النازحون السوريون يسابقون اللبنانيين على الهجرة

الأزمة في لبنان لم تشجعهم على العودة إلى بلادهم إنما على الفرار

صورة من «يونيسيف» لنازحين سوريين في لبنان
صورة من «يونيسيف» لنازحين سوريين في لبنان
TT

النازحون السوريون يسابقون اللبنانيين على الهجرة

صورة من «يونيسيف» لنازحين سوريين في لبنان
صورة من «يونيسيف» لنازحين سوريين في لبنان

خلال تنقلها من منزل إلى آخر للعمل على التنظيف بشكل أسبوعي، تحاول صباح (44 عاما) التقاط أنفاسها لتجري اتصالا سريعا أو ترسل رسالة صوتية للاطمئنان على أولادها وأحفادها الذين يسكنون معها في إحدى الغرف في منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت.
صباح التي هربت وعائلتها من مدينة حلب قبل ٩ سنوات إلى لبنان، باتت لهجتها أقرب للبنانية منها للحلبية. فاحتكاكها بشكل يومي مع عدد كبير من اللبنانيين جعلها تتقن مصطلحات لبنانية صرفاً، هي التي نقلت الكثير من العادات الحلبية لجيرانها والعائلات التي تعمل لديها، فبات الكثيرون يتمنون عليها إعداد طبخات حلبية بشكل يومي بعد الانتهاء من الأعمال المنزلية.
السيدة الأربعينية التي اعتنت بعائلتها وحيدة منذ وصولها إلى لبنان بعد أن تركهم زوجها، باتت تتقاضى اليوم عن كل ساعة عمل 30 ألف ليرة لبنانية (ما يعادل 1.7 دولار في السوق) بعدما كانت تتقاضى 7 آلاف ليرة (ما كان يعادل قبل الأزمة 4.6 دولار). هي تشكو الغلاء الفاحش وعدم القدرة على تأمين مصروفها وعائلتها اليومي بعدما ارتفعت تكلفة التنقل بشكل كبير وبلغت الفواتير 4 أضعاف ما كانت عليه قبل عامين. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «هربنا من الحرب الدموية في سوريا لنواجه حربا جديدة ومن نوع آخر هنا في لبنان. حرب اقتصادية نفتقد خلالها لكثير من مقومات العيش وبخاصة الدواء... كل الظروف هنا ظروف حرب وكأن هناك لعنة تطاردنا أينما ذهبنا».
ولعل ما يخفف من آلامها اليومية نتيجة العمل المضني الذي تقوم به هو إبلاغها منذ أشهر معدودة أنه تمت الموافقة على طلب الهجرة الذي تقدمت به قبل خمس سنوات. لكن لسوء حظها فهي مضطرة لانتظار فتح أستراليا أبوابها مجددا للمهاجرين باعتبار أن ملفها رسا هناك. وتقول: «هجرة السوريين إلى بلد ثالث نشطت كثيراً في الفترة الماضية وبخاصة في الأشهر الـ3 الماضية. وغادر كثيرون ممن أعرفهم. أما الدول التي يتوجهون إليها فهي بشكل أساسي السويد وألمانيا والنرويج وفرنسا وكندا وبلجيكا». وتضيف: «رغم كل الصعوبات التي نعيشها هنا، فالوضع رغم حراجته يبقى أسهل مما هو عليه في سوريا. بالنسبة لي ولقسم كبير من السوريين الذين يعيشون في لبنان لا مستقبل لنا هنا وبالتأكيد لا مستقبل لنا في سوريا، حيث لا تتوفر مقومات العيش. مستقبلنا في البلدان الغربية التي تفتح أبوابها لاستقبالنا».
- إعادة التوطين ناشطة!
وتشير ليزا أبو خالد، المتحدثة باسم مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في لبنان إلى أنه «رغم التحديات التشغيلية التي طرحتها جائحة (كورونا)، فقد حافظت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في لبنان على أنشطة معالجة إعادة التوطين طوال عامي 2020 و2021 من خلال إجراء المقابلات مع الراغبين بالانتقال إلى بلد ثالث عن بُعد، فضلاً عن المقابلات الشخصية كلما سمح الوضع بذلك».
وتوضح أبو خالد لـ«الشرق الأوسط» أن أكثر من 8100 لاجئ تقدموا بطلبات لإعادة التوطين في عام 2020، غادر منهم 4600 لاجئ إلى بلدان إعادة التوطين المختلفة. وفي نهاية يوليو (تموز) الماضي تم التقدم بأكثر من 3400 طلب وغادر أكثر من 2000 لاجئ لبنان لبلدان إعادة التوطين.
وبحسب المشرف العام على خطة لبنان للاستجابة للأزمة عاصم أبي علي، فإن الأزمة اللبنانية تركت تداعيات كبيرة على النازحين السوريين وأغلبيتهم الساحقة من الفقراء فيما يرزح 90 في المائة منهم تحت خط الفقر المدقع، لافتا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى ازدياد نسبة طالبي الهجرة منهم إلى بلدان ثالثة كألمانيا وكندا وأستراليا، مضيفا: «عدد هائل من النازحين في مكاتب المفوضية يقدمون طلبات هجرة مع زيادة الفقر والتنافس على سوق العمل والموارد المحدودة... كل ذلك يؤدي لاحتقان بين السوريين كما بين السوريين واللبنانيين وبين اللبنانيين، ما يعني أن كل عناصر الانفجار الاجتماعي موجودة ووحدها الشرارة غير موجودة، علما بأننا نعتبر أن كل شيء جائز في حال استمر الوضع دون معالجة».
ويقدر عدد اللاجئين السوريين المقيمين في لبنان بنحو 1.5 مليون لاجئ، بما في ذلك اللاجئون غير المسجلين لدى المفوضية. إذ يبلغ عدد المسجلين حتى نهاية مايو (أيار) 851717 لاجئا موجودين حاليا في لبنان.
- النازحون: نريد المساعدات بالدولار!
ويشكو النازحون السوريون من أن المفوضية لم تقم بأي شيء للتخفيف من تداعيات الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي يرزح تحتها لبنان. وتقول فاطمة (33 عاما) النازحة من الرقة والمقيمة في منطقة البقاع شرق لبنان لـ«الشرق الأوسط» إنه «في وقت تصرف الدول المانحة الأموال بالدولار الأميركي، تصر المفوضية على إعطائنا المساعدات بالليرة اللبنانية. وبعد أن كنا نحصل على مبلع 27 دولارا شهريا للفرد بتنا نحصل على 100 ألف ليرة لبنانية ما يعادل 5 دولارات فقط!».
ويؤكد عاصم أبي علي أن حجم المساعدات للنازحين ازداد بعد موافقة الدولة اللبنانية على اعتماد سعر صرف قريب لسعر السوق، موضحا أنه «منذ اندلاع الأزمة المالية والاقتصادية في لبنان باتت المساعدات توزع بالليرة اللبنانية حصرا رغم المطالبات الكثيرة من الجهات المانحة بوجوب أن توزع بالدولار كي لا تفقد قيمتها... لكن وزارة الشؤون طالبت بأن تعطى المساعدات أولا للبنانيين بالدولار قبل أي قرار بإعطاء السوريين بعملة غير العملة اللبنانية مراعاة لحساسية النزاع والتوازن بالاستجابة للحالات الإنسانية لتفادي الجنوح للعنف والكراهية بين المجتمعين النازح والمضيف».
وتتحدث ليزا أبو خالد عن «خيارات صعبة يتخذها النازحون للبقاء على قيد الحياة، بما في ذلك تخطي وجبات الطعام، عدم التماس العلاج الطبي العاجل وإرسال الأطفال إلى العمل». وتشير إلى أنه «من خلال التمويل المتاح حالياً للمساعدات الإنسانية، تستطيع المفوضية الوصول إلى 57 في المائة (اعتباراً من يوليو 2021) أي 171100 أسرة لاجئة سورية بمساعدة نقدية شهرية بقيمة 400 ألف ليرة لبنانية لكل أسرة. وتضيف: «إجمالاً، جنباً إلى جنب مع برامج المساعدات النقدية والغذائية الشهرية لبرنامج الأغذية العالمي، يمكن للمفوضية وبرنامج الأغذية الوصول إلى 80 في المائة (اعتباراً من يوليو 2021) من إجمالي عدد اللاجئين السوريين في لبنان من خلال المساعدات النقدية والغذائية الشهرية».
وتوضح أنه «تم اتخاذ قرار تزويد العائلات اللاجئة بمبلغ 400 ألف ليرة لبنانية بالتشاور مع السلطات اللبنانية وبرنامج الأغذية العالمي لضمان التوافق مع برامج المساعدة الاجتماعية للأسر اللبنانية الفقيرة، مع مراعاة حساسية النزاع».
وكما مع قسم كبير من اللبنانيين تدفع المعاناة بالنازحين لاتخاذ قرارات صعبة نتيجة الوضع المأساوي الذي يرزحون تحته. إذ حاولت نازحة سورية (26 عاماً) مطلع شهر سبتمبر (أيلول) الحالي إحراق نفسها أمام مركز الأمم المتحدة للاجئين في مدينة طرابلس شمال لبنان، بعدما سكبت مادة البنزين على جسدها. وروى شهود عيان أنه إثر تبلغ الشابة التي تعاني وعائلتها من أوضاع اقتصادية صعبة جدا، أن طلبها للهجرة لا يزال عالقاً، قامت بمحاولة إحراق نفسها.
- لا عودة إلى سوريا
ولم تعد العودة إلى سوريا خيارا لمعظم النازحين السوريين في لبنان رغم تأكيد مفوضية اللاجئين مرارا أن النسبة الأكبر منهم تعرب عن نيتها العودة إذا توفرت ظروف العيش الكريم.
وبحسب ليزا أبو خالد فقد عاد منذ عام 2016 ما يزيد قليلاً على 69 ألف لاجئ سوري إلى سوريا. وفي العام 2021 وحتى نهاية أغسطس (آب)، تحققت المفوضية من عودة 2255 لاجئاً سورياً إلى سوريا. وأكملت المفوضية أحدث مسح لنوايا العودة في مارس (آذار) 2021 أظهر أن معظم اللاجئين السوريين ما زالوا يأملون في العودة إلى سوريا، إلا أن اتخاذ قرارهم يعتمد على تقييم مجموعة متنوعة من العوامل أبرزها السلامة والأمن، السكن، الوصول إلى الخدمات الأساسية وسبل العيش في سوريا.
ويؤكد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» أنه «رغم تدهور الأوضاع الاقتصادية بشكل دراماتيكي في لبنان فإنه لم تسجل عودة للاجئين إلى الأراضي السورية وكل محاولات الدفع في هذا الاتجاه باءت بالفشل»، كاشفا أن «أشخاصا من سوريا ما زالوا يفرون إلى لبنان وهم يدفعون بين ألف وألفي دولار أميركي لعبور الحدود اللبنانية للانطلاق إلى أوروبا».
وبعد أعوام من الخلاف السياسي بين القوى اللبنانية حول وضع خطة لإعادة النازحين السوريين أقر مجلس الوزراء عام 2020 «ورقة السياسة العامة لعودة النازحين»، وهي أشبه بخطة لإطلاق عملية جماعية لإعادتهم تم حصرها بوزارة الشؤون الاجتماعية بعدما تم تسجيل عمليات لإعادة النازحين رعاها أكثر من طرف في السنوات الماضية ولم تحقق عودة إلا بضعة مئات منهم.
وترتكز خطة الحكومة على 8 مبادئ ومعطيات ميدانية أساسية أبرزها، التمسك بحق النازح السوري بالعودة ورفض التوطين وأي شكلٍ من أشكال الإدماج أو الاندماج في المجتمع اللبناني وفق ما نص عليه الدستور اللبناني، عدم الإعادة القسرية وعدم ربط عودة النازحين بالعملية السياسية في سوريا. كما تؤكد الخطة ترحيب الدولة السورية بعودة كافة السوريين واستعدادها لبذل ما يلزم من جهود لتبسيط وتسهيل إجراءات هذه العودة من خلال ترميم آلاف المدارس والعمل على إعادة المؤسسات والخدمات وتأهيل البنى التحتية وتأمين متطلبات مواطنيها كما إحداث مراكز إيواء مؤقتة وتقديم مستلزمات العيش الكريم.
- إحصاء النازحين معلق؟
ومنذ ذلك الحين لم يتم تفعيل هذه الخطة أو وضع آلية عمل لها. وتقول مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط» إن العملية مرتبطة بعملية إحصاء النازحين التي تم توكيل وزارة الداخلية بإجرائها لتحديد من أين نزحوا لتفعيل مبدأ العودة الطوعية. ولا يبدو أن الداخلية انطلقت بعد بهذه العملية. وليس لدى الدولة اللبنانية منذ 10 سنوات أي إحصاء للنازحين والأماكن التي نزحوا منها وإليها، وحدها المفوضية تمتلك داتا لـ940 ألف نازح تقريبا علما بأن هذا ليس العدد الإجمالي للذين يعيشون في لبنان. وبعد الانتهاء من هذا الإحصاء يفترض على كل نازح سوري على الأراضي اللبنانية أن يحصل على بطاقة تعريف، باعتبار أنه وبحسب إحصاءات المفوضية يمتلك فقط 20 في المائة من النازحين أوراقا نظامية في لبنان، في وقت يمكن الحديث عن 73 في المائة من ولادات النازحين غير المسجلة.
ويهزأ عماد النازح من درعا من ربط العودة بإحصاء مماثل، ويتساءل ماذا سيقدم هذا الإحصاء؟ هل سيعيد إعمار منازلنا المهدمة؟ هل سيؤمن لنا ظروفا لائقة للعيش والعمل ومدارس لتعليم أولادنا؟ ويقول عماد لـ«الشرق الأوسط»: «العودة إلى سوريا لن تحصل والكل يدرك ذلك ويرفض الإقرار به، لذلك تم مؤخرا تفعيل عملية نقل النازحين إلى بلدان جديدة... من ستسنح له الفرصة سيغادر فورا أما البقية فستبقى في لبنان رغم التحديات الكبيرة التي نواجهها على المستويات كافة».
ويشكل الخوف من تعرض قوات النظام السوري بالأذى خاصة لمن كانوا يؤيدون المعارضة، عنصرا أساسيا يحول دون عودة عشرات الآلاف رغم تأكيدات النظام المتكررة ومقربين منه أنه لا يتم التعرض لأحد.
ووثقت منظمة العفو الدولية مطلع شهر سبتمبر الحالي في تقرير بعنوان «أنت ذاهب إلى الموت» وفاة خمسة أشخاص خلال احتجازهم، و14 حالة عنف جنسي ارتكبتها قوات الأمن، ضمنها سبع حالات اغتصاب لخمس نساء ومراهق وطفلة في الخامسة من عمرها. ونددت منظمة العفو الدولية الثلاثاء بتعرض العشرات من اللاجئين الذين عادوا إلى سوريا لأشكال عدة من الانتهاكات على أيدي قوات الأمن، بينها الاعتقال التعسفي والتعذيب وحتى الاغتصاب. ويستند التقرير إلى مقابلات مع 41 امرأة ورجلا سوريا، بمن فيهم العائدون والأقارب. وناشدت المنظمة الدول الغربية التي تستضيف لاجئين سوريين ألا تفرض عليهم العودة «القسرية» إلى بلدهم، منبهة إلى أن سوريا ليست مكاناً آمناً لترحيل اللاجئين إليها.



مهلة نزع سلاح «حماس»... ورقة ضغط تُربك مسار «اتفاق غزة»

أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

مهلة نزع سلاح «حماس»... ورقة ضغط تُربك مسار «اتفاق غزة»

أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

استبقت تسريبات إسرائيلية اجتماع مجلس السلام المقرر عقده الخميس في واشنطن لبحث قضايا مرتبطة بقطاع غزة، وتحدثت عن مهلة 60 يوماً لنزع سلاح حركة «حماس» أو العودة للحرب بضوء أخضر أميركي.

تلك التسريبات التي تكاد تتطابق مع حديث للرئيس الأميركي دونالد ترمب، طلب فيه نزعاً فورياً وكاملاً لسلاح «حماس»، يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» ورقة ضغط مشتركة من الولايات المتحدة من أجل فرض الملف على أجندة الاجتماع، محذرين من أن هذا الضغط «سيُربك مسار اتفاق غزة».

ويسري في القطاع الفلسطيني منذ العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، استناداً إلى مقترح تقدم به ترمب، ويشكل نزع سلاح «حماس» جزءاً أساسياً من مرحلته الثانية التي أعلنت الولايات المتحدة الانتقال إليها في منتصف يناير (كانون الثاني)، وكان من المفترض أن يتوازى مع انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً من القطاع، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة.

وتتحدث إسرائيل عن منح «حماس» مهلة 60 يوماً قد تبدأ بعد اجتماع مجلس السلام، الخميس، لنزع سلاحها بطلب من إدارة ترمب، وهددت باستئناف الحرب إن لم تستجب، وفق ما نقلته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، نقلا عن سكرتير الحكومة الإسرائيلية يوسي فوكس مساء الاثنين.

ويجيء ذلك في أعقاب منشور لترمب على منصته «تروث سوشيال»، الأحد، قال فيه إنه «ينبغي على (حماس) أن تحترم التزامها بنزع سلاحها بشكل كامل وفوري».

ويمثل ذلك التسريب تكراراً لآخر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حين نقلت صحيفة «يسرائيل هيوم» عن مصادر أن الولايات المتحدة وإسرائيل حددتا مهلة نهائية مدتها شهران لتفكيك سلاح الحركة عقب لقاء جمع الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في فلوريدا.

ووقتها قال ترمب، في مؤتمر صحافي مشترك مع نتنياهو: «تحدثنا عن (حماس) وعن نزع السلاح، وسيُمنحون فترة زمنية قصيرة جداً لنزع سلاحهم، وسنرى كيف ستسير الأمور»، بينما قال نتنياهو آنذاك في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» إن «حماس» لا تزال تمتلك نحو 20 ألف مسلح يحتفظون بنحو 60 ألف بندقية «كلاشينكوف»، مشدداً على أن أهداف الحرب لم تتحقق بالكامل، وعلى رأسها «القضاء التام على (حماس)».

فلسطينيون يسيرون أمام خيام النازحين وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد الخبير العسكري والاستراتيجي محمد العمدة أن ذلك التسريب «لا يختلف عن عقيدة إسرائيل الساعية لإفشال مسار الاتفاق وليس إرباكه فقط، خاصة أن مصالح نتنياهو المرتبطة بانتخابات هذا العام تجعله يطيل أمد المفاوضات ويضع عراقيل وذرائع تمهد للعودة للحرب».

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني نزار نزال أن التسريب وراءه عدة أهداف، منها رفع سقف التوقعات، والإشارة لاحتمال تغير في قواعد اللعبة قبل تثبيت المرحلة الثانية، والضغط على «حماس» بطرح أفكار مغايرة عما سبق من مقترح متدرج لنزع السلاح.

وعدَّ نزال هذا اختباراً لجدية واشنطن للمضي في «اتفاق غزة»، معبراً عن اعتقاده بأن حكومة نتنياهو تريد إرباك مسار الاتفاق ومنع أي تفاهمات قد تكون محتملة بمجلس السلام.

وتُعد التسريبات الأخيرة مغايرة لأخرى ترددت قبل أسبوع حين أفادت صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مصادر بأن واشنطن تجهّز مقترحاً جديداً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح باحتفاظها ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى. وذكرت الصحيفة أنه سيتم تقديم هذا المقترح خلال أسابيع.

فلسطينيون يعلّقون زينة رمضان فوق حطام المباني المدمرة في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الأحد الماضي (إ.ب.أ)

ولا تزال «حماس» تتمسك بموقفها من السلاح. وقد رفض القيادي البارز بالحركة، خالد مشعل، خلال منتدى بالدوحة قبل أسبوع، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي»، ودعا «مجلس السلام» إلى اعتماد «مقاربة متوازنة».

ويعتقد العمدة أن المقترح التدريجي هو ما يمكن أن تدور حوله المناقشة، لكن مهلة الشهرين لن تكون كافية كي تتمكن «حماس» أو غيرها من تسليم سلاحها؛ مضيفاً: «الحركة بالأساس لن تفعل ذلك ولن تقبل بهذا المسار».

وهو يرى أن تفكيك تسليح أي حركة مثل «حماس» سيستغرق فترة لا تقل عن عام حال وجود تفاهمات، «لكن إسرائيل تناور (حماس)».

ويرجح نزال أن تكون تلك التسريبات المتضاربة «مجرد ورقة ضغط تفاوضية»، باعتبار أن المهلة تحمل سيناريوهين: إما دفع «حماس» نحو تنازلات جزئية يستمر معها مسار اتفاق غزة بشكل بطيء، أو تمهيد لتجميد الاتفاق لفترة طويلة والسماح لإسرائيل بخروقات أكبر.


مصر تتدارك آثار «حكم دستوري» أبطل تحديث قوائم المخدرات

مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
TT

مصر تتدارك آثار «حكم دستوري» أبطل تحديث قوائم المخدرات

مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)

بشكل عاجل، عملت وزارة الصحة المصرية، على محاولة تدارك الآثار المترتبة على حكم دستوري صدر الاثنين، ببطلان الجداول الخاصة بتصنيف وإدراج المواد المخدرة، التي أصدرها رئيس الهيئة العامة للدواء أبريل (نيسان) 2021 لـ«عدم اختصاصه».

وهذا الأمر استدعى قراراً من وزير الصحة خالد عبد الغفار، لإعادة إصدار الجداول نفسها الملغاة بصفته ذا الصفة لذلك.

وأثار حكم المحكمة الدستورية العليا حالة من الجدل في مصر، مع نشر شائعات عن خروج وشيك لتجار مخدرات بناء عليه. وهذا ما نفاه متخصصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدين أن «الحكم - قبل قرار الصحة - لن يترتب عليه مباشرة خروج أي من المدانين أو المتهمين حالياً في قضايا مخدرات، وإنما قد يستفيد منه بعض المُدانين أو المتهمين الحاليين في تخفيف الأحكام، وليس من المتوقع أن يصل الأمر لحد البراءة في معظم القضايا خصوصاً الاتجار».

وقالت وزارة الصحة في بيان، الثلاثاء، إن الوزير قرر استبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، وتنظيم استعمالها والاتجار فيها رقم 182 لسنة 1960، تنفيذاً مباشراً وفورياً لحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في جلستها بتاريخ 16 فبراير (شباط) 2026 في الدعوى الدستورية رقم (33) لسنة 47 - قضائية دستورية - الذي أكد عدم دستورية بعض الإجراءات السابقة المتعلقة بتعديل تلك الجداول.

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار (أرشيفية - وزارة الصحة)

وبصدور القرار «تُصبح جداول المخدرات الملغاة من قبل المحكمة الدستورية هي المطبقة حالياً في القضايا التي سيتم تحريكها منذ اليوم، ما يسد أي ثغرة تشريعية. أما الآثار التي ما زالت قائمة ومربكة للحكم فهي الخاصة بالقضايا التي حُركت بناء على تعديلات جدول المخدرات في الخمسة أعوام السابقة»، وفق الصحافي المتخصص في الشأن القضائي محمد بصل.

وأكد بصل لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه القضايا عُرضة للاستفادة من حكم الدستورية حسب درجة التقاضي التي وصلت لها... غير أن ذلك لا يعني بأي حال خروج متهمين أو مدانين في قضية مباشرة بناء على حكم الدستورية».

ويهدف القرار الأخير، حسب وزارة الصحة، إلى «إعادة ترتيب الاختصاص التشريعي والتنفيذي في تعديل جداول المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، بما يتوافق تماماً مع أحكام الدستور المصري ومبدأ سيادة القانون، كما يسعى في الوقت ذاته إلى تعزيز الرقابة الدوائية والأمنية على هذه المواد، وفق أحدث التطورات العلمية والقانونية، لضمان حماية أكثر فاعلية للمجتمع من مخاطر التعاطي والاتجار غير المشروع».

وأشار بصل إلى أن «غالبية المواد المُخدرة حتى المُستحدث منها مثل الأيس والشابو وغيرها موجودة بالفعل في جداول المخدرات من قبل تعديلات رئيس هيئة الدواء، التي نقلتها من الدرجة الثانية في الجدول ذات العقوبات المُخففة نوعاً ما بصفتها جُنحة، إلى الدرجة الأولى والتي تجعل عقوبة تعاطيها والاتجار فيها جناية، وتصل هذه العقوبات المشددة إلى السجن المؤبد 25 عاماً»، مستبعداً أن يستفيد تجار المخدرات من هذه التعديلات، «عادة ما تحال القضية بوصفها اتجاراً بغض النظر عن نوع المُخدر أو درجة تصنيفه».

وتنشط وزارة الداخلية المصرية في قضايا مكافحة المخدرات، وتم «ضبط مواد مخدرة بقيمة تقديرية نحو 27 مليار جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً) وإيقاف تهريب مخدرات صناعية بقيمة سوقية نحو 34 مليار جنيه في الأسواق المستهدفة» خلال عام 2025، وفق كلمة وزير الداخلية اللواء محمود توفيق في احتفالية عيد الشرطة الماضية.

طرق الاستفادة من الحكم

وفسّر المحامي حسن شومان، لـ«الشرق الأوسط» طرق استفادة المتهمين من حكم الدستورية، في القضايا التي ضُبطت خلال الفترة محل الجدل، في أنه «إذا كانت القضية منظورة حالياً في أول درجة أو مُستأنف، فيحق لي بصفتي محامياً أن أطلب من المحكمة براءة موكلي، دافعاً ببطلان إجراءات القبض والتفتيش والإحالة، بمعنى إحالة النيابة القضية بوصفها جناية، بينما هي جنحة وفق الآثار المترتبة على حكم المحكمة الدستورية»، متوقعاً في الوقت نفسه ألا يأخذ القاضي في كثير من القضايا بهذا الدفع بالنظر إلى قرار وزير الصحة الأخير الذي أعاد تفعيل هذه الجداول، وهذا حق تقديري للقاضي، على حد وصفه.

وأضاف شومان: «إذا كانت القضية قد صدر فيها حكم نهائي لكن ليس باتاً، فيحق للمحامي أن يتخذ إجراءات للدفع بالبطلان أمام النقض، أما إذا كان الحكم باتاً صدر من النقض، فيحق أن أقدم التماساً بإعادة النظر في القضية بناء على وجود متغيرات جديدة فيها، وفي هذه الحالة تُعاد المُحاكمة، وقد يحصل المتهم على البراءة في حالة كان المُخدر الذي أُحيل به من المدرجة في الجداول الملغاة وهو أمر قد لا يحدث كثيراً، فعادة ما يُضبط المُدان بأكثر من نوع مخدر».

وقد يتيح حكم الدستورية لمُدانين قضوا مدة عقوبتهم في حكم صدر بناء على الجداول الملغاة، المطالبة بتعويض مدني عن العقوبة التي قضوها، حسب بصل، الذي أشار إلى أن الأزمة كان يمكن تفاديها بسهولة لو التفتت الحكومة ومجلس النواب إلى الأصوات التي حذرت منذ عام 2021 من أن النص القانوني الذي تم بناء عليه نقل مهمة تحديث جدول المخدرات إلى رئيس هيئة الدواء بدلاً من وزير الصحة «غير منضبط ويحتاج إلى ضبط في الصياغة».

المخدرات المُجرّمة

ولا تقتصر جداول المخدرات المُجرّمة في مصر على المواد المُصنعة للتعاطي، أو الحشائش للغرض ذاته، وإنما تضم كثيراً من الأدوية التي يستلزم لصرفها وصفة طبية، ويجب عدم تناولها أكثر من الجرعات والمدد المُحددة.

وأشاد الصحافي المتخصص في الشأن القضائي بالقرارات التي أصدرتها هيئة الدواء في جداول المُخدرات، التي كانت دائمة التحديث، وأدرجت كثيراً من المواد، وهو جهد لم يذهب سُدى في كل الأحوال، إذ أعيد العمل به بقرار وزير الصحة.

وأكدت وزارة الصحة في بيانها «التزامها الكامل بتنفيذ أحكام المحكمة الدستورية العليا، واستكمال الإطار القانوني السليم الذي يجمع بين الحزم في مكافحة المخدرات، وبين احترام مبادئ الدستورية والشرعية».


تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
TT

تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)

شهدت محافظة أرخبيل سقطرى اليمنية خلال الأيام الماضية انفراجة خدمية مهمة بعد تدخل سعودي عاجل أسهم في إعادة تشغيل محطات توليد الكهرباء، منهياً أزمة انقطاع التيار التي أثّرت بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، وعلى عمل المؤسسات الحيوية، وفي مقدمتها المستشفى العام والجامعة والمعهد الفني.

وجاءت هذه الخطوة عقب توقف مفاجئ للمحطات نتيجة انسحاب الشركة المشغلة وتعطيل أنظمة التشغيل، الأمر الذي تسبب في اضطرابات واسعة في الخدمة الكهربائية وارتفاع معاناة المواطنين.

وأوضح البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن أن فرقاً هندسية وفنية باشرت عملها فور تلقي مناشدة من السلطة المحلية، حيث جرى إرسال متخصصين لإعادة تفعيل أنظمة التشغيل التي تم تشفيرها قبل مغادرة الشركة المشغلة للجزيرة. وتمكنت الفرق من استعادة تشغيل المولدات تدريجياً، ما أدى إلى عودة الاستقرار الكهربائي في معظم مناطق المحافظة خلال فترة زمنية قصيرة.

وأدى استئناف تشغيل محطات الكهرباء إلى تخفيف الضغط الكبير الذي شهدته الشبكة خلال الأسابيع الماضية، خصوصاً مع ارتفاع الأحمال وتوقف المولدات بشكل كامل.

وكانت المرافق الصحية والتعليمية الأكثر تأثراً، إذ اضطرت بعض الأقسام الطبية إلى تقليص خدماتها، بينما توقفت العملية التعليمية جزئياً بسبب غياب التيار الكهربائي اللازم لتشغيل القاعات والمختبرات.

وحسب إدارة كهرباء سقطرى، فإن الأزمة نشأت بعد قيام الشركة المشغلة السابقة بوضع مؤقتات إطفاء وإدخال كلمات مرور على أنظمة التحكم، ما حال دون قدرة الفرق المحلية على إعادة تشغيل المحطات. وأشارت الإدارة إلى أن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن واجهت المحافظة وضعاً مشابهاً عام 2018 قبل أن تتم معالجة المشكلة بتدخل رسمي.

عودة عمل القطاع الصحي في سقطرى بدعم سعودي (إكس)

وأكدت مصادر محلية أن عودة الكهرباء انعكس فوراً على استقرار الخدمات الأساسية، حيث عادت شبكات المياه للعمل بانتظام، وتحسنت خدمات الاتصالات، إضافة إلى استئناف النشاط التجاري بشكل تدريجي بعد فترة من الاضطراب الاقتصادي المرتبط بانقطاع الطاقة.

دعم صحي وتعليمي

في القطاع الصحي، أسهم استقرار الكهرباء إلى جانب الدعم التشغيلي المقدم في ضمان انتظام عمل مستشفى سقطرى العام، الذي يُعد المرفق الطبي الأهم في الأرخبيل. وقد ساعد التمويل التشغيلي في توفير الوقود والمستلزمات الطبية ودعم الكادر الصحي، ما عزز قدرة المستشفى على استقبال الحالات المرضية، وتقليل الحاجة إلى تحويل المرضى للعلاج خارج المحافظة، وهو أمر كان يشكل عبئاً إنسانياً ومادياً على السكان.

وأفادت مصادر طبية بأن استقرار الطاقة الكهربائية مكّن الأقسام الحيوية، مثل العناية المركزة وغرف العمليات، من العمل بصورة طبيعية بعد فترة من الاعتماد على حلول طارئة محدودة.

أما في قطاع التعليم، فقد انعكس التدخل بشكل واضح على انتظام الدراسة في جامعة سقطرى والمعهد الفني، حيث استؤنفت المحاضرات والأنشطة الأكاديمية بعد أسابيع من التوقف. وأسهمت مبادرة دعم استقرار التعليم في تغطية التكاليف التشغيلية، بما في ذلك رواتب الكادر الأكاديمي والنفقات الأساسية، الأمر الذي قلل من نسب الغياب وساعد على استعادة الجدول الدراسي.

انتظمت العملية التعليمية في جامعة سقطرى بفعل الدعم السعودي (إكس)

وأعلنت السلطات المحلية استئناف الدراسة رسمياً في المعهد الفني بدءاً من يوم الاثنين، في خطوة عُدت مؤشراً على عودة الاستقرار التدريجي للخدمات العامة في الأرخبيل. ويرى مراقبون أن استمرار الدعم الفني والتشغيلي يمثل عاملاً حاسماً للحفاظ على استدامة الكهرباء، وضمان عدم تكرار الأزمة مستقبلاً، خصوصاً في منطقة تعتمد بشكل شبه كامل على الطاقة لتسيير قطاعاتها الحيوية.