، فقد كان لعلاقتهما جانبها المظلم في الوقت ذاته، حيث حالت الأنا المتفاقمة لكل منهما، دون انصهارهما في بوتقة واحدة من الحب والتكامل الإنساني، وهو ما يفسر بالطبع وصول تلك العلاقة فيما بعد إلى مأزقها الصعب.
إن أي نظرة متفحصة إلى الخلفية الاجتماعية لطفولة زيلدا ساير ونشأتها، لا بد أن تضعنا في صورة البيئة العائلية الميسورة، والأقرب إلى الترف، التي تربت الفتاة في كنفها في مطالع القرن العشرين، حيث كان والدها أنتوني يعمل قاضياً في المحكمة العليا بولاية ألاباما، كما كان كلّ من جدها لأمها، وعمّها أيضاً، عضوين بارزين في مجلس الشيوخ، فيما كان جدها لأبيها صحافياً وكاتباً معروفاً. وقد عملت سايروف بذكاء على الإفادة من وضعها العائلي المتميز، ليس فقط من خلال اهتمامها الواضح برقص الباليه، حيث شاركت في كثير من العروض، بل من خلال جرأتها البالغة، وانغماسها الاحتفالي في العوالم الصاخبة لحقبة العشرينات. وإذا كانت زيلدا قد أحيطت، بسبب جمالها وذكائها، بكثير من المعجبين، فإن قرار الارتباط بفيتزجيرالد بالذات، لم يكن عائداً إلى وسامته وحيويته الملحوظة فحسب، بل إلى النجاح السريع الذي أصابته روايته الأولى «هذا الجانب من الجنة». لا بل إن أكثر ما يستوقفنا في هذا السياق هو أن حفل زواجها لم يتأخر سوى أسبوع واحد عن موعد صدور الرواية المذكورة. وإذا كان لذلك الأمر من دلالة، فإنما يدل على المكانة الرمزية العالية التي كان يحتلها الأدب في أعماقها، وهي التي رأت في باكورة فيتزجيرالد الروائية «مَهرها» الوحيد المناسب. لا بل إن صاحب سْكوت لم يتردد في إجراء تعديلات عدة على فصول عمله الروائي الأول، الذي أراد لإحدى شخصياته الرئيسية أن تتواءم مع شخصية المرأة الشابة التي ملكت عليه قلبه وعقله. على أن الأمور ذهبت في بعض مناحيها أبعد من ذلك، بحيث لم يكتفِ فيتزجيرالد بتحويل سايروف إلى ملهمة له، بل عمد إلى اقتباس بعض فصول روايته من كتاباتها المبكرة، كما من دفتر يومياتها الذي كان يكشف عن موهبة سردية واعدة.
لقد سيطر على الزوجين الفتيين في مستهل علاقتهما، نوع من النزوع البوهيمي الأبيقوري إلى افتراع الملذات. وقد باتا تبعاً لذلك الثنائي الأشهر في ليل نيويورك الصاخب، والرمزين الأكثر تمثيلاً لثورة الأجيال الجديدة، ولعصر الجاز الذي أعقب الآثار المدمرة للحرب العالمية الأولى. إلا أن ما بدا أقرب إلى روح الوئام والتكامل بين الزوجين، لم يكن له أن ينجح في إخفاء ما يتهيأ في العمق من عوامل الاختلاف، ومن عواصف الشقاق المقبلة. والأرجح أن تلك العواصف لم تكن وليدة الصدفة المجردة، بل بدت في جانبها الأول، ثمرة تلك الفوضى العارمة التي حكمت حياتهما المشتركة، حيث لم يكن الطرفان معنيين بالقيام بأي شأن منزلي، ولم يمنحا طفلتهما الوحيدة سْكوتي ما تحتاجه من الرعاية، بل تركا كل ذلك في عهدة الخادمات، الأمر الذي أفرغ حياتهما العائلية من الدفء الإنساني، ووضعها أمام طريق مسدودة. أما جانبها الثاني فقد بدا متعلقاً بافتقار الزوجين إلى الإيثار والتضحية من أجل الآخر، بحيث راح كلّ منهما يبحث عن مجده الشخصي بمعزل عن سواه. وإذا كانت شهرة الزوج قد بلغت حدودها القصوى مع صدور تحفته الروائية «غاتسبي العظيم»، التي عكست التحولات العميقة للمجتمع الأميركي في حقبة ما بعد الحرب، فإن الزوجة الموهوبة لم تكن من النوع الذي يرتضي التهميش أو الإقامة في الظل. صحيح أن فيتزجيرالد قد استلهم في أعماله الروائية كثيراً من ملامح شريكته وكتاباتها ومذكراتها الشخصية، ولكن زيلدا لم تكن لتكتفي أبداً بدور الملهِمة السلبي، بل كانت تطمح بما لها من مواهب، أن تأخذ من الشهرة والنجاح حصة موازية لحصة الزوج.
على أن رياح النجاح لم تجرِ بالنسبة لزيلدا سايروف كما تشتهي سفن الكتابة، ولم تستطع مقالاتها وقصصها القصيرة أن تنتزع لها المكانة التي كانت تطمح لأن تتبوأها لدى النقاد ومتابعي الأدب. كما لم يسهم انتقال العائلة اللاحق إلى باريس للإقامة هناك، في تحسين العلاقة مع الزوج التي بدأت بالاهتزاز. ولم يستطع دخول زيلدا في مغامرة عاطفية خطرة مع الطيار الفرنسي إدوارد جوزان، أن يوصلها إلى بر الأمان، بل إن الأمر حمل الزوج الغاضب على حبسها داخل جدران المنزل لفترة من الزمن. على أن نجاح الزوجة اللاحق في الخروج من تلك المغامرة التي كادت تطيح بوضعها العائلي، لم يمر بشكل سلس، بل كان من نتائجه دفْع فيتزجيرالد إلى التهالك على الشراب حتى حدود الإدمان. أما صداقته المستجدة مع أرنست همنغواي فلم تخفف من حالة التوتر التي تعيشها العائلة، خصوصاً في ظل الغياب التام للكيمياء الشخصية بين الزوجة المتوجسة وهمنغواي. ومع ذلك فقد ظلت محاولة الانتحار الغامضة، التي رأى البعض أن زيلدا قد أقدمت عليها عن طريق تناولها جرعة زائدة من المهدئات، محلاً لشكوك البعض الآخر، ممن اعتبروا أن الأمر قد حدث عن طريق الخطأ، وأن الظروف العائلية والنفسية التي عاشتها الزوجة، لا تستدعي اتخاذ مثل هذا القرار المتهور.
بعد ذلك راحت أمور الزوجين تسير من سيئ إلى أسوأ. فمع نهاية عشرينات القرن الماضي وبداية الثلاثينات كان عصر الرخاء الأميركي، الذي شكل الثنائي الصاخب عنوانه الأبرز، يخلي مكانه لإحدى أسوأ حالات الكساد الاقتصادي في تاريخ البلاد، ليتراجع معه، وبشكل دراماتيكي حاد، المستوى المعيشي للعائلة. وإذ وقعت الزوجة المصابة بالاكتئاب، تحت وطأة سلسلة متواصلة من الأزمات النفسية والعصبية، لم يجد الأطباء سبيلاً إلى إنقاذها مما هي فيه، أفضل من الكتابة. وهو ما حدث بالفعل، حيث استطاعت زيلدا أن تنجز في وقت قياسي كتابة روايتها الوحيدة «شاركني هذا الفالس». غير أن الأمور لم تتجه نحو الأفضل، ليس فقط بسبب ردات فعل النقاد السلبية على العمل الذي وسموه بالرداءة، بل بسبب السخط الذي أبداه الزوج إزاءه، معتبراً أن كل ما فعلته الزوجة هو كتابة سيرتهما الذاتية بكل تفاصيلها ومزالقها وخفاياها، وأن التنكر خلف الأسماء المستعارة لا يكفي لإخفاء الحقيقة أو التستر عليها.
والواقع أن زيلدا سايروف لم تبذل، باستثناء تغيير الأسماء، أي جهد يُذكر لكي تفصل بين روايتها وسيرتها الذاتية. فهي تستعيد من خلال السرد صورة أبيها المحافظ والصارم، وأمها المنفتحة والمتفهمة، إضافة إلى صور أشقائها ومعجبيها الكثر. كما تعرض لحياتها الماجنة مع سْكوت، وصولاً إلى إقامتها في فرنسا، وميلها الواضح إلى الضابط الفرنسي الذي كاد، في إحدى لحظات طيشه، يلامس بطائرته الحربية شرفة منزلها العائلي. وحيث لم تتحرج الكاتبة من الإعلان عن اعتزازها الشديد بما أنجزته، أو من مخاطبة فيتزجيرالد بالقول إن عملها الروائي أكثر جرأة وإثارة من جميع أعماله، فقد تمثل الرد العقابي لهذا الأخير بإقدامه منفرداً على حذف بعض الفصول «المحرجة» من عملها الروائي قبل دفعه إلى النشر. وهو ما انعكس سلباً على وضع زيلدا الصحي، وضاعف من حدة مشكلاتها النفسية والعصبية التي بلغت بها حد الفصام الكامل، وفق تشخيص الأطباء.
في منتصف ثلاثينات القرن الماضي، حيث أولت زيلدا فن الرسم كثيراً من عنايتها، لم يكن قد تبقى من وهج تلك العلاقة الاحتفالية الصاخبة بين الزوجين، سوى ما يتبقى من الكؤوس بعد تحطمها. فحين ثبُت لسْكوت بالوجه الملموس أن الأمور غير قابلة للترميم، وأن وضع زوجته العصبي يزداد تدهوراً، عمد إلى وضعها في مصحة عقلية، فيما حاول من جهته استثمار شهرته الواسعة في صناعة الأفلام السينمائية، حيث لم يلبث أن ارتبط بعلاقة غرامية مع الناقدة الفنية شايلا إبراهام، قبل أن يعاجله الموت بشكل مفاجئ في مطالع الأربعينات من القرن الماضي. أما زيلدا التي لم تقابل سْكوت لعامين متتاليين، والتي كان وضعها يزداد سوءاً، فقد ظلت تراهن على الكتابة دون كلل، وترى فيها عزاءها وضوء حياتها الوحيد. ومع ذلك فقد كان القدر يعد لها نهاية تراجيدية مؤلمة، حيث لفظت أنفاسها الأخيرة، بعد ثماني سنوات من رحيل سْكوت، في الحريق المروع الذي اندلع بمستشفى هاي لاند الذي كانت تخضع فيه للعلاج، ودون أن تتمكن من إنهاء روايتها الثانية، التي كانت تراهن بإصرار على إنجازها. وبعد رحيل الزوجين «اللدودين» بعقود عدة، عملت ابنتهما سْكوتي على جمع رفاتيهما في قبر واحد، بعد أن باعدتهما الأمزجة المتعارضة وصروف الحياة، واختارت أن تحفر فوق شاهدة القبر، ومن رواية «غاتسبي العظيم» بالذات، العبارة التي تقول: «معاً سنستمر كالسفن ضد التيار، عائديْن دون توقف باتجاه الماضي».



رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها. كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

توثيق دقيق للمسرح العربي

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر.

يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.


المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية
TT

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة 1973م حين تواصل معي محمد طنطاوي، محرر الاستطلاعات الصحافية عن المدن العربية والإسلامية، لمساعدته في فتح أبواب مدينتي (القطيف) أمام قراء مجلة «العربي» المستمتعين بدخول عوالم تلك المدن، عبر كاميرا عبد الناصر شقرة، مصور المجلة.

كنت وقتها طالباً في المرحلة الثانوية، وقد بدأت خطواتي على درب الصحافة المثير، متابعاً ما كان يدور في صحافة لبنان ومصر والكويت، حيث أتسابق أنا وزملائي على اقتناء ما تصدر من صحف ومجلات، وكان في مقدمتها مجلة «العربي» تشدنا بمحتواها الموسوعي الجذاب، خاصة حديث رئيس تحريرها الشهري دكتور أحمد زكي. هذا المعلم الكيميائي الذي تحصّل على أطروحة الدكتوراه في جامعة لندن، ليصبح المشرف على مركز البحوث العلمية. لقد أهّلته ثقافته الموسوعية الجامعة بين العلم والأدب ليرأس تحرير مجلة «الهلال»، وبعدها رئاسة جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة فيما بعد).

لعل انحسار دور المجلات الأدبية في مصر فيما بين الحربين العالميتين؛ «الكاتب المصري» برئاسة طه حسين، و«الثقافة» لأحمد أمين، و«الرسالة» لأحمد حسن الزيات، كأنه حفز النخبة الكويتية من مثقفين وأدباء ورجال مال وأعمال أن تكون لبلدهم المنتظر استقلاله مجلة تأخذ بالكويت الصغيرة إلى اهتمام العرب، متأثرين بما كان يجري حينذاك من أحداث قومية في مشارق العالم العربي ومغاربه، وقد استضافت الكويت قبل استقلالها رموزاً من مناضليهم، فارّين من اضطهاد الاستعمار الأوروبي.

ويدهش المطلع على تاريخ الكويت الثقافي كيف قام علماؤها وأدباؤها وأثرياؤها وشخصياتها العامة، منذ نشأة الكويت، بنسخ مخطوطات التراث العربي والإسلامي، وتبني فتح مكتبات عامة، وإنشاء مدارس، وإصدار صحف ومجلات، رغم ضعف الإمكانات الطباعية، تأثراً بما كان يصل إليهم عبر سفن الغوص على اللؤلؤ من مجلات وصحف تصدر من أقصى القارة الهندية إلى أقرب جارٍ للكويت، فإذا بعبد العزيز الرشيد يصدر سنة 1928 مجلة «الكويت»، وهاشم الرفاعي بعده يصدر صحيفة من البصرة.

حين قابلت أحمد السقاف الأديب والشاعر سنة 1994 في برنامجي «هذا هو» عبر قناة «MBC»، فتح أمامي صفحات ما جرى تحضيراً لإصدار مجلة «العربي»؛ إذ تحمس الشيخ صباح الأحمد الصباح، مدير إدارة النشر والمطبوعات قبل الاستقلال - أي وزير الإعلام بعده - واستقر الرأي على إصدار مجلة باسم «العربي»، وقد كُلّف السقاف بالسفر إلى أهم عواصم الثقافة العربية للاجتماع بأبرز مفكريها وأدبائها.

فبدأ سنة 1957م السفر جواً إلى بغداد، مجتمعاً بالمفكر القومي عبد العزيز الدوري، والمحقق محمد بهجة الأثري، ودكاترة من جامعة بغداد. غادر بعدها إلى لبنان متواصلاً مع نائب رئيس الجامعة الأميركية ببيروت فؤاد أفرام البستاني، الذي أصدر هو وأخوه يعقوب مجلة «المقتطف» في القاهرة، أسوة بما أصدره قبلهما جورجي زيدان وأخوه إميل؛ مجلة «الهلال»، وآل تقلا الذين أصدروا جريدة «الأهرام»، أثناء هجرة الشوام إلى مصر فراراً من الطغيان العثماني.

ولم ينسَ السقاف في رحلته التاريخية هذه الإفادة من خبرة محققي التراث العربي، الذين أفادت وزارة الإعلام الكويتية مبكراً من علمهم في طباعة عددٍ مختار من نفائس المخطوطات العربية، وفي طليعتها ما أنجزه - مؤخراً - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من طباعة معجم «تاج العروس» للغوي مرتضى الزبيدي في أربعين جزءاً.

أما الأمر المثير حقاً في رحلة السقاف التحضيرية هذه لإصدار مجلة «العربي»، فهو إقناعه السريع أحمد زكي - الوزير السابق والمشرف على مركز البحوث ورئيس الجامعة في بلده المتمدن عمرانياً واجتماعياً وثقافياً حينها - بالانتقال إلى دولة صغيرة ناشئة لم تتوفر بعد على بنية تحتية تهيئ لحياة عصرية.

ونظراً لتوفر إرادة سياسية طموحة، فقد سافر السقاف - وقتذاك - إلى ألمانيا لحضور معرض عالمي لآلات الطباعة، لكي تختص المجلة الوليدة بمطبعة خاصة بها؛ إذ كان ضعف مستوى الطباعة في الكويت منذ بداية القرن العشرين سبباً في تعثر استمرار ما حاوله بعض عناصر المجتمع الأهلي والثقافي من إصدار صحف ومجلات.

هكذا صدر العدد الأول من مجلة «العربي» في ديسمبر (كانون الأول) 1958، ليكون من حسن طالعها التفاعلي انعقاد مؤتمر الأدباء العرب في الكويت متزامناً مع صدورها.

في الوقت الذي تفتق وعيي على مجلة «العربي»، وهي في ذروة ازدهارها وتألقها، كانت إذاعة الكويت هي الأخرى تشكل مصدراً معرفياً لجيلي، بما كان يصل إليها من مشاركات بعض الأكاديميين العرب الوافدين إلى الكويت للتدريس في جامعتها الوليدة سنة 1966، وكان في طليعتهم الدكاترة عبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وشاكر مصطفى، ومحمود علي مكي، وأحمد أبو زيد، وفؤاد زكريا، الذين وفرت لهم الكويت جواً من الاستقرار النفسي والحرية الفكرية.

أحمد السقاف

فإذا بوكالة المطبوعات الكويتية تطبع معظم ما ألفه عبد الرحمن بدوي من كتب تتعلق بتراث الفلسفة اليونانية والعربية، وقد أصبح أستاذاً للفلسفة في جامعة الكويت جنباً إلى جنب مع زكي نجيب محمود؛ هذا الذي طالما استمتعت - وقتذاك - بحوارات رمضان لاوند، المذيع اللبناني اللامع بفكره الوقاد، مع فيلسوف الوضعية المنطقية عبر أثير إذاعة الكويت.

فقد وجد هذا المفكر المصري في جو الجامعة العلمي، ومكتبتها الزاخرة بأمهات الكتب التراثية، فرصة ذهبية للاستغراق في قراءتها، بعدما انكب على قراءة الفكر الأوروبي بمدارسه الفلسفية والأدبية المختلفة، أثناء دراسته منذ الأربعينيات الميلادية في جامعة لندن. ورغم أنه حاول استدراك ما فاته عربياً وإسلامياً بكتابة بحثه الدسم عن الفيلسوف والعالم الكيميائي جابر بن حيان، المنشور سنة 1960 في سلسلة «أعلام العرب» المصرية، فإن ذلك لم يشفِ غليله، وقد بدأ يشتغل على أطروحته حول «الأصالة والمعاصرة» الجامعة بين روحانية الشرق وعقلانية الغرب، كما تطارحتها معه في برنامجي التلفازي «الكلمة تدق ساعة» وأنا أزوره في شقته القاهرية صيف 1978م؛ أي بعد عودته من الكويت بخمس سنوات، بعدما استقر بين أروقة جامعتها منذ 1968 إلى 1973.

وفيها أكد تدينه المستنير كما يذهب تلميذه دكتور إمام عبد الفتاح إمام في كتابه «رحلة في فكر زكي نجيب محمود»، بل إن هذا سجل إضافته الفكرية في تجربته الحائرة، حين أسفرت قراءاته النهمة لأمهات كتب التراث العربي الإسلامي عن تأليف كتابه «تجديد الفكر العربي» الصادر سنة 1971م، وكتابه الآخر المكمل «المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري».

انظر إلى ما كتبه في مقدمة كتابه الأول: «استيقظ صاحبنا بعد أن فات أوانه، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه، فطفق في الأعوام الأخيرة التي لا تزيد على السبعة أو الثمانية - أي في الفترة التي قضاها في جامعة الكويت - يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان... والسؤال ملء سمعه وبصره: أين السبيل إلى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا، بحيث يندمج فيها المنقول والأصيل في نظرة واحدة؟»، ويختم محمود مقدمته بجملة: «جامعة الكويت في يونيو (حزيران) 1971».

بعد سنة من مغادرته إلى مصر عاد إلى الكويت ثانيةً مشاركاً ببحثه «الحضارة وقضية التقدم والتخلف» في ندوة كبرى عُقدت بين 7 و12 أبريل (نيسان) سنة 1974م، مع نخبة من أبرز مفكري العرب على اختلاف توجهاتهم الآيديولوجية، بدعوة من جامعة الكويت وجمعية الخريجين الكويتية، لمناقشة «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي»، إيماناً من مفكري العرب بمسؤوليتهم القومية أمام التاريخ وأمام الأجيال العربية المقبلة، وشعوراً منهم - كما جاء في بيان الندوة الختامي - بخطورة المرحلة الحضارية التي تمر بها الأمة العربية في الظروف الراهنة - وقتذاك - لمواكبة شعوبها مسيرة الحضارة العالمية في تطورها المتسارع، فقد ناقشوا قضايا التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي، والتراث العربي الإسلامي، وتبعات الاستعمار الغربي في المجتمع.

قبل انعقاد الندوة اللاحقة التي عُقدت في الكويت سنة 2014 حول نفس الموضوع، بمشاركين آخرين ورؤى مختلفة متجددة، وجدنا عدداً من المفكرين العرب منذ منتصف السبعينيات الميلادية يشتغلون على ما أثارته الندوة الأولى من قضايا وإشكالات؛ فقام المفكر المغربي محمد عابد الجابري في الثمانينيات الميلادية بمحاولة تفكيك سلطة النص المحافظ، منتقداً هيمنة التراث الفكري على العقل العربي طوال قرون، وذلك في مشروعه التأليفي المعروف بـ«نقد العقل العربي».

وهو ما عالجه قبله دكتور طيب تيزيني، أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق، في كتابه «مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط» بأجزاء عدة، ثم عمّق أطروحته حسين مروة بكتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة 1978، برؤية تحليلية لا تكاد تغادر الخطاب الماركسي، بتحليل التراث وفق مقولة الصراع الطبقي، وإقحام التصور الماركسي في تحليل واقع المجتمع العربي وتاريخيته.

وهذا ما فعله محمود أمين العالم في تعليقه على بحث رفيق دربه المفكر المصري أنور عبد الملك، المعروف بأطروحته الشهيرة عن «مصر مجتمع عسكري»، منتقداً موقف المثقف العربي من قضية «الخصوصية والأصالة»، وكان هذا عنوان ورقته في ندوة الكويت الأولى، عازياً ذلك إلى تبعيته للفكر الغربي في مفاهيمه ومناهجه. فما كان من العالم سوى استدعاء التصور الماركسي الدوغماتي حول «الخصوصية التاريخية»، ليكون حسب رأيه أساساً آيديولوجياً في دراسة المجتمع المصري لمعرفة طبيعة تركيبه الاجتماعي والاقتصادي والموضوعي.

على أي حال، أحسب كأنه في أعقاب هذه الندوة التاريخية أن تشجع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، بأمانة الشاعر المثقف أحمد مشاري العدواني، ومساعدة الشاعر الأكاديمي خليفة الوقيان، على إصدار كتاب «عالم المعرفة»، بالإفادة من خبرات بعض من شارك في الندوة الأولى - كما لمست ذلك من مقاله المنشور في مجلة «العربي» بعنوان «ميلاد عالم المعرفة».

وفي طليعة أولئك دكتور فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أصبح مستشاراً دؤوباً صبوراً وفعالاً لهذا الإصدار المعرفي الشهري - تأليفاً وترجمةً. ويبدو أن المجلس الوطني عمل على التحضير لإصداره هذا بعد تأسيسه سنة 1973، متوخياً طباعة خمسين ألف نسخة من كل كتاب، وتوزيعها في جميع أنحاء العالم العربي.

هذا ما وجدته شخصياً وأنا أتمشى في «شارع الحبيب بورقيبة» بتونس صيف 1978، مقتنياً إصداره الأول؛ كتاب «الحضارة»، تأليف دكتور حسين مؤنس. لقد اكتسبت سلسلة كتاب «عالم المعرفة» على توالي السنين شهرة عربية واسعة، شاكرةً جهود الكويت في نشر الثقافة الجادة منذ استقلالها سنة 1961 إلى يومنا هذا؛ إذ شكلت إصداراتها بمجلة «العربي»، ومجلة «عالم الفكر» سنة 1970 ذات الدراسات الأكاديمية برئاسة أحمد مشاري العدواني، واستشارة أستاذ الأنثروبولوجيا المصري دكتور أحمد أبو زيد، ومجلة «الثقافة العالمية» ذات الموضوعات المعاصرة المترجمة، وكتاب «عالم المعرفة»، منظومةً ثقافية راقية.

يضاف إليها تجربة الكويت المسرحية اللافتة، التي شكلت أساساً راسخاً لقوة العرب الناعمة، انطلاقاً من الكويت التي عملت منذ 1979 على تبني وتمويل «الخطة الشاملة للتنمية الثقافية»، بمشاركة أبرز الخبراء العرب بتخصصاتهم الثرية المتخصصة، لتصدر باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية سنة 1968، بحماس الوزير المثقف عبد العزيز حسين في اجتماع المنظمة التحضيري بالطائف، متعهداً رعاية الكويت تلك الخطة، بوصفه رئيساً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

هذا الرائد الكويتي بدأ اهتمامه بإشاعة الثقافة منذ كان مشرفاً على «بيت الطالب الكويتي» في القاهرة سنة 1946، بإصدار مجلة «البعثة»، مستكتباً مثقفين وأدباء كويتيين وعرباً فوق صفحاتها.

يا ترى، هل إصدار مجلة «البعثة» لمدة ثماني سنوات حتى سنة 1954 كان مقدمة حبلى آذنت بعد أربع سنوات بولادة تلك البنت الجميلة في محتواها وشكلها؛ مجلة «العربي»؟


حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان
TT

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

في كتابه الجديد «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق»، الصادر عن دار خريّف للنشر في تونس مطلع عام 2026، يقدّم الكاتب والصحافي العراقي كرم نعمة عملاً فكرياً يندرج في منطقة نادرة بين الفلسفة والأدب والنقد الثقافي، حيث تتحول التقنية إلى استعارة للوعي الإنساني نفسه. الكتاب لا يكتفي بمساءلة الذكاء الاصطناعي كظاهرة تكنولوجية، بل يعيد صياغته كقصة رمزية عن الإنسان في مواجهة وهم الكمال، في زمن تتراجع فيه الحدود بين الخيال والبرمجة، وبين الرغبة والمعرفة.

منذ صفحاته الأولى، يضع نعمة القارئ أمام مفارقة مركزية: أن الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ كأداة مساعدة للإنسان، صار يهدد جوهره، أي قدرته على التفكير والتعبير. وفي مقدمة الكتاب، يستعيد تجربة صحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2020 حين أوكلت إلى برنامج آلي كتابة افتتاحية، ليعتبرها لحظة ميلاد «الوعد الزائف» الذي يعدنا بالسهولة والاكتمال، لكنه يسلبنا المعنى. هذا التوتر بين الإغراء والخطر يشكِّل محور الكتاب كله، حيث تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان أمام وعوده الخاصة.

الذكاء الاصطناعي، في هذا التصور، ليس مجرد برنامج، بل هو إعادة أسطرة للعالم، حيث تُستبدل بالمتاهة الخوارزمية، وبالمغامرة النتيجة الجاهزة. يقول نعمة إن «الآلة تقدم لنا النهاية بلا بداية، النتيجة بلا صراع»، وهي جملة تختصر الموقف الأخلاقي للكتاب كله.

في عنوان «استحواذ على ملكيتنا الفكرية»، ينتقل الكاتب إلى الواقع الثقافي، مستعرضاً كيف أصبحت النماذج اللغوية تقتات على النصوص البشرية لتنتج محتوى بلا مؤلف. ويستشهد هنا بتجارب روائيين وصحافيين غربيين، مثل كيت موس وأندرو هيل، ليحذر من أن «الوفرة الرقمية» قد تتحوَّل إلى شكل جديد من النهب الأدبي. ثم، يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل يمكن أن يستمر الإبداع في عالم تُختزل فيه التجربة الإنسانية إلى بيانات تدريب؟

أما في «بديهية ديكارت عند الذكاء الاصطناعي»، فيعيد الكاتب طرح السؤال القديم «هل يفكر الذكاء الاصطناعي؟» من منظور إنساني لا تقني، مستعرضاً آراء علماء مثل يوشوا بنجيو حول إمكانية سد الفجوة بين التفكير البشري والصناعي، لكنه يخلص إلى أن الآلة، مهما بلغت من التطور، تظل عاجزة عن إدراك المعنى لأنها لا تعرف الشك ولا التجربة، وهما جوهر التفكير الإنساني منذ ديكارت حتى اليوم.

بهذا المعنى، يصبح الكتاب دفاعاً عن «الوعي» لا عن «الذكاء»، وعن «الروح» لا عن «الوظيفة». فالمؤلف يرى أن الخطر الحقيقي ليس في أن تفكر الآلة، بل في أن نتوقف نحن عن التفكير.

ويربط نعمة بين «ألف ليلة وليلة» والخوارزميات، بين شهريار و«شات جي بي تي»، ليقول إن الخرافة القديمة كانت تحافظ على المعنى عبر المقاومة، بينما الخوارزمية الحديثة تقتل المعنى عبر السرعة. هذه المقارنة تمنح الكتاب بعداً أدبياً عميقاً، إذ يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شخصية رمزية في سردية الإنسان المعاصر، لا إلى موضوع علمي فحسب.

من منظور نقدي، يمكن القول إن «الوعد الزائف» يقدِّم قراءة فكرية متماسكة بلغة شاعرية، لكنه لا يخلو من نزعة تحذيرية قد تبدو متشائمة في نظر أنصار التقنية. ومع ذلك، فإن قوة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل الخوف إلى سؤال فلسفي، لا إلى موقف أخلاقي. فهو لا يدين الذكاء الاصطناعي، بل يستخدمه كمرآة لفحص الإنسان نفسه، ليكشف أن الخطر ليس في الآلة، بل في رغبتنا بأن تكون الآلة مرآتنا الكاملة.

في النهاية، يقدّم كرم نعمة عملاً يمكن قراءته على أكثر من مستوى: كتحليل ثقافي لتأثير التقنية على الإبداع، وكتأمل فلسفي في معنى الرغبة والمعرفة، وكبيان أدبي عن هشاشة الإنسان أمام وعوده. إنه كتاب يذكّر القارئ بأن الذكاء الاصطناعي ليس وعداً بالخلاص، بل اختباراً جديداً للوعي، وأن الإنسان، مهما بلغ من تقدم، لا يزال مطالباً بأن يدافع عن حقه في أن يظل ناقصاً، لأن النقص، كما يقول نعمة ضمناً، هو الشرط الأول للمعنى.