«فوضى» لبسام كيرلس... هروب إلى الفن لمعانقة الحرية

«فوضى» لبسام كيرلس... هروب إلى الفن لمعانقة الحرية

يستوحي منحوتاته من حكايات محيطة به
الأربعاء - 14 شهر ربيع الأول 1443 هـ - 20 أكتوبر 2021 مـ رقم العدد [ 15667]

وأنت تجول في معرض «فوضى» في غاليري «كاف» في الأشرفية، تشعر وكأن الفنان التشكيلي بسام كيرلس يقف على قمة عالية، ومنها يستشف حكايات منحوتاته.

الفوضى التي يتحدث عنها النحات اللبناني تطال الحجر، كما الإنسان، تبكي على مكان وتحاكي الزمان، تنتصب وتتحفز لتستقر في حضن الحرية. «الفوضى هي الوسيلة الأفضل لإخراج مشاعر مدفونة فينا. معها نتحرر من واقع منظم فيصبح الشفاء من أوجاعنا أسهل، وهو ما يدوزن أوتار حياتنا»، هكذا يصف كيرلس الفوضى التي تعنون معرضه الذي افتتحه مؤخراً ويستمر لغاية الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

في نحو 32 منحوتة يترجم كيرلس هواجس تسكنه بأسلوب حديث. لم يلجأ إلى الحجر مادة النحت المعروفة، بل ابتكر أخرى مغايرة تختلف بتقنيتها، وترتكز على مادتي الفلين والباتين والكريستال، فحلق بأفكاره وطوع حرفته كي يسابق معها الزمن. «التقدم العلمي يقابله انعكاس على الفلسفة والفن، فالأولى تزوده بالقيم، والثاني يطرح الهواجس الموجودة وراء هذه الاكتشافات العلمية»، هكذا يصف النحات بسام كيرلس رؤيته الفنية التي تنبثق من علم الفيزياء، الأحب إلى قلبه.

«التقنية التي ابتكرتها، غير مألوفة في فن النحت. أساساً بدأت حياتي بنحت الحجر ومن ثم البرونز، فالصلصال أو الطين الذي لطالما شكل المادة الأساسية للنحات التقليدي عبر الأزمنة. ولكنني اكتشفت أن تلك التقنيات لا تخدم هدفي الأساسي. فاستعنت بمادة الـستايروفون، والمعروفة بالفلين، فهي قابلة للقولبة، تتحمل إحداث فراغات فيها غير متوفرة بالحجر. هذه الفتحات هي متنفس بالمعنى السيكولوجي، تحدث اتصالاً بين العالمين الداخلي والخارجي في عالم الفن. اخترقت الجدران ومع البرونز والألومينيوم وريزين الكريستال عبرت عن أفكاري. أحياناً أستعين بالإسمنت والحديد لأخدم الفكرة. هي حكايات من نوع آخر أتلوها على طريقتي، وهذه الشبابيك التي تلاحظينها في الأبنية المنحوتة تذكرني بمشاهد الحياة وراء الجدران».

الفوضى عارمة في المعرض، بعضها استوحاه الفنان من الحرب السورية المدمرة التي طبعت ذاكرته. «تأثرت بهذه الحرب. صحيح أني ابن بيروت وعشت حروبها الصغيرة والكبيرة. كنت فتياً يومها لا أستوعب تماماً ما يحصل حولي. ولكن في الحرب السورية اكتشفت مدى النتائج التي يمكن للحروب أن تتسبب بها».

الأبنية الحاضرة بكثافة في منحوتات بسام كيرلس تشبهنا بمطارح كثيرة. يؤنسنها ويفتح فيها نوافذ وطاقات كي تتنفس ويتسرب منها النور. كما يرسمها في لوحة وحيدة تتصدر معرضه بتقنية «ميكسد ميديا». «لقد أنسنتها لدرجة نرى فيها وجه الإنسان مطبوعاً على واجهاتها، أو واقفاً على أسطحها. لقد زودتها بالطابع الإيكونوغرافي، لنرى فيها ملامح وجه يعيش حالة ثبات. إنه الشاهد على كل ما يجري ولكن بصمت».

تلعب الثنائية دوراً أساسياً في أعمال بسام كيرلس. ويشرح في سياق حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الثنائية تحفز عندي الأفكار ومكونات منحوتاتي. أحمل علاقة وطيدة ما بين المادة والروح، تتشابك فتنصهر وتولد الجمال. والجمال عندي موجود في الحقيقة، وليس اصطناعياً نستخدمه للتبرج. أرفض أن أقدم الفرح الكاذب. ينتقدون أعمالي لأنها حزينة، وأرد عليهم بأنها الحقيقية ولو كانت قاسية».

الحروب والتغيرات المناخية ومواجهة الطبيعة تقف وراء أفكار كيرلس الطليعية. «لا ميدوزا» و«الوجه البيضة» و«الإهراءات» و«بيت العنكبوت» و«قبضة الثورة» هي أسماء منحوتاته. ونلحظ وجوداً كثيفاً لمنحوتات تمثل أبنية شاهقة وأخرى مدمرة أو مخربة. «إن فكرة الحرب موجودة في كل زمان ومكان. ولا شك أن لبنان حفزني على استيحاء الحرب في منحوتاتي، ولو كنت في بلد آخر لربما ما خطرت على بالي الفكرة. تأثرت بالفنان هانسن كيفر، خلال دراساتي العليا، فهو يجمع في أعماله بين النحت والمكان. ودراساتي العليا مع الحرب السورية وأحداث لبنان تؤلف ركيزة أعمالي».

تركت التغيرات المناخية بأثرها على الفنان التشكيلي اللبناني، فخطفت ذاكرته حالات غرق أبنية في مدن وقرى بسبب ذوبان جبال الجليد، انعكس طيفها على بؤبؤ عينه، لمعت، فتناولها أيضاً في صور أبنية تنتصب رغم تعب يسودها.

تشعر وأنت تراقب أعمال كيرلس وكأنه يصورها من فوق، ضمن مشهدية شاملة تطال الأخضر واليابس وتفاصيل دقيقة. «نعم أحب أن أنظر إلى الأشياء من الأعالي فيبدو المشهد مكتملاً. لا أحب تقديم الفن الشخصي، بل ذلك الذي يطال الإنسان ككل».

تسكن الفوضى كيرلس نفسه «هي بحر كبير في داخلي» يقول مبتسماً، ويتابع: «التفاعل مع الفوضى يولد الهدوء، فتستقيم الأمور بعدها. رسالتي في هذا المعرض أن نعيش الفن ونخرج المكبوت من داخلنا. نرقص ونرسم وننحت ونكتب القصيدة ونجن. نفسح المجال للفن لأن يعالجنا ويخرج كل هذه التراكمات من داخلنا فنشعر بالراحة والسكينة. منطقتنا محكوم عليها بالتشنجات، لأنها تقع على تقاطع مصالح دولية، لذلك أدعو الناس من خلال معرضي للهروب إلى الفن، كي يتخلصوا من الفوضى التي تسكنهم».


لبنان Arts

اختيارات المحرر

فيديو