تركي الفيصل يكشف في «الملف الأفغاني» سيرة تسلسل غير عادي للأحداث

أصدره بالإنجليزية وطرحت ترجمته للعربيّة ضمن تظاهرة معرض الرياض للكتاب

الأمير تركي الفيصل
الأمير تركي الفيصل
TT

تركي الفيصل يكشف في «الملف الأفغاني» سيرة تسلسل غير عادي للأحداث

الأمير تركي الفيصل
الأمير تركي الفيصل

فرض الحدث الأفغاني نفسه مجدداً على رؤوس نشرات الأخبار خلال الأسابيع القليلة الماضية بعد انسحاب عسكري أميركي كلي بدا للوهلة الأولى متسرعاً على الرّغم أنّه تحقق في إطار تفاهمات مسبّقة مع حركة «طالبان». وشاهد الملايين حول العالم مقاطع بثّتها محطات التلفزة لمئات الأفغان البائسين وهم يحاولون عبثاً الالتحاق بالطائرات المغادرة تجنباً للعيش تحت حكم مقاتلي الحركة الأصوليّة المتشددة الذين سيطروا بسرعة قياسيّة على العاصمة كابل، وأجزاء واسعة من البلاد.
وقد جلبت تلك التطورات معها ذكريات وتساؤلات، ومخاوف وتمنيّات. إذ منذ نصف قرن تقريباً وأفغانستان تفتقد إلى السلام والاستقرار، تنتقل من احتلال إلى حرب، أو من حرب إلى احتلال، ومن تدخلات خارجيّة تورطت فيها قوى فاعلة عديدة - ومنها دول عظمى -، إلى انقلابات وحروب أهليّة داميّة وصراعات جهويّة وقبليّة لا تنتهي. وبينما ظنّ العالم أن تلك الصفحة قد طويت قبل عشرين عاماً عندما أسقطت القوات الأميركيّة حكم حركة «طالبان» بالقوّة ودعمت قيام حكومة بديلة شرعت بإعادة بناء مؤسسات الدّولة من جديد، وفرض نوع من الهدوء الأمني على أراضيها.
الانسحاب، وما ترتب عليه، أثار موجة من الاهتمام المتزايد بفهم جذور هذه الحالة المستعصية على الاستكانة، والسيّاق التاريخي الذي نشأت فيه، وطبيعة أدوار اللاعبين الرئيسيين الذين شاركوا في صياغتها لأغراض كما دوافع شتّى. والحقيقة، فقد أريق حبر كثير لتوثيق جوانب من سيرة هذا البلد وبعض الأحداث الفاصلة التي شهدها من زوايا نظر مختلفة، سواء في إطار مذكرات شخصيّة، أو متابعات صحافيّة أو وثائق رسميّة. على أن كثيراً مما نشر بالفعل كان نتاج أفراد مراقبين أو مشاركين جانبيين في الأحداث، أو عكس وجهة نظر جهة محددة دون غيرها. وقد تسبب ذلك، بتعرض مواقف المملكة العربيّة السعودية من أفغانستان عبر المراحل المتعاقبة إلى كثير من سوء الفهم وحتى التحامل الظالم أحياناً، لا سيّما في الغرب حيث تختلط المواقف الاستشراقيّة بالدّعاية السياسيّة، والتوجّس من الإسلام بقلّة المعرفة، والتبسيط المخلّ بسوء النيّة.
من هذه الزاوية تحديداً تأتي الأهميّة الفائقة لشهادة الأمير تركي الفيصل آل سعود عن الدّور السعودي الرسمي (والشعبيّ) الهام في المراحل المختلفة من تاريخ أفغانستان المعاصر التي ضمنّها كتابه المعنون «الملف الأفغاني» وصدر حديثاً بالإنجليزية في لندن (وطرحت ترجمة عربيّة كاملة له ضمن تظاهرة معرض الرياض للكتاب).
لقد كان الأمير تركي الفيصل، في إطار دوره رئيساً للاستخبارات السعودية في الفترة منذ أواخر عام 1977 حتى 2001 المكلّف الرئيسي بالملف الأفغاني، مما جعله على اطلاع مكثّف فوق المعتاد على تطورات الأحداث ومرجعياتها من لحظة التدخّل السوفياتي عام 1979 وحتى سقوط حكم «طالبان» في 2001. بل وكانت له مشاركة مباشرة في بعض من انعطافاتها الكثيرة. وهو بحكم منصبه الحسّاس طوّر علاقات عمل بالعديد من الشخصيّات المؤثرة في تلك الأحداث سواء من قيادات الدّول المعنيّة بالشأن الأفغاني أو من بين وجهاء الأفغان أنفسهم وعرفهم عن قرب، وكثيراً ما حملته الطائرة إلى كابل أو قندهار كما عواصم إقليميّة وعالميّة لمتابعة الاتصالات وجاهة مع المعنيين، مما يضع شهادته في موقع فريد لن يستغني عنه أي مهتم باستعادة تاريخ أفغانستان، أو راغب في بناء تصوّر دقيق عن تاريخ السعودية في موازاة تلك الحقبة من الزمن القريب بغضّ النظر عن دوافع تلك الاستعادة وانحيازات أصحابها، إذ أثبتت تجربة مشاركة المملكة في دعم الشعب الأفغاني بأنها أثرّت كثيراً في المجتمع السعودي أيضاً، وكانت لها مترتباتها السياسيّة والأمنيّة والاجتماعيّة والإداريّة.
يروي «الملف الأفغانيّ» حكاية ذلك البلد الجبلي الصعب خلال الربّع الأخير من القرن العشرين بداية من لحظة في منتصف سبعينيات القرن الماضي ترتبط بمرحلة الحرب الباردة بين العملاقين السوفياتي والأميركي وانطلاق مقاومة محليّة إسلاميّة الطابع ضد الحكم الشيوعي في كابل أثارت انتباه الولايات المتحدّة التي كانت تخشى من تمدد النفوذ الروسي جنوباً نحو المياه الدافئة ورأت أنها موضوعياً ستكون في صف تلك المقاومة، إلى مأساة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001، التي أعادت خلط أوراق السياسة العالميّة، وفجرّت أنهاراً من الدّماء لا يزال بعضها جارياً إلى اليوم. ويصف الأمير في 15 فصلاً سيرة تلك المرحلة وتقلّب فصولها من الزّاوية السعودية بوصفه الشخصيّة الأكثر اطلاعاً على تفاصيل ذلك «الملف» الشائك، والمكلّف، بصفة رسميّة حينها كرئيس للاستخبارات السعودية، بإدارته، بعدما اتخذت المملكة قراراً بدعم «المجاهدين» الأفغان في معركتهم ضد التدّخل السوفياتي السافر في 1979. مروراً بحيثيّات ذلك الدّعم خلال عقد الثمانينيات، ثمّ سلسلة المبادرات المتتالية للتوسط من أجل تحقيق السلام بين فصائل «المجاهدين» إثر الانسحاب السوفياتي، ومن ثمّ صعود حركة «طالبان» إلى السّلطة وإيواءها ما صار يعرف بتنظيم القاعدة. على أن نص «الملف الأفغاني» وإن عني بمسائل سياسيّة وعسكريّة ولوجيستيّة غاية في التعقيد، فإنّه في الوقت ذاته يصوغها في نسيج متماسك في إطار قالب قصصي وشخصي مما يجعله قريباً للقارئ العادي لا للمتخصص فحسب.
في «الملفّ» يرسم الأمير من حصيلة قيادته للدور السعودي في أفغانستان صوراً نادرة شديدة الواقعيّة لعدد كبير من الشخصيّات التي ارتبط اسمها بتلك المرحلة وعرفها عن قرب بحكم تطور الأحداث، ومنهم زعماء فصائل «الجهاد» الأفغاني، وقادة «طالبان»، كما القيادات الباكستانيّة السياسيّة والأمنية، ومسؤولون سوفيات وأميركيون، وبالطبع دبلوماسيون وأمنيون سعوديون.
ومن الجلي أن الجهود السعودية لدعم تحرر الشعب الأفغاني وتحقيق السّلام في بلاده لم تكن بالمسألة الهينة على أي صعيد، ليس لتكاليفها الماليّة الباهظة فحسب، وإنما أيضاً لما جرّته من انعكاسات أمنيّة واجتماعيّة على الدّاخل السعودي. ووفق «الملفّ» الذي يتضمّن عدداً من وثائق ومراسلات الاستخبارات السعودية التي رفعت عنها السريّة فإن تعنّت زعماء الفصائل الأفغانيّة وصراعاتهم ذات المنطلقات الشخصيّة والقبائليّة والمناطقيّة قد أضرّ بقضيّة بلادهم وحرم الشعب الأفغاني من ثمار نضاله العنيد ضد السوفيات. ويروي الأمير في ثنايا الكتاب كيف بذل جهوداً للحصول على إذن ملكي استثنائي بفتح الكعبة المشرفة في مكة والسماح للزعماء الأفغان بدخولها سويّاً سعياً لتعميق فرص التوصّل إلى سلام بينهم بعد مباحثات صعبة في رحاب المدينة المقدّسة، حيث غلبتهم العاطفة وأقسموا ألا يتقاتلوا فيما بينهم مرة أخرى، ولكنّهم ما لبثوا بعد بضع ساعات معاً في الحافلة التي أقلتهم إلى المدينة المنورة حتى كادوا يتضاربون بالأيدي. كما يلقي الأمير بالضوء على الظروف التاريخيّة التي نمت فيها شجرة الإرهاب العدمي كنتاج عرضي للقضيّة الأفغانيّة بسبب قصر نظر أفراد غرّهم اعتقادهم الموهوم بأنّهم هزموا السوفيات، ودفعهم لتبني خيارات عنفيّة متطرفة بداية ضدّ مجتمعاتهم قبل أن يستيقظ العالم ذات صباح على مشهد تفجير برجي التجارة العالمي في نيويورك بطائرات مدنيّة كان أغلب خاطفيها من المواطنين السعوديين العائدين من أفغانستان.
«الملف الأفغاني» شهادة تاريخيّة ثمينة من أحد أهم المشاركين في صنع الحدث، وتجربة استثنائيّة نادرة لتسجيل خبرة مسؤول عربي أمني من مستوى رفيع، وقراءة سلسلة قريبة تزيل كثيراً من التشوش الذي شاب معظم ما كتب عن أفغانستان إلى الآن وبخاصة حول الدّور السعوديّ. وربما يستكمل الأمير شهادته يوماً بـ«ملف عراقي» عمّا خبره خلال عمله سفيراً للمملكة لدى لندن ثمّ واشنطن خلال الفترة من 2003 - 2007 التي توازت مع أحداث الغزو الأميركي للعراق وما تلاها.


مقالات ذات صلة

كيف أمضى جبّور الدويهي يومه الأخير؟

يوميات الشرق الروائيّ اللبناني جبّور الدويهي (فيسبوك)

كيف أمضى جبّور الدويهي يومه الأخير؟

عشيّة الذكرى الثالثة لرحيله، تتحدّث عائلة الروائيّ اللبنانيّ جبّور الدويهي عن سنواته الأخيرة، وعن تفاصيل يوميّاته، وعن إحياء أدبِه من خلال أنشطة متنوّعة.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون ليلى العثمان تقتحم باسمها الصريح عالم روايتها

ليلى العثمان تقتحم باسمها الصريح عالم روايتها

رواية «حكاية صفية» للروائية الكويتية ليلى العثمان الصادرة عام 2023، رواية جريئة بشكل استثنائي

فاضل ثامر
كتب بعض واجهات المكتبات

موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

الصيف الماضي، عندما روادت ماي تنغستروم فكرة فتح مكتبة لبيع الروايات الرومانسية بمنطقة فنتورا بكاليفورنيا

ألكسندرا ألتر
كتب الرواية الخليجية... بدأت خجولة في الثلاثينات ونضجت مع الألفية

الرواية الخليجية... بدأت خجولة في الثلاثينات ونضجت مع الألفية

يتناول الناقد والباحث اليمني د. فارس البيل نشأة وجذور السرد الإبداعي في منطقة الخليج وعلاقة النص بالتطورات الاجتماعية والاقتصادية المتلاحقة

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق محافظ الإسكندرية ووزير الثقافة ومدير مكتبة الإسكندرية خلال افتتاح المعرض (مكتبة الإسكندرية)

«الإسكندرية للكتاب» يراهن على مبادرات ثقافية وعلمية جديدة

يراهن معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب في دورته الـ19 التي انطلقت، الاثنين، وتستمر حتى 28 يوليو (تموز) الحالي على عدة مبادرات ثقافية.

انتصار دردير (القاهرة )

موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

بعض واجهات المكتبات
بعض واجهات المكتبات
TT

موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

بعض واجهات المكتبات
بعض واجهات المكتبات

الصيف الماضي، عندما روادت ماي تنغستروم فكرة فتح مكتبة لبيع الروايات الرومانسية بمنطقة فنتورا بكاليفورنيا، كان أول ما فعلته البحث عبر الإنترنت للتعرف على ما إذا كانت هناك مكتبات مشابهة في الجوار. وبالفعل، عثرت على مكتبة «ذي ريبيد بوديس»؛ مكتبة في كلفر سيتي تبلي بلاءً حسناً للغاية، لدرجة أنها تتوسع بافتتاح فرع ثانٍ لها في حي بروكلين بمدينة نيويورك.

وعن ذلك، قالت: «شعرت بالتهديد».

ومع أن نجاح «ذي ريبيد بوديس» بدا بمثابة مصدر تهديد، فإنه يوحي كذلك في الوقت ذاته باحتمالية وجود مساحة أمام مكتبة أخرى للروايات الرومانسية. وعليه، افتتحت في فبراير (شباط) مكتبة «سميتن» بمنطقة مزدحمة من «مين ستريت»، على بعد نحو ميل من منافسيها.

في الأشهر التي تلت ذلك، تحولت مكتبة «سميتن» إلى مركز نابض بالحياة لقراء الأعمال الأدبية الرومانسية، مع توقيعات المؤلفين وقراءات التارو ونوادي الكتب وأمسيات الترفيه والحرف اليدوية.

بعض الأحيان، يتصل عملاء بالمكتبة، محملين بطلبات محددة للغاية. عن ذلك، قالت تنغستروم: «جاء شخص ما وقال: أنا أحب الأعمال الأدبية الخيالية، وأريد الرواية أن تكون غريبة، وبها تمثيل لثقافة مختلفة. كما أريدها بذيئة قدر الإمكان».

وأضافت: «لديّ عملاء منتظمون يأتون عدة مرات في الأسبوع. وأسألهم أحياناً: ألم تشتر لتوك كتابين اليوم السابق؟».

اللافت أن الأعمال الأدبية الرومانسية كانت ذات يوم مجالاً يتجاهله أصحاب المكتبات المستقلة إلى حد كبير. ومع ذلك، تحولت اليوم إلى إحدى أكثر الفئات رواجاً في عالم الكتاب، وأصبحت، إلى حد بعيد، النوع الأدبي الأكثر مبيعاً، ونجاحها لا يعيد رسم ملامح المشهد العام لصناعة النشر فحسب، بل وكذلك صناعة بيع التجزئة.

وفي غضون عامين فقط، تبدل المشهد العام بالبلاد، من وجود مكتبتين فقط مخصصتين للروايات الرومانسية، «ذي ريبيد بوديس» و«لوفز سويت آرو»، في شيكاغو، إلى شبكة وطنية تضم أكثر عن 20 مكتبة، من بينها «تروبس آند ترايفلز» في مينيابوليس، و«غرمب» و«صن شاين» في بلفاست بولاية مين، و«بيوتي» و«بوك إن أنكوريج» في ألاسكا، و«لوف باوند ليبراري» في سولت ليك سيتي، و«بلوش بوكستور» بمنطقة ويتشيتا في كنساس. ولا يزال الكثير في الطريق، ومن بينها «كيس آند تيل» في كولينغسوود بنيوجيرسي، و«ذي نيو رومانتيكس» في أورلاندو بفلوريدا، و«غراند جستشر بوكس» في بورتلاند بولاية أوريغون؛ متجر عبر الإنترنت متخصص في بيع الروايات الرومانسية، يتحول اليوم إلى متجر على أرض الواقع.

اللافت أن غالبية هذه المكتبات تمتلكها وتديرها نساء، ناهيك عن أن النساء يشكلن غالبية قراء الروايات الرومانسية، ويعود الفضل إليهن في الارتفاع الهائل في مبيعات هذا الصنف الأدبي، من 18 مليون نسخة مطبوعة عام 2020 إلى أكثر عن 39 مليون نسخة عام 2023، تبعاً لمؤسسة «سيركانا بوكسكان».

في هذا الصدد، قالت ريبيكا تايتل، المحامية السابقة، التي تمتلك اليوم مكتبة «ميت كيوت» المتخصص في الروايات الرومانسية في سان دييغو: «هناك تحول ثقافي يجري على الأرض يشير إلى أن الإعلام، بصورة أساسية، أصبحت تجري كتابته وتوجيهه نحو النساء. اليوم، أدركت أعداد متزايدة من الأفراد أن الروايات الرومانسية ليست رائجة فحسب، وتحمل كذلك قيمة تجارية، بل وتحمل قيمة فنية وترفيهية كذلك».

من ناحية أخرى، يهيمن روائيون رومانسيون، مثل ساره جيه. ماس وإيميلي هنري وكولين هوفر وريبيكا ياروس على قوائم أفضل الكتب مبيعاً. وتكشف الأرقام أن 6 من بين أفضل 10 روائيين من حيث المبيعات داخل الولايات المتحدة، عبر العام الحالي حتى الآن، من كتاب الأعمال الرومانسية.

أما الناشرون، فيعمدون إلى توسيع نطاق قوائمهم الرومانسية، وجذب المؤلفين الرومانسيين الذين ينشرون أعمالهم ذاتياً. ويبدو هذا تحولاً هائلاً عن أيام سابقة كان يجري خلالها النظر بازدراء إلى الروايات الرومانسية باعتبارها سطحيةً وغير جادة، أو بذيئةً. وحتى سنوات قليلة مضت، حرصت الكثير من المكتبات المستقلة على عرض مجموعة صغيرة منتقاة من الروايات الرومانسية، التي غالباً ما يجري وضعها في رف خلفي داخل المكتبة.

من ناحيتها، قالت ليا كوك، التي تشارك في ملكية «ذي ريبيد بوديس»؛ أول مكتبة متخصصة في عرض الروايات الرومانسية تفتتح أبوابها على مستوى الولايات المتحدة عام 2016، إنها لا تزال تتذكر عندما كانت تبحث في سنوات المراهقة عبر المكتبات عن روايات رومانسية، دون جدوى.

وكان الشعور بالتعرض للتجاهل جزءاً من الدافع وراء سعي كوك وشقيقتها، بيا هودجيز كوك، لفتح مكتبة متخصصة في الروايات الرومانسية.

وعبّرت كوك عن اعتقادها بأن «الكثيرين ممن يعملون بمجال النشر وداخل المكتبات المستقلة شعروا وكأن الروايات الرومانسية غير جديرة بإهدار وقت في سبيلها. وكنت أقول في نفسي: بإمكانكم جني أموال، لكن لا بأس، أنا سأجني المال».

يذكر أن مبيعات الروايات الرومانسية بدأت تشهد ارتفاعاً كبيراً خلال سنوات الجائحة، مع إعادة اكتشاف القراءة، وتحول الكثيرين نحو الأعمال الخيالية الرومانسية كملاذ للهروب من الواقع (من بين القواعد الحاكمة لهذا الصنف الأدبي أن الغالبية الكاسحة تنتهي بنهاية سعيدة).

وساهم ظهور تطبيق «بوك توك» في تعزيز هذا الارتفاع في المبيعات، مع اجتذاب مؤثري «تيك توك» القراء صغار السن عبر فيديوهات يتحدثون فيها عن كتّابهم المفضلين.

اليوم، تظهر الروايات الرومانسية بشكل بارز على قوائم «تارغيت» و«بارنيز آند نوبل». وفي وقت مضى، كان عشاق الروايات الرومانسية يشترون الكتب الإلكترونية بشكل أساسي، خصوصاً وأنها أرخص وأسهل في الوصول إليها، وربما من الأسهل إخفاؤها. أما اليوم، فإنهم يستعرضون الروايات الرومانسية التي يملكونها على أرفف مكتباتهم بفخر.

ومنح هذا الصعود السريع للمتاجر المتخصصة في الروايات الرومانسية مكاناً جديداً لعشاق هذا الصنف الأدبي؛ مكاناً مرحباً به للإقبال على شراء كتبهم المفضلة بحماس.

من جهتها، قالت جين نتر، مديرة شؤون الاتصالات والتسويق لدى دار «كنزنغتون» للنشر، المعنية بالروايات الرومانسية: «يمكنك دخول مكتبة مخصصة للروايات الرومانسية، وستجد البائع يسألك: هل تحب الروايات ذات الأحداث الساخنة؟ أم ترغب في رواية تاريخية؟ إنه سيدرك سريعاً ما تريده، ولن يحاول أن يصدر أحكاماً عليك».

اللافت أن الكثير من هذه المكتبات تتسم بمظاهر جملية جذابة ومشرقة وذات طابع أنثوي، مثل الاعتماد الشديد على اللون الوردي، المزدان بزخارف على شكل قلوب وزهور، ناهيك عن التلاعب بالاستعارات الرومانسية المألوفة؛ أعداء الغرام، والحب الممنوع، والهوية السرية.

وتضم هذه المكتبات بين أرففها جميع الأنواع التي يمكن تخيلها للروايات الأدبية: التاريخية والموجهة للقراء صغار السن والأعمال التي تخلط بين الرومانسية والفانتازيا، والأخرى التي تدور حول موضوع رياضي. كما تضم جنبات الكثير من هذه المكتبات أعمالاً أدبيةً تولى مؤلفوها نشرها بالاعتماد على ذواتهم، والتي عادة ما لا تجد طريقها إلى المكتبات الكبرى.

في هذا الصدد، شرحت ميليسا سافيدرا، صاحبة مكتبة «ستيمي ليت» المتخصصة في الروايات الرومانسية، في «ديرفيلد بيتش» في فلوريدا، أنها اكتشفت الروايات الرومانسية منذ ما يزيد قليلاً عن عقد، عندما كانت تعمل ضابطة في رتبة صغيرة بالبحرية الأميركية.

وقالت إن بوابتها إلى عالم الروايات الرومانسية جاء عبر سلسلة «إي. إل. جيمس» المثيرة «فيفتي شيدز أوف غراي» (Fifty Shades of Grey)، التي تمكنت من قراءتها عبر جهازها اللوحي عندما كانت على متن بارجة حربية أميركية.

وبعد أن تركت عملها في البحرية عام 2017، عملت وكيلة سفريات لفرق رياضية. وعندما تباطأت وتيرة العمل في أثناء فترة الجائحة، طرأت على ذهنها فكرة «ستيم بوكس»، صندوق اشتراك ربع سنوي يتضمن مجموعة من الروايات الرومانسية. وحقق المشروع انطلاقة قوية.

وجاء «ستيم بوكس» بمثابة وسيلة للتخلص من وصمة العار العالقة بالروايات الرومانسية المثيرة. وقالت سافيدرا، التي ولدت في ليما بالبيرو، ثم انتقلت إلى ساوث فلوريدا عندما كانت في العاشرة: «لا يزال يتعين علينا أنا نقاتل بشراسة كي نفرض على الناس احترام هذا الصنف الأدبي». وقد ألزمت سافيدرا نفسها بالعمل على الترويج لأعمال الكتاب الرومانسيين من خلفيات متنوعة.

وقررت سافيدرا فتح مكتبة عندما أدركت أن مجتمعها في «ديرفيلد بيتش» يخلو من أي مكتبة متخصصة في الروايات الرومانسية، خصوصاً فيما يتعلق بالأعمال الرومانسية المتنوعة.

وفي عطلة نهاية الأسبوع الذي شهد افتتاح «ستيمي ليت»، أقبل على زيارة المكتبة نحو 500 شخص، وباعت 900 كتاب. ومنذ ذلك الحين، استضافت المكتبة أكثر من حفل توقيع لكتاب، بينهم كيندي رايان وعلي هيزلوود وآبي جيمينيز، التي نظمت احتفالية بالمكتبة في مايو (أيار)، ظهرت بها أعداد من الماعز الصغير، في إشارة إلى مشهد من روايتها «بارت أوف يور وورلد» (Part of Your World) تظهر به أعداد من الماعز.

وفي ظهيرة أحد أيام الأحد الربيع الماضي، كانت «ستيمي ليت» تعج بالقراء الذين يتصفحون الكتب ويحصلون على توقيع الكاتبة الرومانسية إيه. إتش. كننغهام، التي كانت تروج لروايتها «آوت أوف أوفيس» (Out of Office).

وقالت كننغهام إن المكتبة كانت تعج بمحادثات بالإنجليزية والإسبانية، مضيفة: «هذه المساحات التي نحتاجها».

اللافت أن غالبية هذه المكتبات التي تبيع الروايات الرومانسية تمتلكها وتديرها نساء بالإضافة إلى أنهن يشكلن غالبية قراء هذه الروايات

والتقط القراء صوراً تذكارية أمام اللافتات الوردية المضاءة بمصابيح «النيون» الخاصة بالمكتبة، بينما تصفح آخرون الأعمال الإسبانية داخل المكتبة. وحملت بعض أرفف المكتبة روايات تحت عناوين «الرومانسية المظلمة» و«الرمادي الأخلاقي» و«عصر البكاء». وقالت سافيدرا: «هذ الأرفف لا تبقى ممتلئة أبداً»، في إشارة إلى الأعمال الرومانسية.

من جهتها، حملت روزن فولمور، واحدة من العملاء المواظبين على زيارة «ستيمي ليت»، مجموعة من الروايات القديمة بيدها باتجاه كننغهام كي توقع عليها.

كانت فولمور قد سمعت عن المكتبة عندما نشرت رايان، واحدة من الكتاب المفضلين لديها، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أنها ستقيم فعالية هناك. ومنذ ذلك الحين أصبحت عميلة منتظمة لدى المكتبة، التي قالت عنها إنها «تضم جميع الأشياء المثيرة والجذابة التي يمكنك تخيلها».

وقالت عميلة أخرى، هي أنجيلا ثاير، التي تعمل في إدارة شؤون المحاربين القدامى في فلوريدا، إنها تأتي عادةً كل أسبوعين، عندما تحصل على راتبها. وفي ذلك الأحد، أحضرت ابنتها، آشلي واتكينز، التي كانت متحمسة لرؤية الكثير من الروايات الرومانسية لمؤلفين ملونين. وقالت واتكينز: «إن رؤية الكتب التي تضم أشخاصاً يشبهونني في المواقف الرومانسية أمر رائع حقاً».

خدمة «نيويورك تايمز»