تقنيات جديدة لتوصيل مليار مستخدم جديد بالإنترنت الفائق السرعة وسد الفجوة الرقمية

روبوت «يغزل» الألياف الضوئية حول الكابلات الكهربائية... وأجهزة «ذكية» تنقل بيانات الإنترنت لاسلكياً حول العوائق

أجهزة «تيراغراف» لنقل الإنترنت الفائق السرعة لاسلكياً عبر المدن  وتجاوز العوائق (موضحة باللون الأحمر) بينها بذكاء
أجهزة «تيراغراف» لنقل الإنترنت الفائق السرعة لاسلكياً عبر المدن وتجاوز العوائق (موضحة باللون الأحمر) بينها بذكاء
TT

تقنيات جديدة لتوصيل مليار مستخدم جديد بالإنترنت الفائق السرعة وسد الفجوة الرقمية

أجهزة «تيراغراف» لنقل الإنترنت الفائق السرعة لاسلكياً عبر المدن  وتجاوز العوائق (موضحة باللون الأحمر) بينها بذكاء
أجهزة «تيراغراف» لنقل الإنترنت الفائق السرعة لاسلكياً عبر المدن وتجاوز العوائق (موضحة باللون الأحمر) بينها بذكاء

قد تكون تستخدم اتصالاً سريعاً بالإنترنت في المنزل أو في بيئة العمل، ولكن أكثر من نصف سكان العالم يفتقرون إلى وصول جيد إلى الإنترنت أو هم غير متصلون بتاتاً. وفي العام 2019، كان أكثر من 70 في المائة من سكان العالم لا يزالون يعيشون في مناطق تبعد أكثر من 10 كيلومترات عن الألياف الضوئية. وليس من السهل تقديم اتصال للمستخدمين في المناطق النائية أو الباردة جداً أو الوعرة أو الصحاري، إلى جانب التكاليف المرتفعة لتمديد الألياف في المناطق الريفية منخفضة الكثافة السكانية، ونقص المواد ذات التكلفة المعقولة التي يمكنها تحمل الظروف المناخية القاسية.
مشاريع الاتصالات
وتعمل «غوغل» على تمديد كابلات ألياف ضوئية في العديد من المدن الأميركية بتكاليف اشتراك منخفضة (يمكن الحصول على سرعة 1 غيغابايت في الثانية بنحو 262 ريالاً سعودياً أو 70 دولاراً، و2 غيغابايت في الثانية بسعر 375 ريالاً أو 100 دولار). وكانت الشركة قد أطلقت مبادرة الإنترنت عبر البالونات الهوائية عالية الارتفاع «لون»، إلا أنها ألغت المشروع بعد 9 أعوام من العمل عليه.
من جهتها، تعمل «فيسبوك» على برنامج «اتصال «فيسبوك» Facebook Connectivity الرامي إلى تطوير تقنيات جديدة لتسهيل وصول المزيد من المستخدمين إلى الإنترنت عالي السرعة حول العالم. واستطاع هذا البرنامج منذ عام 2013 تقديم إنترنت سريع لأكثر من 300 مليون شخص حول العالم، ويعمل حالياً على توصيل أكثر من مليار شخص جديد بالإنترنت لسد الفجوة الرقمية وتسهيل وصولهم إلى المعلومات والخدمات بسرعة وجودة عاليين وبتكلفة معتدلة أينما كانوا، وليستفيد الجميع من الميزات الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية في عالم متصل رقمياً.
ولاحظ الفريق، أن الاقتصادات تزدهر عندما يتوافر إنترنت على نطاق واسع للأفراد والأنشطة التجارية. وفي نيجيريا، مثلاً، أسفرت زيادة الاتصال عريض النطاق عن زيادة بنسبة 7.8 في المائة في احتمالية توظيف الأشخاص في المناطق المتصلة بالكابلات المصنوعة من الألياف الضوئية.
وتحدثت «الشرق الأوسط» مع فريق العمل المتخصص بالتقنيات والبنية التحتية السلكية واللاسلكية، ونذكر ملخص المقابلة التي أجريت خلال أقل من 24 ساعة من انقطاع خدمات «فيسبوك» لساعات عدة مساء 4 أكتوبر (تشرين الأول)، واعتذر الفريق عن المشكلة التقنية التي حدثت بسبب خطأ في عملية تعديل إعدادات الموجهات الرئيسية التي تدل الأجهزة الخادمة العالمية إلى عناوين أجهزة «فيسبوك»، مؤكدين أن الانقطاع المذكور غير مرتبط بعمليات فريق «اتصال فيسبوك»، حيث يعمل الفريق على تقديم تطويرات لاتصال المستخدمين بالإنترنت عن طريق البحر والبر والجو.
كابلات الاتصالات البحرية
وبالنسبة إلى تحسين سعة الإنترنت على مستوى العالم عبر البحر، فيعتمد الإنترنت العالمي على ركيزة أساسية، هي كابلات تمر تحت سطح البحر تربط بين القارات. وفي الوقت الحالي، تقتصر سعة الكابلات التي تمر تحت سطح البحر على كمية الكهرباء التي يمكن توصيلها من الشاطئ إلى سلسلة من أجهزة تكرار الإشارة (لتقوية الإشارة على امتداد الكابل) التي يتم وضعها كل 80 كيلومتراً تقريباً على امتداد الكابل. ولو نظرنا إلى كابل طويل، مثل ذلك الذي عبر المحيط الأطلسي ويمتد من أوروبا إلى الولايات المتحدة بطول يزيد على 7 آلاف كيلومتر، فإن حصول أجهزة تكرار الإشارة على الكهرباء من الشاطئ يمثل تحدياً كبيراً. وللتغلب على هذا التحدي؛ يطور المهندسون حالياً عوامات يمكنها توليد الطاقة لأجهزة تكرار الإشارة مباشرة من وسط المحيط، وذلك باستخدام مجموعة من محولات طاقة الأمواج والألواح الشمسية.
وحتى وقت قريب، كانت الكابلات التي تمر عبر المحيطات تتكون من زوجين إلى 8 أزواج من الألياف فقط. ولكن الفريق استطاع الآن تطوير هذا الأمر وأطلق أول نظام كابلات يمر عبر المحيط الأطلسي يتكون من 24 زوجاً من الألياف بسعة نصف بيتابايت لكل ثانية؛ أي نصف مليون غيغابايت في كل ثانية. ولتوضيح الأمر، تزيد سعة هذه الكابلات بمقدار 200 ضعف عن سعة كابلات الاتصالات التي تمر عبر المحيط الأطلسي التي تم إطلاقها قبل نحو 20 عاماً فقط.
واستخدام مجموعة من محولات طاقة الأمواج والألواح الشمسية هو أمر بالغ الأهمية لتعزيز الابتكارات التقنية؛ وذلك لنقل سعة الكابلات قريباً من نصف بيتابايت في الثانية إلى 5 بيتابايت في الثانية، أي 10 أضعاف السعة، وبالتالي ضرورة وجود طاقة ثابتة لجميع أجهزة تكرار الإشارة.
روبوتات للكابلات البرية
الخطوة التالية بعد وصول الكابلات إلى الشاطئ هي توصيل النطاق الترددي للمجتمعات. إلا أن السبل الحالية لمد الألياف يعيبها كثافة العمالة وارتفاع التكلفة. ونتيجة لذلك؛ كان تثبيت الألياف هو العائق أمام تمديد المزيد منها وتقديم وصول غير مقيد إلى الإنترنت للجميع بغض النظر عن مستوى الدخل. ولتصور حجم التكاليف، فإن كل خصلة من الألياف تكلف بضع سنتات لكل متر، بينما تكلف عملية التمديد ما بين عشرات إلى مئات الدولارات لكل متر. ويعود السبب في ارتفاع تكلفة تمديد الألياف إلى أجور العمال وتكلفة العتاد والمواد الأولية اللازمة لحفر الأرض وتمديد الألياف وردمها بشكل صحيح، وعبر آلاف الكيلومترات بين المدن أو المناطق النائية.
ويمكن الاستفادة من البنية التحتية الموجودة مسبقاً لمد الألياف، مثل خطوط الكهرباء متوسطة الجهد، وهي الأسلاك المألوفة أعلى عمود الكهرباء في العديد من المدن والمناطق حول العالم، والتي تمر في كل شارع تقريباً، دون الحاجة إلى تكبد نفقات حفر الخنادق لوضع الألياف تحت الأرض. وطور الفريق روبوتاً اسمه «بومبيكس» Bombyx (كلمة لاتينية تعني «دودة القز») لمد الألياف الضوئية عبر الأسلاك الكهربائية. ويشابه عمل الروبوت دودة القز، بحيث يخرج منه سلك الألياف الضوئية بشكل حلزوني يلتف حول السلك الكهربائي. ويستطيع الروبوت التنقل عبر الأسلاك والعمدان الكهربائية بسهولة بسبب انخفاض وزنه وقدرته على التنقل من عمود إلى آخر آليا، وهو يستطيع تحمل الظروف الجوية الصعبة والعمل عبر المسار المحدد المسار له.
ومن التحديات التي واجهت الفريق تصميم كابلات الألياف، حيث إنه عندما يتم التفاف الألياف حول خط الكهرباء، فإن وزن الألياف والروبوت سيكون كبيراً على الكابلات الكهربائية التي تتعرض لعوامل التمدد والتقلص والرياح. كما أن كابلات الكهرباء متوسطة الجهد تصبح ساخنة.
ولمواجهة تحديات التصميم هذه، تم استخدام نوع من الألياف يسمى «كيفلر المُضفَّر» لتقوية الكابل، مع الحرص على بقائه صغيراً ومرناً. ولعلاج مشكلة الحجم والوزن، تم خفض عدد الألياف من 96 قطعة ألياف إلى 24 داخل الكابل الواحد. وبفضل التقنيات الحديثة، يمكن لقطعة الألياف الواحدة أن تخدم ما يصل إلى ألف منزل. وتم تطوير غلاف للألياف لتتمكن من تحمل درجات الحرارة المرتفعة الموجودة في خطوط الكهرباء أو في حال حدوث شرارة كهربائية في الجهد العالي. النتيجة النهائية هي قدرة كل روبوت على تمديد أكثر من كيلومتر من الألياف والتغلب على عشرات العوائق من تلقاء نفسه في نحو 90 دقيقة فقط.
توصيل الألياف هوائياً
التقنية الثالثة هي «تيراغراف» Terragraph، وتهدف إلى توصيل الإنترنت فائق السرعة من الألياف الضوئية إلى المنازل دون الحاجة إلى حفر الطرقات ومد الكابلات لكل منزل أو نشاط تجاري، وبالتالي توفير التكلفة على المستخدم. ويمكن القيام بذلك باستخدام هذه التقنية التي تعتمد على أجهزة إرسال لاسلكية موجودة على مثبتات الطرق والأسطح لإنشاء شبكة موزعة من الاتصال عالي السرعة يمكن الاعتماد عليه دون أي انقطاع. ويتم تثبيت هذا الأجهزة على أعمدة الإنارة وإشارات المرور لنقل الإشارة بين الألياف الضوئية والمنازل والمتاجر المختلفة حول المدينة بشكل يشابه استخدام الموجهات المنزلية لتقوية إشارة «واي فاي» اللاسلكية، ولكن بتقنيات أكثر تقدماً بأشواط. وستوصل هذه الأجهزة الإنترنت لاسلكياً إلى سطح المبنى، ليتم نقل الإشارة عبر موجهات «راوتر» محلية لكل شقة عبر كابلات الشبكات القياسية، أو عبر شبكات «واي فاي» محلية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأجهزة تعلم أماكن تواجد الأجهزة الأخرى وتقوم بتعديل زوايا إرسال الإشارة إلى الأجهزة الأخرى في حال وجود عوائق جديدة أمامها (مثل سقالة لصيانة مبنى ما، أو تشييد بناء جديد بين جهازين على خط واحد) دون أي تدخل بشري. وتبلغ سرعة التحميل Download عبر هذه الشبكات 1 غيغابايت في الثانية (نحو 128 ميغابايت في الثانية، ذلك أن الغيغابايت يعادل 1024 ميغابايت، والميغابايت الواحد يعادل 8 ميغابايت).
الجدير ذكره، أن الفريق يشارك هذه التقنية مجاناً مع الشركات المصنعة للمعدات التي تستخدمها في أجهزتها، وشحنت أكثر من 30 ألف وحدة إلى أكثر من 100 مزود لخدمة الإنترنت فائق السرعة حول العالم.


مقالات ذات صلة

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)

خاص من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

قطاع «الفنتك» في السعودية ينتقل من التبنِّي السريع إلى تحديات التنفيذ مع الحاجة لتحديث الأنظمة والبيانات لتعزيز الابتكار والتوسع المستدام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

نموذج جديد يتنبأ بحركة البعوض ويكشف كيف يدمج الإشارات البصرية والكيميائية لتحديد موقع الإنسان وتحسين استراتيجيات مكافحته والحد من الأمراض.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أدوات مطورة لكشف التزييف بالذكاء الاصطناعي

أدوات مطورة لكشف التزييف بالذكاء الاصطناعي

بلغ المحتوى المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي مستوى عالياً من الواقعية لدرجة أنه يصعب في كثير من الأحيان، التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف

ستيوارت تومبسون (نيويورك)

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
TT

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل كل من شركتي «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، في دعوى فريدة من نوعها تهدف إلى تحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال المستخدمين لخدماتها، ومنحت للمدعية تعويضات بقيمة 3 ملايين دولار.

وقررت هيئة المحلفين في كاليفورنيا، بعد أكثر من 40 ساعة من المداولات على مدار تسعة أيام، أن شركتي «ميتا» و«يوتيوب» أهملتا في تصميم وتشغيل منصتيهما.

وأقرت هيئة المحلفين أيضاً أن إهمال كلتا الشركتين كان عاملاً جوهرياً في التسبب بالأذى للمدعية، وهي شابة تبلغ من العمر 20 عاماً تقول إن استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي في طفولتها أدى إلى إدمانها على التكنولوجيا وزاد من معاناتها النفسية.

شعار شركة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

وأكدت القاضية كارولين بي كول أن هيئة المحلفين أبلغت المحكمة بأنها توصلت إلى حكم. ونبهت الجمهور ووسائل الإعلام بأنه ينبغي عليهم عدم إظهار أي رد فعل علني تجاه الحكم، أياً كان.

وقالت: «لا صراخ، لا ردود أفعال، لا إزعاج». وأضافت أن من يتصرف بهذه الطريقة سيتم إخراجه من قاعة المحكمة.

وكانت شركة «ميتا» وشركة «يوتيوب»، المملوكة لـ«غوغل»، هما المدعى عليهما الباقيين في القضية بعد أن توصلت شركتي «تيك توك» و«سناب» إلى تسويات قبل بدء المحاكمة.


دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
TT

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

مع تزايد اعتماد المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع هذه الأنظمة التأثير ليس فقط في ما نعرفه، بل أيضاً في طريقة تفكيرنا؟

دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في «PNAS Nexus» تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل كيفية تأثير السرديات التاريخية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. وتشير النتائج إلى أن المعلومات قد تكون دقيقة من حيث الوقائع، لكنها لا تكون بالضرورة محايدة في تأثيرها.

تجربة منهجية لقياس التأثير

اعتمدت الدراسة على تجربة واسعة شملت 1912 مشاركاً، وهدفت إلى قياس تأثير التعرض لنصوص تاريخية مولدة بالذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. عُرضت على المشاركين ملخصات لأحداث تاريخية تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم طُلب منهم تقييم مواقفهم تجاه مواضيع مرتبطة بها. ولم يكن الهدف اختبار المعلومات المضللة، بل فهم ما إذا كان أسلوب العرض وحده حتى مع بقاء الحقائق ثابتة يمكن أن يؤثر في الحكم. والنتيجة كانت واضحة: نعم، يمكن لذلك أن يحدث. فحتى عندما لم تتغير الوقائع، أدت الاختلافات في طريقة السرد إلى تغيّر ملحوظ في آراء المشاركين. وهذا يعني أن التأثير لا يتطلب معلومات خاطئة، بل يمكن أن ينشأ من طريقة العرض نفسها.

يتحول دور الذكاء الاصطناعي من نقل المعلومات إلى تفسيرها ضمن سياق سردي متكامل (أدوبي)

التحيز الكامن: تأثير غير مرئي

تسلّط الدراسة الضوء على مفهوم ما يُعرف بـ«التحيز الكامن»، وهو التحيز الذي يظهر في النصوص دون قصد مباشر، نتيجة للبيانات التي تدربت عليها الأنظمة أو لطريقة صياغة الطلبات.

وبما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كميات ضخمة من البيانات البشرية، فهي تعكس أنماطاً وسياقات موجودة مسبقاً. وعند توليد محتوى، قد تميل إلى إبراز جوانب معينة على حساب أخرى.

هذا النوع من التحيز لا يكون واضحاً، ولا يتضمن بالضرورة أخطاء أو معلومات مضللة، بل يظهر من خلال اختيار التفاصيل وترتيبها وأسلوب عرضها.

أهمية صياغة السؤال

تشير الدراسة أيضاً إلى أن طريقة طرح السؤال أو الطلب تؤثر بشكل كبير في النتيجة. فالتغييرات البسيطة في صياغة السؤال يمكن أن تؤدي إلى اختلاف في طريقة عرض الحدث نفسه، حتى لو ظلت الوقائع ثابتة. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يسترجع المعلومات فقط، بل يعيد بناءها استجابةً لطريقة التفاعل معه. وبالتالي، فإن العلاقة بين المستخدم والنظام تصبح جزءاً من عملية إنتاج المعرفة، وليس مجرد وسيلة للوصول إليها.

على عكس محركات البحث التقليدية التي توفر روابط متعددة، يقدم الذكاء الاصطناعي محتوى جاهزاً ومترابطاً في شكل سردي. وهذا التحول له تأثير مهم على طريقة استيعاب المعلومات.

فعندما يقرأ المستخدم نصاً متماسكاً بدلاً من مصادر متعددة، يكون أكثر ميلاً لتقبّله كتصور متكامل، وليس كوجهة نظر ضمن مجموعة من الآراء. وهذا يزيد من تأثير الخيارات السردية غير الظاهرة داخل النص.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الأنظمة لم تعد مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل أصبحت وسيطاً تفسيرياً يؤثر في كيفية فهم الأحداث.

الدقة لا تعني الحياد

من أبرز استنتاجات الدراسة أن الدقة لا تضمن الحياد. فحتى عندما تكون المعلومات صحيحة، يمكن لطريقة تنظيمها وعرضها أن تؤثر في تفسيرها. وهذا يتحدى فكرة شائعة مفادها أن ضمان صحة المعلومات كافٍ لضمان موضوعيتها. في الواقع، قد يؤدي التركيز على عناصر معينة، أو تقديم سياق محدد، إلى توجيه الفهم بطريقة غير مباشرة.

ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص المواضيع المعقدة، تكتسب هذه النتائج أهمية أكبر. فالمستخدمون قد يتعرضون لتفسيرات تبدو محايدة، لكنها تحمل تأثيرات ضمنية ناتجة عن أسلوب العرض. ولا يعني ذلك وجود نية للتضليل، بل يعكس طبيعة الأنظمة التي تحاول محاكاة اللغة البشرية من خلال بيانات واسعة ومعقدة.

تؤثر صياغة الأسئلة أو الطلبات بشكل كبير في طبيعة الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي

مجال بحثي يتوسع

تفتح هذه الدراسة الباب أمام مزيد من البحث حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الإدراك البشري. فما زالت هناك تساؤلات حول اختلاف التأثير بين الأفراد، وكيف تتغير الاستجابة وفقاً للخلفية أو المعتقدات المسبقة. كما أن انتشار هذه الأنظمة قد يضاعف من تأثيرها على النقاش العام. تركز النقاشات غالباً على خطر المعلومات الخاطئة، لكن هذه الدراسة تشير إلى تحدٍّ مختلف يتعلق بتأثير المعلومات الصحيحة عندما تُعرض بطريقة معينة. وهذا يعني أن التأثير لا يأتي فقط من الخطأ، بل من طريقة عرض الحقيقة نفسها.

مسؤولية جديدة

تفرض هذه النتائج مسؤوليات جديدة على المطورين وصناع القرار والمستخدمين. فالحاجة لم تعد تقتصر على ضمان دقة المعلومات، بل تمتد إلى فهم كيفية إنتاجها وتقديمها. كما يصبح من الضروري تعزيز الوعي النقدي لدى المستخدمين عند التعامل مع المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتغير العلاقة بين المعرفة والثقة. تشير هذه الدراسة إلى أن الثقة لا ينبغي أن تُبنى على صحة المعلومات فقط، بل أيضاً على فهم كيفية صياغتها وعرضها.

وبهذا المعنى، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لنقل المعرفة، بل أصبح جزءاً من عملية تشكيلها. وهنا يكمن التحدي الحقيقي، ليس فقط في التأكد من صحة المعلومات، بل في فهم الطريقة التي تُروى بها.


من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
TT

من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)

شهد القطاع المالي في السعودية تحولاً رقمياً سريعاً خلال فترة زمنية قصيرة. ففي أقل من عقد، انتقل الاقتصاد من الاعتماد الكبير على النقد إلى مرحلة أصبحت فيها نحو 80 في المائة من معاملات التجزئة إلكترونية. لكن هذا الإنجاز لا يمثل نهاية الرحلة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً.

يرى محمد عويضة المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ستيتش» أن قطاع التقنية المالية في المملكة دخل نقطة تحول حاسمة. ويشرح خلال حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»: «إذا قارنَّا السعودية بأسواق كانت تُعدّ رائدة في (الفنتك) أي التكنولوجيا المالية قبل خمس سنوات، نجد أن أجزاءً من المملكة قد لحقت بها، بل وتفوقت عليها في مجال المدفوعات. لكن المرحلة المقبلة لم تعد تتعلق بالتبنّي، بل بالتنفيذ».

محمد عويضة المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ستيتش»

ازدهار الواجهة الأمامية... وحدوده

التحوُّل الذي تحقق حتى الآن كان واضحاً للمستخدمين كمحافظ رقمية ومدفوعات سلسة وخدمات مالية أكثر سهولة. لكن خلف هذه الواجهة، لا تزال عملية التحول العميق غير مكتملة.

ويبرز الذكاء الاصطناعي مثالاً واضحاً على ذلك. فرغم الزخم الكبير حوله، فإن استخدامه في المؤسسات المالية لا يزال يتركز في تطبيقات سطحية.

يقول عويضة إنه «في معظم الحالات، لا يزال الذكاء الاصطناعي غير مدمج في الوظائف الأساسية مثل إدارة الاحتيال واتخاذ قرارات الائتمان والاكتتاب أو الأتمتة التشغيلية». وغالباً ما يُستخدم في واجهات المحادثة أو الخدمات البسيطة. ويرجع ذلك ليس إلى نقص الطموح، بل إلى البنية التحتية.

فالأنظمة الأساسية القديمة، إلى جانب تعدد منصات الموردين، تجعل من الصعب دمج الذكاء الاصطناعي في صلب العمليات. ومن دون بيانات موحدة وبنية حديثة، تبقى القدرات المتقدمة محدودة. وهذا يخلق مفارقة واضحة، حيث يمكن إطلاق المنتجات بسرعة، لكن يصعب توسيع نطاقها بكفاءة.

التنفيذ... التحدي الحقيقي

مع نضوج السوق، تغيَّر نوع التحدي. فالإطار التنظيمي واضح، والطلب قوي والبنية الرقمية متوفرة، لكن العائق أصبح في التنفيذ اليومي. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 84 في المائة من المؤسسات المالية في السعودية تخطط لتحديث بنيتها التحتية خلال العام المقبل، مما يعكس إدراكاً واسعاً لطبيعة التحدي. ويظهر هذا التحدي بوضوح في مجال التمويل، حيث لا تزال أكثر من 60 في المائة من المؤسسات تعتمد بالكامل على أنظمة قديمة، بينما تتجاوز نسبة الاعتماد على الموردين الخارجيين 87 في المائة. ولا يقتصر أثر ذلك على البطء التشغيلي، بل يمتد إلى النتائج نفسها. ويشير عويضة إلى وجود «فجوة بين سرعة إطلاق المنتجات وسهولة تطويرها أو توسيعها. وفي كثير من الحالات، تفوّت المؤسسات بالفعل فرصاً تجارية لأن أنظمتها الأساسية لا تواكب النمو».

تلعب الأطر التنظيمية الواضحة والكفاءات البشرية دوراً أساسياً في دعم الابتكار وبناء قطاع مالي أكثر كفاءة ونضجاً (شاترستوك)

التجزئة... التكلفة الخفية للنمو

تمثل التجزئة أحد أبرز التحديات في هذه المرحلة. فأكثر من 73 في المائة من المؤسسات تعتمد بشكل كبير على شركاء خارجيين لإطلاق المنتجات وتحديثها. ورغم أن هذا النموذج ساعد على تسريع الابتكار، فإنه أدَّى أيضاً إلى زيادة التعقيد. ويوضح عويضة أن «الاعتماد على عدد كبير من الموردين المتخصصين يزيد من عبء التنسيق، ويبطئ التنفيذ، ويُشتّت المسؤوليات». ولا يقتصر الأمر على الكفاءة، بل يمتد إلى الحوكمة والامتثال والأمن. فعندما تكون الأنظمة مفككة، يصبح تطبيق معايير موحدة أكثر صعوبة، وتتوزع المسؤولية عبر أطراف متعددة، ما يزيد من تعقيد إدارة المخاطر. والنتيجة هي أن الابتكار يحدث في جيوب منفصلة، دون أن يمتد بشكل متكامل داخل المؤسسة.

البيانات... من عائق إلى محرك

في قلب هذه التحديات، تقف البيانات. في كثير من المؤسسات، تكون البيانات موزعة عبر أنظمة متعددة ومكررة وتُعالج يدوياً أو تصل متأخرة. وهذا لا يؤثر فقط على الكفاءة، بل يحد من الإمكانات. ويؤدي ذلك برأي عويضة إلى «تقيد كل شيء». وهذا ينعكس مباشرة على القدرة على تطبيق تقييم المخاطر في الوقت الحقيقي والتسعير الديناميكي والخدمات المالية المخصصة. كما يفسر محدودية استخدام الذكاء الاصطناعي في الوظائف الأساسية.

في المقابل، عندما تُبنى الأنظمة على نماذج بيانات موحدة، يتغير المشهد بالكامل. ويفسر عويضة: «عندما تعمل المؤسسات على نماذج بيانات موحدة وطبقات تحكم مشتركة، يتضاعف الابتكار. يمكن تسعير المنتجات بشكل ديناميكي، وتقييم المخاطر فورياً، وإتاحة خدمات جديدة عبر واجهات برمجية دون زيادة المخاطر التشغيلية». وفي هذا السياق، لم تعد «الخدمات المفتوحة» (Open Banking) مفهوماً مستقبلياً، بل واقعاً ناشئاً، وإن كان لا يزال مقيداً بتجزئة البنية التحتية.

نجاح المرحلة المقبلة يعتمد على تكامل الأنظمة والكفاءات البشرية وليس على إطلاق منتجات جديدة فقط (شاترستوك)

التنظيم... عامل تمكين لا قيد

من أبرز نقاط القوة في السوق السعودية وضوح الإطار التنظيمي. وينوه عويضة «بتوفير الأطر الواضحة من البنك المركزي السعودي بيئة تمكّن المؤسسات من الابتكار بثقة، بدلاً من العمل بحذر ضمن تجارب معزولة». كما ساهمت مبادرات مثل «البيئات التجريبية التنظيمية» (sandbox) في تسريع الابتكار مع الحفاظ على الاستقرار.

والتحدي في المرحلة المقبلة سيكون الحفاظ على هذا التوازن أي تحقيق السرعة دون التفريط في الضوابط. فمع تطور السوق، يتغير دور الشركاء التقنيين حيث لم يعد المطلوب تقديم أدوات منفصلة، بل دعم شامل يشمل الحوكمة والامتثال والأمن والتشغيل.

وينصح عويضة «بأن يقلل الشركاء التعقيد، لا أن يزيدوه». كما يبرز هنا مفهوم الانضباط المعماري، إذ إن غياب تصميم تقني متماسك يجعل حتى أفضل الأدوات غير قادرة على تحقيق القيمة المرجوة.

الكفاءات البشرية والملكية

يشدد عويضة على أهمية وضوح المسؤوليات إذ لا يمكن للتكنولوجيا وحدها أن تقود المرحلة المقبلة. ويضيف خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»: «تفشل التقنيات المتقدمة عندما تكون المسؤولية موزعة بين فرق أو موردين أو وظائف مختلفة». المؤسسات الناجحة هي التي تحقق تكاملاً بين فرق الأعمال والتقنية والتشغيل، مع قدرة على اتخاذ القرار بسرعة. وفي الوقت نفسه، تمثل تنمية الكفاءات في السعودية، ضمن «رؤية 2030»، ميزة استراتيجية، خاصة في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي.

ولا يقتصر تأثير التطور المالي على القطاع نفسه بل على «طريقة انتقال الأموال وتوزيع رأس المال وتصميم المنتجات المالية تحدد سرعة تطور الاقتصادات» كما يرى عويضة. ويتابع: «عندما تصبح الأنظمة المالية أكثر كفاءة، يتسارع الابتكار في مختلف القطاعات».

كيف تبدو مرحلة النضج؟

في المرحلة المقبلة، لن يُقاس نجاح القطاع بعدد المنتجات الرقمية، بل بمدى كفاءتها وتكاملها. يتصور عويضة بيئة يمكن فيها إطلاق منتجات مالية متوافقة خلال أسابيع بدلاً من سنوات، دون زيادة المخاطر التنظيمية أو التشغيلية. كما ستلعب الأتمتة دوراً محورياً في تقليل الأعباء التشغيلية. ويصرح: «عندما تُزال القيود، فإن أفضل المنتجات لا تُخطط دائماً... بل تظهر تلقائياً».

لم تعد قصة «الفنتك» في السعودية تتعلق باللحاق بالركب. ففي كثير من المجالات، وصلت بالفعل إلى مستويات عالمية. المرحلة المقبلة ستكون أكثر أهمية... تنفيذ فعَّال وتوسع المستدام وبناء أنظمة تدعم الابتكار المستمر.