نوبل للسلام تمنح لصحافيين مناصفة... فلبينية ـ أميركية وروسي

الكرملين يهنئ والمعارضة لا تتوقع تخفيفاً للقيود على الصحافة

الصحافية ماريا ريسا (يسار) والصحافي دميتري موراتوف (إ.ب.أ)
الصحافية ماريا ريسا (يسار) والصحافي دميتري موراتوف (إ.ب.أ)
TT

نوبل للسلام تمنح لصحافيين مناصفة... فلبينية ـ أميركية وروسي

الصحافية ماريا ريسا (يسار) والصحافي دميتري موراتوف (إ.ب.أ)
الصحافية ماريا ريسا (يسار) والصحافي دميتري موراتوف (إ.ب.أ)

فازت الصحافية الفلبينية ماريا ريسا والصحافي الروسي دميتري موراتوف أمس (الجمعة)، بجائزة نوبل للسلام 2021. وأعلنت الأكاديمية السويدية حصولهما على الجائزة السنوية المرموقة هذا العام بفضل «جهودهما لحماية حرية التعبير، التي تمثل شرطاً مسبقاً للديمقراطية والسلام الدائم». وأضافت رئيسة لجنة نوبل بيريت ريس - أندرسن في أوسلو، أن ماريا ريسا ودميتري موراتوف «يمثلان جميع الصحافيين المدافعين عن هذا المثل الأعلى في عالم تواجه فيه الديمقراطية وحرية الصحافة ظروفاً غير مواتية بشكل متزايد».
وفوجئت الأوساط الروسية أمس، بقرار لجنة نوبل منح جائزتها لموراتوف رئيس تحرير صحيفة «نوفاي غازيتا». وأثار الإعلان عاصفة من التعليقات من جانب أركان المعارضة الروسية وممثلي وسائل الإعلام المعارضة، الذين احتفوا بالقرار ورأوا فيه انتصاراً لحرية الكلمة في روسيا ورسالة مباشرة موجهة إلى الكرملين.
كما احتفل النشطاء والصحافيون الفلبينيون بفوز ريسا بالجائزة كخطوة «نحو إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب داخل البلاد».
في المقابل، أعرب الناطق باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف عن «تهاني القيادة الروسية لرئيس تحرير صحيفة (نوفايا غازيتا) دميتري موراتوف الذي أعلن اليوم (أمس) عن منحه جائزة نوبل للسلام». وزاد الناطق: «يمكننا أن نهنئ دميتري موراتوف، فهو يتصرف دائماً وفقاً لمثله العليا ويثبت التزامه بها، هو موهوب وشجاع وبالطبع هذا تقدير عالٍ ونحن نهنئه».
وتجنب بيسكوف الرد على سؤال الصحافيين عما إذا كان الرئيس فلاديمير بوتين ينوي تهنئة موراتوف شخصياً، موضحاً: «لا أستطيع أن أقول: لا أعرف. أصبح الأمر معروفاً للتو، لذا أعطونا فسحة من الوقت».
وغدا موراتوف ثالث روسي يحصل على جائزة نوبل للسلام، بعد العالم النووي والناشط في مجال حقوق الإنسان أندريه ساخاروف في عام 1975 والرئيس الأول للاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف في عام 1990. ويعد موراتوف مؤسس ورئيس تحرير صحيفة «نوفاي غازيتا» التي نشطت في نشر تقارير وتحقيقات استقصائية سببت كثيراً من المضايقات للسلطات خلال العقدين الأخيرين، خصوصاً أنها اهتمت بشكل خاص برصد انتهاكات حقوق الإنسان، وملفات الفساد والتضييق على المعارضين.
وبدأ موراتوف مسيرته الصحافية مراسلاً لصحيفة إقليمية (فولجسكي كومسومولتس) قبل أن ينتقل إلى صحيفة «كومسومولسكايا برافدا» الأوسع انتشاراً في البلاد، حيث شغل منصب المحرر المسؤول، لكن الخلاف مع سياسات الصحيفة دفعه إلى إنشاء مؤسسة إعلامية مستقلة، ولدت فيها لاحقاً صحيفة «نوفايا» (الجديدة) التي أصبحت لاحقاً «نوفايا غازيتا»، وعمل موراتوف خلال مراحل صعوده السلم الوظيفي مراسلاً ميدانياً أثناء الحرب في الشيشان في 1994 - 1995، ما منحه خبرة واسعة في الانتهاكات التي سلطت الصحيفة لاحقاً الأضواء عليها بشكل نشط.
وكان لموراتوف، كما للصحيفة التي يديرها، مواقف خاصة إزاء الأحداث الكبرى التي شهدتها البلاد، فهو عارض السياسة الروسية في القرم وحيال أوكرانيا، ودعم الاحتجاجات في بيلاروسيا، ودعم الرقابة الحرة على الانتخابات ورفض القيود التي وضعتها السلطات على عمل وسائل الإعلام.
لذلك شكل اختياره لنيل الجائزة هذا العام خبراً مفرحاً للمعارضة الروسية، ووضعت قناة «دوجد»، وهي القناة التلفزيونية الوحيدة المعارضة في البلاد، عنواناً رئيسياً لتغطياتها أمس: «أهم لحظة في تاريخ الصحافة الروسية المعاصرة»، علماً بأن «دوجد» مصنفة مثل عدة وسائل إعلام مستقلة أخرى على لائحة «العملاء الأجانب» في روسيا.
وعقد معارضون مقارنات بين فائزين بهذه الجائزة هما موراتوف، وساخاوف الذي نشط أيضاً في العهد السوفياتي كمدافع عن حقوق الإنسان. كما رأوا في منح الجائزة لموراتوف مع الصحافية الفلبينية الأصل «دلالات مهمة، كون روسيا والفلبين تعانيان حالياً من أسوأ وضع على صعيد حرية الكلمة»، كما قال رئيس تحرير إذاعة «صدى موسكو» المعروفة بانتقادها لسياسات الكرملين.
وزاد فينيديكتوف أن «هذا التطور مهم جداً لروسيا، لأنه يمنح إشارة واضحة بأن المجتمع الدولي يراقب ويدعم حرية الكلمة والأشخاص الذين يتعرضون لضغوط كبرى في هذا الشأن».
ورأى أن منح الجائزة لموراتوف سوف يشكل وسيلة حماية، خصوصاً أن ترجيحات كانت أشارت إلى التجهيز قريباً لإضافة «نوفايا غازيتا» إلى لائحة «العملاء الأجانب». وأوضح أن «هذه خطوة فيها حماية كبرى لموراتوف ولـ(نوفايا غازيتا)، وإذا أرادت السلطات فعلاً أن تكون جزءاً من نادي الدول الكبرى التي تحترم حقوق الإنسان والحريات العامة فعليها أن تلتقط هذه الإشارة».
وقال الصحافي سيرغي باركومينكو إن «السلطات عندما وجهت التهنئة إلى موارتوف تتظاهر بأنها لم تفهم الرسالة، خصوصاً عبر الربط الذي قامت به اللجنة الدولية مع الفلبين»، معرباً عن قناعة بأنه «لن يحدث شيء، ولن تغير السلطات سلوكها تجاه وسائل الإعلام وملف الحريات العامة». الطريف أن موراتوف كاد يفسد جزءاً من الحدث الكبير بالنسبة إلى وسائل الإعلام في روسيا، عندما أغلق الهاتف في وجه موظف اللجنة الدولية الذي اتصل ليبلغه بالخبر. وقال الصحافي الروسي إنه اعتقد أن المكالمة مجرد تلاعب أو استفزاز، وأغلق الهاتف وحظر مصدرها، رغم أن المكالمة كانت من النرويج. قبل أن يتلقى اتصالاً ثانياً تم خلاله توضيح الموقف.
وفي مقابلة دامعة أجريت معها مباشرة بعد الإعلان عن فوزها بالجائزة، وصفت ماريا ريسا الصحافية الفلبينية التي تحمل الجنسية الأميركية أيضاً، هذا الفوز بأنه «اعتراف بالصعوبات، ولكنها تأمل أيضاً في معرفة كيفية الفوز في المعركة الحقيقية، معركة الحقائق». وفي مقابلة لاحقة، أضافت أن «حقيقة فوز صحافيين من الفلبين وروسيا بجائزة نوبل للسلام تخبرك عن حالة العالم اليوم».
ومع احتفاء المعارضة بهذا التطور، لفت معلقون إلى تزامن إعلان قرار لجنة نوبل مع مرور الذكرى 15 على اغتيال الصحافية المعارضة والناشطة الحقوقية آنا بوليتكوفسكايا التي حلت أول من أمس. وأعرب بعضهم عن قناعة بأن اللجنة تعمدت هذا التزامن، في إشارة واضحة إلى الكرملين. وكانت بوليتكوفسكايا التي قتلت أمام منزلها بموسكو في عام 2006 بإطلاق النار عليها، أبرز محرري التحقيقات في «نوفايا غازيتا» ونالت شهرتها من تغطية الأحداث في الشيشان. وركزت مقالاتها حول الانتهاكات وقضايا الفساد.
ورأى موراتوف في تعليق أمس، أن «الجائزة ليست لي، بل لبوليتكوفسكايا ولكل محرري وصانعي المضمون في الجريدة»، علماً بأن «نوفايا غازيتا» كانت تعرضت لضغوط كبرى خلال الفترة الأخيرة، وفضلاً عن مناقشة موضوع إدراجها على لائحة «العملاء الأجانب»، تلقى العاملون في الصحيفة تهديدات مباشرة عدة مرات، بينها على شكل طرد بريدي احتوى على مادة سامة.
أما ريسا البالغة من العمر 58 عاماً فهي الرئيسة التنفيذية للموقع الإخباري «رابلر» الذي تأسس عام 2011، وشاركت في تأسيسه بعد قيامها بتغطية الأحداث في جنوب شرقي آسيا لمدة عقدين من الزمن مع محطة «سي إن إن» الإخبارية الأميركية.
وفي ظل إدارة الرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرتي، استهدفت ريسا شخصياً ومنظمتها الإخبارية مراراً وتكراراً من خلال حملات المضايقة عبر الإنترنت والتهم الجنائية، التي يعتقد على نطاق واسع أن دوافعها سياسية. وسبق لمجلة «تايم» أن صنفتها، إلى جانب صحافيين آخرين، «شخصية العام» في عام 2018. وأدينت بتهمة التشهير الإلكتروني في يونيو (حزيران) الماضي، وقضت السنوات الأخيرة في المحاكم، تدافع عن نفسها وعن مؤسستها الإخبارية. وصدرت 10 مذكرات توقيف في فترة تقل عن عامين، وتخوض مواجهات قضائية في 9 قضايا منفصلة.
ورغم ذلك، ظلت من أشد المدافعين عن حرية الصحافة، قائلة بعد إدانتها في يونيو 2020، إن القضية لا تتعلق بموقع «رابلر»، بل بكل فلبيني، «لأن حرية الصحافة هي أساس كل حق تملكه بصفتك مواطناً فلبينياً». وبرزت أيضاً كمعارضة قوية للعنف ضد الصحافيات على نطاق أوسع، وقامت مع «رابلر» بإعداد تقارير رائدة عن التحرش الإلكتروني والمتصيدين عبر الإنترنت وحملات التضليل والمعلومات المضللة. كما حذرت ريسا موقع «فيسبوك» مرات عدة من أخطار حملات التضليل في بلدها الأم وفي أي مكان آخر.
وأشارت في مقال رأي نشرته في مايو (أيار) الماضي، إلى أنها كتبت لأول مرة عن الخوارزميات الإشكالية في «فيسبوك» عام 2016، و«التي ساءت بعد خمس سنوات فقط». وقالت أمس (الجمعة) في مقابلة: «عندما نعيش في عالم تكون فيه الحقائق قابلة للنقاش، حيث يعطي أكبر موزع للأخبار في العالم الأولوية لنشر الأكاذيب التي يغلب عليها الغضب والكراهية وتنشرها بشكل أسرع وأبعد من الحقائق، فإن الصحافة تصبح نشاطاً». وفي ذروة المضايقات التي تعرضت لها عبر الإنترنت، تلقت ريسا 90 رسالة كراهية في الساعة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن نشر موقع «رابلر» سلسلة استقصائية حول «تسليح» وسائل التواصل الاجتماعي.
وتعرضت الفلبين تحت حكم دوتيرتي لظروف قاسية بسبب «الحرب على المخدرات»، التي اتهمت وسائل التواصل الاجتماعي والدعاية المتطورة على الإنترنت بتغذيتها. ونفت إدارة دوتيرتي الاتهامات بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، مؤكدة أنها لا تعارض حرية الصحافة. ووصف الرئيس الفلبيني ريسا بـ«المحتالة»، فيما قال وزير الخارجية الفلبيني تيودورو لوكسين جونيور، في تغريدة على «تويتر» في رده على فوزها بجائزة نوبل: «لقد كانت معركة وانتصرت». وسبق للوزير أن دافع عن اعتقالها، وقال إن ريسا «تقاعست عن الدفاع عن نفسها» في المحكمة.
وتسلم الجائزة التي تتألف من شهادة وشيك بقيمة عشرة ملايين كرونة (980 ألف يورو) تقليدياً في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) ذكرى وفاة ألفريد نوبل (1833 - 1896).


مقالات ذات صلة

«نوبل الاقتصاد» لعالمَيْن أميركيَّيْن

الاقتصاد هول وودفورد الفائزان بجائزة نوبل في الاقتصاد (أ.ف.ب)

«نوبل الاقتصاد» لعالمَيْن أميركيَّيْن

فاز الاقتصاديان الأميركيان روبرت هول ومايكل وودفورد بجائزة «نوبل الاقتصاد» لعام 2026، تقديراً لإسهاماتهما في تعزيز أدوات صانعي السياسات لمواجهة الصدمات الاقتصاد

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
الاقتصاد هول وودفورد الفائزان بجائزة نوبل في الاقتصاد (أ.ف.ب)

أميركيان يفوزان بـ«نوبل الاقتصاد» عن أبحاث غيّرت أساليب مواجهة الصدمات

فاز روبرت إي هول ومايكل وودفورد بجائزة بنك السويد في العلوم الاقتصادية في ذكرى ألفريد نوبل لـ2026، تقديراً لأبحاثهما في «الأسس الجزئية لاستقرار الاقتصاد الكلي».

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك (رويترز) p-circle

ترمب يشن هجوماً حاداً على لجنة نوبل: «فقدت مصداقيتها إلى الأبد»

أبدى دونالد ترمب استياءه لعدم حصوله على جائزة نوبل للسلام، معتبراً أن جائزة نوبل للسلام فقدت مصداقيتها إلى الأبد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
بروفايل بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

بروفايل نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» تتويجاً لمسيرة بدأت بالدفاع عن ضحايا «الفصل العنصري» في بلادها.

أحمد عدلي (القاهرة)
العالم نافي بيلاي الفائزة بجائزة نوبل للسلام (إ.ب.أ) p-circle

نتنياهو وترمب يهاجمان فوز نافي بيلاي بـ«نوبل للسلام»

هاجم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الجمعة، الفائزة بجائزة نوبل للسلام نافي بيلاي، واصفاً الحقوقية بأنها «متعصبة تعمل على شيطنة اليهود».

«الشرق الأوسط» (لندن)

روسيا والصين تناقشان التعاون وحربي أوكرانيا وإيران و«العلاقات مع أميركا»

من لقاء وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف مع نظيره الصيني وانغ يي (أ.ف.ب)
من لقاء وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف مع نظيره الصيني وانغ يي (أ.ف.ب)
TT

روسيا والصين تناقشان التعاون وحربي أوكرانيا وإيران و«العلاقات مع أميركا»

من لقاء وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف مع نظيره الصيني وانغ يي (أ.ف.ب)
من لقاء وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف مع نظيره الصيني وانغ يي (أ.ف.ب)

قالت وزارة الخارجية الروسية، يوم الأربعاء، إن وزيري خارجية روسيا والصين ناقشا التعاون الثنائي وأزمتي أوكرانيا وإيران خلال اجتماع حول الأمن في آسيا.

وجاء في بيان أن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ونظيره الصيني وانغ يي التقيا في أذربيجان على هامش مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا.

وقال البيان، الذي نقلته وكالة «رويترز» للأنباء، إن الوزيرين «أشادا بآليات تطور الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي... وتنسيق مواقفهما بشأن الحوار السياسي الثنائي».

وأضاف البيان أن المناقشات ركزت أيضاً على «العلاقات مع الولايات المتحدة والوضع المحيط بأزمتي أوكرانيا وإيران».

ودعت كل من روسيا والصين إلى إنهاء صراع إيران، قائلتين إنه قد يتوسع ويهدد الاستقرار في المنطقة بأسرها.

وأكدت الصين شراكتها «غير المحدودة» مع روسيا طوال الحرب المستمرة منذ أربع سنوات ونصف السنة في أوكرانيا، ودعت في الوقت نفسه إلى بذل الجهود الدبلوماسية لإنهاء الصراع.


قضايا توقيف الصحافيين: بين فبركة تهم التجسس وحالات الاختراق الفعلي

عندما تتحوّل البطاقة الصحافية إلى ورقة تفاوض... قضايا التوقيف الدولية تفتح ملفات الابتزاز السياسي والاختراق الاستخباري (بيكسلز)
عندما تتحوّل البطاقة الصحافية إلى ورقة تفاوض... قضايا التوقيف الدولية تفتح ملفات الابتزاز السياسي والاختراق الاستخباري (بيكسلز)
TT

قضايا توقيف الصحافيين: بين فبركة تهم التجسس وحالات الاختراق الفعلي

عندما تتحوّل البطاقة الصحافية إلى ورقة تفاوض... قضايا التوقيف الدولية تفتح ملفات الابتزاز السياسي والاختراق الاستخباري (بيكسلز)
عندما تتحوّل البطاقة الصحافية إلى ورقة تفاوض... قضايا التوقيف الدولية تفتح ملفات الابتزاز السياسي والاختراق الاستخباري (بيكسلز)

أعاد توقيف الصحافي الياباني يوكي إيماي، الثلاثاء، في روسيا، فتح ملف قديم تتداخل فيه حرية الصحافة وأجهزة الاستخبارات والمساومات بين الدول. فبين اتهام مراسلين كيداً لتوظيفهم كأوراق ضغط، وثبوت عمل آخرين لصالح أجهزة استخبارات، تتحول هذه القضايا إلى ساحة تتداخل فيها عمليات الابتزاز السياسي للصحافيين المهنيين، مع حالات التجسس الفعلي تحت غطاء الإعلام.

واعتُقل إيماي، مراسل «هوكايدو شيمبون»، في سخالين، واتهمته السلطات الروسية بالتجسس، بحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية. ولا تثبت المعلومات المتاحة حتى الآن ارتباط قضيته بصفقة. غير أن توقيفه يستدعي سوابق خرج فيها صحافيون من السجون عبر مبادلات، إلى جانب حالات أخرى ثبت فيها تعاون أشخاص عملوا بالإعلام مع الاستخبارات.

قضية غيرشكوفيتش: صحافيون على طاولة المساومات الدولية

تُقدّم قضية الأميركي إيفان غيرشكوفيتش نموذجاً واضحاً لانتقال ملف صحافي إلى طاولة التفاوض. أُوقف مراسل «وول ستريت جورنال» في روسيا في مارس (آذار) 2023، واتُّهم بالتجسس لصالح «وكالة الاستخبارات المركزية» الأميركية (سي آي إيه) لجمع معلومات عن شركة أسلحة روسية، وهو اتهام نفاه الصحافي وصحيفته والحكومة الأميركية. وفي يوليو (تموز) 2024، صدر بحقه حكم بالسجن 16 عاماً.

وبحسب إذاعة «أوروبا الحرة/راديو ليبرتي»، أُطلق سراح غيرشكوفيتش في الأول من أغسطس (آب) 2024، ضمن مبادلة شملت أيضاً صحافيتها الروسية - الأميركية ألسو كورماشيفا، التي كانت قد حُكم عليها بالسجن ست سنوات ونصف سنة بتهمة نشر معلومات «كاذبة» عن الجيش الروسي.

وكان بين العائدين إلى روسيا فاديم كراسيكوف، الذي وصفته السلطات التركية بأنه عقيد في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، وكان يقضي حكماً بالسجن المؤبد في ألمانيا لإدانته بقتل القائد الشيشاني السابق زليمخان خانغوشفيلي في برلين عام 2019.

وجاء الإفراج عبر مفاوضات حصلت موسكو بموجبها على أشخاص أرادت استعادتهم، وهو ما يجعل قضية غيرشكوفيتش مرجعاً أساسياً في نقاش استخدام المحتجزين للضغط السياسي، والخيارات الصعبة التي تواجه الحكومات الساعية إلى تحريرهم.

غونزاليس: من الاحتجاز في بولندا إلى الاستقبال في روسيا

في الصفقة نفسها، عاد إلى روسيا بابلو غونزاليس، المعروف أيضاً باسم بافيل روبتسوف، بعدما احتجزته بولندا في فبراير (شباط) 2022 للاشتباه في تجسسه لحساب موسكو. وكان يعمل صحافياً لوسائل إعلام إسبانية، بينها صحيفة «بوبليكو» وقناة «لا سيكستا».

وتناولت «الغارديان» قضيته في تحقيق عن الشبهات المحيطة بعلاقاته بالاستخبارات العسكرية الروسية، واستقبال فلاديمير بوتين له عند عودته. لكن هذه القرائن لا تقوم مقام حكم قضائي، وغونزاليس يرفض اتهامات التجسس.

مطرقة القضاء في لحظة النطق بالحكم... حكم فيدرالي أميركي قضى بسجن توماس باوكن سنتين بعد إقراره بالعمل لصالح بكين تحت غطاء إعلامي (بيكسلز)

باوكن: العمل لحساب الحكومة الصينية

أقرّ الأميركي توماس باوكن الثاني، في يونيو (حزيران) 2026، بالعمل لحساب حكومة أجنبية داخل الولايات المتحدة، وصدر بحقه في الأول من سبتمبر (أيلول) حكم بالسجن سنتين، وفق وزارة العدل الأميركية. وكان باوكن قد عمل صحافياً لدى وسائل إعلام حكومية صينية، بحسب مجلة «بيبول» الأميركية.

وبحسب وثائق القضية التي عرضتها وزارة العدل، عمل باوكن بتوجيه أشخاص يعلم ارتباطهم بالحكومة الصينية، وسهّل اتصالات مع مصادر محتملة، وزوّدها بأجهزة للتواصل، ونقل تقارير إلى امرأة كانت تتولى توجيه نشاطه، لقاء مبالغ بلغت مائة ألف دولار على الأقل.

صفقة أميركية إيرانية تنهي احتجاز رضائيان

وفي إيران، يقدّم جيسون رضائيان، مراسل صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، مثالاً آخر على ارتباط مصير الصحافي بالتفاوض بين الدول. فقد اعتُقل في يوليو 2014، وواجه اتهامات شملت التجسس والتعاون مع حكومات معادية، وخضع لمحاكمة مغلقة.

وتوثق «لجنة حماية الصحافيين» - وهي منظمة مستقلة مقرها نيويورك تدافع عن حرية الصحافة حول العالم - قول محاميته إن ملف القضية لم يتضمن أدلة تبرر الاتهامات، وتم الإفراج عنه في يناير (كانون الثاني) 2016 ضمن اتفاق لتبادل السجناء بين واشنطن وطهران.

الصحافي جيسون رضائيان بعد الإفراج عنه من السجون الإيرانية في يناير 2016 (أ.ب)

فبركة تهم التجسس في إطار الحرب الباردة

تعود سوابق توقيف الصحافيين بتهم التجسس بشكل خاص إلى الحرب الباردة. ففي تشيكوسلوفاكيا، اعتُقل ويليام أوتيس، رئيس مكتب وكالة «أسوشييتد برس» في براغ، في أبريل (نيسان) 1951، وحُكم عليه بالسجن عشر سنوات. وبحسب تقرير نشرته الوكالة عام 2012، تعرّض أوتيس للعزل والحرمان من النوم والطعام لإجباره على الاعتراف، فيما كانت شهادات المحاكمة ونتيجتها معدّة سلفاً.

وأثار اعتقاله أزمة مع واشنطن، التي فرضت قيوداً تجارية وعلى السفر ضد تشيكوسلوفاكيا. وبعد ضغوط دبلوماسية واقتصادية، صدر عفو عنه في مايو (أيار) 1953، فعاد إلى الولايات المتحدة واستأنف عمله لدى الوكالة في تغطية الأمم المتحدة.

وفي موسكو عام 1986، اعتُقل نيكولاس دانيلوف، مراسل مجلة «يو إس نيوز آند وورلد ريبورت»، بعدما سلّمه أحد مصادره الصحافية، الذي كان يعرفه منذ سنوات، حزمة تبيّن أنها تحتوي على خرائط وصور عسكرية تحمل تصنيفاً سرياً. وجاء توقيفه عقب اعتقال عميل سوفياتي في نيويورك، وانتهت الأزمة بترتيبات أفضت إلى الإفراج عن الرجلين وعودتهما إلى بلديهما.

الاستخبارات تحت غطاء الصحافة

جمع البريطاني كيم فيلبي بين العمل الصحافي والنشاط الاستخباري؛ إذ عمل في جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني «إم آي 6»، ونقل معلومات إلى الاتحاد السوفياتي. وخلال إقامته في بيروت، عمل مراسلاً لـ«الأوبزرفر» و«الإيكونوميست» البريطانيتين. وتوثّق ملفات الأرشيف الوطني البريطاني مواجهته بأدلة عمالته في يناير (كانون الثاني) 1963، وتقديمه اعترافاً جزئياً، قبل فراره إلى موسكو في العام نفسه، بحسب الأرشيف الوطني البريطاني.

الدبلوماسي والصحافي البريطاني السابق كيم فيلبي خلال مؤتمر صحافي في منزل والديه بلندن - نوفمبر 1955 (أ.ب)

وفي ديسمبر (كانون الأول) 1968، نشرت صحيفة «إزفيستيا» السوفياتية وثائق قالت إنها تكشف عن صلات صحافيين ومحررين بريطانيين بـ«إم آي 6»، وهي اتهامات قوبلت بالنفي آنذاك. وبعد عقود، أعاد تحقيق أعدّه الكاتب جيريمي دانز لـ«بي بي سي»، ونُشر عام 2013، فحص تلك الوثائق، ونقل عن مؤرخين وصحافيين سابقين تأكيدهم صحتها. وأقرّ المؤرخ أليستير هورن للبرنامج بأنه أدار ثلاثة عملاء لحساب الاستخبارات البريطانية في أثناء عمله مراسلاً لـ«ديلي تلغراف» في ألمانيا خلال الخمسينات. ورجّح الباحث في تاريخ الاستخبارات ستيفن دوريل أن يكون العميل المزدوج جورج بليك قد نقل الوثائق إلى السوفيات.

وفي الولايات المتحدة، عمل الكاتب والصحافي ويتاكر تشامبرز ضمن شبكة تجسس سوفياتية خلال الثلاثينات، ثم انفصل عنها عام 1938. وفي العام التالي، التحق بمجلة «تايم» الأميركية، حيث تولّى لاحقاً منصب محرر بارز، وفق السيرة المنشورة على الموقع المخصص له.

بين تهم التجسس المفبركة وحالات الاختراق الفعلي

تؤكد الشواهد التاريخية أن العلاقة بين عالم الصحافة وأروقة الاستخبارات تظل واحدة من أكثر ملفات العلاقات الدولية تعقيداً وحساسية. فمن جهة، يدفع صحافيون مهنيون أثماناً باهظة نتيجة تهم تجسس باطلة تُفبركها بعض الأنظمة لتوظيفهم كرهائن استراتيجيين وأوراق ضغط على طاولة المفاوضات والمبادلات السياسية. ومن جهة أخرى، تثبت الشواهد التاريخية والأحكام القضائية أن أجهزة مخابرات استخدمت بالفعل، في حالات معيّنة، غطاء الصحافة وبطاقاتها لتمرير أنشطة سرية. وبين فبركة الاتهامات بغرض الابتزاز السياسي وحالات العمالة الفعلية، تظل قضايا توقيف الصحافيين ملفات معقّدة تتداخل فيها حسابات الأمن القومي مع تكتيكات الدبلوماسية الدولية.


بيل غيتس: الهجمات الإلكترونية المدعّمة بالذكاء الاصطناعي أخطر تهديد وشيك

بيل غيتس (د.ب.أ)
بيل غيتس (د.ب.أ)
TT

بيل غيتس: الهجمات الإلكترونية المدعّمة بالذكاء الاصطناعي أخطر تهديد وشيك

بيل غيتس (د.ب.أ)
بيل غيتس (د.ب.أ)

حذّر المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، بيل غيتس، اليوم الأحد، من أن الذكاء الاصطناعي غير المنظم يشكل تهديداً متزايداً، متوقعاً تصاعد الهجمات الإلكترونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي خلال العام المقبل.

وقال الملياردير الأميركي إن خطر خروج الذكاء الاصطناعي «عن السيطرة» لا يزال أمراً يلوح في أفق سنوات مقبلة، مؤكداً أن مصدر القلق الفوري يتمثل في «الأشخاص السيئين» الذين يستخدمون الأنظمة الحالية من دون ضوابط أو إجراءات حماية.

وقال غيتس في مقابلة مع شبكة «إيه بي سي نيوز» إن «الجبهة التي سنشهد على الأرجح تأثيرها الأكبر خلال العام المقبل هي الهجمات الإلكترونية».

وقال: «الخطر الحقيقي في الوقت الراهن لا يتمثل في خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة. صحيح أننا بحاجة إلى العمل على هذه المسألة، لكن تأثيرها الكبير المحتمل لا يزال على بُعد سنوات».

وأضاف: «إن المشكلة الحقيقية تتمثل في استخدام أشخاص سيئي النية للذكاء الاصطناعي، ولا سيما عندما يكون بالإمكان إزالة جميع الضوابط وإجراءات الحماية المدمجة فيه».

وقال أيضاً: «لكن في الوقت الراهن، يُسمح بإزالة جميع هذه الضوابط وإجراءات الحماية. وعندما يجتمع أشخاص سيئو النية، ومن دون أي ضمانات، مع أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي، فهنا تحديداً سنواجه، خلال العام المقبل، الكثير من المفاجآت السلبية، لا سيما في مجال الهجمات الإلكترونية».

وينضم غيتس بذلك إلى رواد آخرين في قطاع التكنولوجيا يدقّون ناقوس الخطر بشأن التهديدات التي تطرحها تقنيات الذكاء الاصطناعي، وكان قد حذّر في تدوينة مطوّلة نشرها في أغسطس (آب) من أن العالم غير مستعد بشكل خطير للاضطرابات التي قد يُحدثها الذكاء الاصطناعي، لا سيما في سوق العمل.

وفي مقابلته، رفض فكرة أن التنظيم الذاتي من جانب شركات الذكاء الاصطناعي هو أمر كافٍ للحفاظ على سلامة العالم، وهي الفكرة التي يدافع عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال غيتس إن «فكرة أن التكنولوجيا الأكثر خطورة التي ابتكرها البشر على الإطلاق يمكن ضبطها من خلال التنظيم الذاتي فقط، وأن الشركات نفسها هي الجهة الوحيدة التي تراقبها نيابة عن المجتمع... تعكس أننا لا نبذل ما يكفي من الجهد».