الثلاثي خان يتصدر صناعة السينما الهندية

يكشف طبيعة المجتمع الهندي العلماني

عامر خان وشاروخان وسلمان خان
عامر خان وشاروخان وسلمان خان
TT

الثلاثي خان يتصدر صناعة السينما الهندية

عامر خان وشاروخان وسلمان خان
عامر خان وشاروخان وسلمان خان

يجمعهم اللقب، وسنة الميلاد، والديانة. وأضفى كل من عامر خان، وشاروخان، وسلمان خان، مسلحين بنجومية هي الأطول في تاريخ السينما الهندية، سحرا على «بوليوود». ولطالما كان لقب خان هو سر الإيرادات التي تحققها السينما الهندية على مدى الأعوام الخمسة والعشرين أو ربما الثلاثين الماضية.
والجدير بالذكر أن أولئك الأبطال سوف يكونون قد أكملوا في العام الحالي نصف قرن من العمل في السينما الهندية، ومع هذا لا يزالون يقومون بأدوار الأبطال أشداء البنية، ويعيشون قصصا رومانسية، ويرقصون على الشاشة مع بطلات تبلغ أعمارهن نصف أعمارهم، في الوقت الذي يعاني فيه أقرانهم من أزمة منتصف العمر، أو يضعون خططا للتقاعد، ولديهم لحى شمطاء، إن لم يكن الصلع قد بدأ يزحف على رؤوسهم، أو أصبحت لديهم بطون ضخمة.
لقد غزوا قلوب محبي الأفلام الهندية في مختلف أنحاء العالم برقتهم وعذوبة حديثهم، وحركاتهم، ورقصاتهم، بدءا من نهاية الثمانينات، ولا يزالون حتى يومنا هذا يمتعون الجمهور، ويتصدرون صناعة الأفلام الهندية تجاريا. ورغم ظهور وجوه جديدة، لا يزالون هم النجوم الساطعة في سماء السينما الهندية، حيث لا يزال الجمهور يستمتع بالحضور، والشغف، والطاقة التي تنبعث منهم على الشاشة. ويتذكر صانع الأفلام كاران جوهر حضوره حفل عيد الميلاد الخمسين لأميتاب باتشان، أسطورة السينما الهندية، مع آبائه. ويبلغ باتشان من العمر الآن 72 عاما. وقال جوهر: «كان هناك إجلال واحترام له».
أما بالنسبة إلى حفلات أعياد ميلاد أولئك النجوم، الذين يتشاركون لقب خان، فيقول جوهر إنها الأكثر نجاحا، حيث يتساءل: «هل يمكن لأحد أن يحلم بتبجيله وهو في الخمسين من العمر؟ مستحيل». وأول من يحتفل بعيد ميلاده بين الثلاثي هو عامر خان، الذي يعد أكثرهم تطلعا نحو الكمال والمثالية والأكثر شعبية حاليا. ويُعرف عامر خان بحكمته، ورزانة عقله، في عالم السينما الهندية، حيث لا يشارك إلا في فيلم واحد خلال العام، ولا يحضر أي حفلات لتوزيع الجوائز. ونظرا لاهتمامه الكبير بعملية صناعة الأفلام ككل، يجري عامر خان أبحاثًا مكثفة عن أي دور يقوم به، ويبذل مجهودا كبيرًا من أجل بث الروح في الشخصية التي يقدمها. ويفسر هذا كيف برع في دور الأحمق في فيلم «الحمقى الثلاثة» وهو في الخامسة والأربعين من العمر، بعد قيامه بدور البطل المغوار في فيلم «غاجيني» وهو في الرابعة والأربعين من العمر. واحتفل عامر بعيد ميلاده في الخامس عشر من مارس (آذار). ويستقبل عامر عامه الخمسين دون أن يطرف له جفن دون النظر إلى منبت شعر ذقنه الأبيض، فهناك الكثير من النصوص بانتظار موافقته. وبعد أن بلغ الخمسين من العمر، صرح عامر خلال لقاء صحافي قائلا: «يبلغ ابني من العمر 21 عاما، وابنتي في السادسة عشرة من عمرها. وأشعر بأنني أصغر من ابني، فهو أكثر جدية مني. كذلك لدي ابن يبلغ ثلاثة أعوام، وأشعر بالراحة في التعامل معه، فحتى إنجاب الأطفال لم يجعلني أشعر بالتقدم في العمر. القمة بالنسبة لي تعني أنك في طريقك نحو النزول، لذا آمل ألا أصل إلى قمة نجاحي المهني». ويبدو بالفعل أن العمر لا يمثل عائقا أو مشكلة بالنسبة إلى نجم السينما الهندية المتطلع إلى الكمال.
أما إذا كنا نتحدث عن ممثل يلهم الجمهور بشجاعته، فذلك بالتأكيد سيكون سلمان خان، الذي تبين أنه حقا نجم تجاري متفان بين الحشود. إنه واحد من أكثر نجوم السينما الهندية شعبية، بل إنه رئيس عالم السينما الهندية. ورغم أن سلمان قد بدأ حياته المهنية كبطل رومانسي، فإنه ركز خلال السنوات التالية على بناء جسده وتحول إلى بطل قوي في أفلام الحركة. وقال: «لا يمكن أن يتم القبض علي متلبسا بالتمثيل، لأنني لا أمثل. أكون على الشاشة مثلما أكون في حياتي الحقيقية». وقد ثبتت صحة هذا القول بالفعل، حيث يمكن للمشاهد أن يرى في أفلام سلمان، أو «سالوبهاي» كما يطلقون عليه، البطل وهو منغمس في كل أنواع اللذة والمتعة من أجل إرضاء المعجبين به. ورغم وصفه بـ«فتى بوليوود الشقي» بسبب سجله الحافل بالمشكلات التي أوقع نفسه فيها، أثبت سلمان أنه يملك قلبا من ذهب من خلال دعمه لعدد من القضايا الإنسانية. ويدير سلمان منظمة غير حكومية تسمى «بينغ هيومان» تساعد الأطفال المحتاجين. ولم تمنع الانتقادات ولا الجدل المثار سلمان خان من المضي قدما، فقد تمكن من استعادة ثقة المنتجين فيه من خلال أفلامه الأخيرة الناجحة. وسيبلغ الخمسين من العمر في 27 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
كذلك الحال بالنسبة إلى شاروخان، الذي يوصف بأنه «ملك بوليوود»، الذي سيتجاوز نصف قرن من العمر قضى أغلبه في العمل هذا المجال في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ويعد شاروخان هو الأكثر حماسا ونشاطا بين الثلاثي. وعلى عكس النجمين الآخرين لا ينتمي شاروخان إلى عائلة تعمل في هذا المجال؛ وبدأ حياته المهنية بالمشاركة في مسلسلات تلفزيونية، ثم خاض عالم السينما الهندية في عام 1992. وجذبت أفلامه الناس إلى دور العرض السينمائي بفضل ما تتضمنه من متعة وترفيه وما تبعثه من شعور بالحنين، وما يشعه من سحر كبطل رومانسي على الشاشة. وتضيء شخصيته المفعمة بالحيوية العروض على خشبة المسرح وكذلك المقابلات التي يجريها؛ فهو يشع طاقة مذهلة ويتمتع بتدفق رائع للأفكار. وبفضل أفلام مثل «ديلويل دولهانيا لي جاينغ»، و«ديل تو باغال هاي»، و«كوتش كوتش هوتا هاي»، أصبح «ملك الرومانسية» في السينما الهندية.
وبحسب كومال ناهتا، المحلل في صناعة السينما والمقيم في مومباي، ربما يكون الثلاثي خان قد أتموا الخمسين «لكن إيرادات أفلامهم تبلغ إيرادات أفلام نجوم في الخامسة والعشرين». وأضاف «إنهم سيستمرون في تصدر صناعة السينما لسنوات طويلة قادمة. وبالنظر إلى ما تحققه أفلامهم من إيرادات، والطريقة التي يمتعون بها الجمهور، لا أعتقد أن هناك من يستطيع القيام بذلك».
وعند التفكير في الأمر، سنجد أن تصدر الثلاثي خان السينما الهندية يعد ظاهرة فريدة من نوعها في أي صناعة ترفيه في أي مكان في العالم. خلال الخمسينات والستينات، شهدت السينما الهندية تصدر ثلاثي آخر يضم ديف أناند، ودليب كومار، وراج كابور. مع ذلك كانت سنوات ميلادهم مختلفة، ولم يكونوا يتشاركون اللقب، ولم يتمكنوا من تمثيل أدوار الأبطال الرومانسيين بعد تجاوزهم الأربعين من العمر. وهذا هو سر تميز هذا الثلاثي، حيث لا يوجد في العالم ثلاثة رجال ولدوا في العام نفسه، وهو 1965، ولديهم اللقب نفسه، وهو خان، ولا تزال أفلامهم تتقاسم إيرادات السينما الهندية بعد قضاء كل منهم نصف قرن في هذا المجال.
ويعتقد راجيش تاداني، موزع الأفلام، أن للثلاثي خان الفضل في تحقيق الجزء الأكبر من إيرادات السينما الهندية، قائلا: «نحن ننتظر جميعا عرض أفلامهم. وأظن أنهم سيظلون محافظين على تصدرهم للساحة».
وتقول كاترينا كيف، التي لعبت دور البطولة النسائية مع الثلاثي، إن «شغفهم، وحب الجمهور لهم، ورغبتهم في التفوق» سر استمرارهم. وأضافت في تصريح إلى وكالة الأنباء الهندية - الآسيوية: «إلى جانب تمتعهم بموهبة حقيقية، فإنهم يتمتعون بشخصيات رائعة، وسيظلون موجودين بقدر ما يشاءون». وأوضحت الممثلة ريتشا تشادا: «لقد لعبوا بأوراقهم جيدا، وكانوا يتمتعون ببعد نظر في وقت لم يكن أحد يتمتع فيه بذلك». وقال رؤوف أحمد، الصحافي السينمائي المخضرم: «لقد زادوا من أسهمهم وحققوا نجاحا كبيرا».
مع ذلك كان هناك الكثير من الشكوى أيضا، مثل الشكوى من سلوك سلمان السيئ والقضايا الكثيرة الخاصة به في المحاكم، واختيار شاروخان لعدد من الأفلام التي لم يستهدف بها إلا تحقيق إيرادات، واهتمام عامر خان بالمظاهر واعتقاده الكبير في صحة آرائه. مع ذلك لا يزال المعجبون يشجعونهم. ويرى كاران جوهر تشابك وتلاقي مصائرهم أمرا مثيرا للاهتمام. وأوضح قائلا: «أشك في أن تشهد السينما الهندية هذا المستوى من النجومية، فقد وصلوا إلى القمة في هذه المرحلة، ولا يزالون يقدمون أفلاما مهمة. وثلاثتهم محجوزون للعامين المقبلين. إنهم لن يذهبوا إلى أي مكان آخر، بل سيبقون هنا. وحتى لو مر عقد آخر، ستراهم في ريعان الشباب».
والثلاثي خان ليسوا بالغرباء على جمهور التلفزيون الهندي. وفي الوقت الذي قدم فيه شاروخان برنامج مسابقات بعنوان «كاون بانيغا كروريباتي؟» (من سيصبح مليونيرً؟)، و«زور كا جهاتكا» (سقوط كلي)، قدم سلمان خان برنامج مسابقات من برامج تلفزيون الواقع بعنوان «10 كا دوم»، و«الرئيس الأكبر»، لخمسة مواسم متتالية. ونشهد أيضا استغلال عامر الذكي لقدراته ونجوميته في معالجة القضايا الاجتماعية من خلال برنامجه الحواري «ساتياميف جاياتي».
وعندما طلبت سادهفي براتشي، الزعيمة الهندوسية المتطرفة، مؤخرا من الهندوس في خطابها العدواني مقاطعة أفلام الثلاثي خان، سخر منها محبو السينما الهندية باختلاف انتماءاتهم الدينية. ويوضح هذا الطبيعة العلمانية التي تتسم بها الهند، حيث يحظى الثلاثي خان المسلم بالشهرة، والحب، والإعجاب، في دولة يدين عدد كبير من سكانها بالديانة الهندوسية، بل إنهم بمثابة وجه السينما الهندية. الجدير بالذكر أن والدة سلمان هندوسية، وكذلك زوجة كل من عامر وشاروخان من الهندوس. لقد تمكن هذا الثلاثي، الذي تحدى العمر والزمن، من شغل مكان مقدس في قلوب الجمهور الهندي، وكذلك مكانة متميزة في شباك التذاكر.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».