تقنيات التقاط الكربون واحتجازه تتقدَّم

تدعم الصناعة وتحدّ من تغيُّر المناخ

عامل في شركة «شل» قرب محطة لالتقاط أكسيد الكربون وتخزينه في ولاية ألبرتا بكندا (رويترز)
عامل في شركة «شل» قرب محطة لالتقاط أكسيد الكربون وتخزينه في ولاية ألبرتا بكندا (رويترز)
TT

تقنيات التقاط الكربون واحتجازه تتقدَّم

عامل في شركة «شل» قرب محطة لالتقاط أكسيد الكربون وتخزينه في ولاية ألبرتا بكندا (رويترز)
عامل في شركة «شل» قرب محطة لالتقاط أكسيد الكربون وتخزينه في ولاية ألبرتا بكندا (رويترز)

تسبب الارتفاع الأخير في أسعار الغاز الطبيعي في إيقاف عجلة الإنتاج في العديد من مصانع الأسمدة حول العالم، وأعقب ذلك حدوث صدمات في صناعات أخرى. ويعتمد تصنيع سماد الأمونيا على النيتروجين والهيدروجين، حيث يأتي الأخير من تكسير الغاز الطبيعي، وهي عملية ينتج عنها ثاني أكسيد الكربون كمنتج ثانوي.
ويُعتبر ثاني أكسيد الكربون مكوناً أساسياً في صناعات مختلفة، ابتداءً بالمشروبات الغازية وانتهاءً بشكله الصلب الذي يمكن استخدامه في نقل وتخزين الأدوية الحساسة لدرجات الحرارة، بما فيها لقاح «فايزر» المستخدم في مواجهة انتشار فيروس كورونا.
وقد تسببت ندرة ثاني أكسيد الكربون في حدوث فوضى في سلاسل التوريد، حتى أن الشركات التي تشتري هذا المنتج بدأت تدفع خمسة أضعاف الثمن الذي اعتادت أن تدفعه سابقاً. وهكذا فإن الغاز، الذي يسعى العالم بأسره للحدّ من انبعاثاته، يبرهن على كونه حيوياً لاستمرار صناعات عديدة، مما يدفع كثيرين إلى التساؤل: لماذا لا يجري سحب ثاني أكسيد الكربون الفائض من الجو وتوفيره للمصانع التي هي في أمسّ الحاجة إليه؟
- احتجاز الكربون صناعياً
يأتي الكربون المستخدم في الصناعة من مصادر ثبتت جدواها منذ فترة بعيدة في سلاسل التوريد المعقدة. وتعدّ كميات هذا الغاز المتولدة عن صنع الأسمدة رخيصة نسبياً ويسهل فصلها، ولذلك ففي حال حصول خلل في إنتاج الأسمدة لن يكون هناك بديل جاهز لإنتاج الكربون. ذلك أن تراكيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي هي نحو 420 جزءاً في المليون، مما يجعل فصله عن الهواء أمراً معقداً وأعلى تكلفة بكثير.
ورغم أن تقنيات التقاط ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي وتخزينه تتطلب عمليات صعبة ومكلفة، يرى العلماء أن الحاجة إلى تطوير هذه التقنيات وتطبيقها أمراً لا مناص منه في المستقبل القريب. وكان تقرير التقييم السادس لتغيُّر المناخ العالمي، الذي صدر مؤخراً عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ، رجّح أن يشهد كوكب الأرض تجاوز عتبة الحرارة المحددة بـ1.5 درجة مئوية زيادة عن مستويات ما قبل النهضة الصناعية في وقت ما خلال السنوات بين 2032 و2050. لذا، يلعب جمع الكربون الناجم عن عمليات حرق الوقود دوراً كبيراً في التصدي للتغيُّر المناخي، بالتوازي مع المساهمة في استقرار أسواق الطاقة، خصوصاً بعدما ثبت أنه سيكون من الصعب الاستغناء عن الوقود الأحفوري كلياً خلال فترة قريبة.
وفي حال حصول هذا «التجاوز الحراري» ستكون هناك حاجة لمجموعة من الأساليب والتقنيات لإزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، وليس من عمليات حرق الوقود فقط، وإعادة استعماله، وتخزين ما يتبقى منه بشكل دائم. ومن الخيارات المنخفضة التقنية للتخزين زراعة المزيد من الأشجار التي تختزن الكربون أثناء نموها وزراعة المحاصيل التي تلتقط ثاني أكسيد الكربون.
يمكن لأشجار المنغروف الساحلية، على سبيل المثال، أن تحتجز الكربون بفعالية وديمومة أكبر بكثير مما تفعله الغابات. كما يجري احتجاز ثاني أكسيد الكربون عن طريق زراعة الطحالب التي يمكن حصادها ومعالجتها لتصنيع منتجات مفيدة، مثل الوقود الحيوي والأعلاف الغنية بالبروتين. وتعترض محدودية المكان ومصاعب التطبيق على نطاق واسع الاعتماد على النهج الطبيعي وحده لالتقاط الكربون. وقد أعلنت السعودية عن مشاريع ضخمة لزيادة مساحات المنغروف على سواحلها الواسعة وتنمية الطحالب المفيدة في البيئة البحرية، مع برامج للتعاون الإقليمي ضمن مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر».
ومن الخيارات الأخرى استخلاص الكربون من الكتلة الحيوية، بالتخمير مثلاً، واستخدامه كمصدر للطاقة المتجددة. وكذلك استخلاص الكربون المنبعث من عادم السيارات وتخزينه على المركبة لاستخدامه لاحقاً. وكانت الشركة السعودية «أرامكو» طوّرت تقنية تسمح باحتجاز 25 في المائة من ثاني أكسيد الكربون الصادر عن عادم السيارات. ويمكن من خلال الجمع بين هذه التقنية وتقنية الاشتعال بضغط البنزين وتقنيات تحسين الكفاءة الأخرى، خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 50 في المائة.
- التقاط الكربون من المصدر
قد تكون أفضل الخيارات المتاحة حالياً «تقنية التقاط الكربون النقطي»، التي تتضمن تنقية غاز ثاني أكسيد الكربون من غازات العادم في مداخن المصانع ومحطات الطاقة، حيث ينبعث هذا الغاز بكميات أكبر وتراكيز أعلى بآلاف المرات مما هو موجود في الغلاف الجوي.
وتُعتبر «أرامكو» من بين الشركات الرائدة عالمياً في تطوير وتبني تقنيات التقاط الكربون النقطي، وهي تنفذ حالياً أحد أكبر المشاريع التجريبية على مستوى الشرق الأوسط. ويعتمد مشروع «أرامكو» التجريبي على استخلاص نحو 800 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً في معمل استخلاص سوائل الغاز الطبيعي في الحوية، التي تقع جنوب الهفوف شرقي السعودية، ثم يجري نقل الغاز في أنابيب بطول 85 كيلومتراً لحقنها في المكامن النفطية لحقل العثمانية.
وكانت الإمارات بدأت عام 2016 بتشغيل منشأة «الريادة» لالتقاط الكربون من انبعاثات مصانع شركة حديد الإمارات ثم حقنه وتخزينه في حقول النفط. ويقوم المشروع، الذي تملكه شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) وشركة أبوظبي لطاقة المستقبل (مصدر)، على التقاط 800 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً مع خطة طموحة لزيادة الاستطاعة إلى 5 ملايين طن بحلول 2030.
وتوجد حول العالم العديد من وحدات احتجاز الكربون التي تعمل في مواقع مختارة، كتلك الموجودة في مشروع «أكورن» في أسكوتلندا، الذي يفصل ثاني أكسيد الكربون عن الغاز الطبيعي ويحقنه تحت بحر الشمال، ومشروع «سي دراكس» في بريطانيا الذي يلتقط الكربون من انبعاثات محطة لطاقة الكتلة الحيوية في شمال يوركشاير، وكذلك وحدة احتجاز الكربون في محطة توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في مقاطعة ساسكاتشوان الكندية، ووحدة احتجاز الكربون في معمل «سينتشوري» للغاز غرب ولاية تكساس.
ورغم أن هذه الوحدات تنتج ثاني أكسيد الكربون بدرجة نقاء تبلغ 99 في المائة، فإنها لا تمثّل في الوقت الحاضر الحل الكافي لاحتياجات الصناعات القائمة على هذا الغاز، لأنها ما زالت مكلفة للغاية. لكن الأبحاث والتجارب التطبيقية مستمرة لتحسين التقنية وتخفيض التكلفة، وقد دخلت السعودية بقوة في هذا المجال، بالتعاون مع شركاء من المنطقة والعالم.
- استرجاع الكربون من الهواء
من الخيارات المكلفة الأخرى في احتجاز الكربون هي استرجاعه من الهواء، أي من الجو، وليس من المصدر كما في تقنية التقاط الكربون النقطي. ولا تزال هذه التقنية حديثة ومكلفة، حيث توجد حالياً 15 محطة تجريبية لالتقاط الكربون من الهواء مباشرة تبلغ استطاعتها ما يزيد قليلاً عن 9 آلاف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.
وتقوم شركة النفط الأميركية «أكسيدنتال» بتطوير أكبر منشأة لالتقاط الكربون من الهواء مباشرة بالقرب من بعض حقول النفط في تكساس، وذلك باستطاعة من المتوقع أن تصل إلى مليون طن سنوياً. أما شركة «كلايمووركس» السويسرية الناشئة، فقد بدأت في سبتمبر (أيلول) الماضي تشغيل مشروعها «أوركا»، الذي يقع بالقرب من العاصمة الآيسلندية ريكيافيك، ويعدّ أول وأكبر منشأة في العالم لالتقاط الكربون من الهواء مباشرة وتخزينه تحت الأرض على المستوى التجاري. وتصل استطاعة المشروع إلى 4 آلاف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً. وهو يستخدم الطاقة المتجددة التي تنتج عن محطة طاقة حرارية أرضية قريبة لتشغيل المراوح والفلاتر من أجل التقاط الكربون ثم خلطه بالماء وضخّه في أعماق الأرض ليتحول ببطء إلى صخور. ويحصل المشروع على التمويل اللازم لتشغيله عبر اتفاقية شراء لإزالة الكربون لمدة 10 سنوات مع إحدى شركات التأمين السويسرية.
ولما كانت التكلفة المرتفعة هي العقبة الأساسية أمام انتشار تكنولوجيا احتجاز الكربون وتخزينه، تتزايد المطالبة بتوفير الدعم له على اعتباره أحد أساليب التصدي للتغيُّر المناخي. كما يمكن المساهمة باسترداد النفقات عن طريق تجارة الكربون وعوائد زيادة إنتاج حقول النفط التي يجري حقن الكربون في مكامنها.
على سبيل المثال، دخلت شركة «إن آر جي» الأميركية في شراكة مع «جي إكس» اليابانية لتشغيل منشأة لاحتجاز الكربون في محطة للطاقة قرب هيوستن اعتباراً من سنة 2017. وبلغت تكلفة هذه المنشأة مليار دولار، بما فيها 190 مليون دولار على شكل دعم فيدرالي. وتبلغ استطاعة منشأة احتجاز الكربون هذه 5 آلاف طن من ثاني أكسيد الكربون يومياً، يتم ضخّها على بعد 130 كيلومتراً في حقل «ويست رانش» النفطي. ويؤدي حقن الكربون إلى زيادة إنتاج النفط من 300 برميل بالوسائل التقليدية إلى نحو 5 آلاف برميل يومياً. ومن الطبيعي أن ترتبط جدوى المشروع، في غياب الدعم، بأسعار النفط.
وفيما يعترض البعض على توفير الدعم الحكومي لتقنيات احتجاز الكربون، يرى آخرون أنه أمر لا بد منه لدفع التقنيات في هذا المجال إلى مستويات متقدمة وخفض تكاليفه، كما جرى في حالة الطاقة المتجددة الناتجة عن الألواح الشمسية وتوربينات الرياح. وتترسخ القناعة اليوم أن التصدي لتغيُّر المناخ الكارثي يستلزم من الآن العمل على تطوير بنية تحتية راسخة لالتقاط الكربون واحتجازه بأفضل مردود وأقل تكلفة.


مقالات ذات صلة

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «أناضول» لغمر المياه بلدة تل حميس شمال شرقي الحسكة نتيجة الأمطار الغزيرة المتزايدة منذ السبت الماضي

سوريا تحذر من منخفض جوي مصحوب بأمطار غزيرة ورياح قوية

فتح ممرات مائية وسحب مياه الأمطار المتجمعة في المنازل والأقبية والمحلات التجارية، إضافة إلى التعامل مع حالات انهيار في الشوارع والأبنية وحوادث طرق

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».