قمة فرنسية ـ أفريقية من «نوع جديد»

باريس لم تدعُ الرؤساء وتريد الاستماع إلى «قادة الغد» لتحديث علاقاتها مع القارة السوداء

رغم احتفاظها باسم «القمة» فإن هذه المرة لا دعوات ولا حضور لرؤساء الدول الأفريقية ولا بيانات ولا قرارات (إ.ب.أ)
رغم احتفاظها باسم «القمة» فإن هذه المرة لا دعوات ولا حضور لرؤساء الدول الأفريقية ولا بيانات ولا قرارات (إ.ب.أ)
TT

قمة فرنسية ـ أفريقية من «نوع جديد»

رغم احتفاظها باسم «القمة» فإن هذه المرة لا دعوات ولا حضور لرؤساء الدول الأفريقية ولا بيانات ولا قرارات (إ.ب.أ)
رغم احتفاظها باسم «القمة» فإن هذه المرة لا دعوات ولا حضور لرؤساء الدول الأفريقية ولا بيانات ولا قرارات (إ.ب.أ)

يعرف المراقبون الملمّون بخبايا الدبلوماسية الفرنسية أن سياسة باريس إزاء القارة الأفريقية التي كانت لفرنسا فيها إمبراطورية استعمارية حتى ستينات القرن الماضي، هي حكر على رئاسة الجمهورية التي تخطط وتقرر وتنفّذ.
وهكذا، فإن الرئيس إيمانويل ماكرون قرر أن القمة الفرنسية - الأفريقية الـ28 التي تلتئم مرة في العام وكان مقرراً انعقادها في 2020 في مدينة بوردو بحضور 54 رئيس دولة أفريقية لكنها أُجّلت بسبب وباء كوفيد، ستكون مختلفة عن القمم كافة التي سبقتها.
ورغم احتفاظها باسم «القمة» فإن هذه المرة لا دعوات ولا حضور لرؤساء الدول الأفريقية ولا بيانات ولا قرارات لأنها تحولت بفعل قادر إلى منتدى للحوار ومحفل للشباب الأفريقي والشتات ونظرائهم من فرنسا للخوض في مسائل متفرقة ولرسم صورة للعلاقات الجديدة التي يريدونها بين الدولة المستعمرة السابقة والدول الأفريقية. الرئيس الوحيد الذي سيحضر القمة التي تنطلق اليوم (الجمعة)، في مدينة مونبوليه الساحلية جنوب فرنسا هو ماكرون نفسه الذي سينخرط في حوار مفتوح ومن غير ضوابط مع 12 شاباً تم اختيارهم من 12 بلداً أفريقياً هي: تونس ومالي وساحل العاج وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب أفريقيا وكينيا ونيجيريا والسنغال وأنغولا وبوركينا فاسو والكاميرون.
بعد المؤسسات والرؤساء والمباحثات التقليدية والبيان الختامي وكل المراحل التقليدية وفق بروتوكول صارم، جاء زمن الفنانين والكتاب ورواد الأعمال وممثلي المجتمع المدني ليقولوا كلمتهم التي لا تتوافق في غالب الأحيان مع السردية الرسمية. وباختصار، فإن باريس، وفق ما أكدته مصادر قصر الإليزيه، في معرض تقديمها للقمة، تريد من منتدى مونبوليه أن يكون نقطة الانطلاق لـ«إعادة تأسيس» العلاقة بين الجانبين. بيد أن هذا الاجتماع الذي من المنتظر أن يضم ما لا يقل عن 3 آلاف شخص سيتوافدون إلى المدينة الساحلية المتوسطية من كل أنحاء أفريقيا ومن بلدان الشتات، لم يولد من فراغ بل هو نتيجة عملية تحضير دامت أشهراً عديدة كلّف بها الكاتب والمفكر الكاميروني أشيل مبيمبي الذي قدم تقريراً مفصلاً للرئيس ماكرون يوم الثلاثاء الماضي.
ولعل من المفيد الإشارة إلى أن العلاقات المتوترة لباريس مع عدد من البلدان الأفريقية كان من شأنها أن تعكر صفو قمة تقليدية مع عدد من القادة الأفارقة «الانقلابيين» أو الذين يسخّرون الدستور للبقاء في السلطة.
يؤكد الجانب الفرنسي أن ما يحصل اليوم في مونبوليه هو إلى حد كبير «ترجمة» لمضمون خطاب ماكرون في واغادوغو، عاصمة بوركينا فاسو، في عام 2017، حيث أكد وبوضوح أن رهانه هو على الشباب لتجديد وتفعيل العلاقة مع أفريقيا.
ويتضمن تقرير المفكر الكاميروني أحكاماً صارمة بحق السياسة الفرنسية في أفريقيا التي قال عنها إنها «منفصلة عن واقع الحركات الجديدة والتجارب السياسية والثقافية» التي يدور الشباب الأفريقي في فلكها. ووصلت الأمور بـأشيل مبيمبي إلى التنديد بها صراحةً بقوله إنه «ليس هناك ضرر أكبر من دعم فرنسا المفترض للاستبداد في القارة» الأفريقية. ورد باريس، حسب الإليزيه، أن «كل المواضيع التي تثير الغضب ستُطرح على الطاولة» من التدخلات العسكرية الفرنسية إلى السيادة والحوكمة والديمقراطية، معترفاً بأن «الأجواء السياسية الحالية تجعل المناقشات حساسة».
رسمياً، ثمة خمسة محاور رئيسية سوف تناقشها خمس ورش عمل صباحاً، فيما يُخصص بعد الظهر لجلستي عمل عامتين يشارك ماكرون في الثانية منهما.
ويندرج المحور الأول تحت مسمى «المواطنية والديمقراطية» ويتناول ملفات السيادة وحرية التعبير والمواطنة والهجرات والديمقراطية وكلها مواضيع متفجرة. وما يهم باريس هو أن تستمع لتطلعات الشباب الأفريقي بشأنها. لكن الأهم هو معرفة تتمّات ما سيطالب به الشباب الأفريقي وكيف سينعكس كل ذلك على السياسة الفرنسية الرسمية التي تتعاطى مع أنظمة قائمة ومستديمة وأي كلام رسمي فرنسي سلبي أو صريح يمكن أن يفضي إلى أزمة كما هو حاصل في الوقت الحاضر بين باريس والجزائر بسبب تصريحات ماكرون الأخيرة. ويتناول المحور الثاني قطاع الأعمال والتجديد حيث سيقوم حوار موسع يضم 500 شخص من كل جانب حول التجارب الناجحة في القطاعات الرقمية والزراعية والصناعة الثقافية والإبداع والرياضة. والغرض من ذلك كله تبادل الخبرات ولكن أيضاً نسج شبكات تواصل للمستقبل.
وتنكبّ ورشة العمل الثالثة على قطاع التعليم العالي والبحث بشأن إعادة تأسيس علاقات الشراكة بين الجانبين. أما المحوران الرابع والخامس فيتناولان القطاع الثقافي والإبداعي من جهة والرياضة من جهة أخرى. لكنّ القمة بصيغتها هذه لا تحوز رضا الجميع. ولذا، فإن قمة موازية ستشهدها في الوقت عينه مدينة مونبوليه بدعوة من مجموعة «أتاك» التي تدافع عن العدالة الاجتماعية وتدعو للمحافظة على البيئة وفرض الضرائب العادلة على الشركات العالمية المتهربة من دفعها ومن جمعية «سورفي» المناهضة للسياسة الفرنسية في أفريقيا. وفي بيان مشترك، نددت الجمعيتان بـ«الروح الاستعمارية التي ما زالت حاضرة على الرغم مما تم إعلانه». ويقول البيان إن باريس «ما زالت تمارس في أفريقيا هيمنة مالية واقتصادية ودبلوماسية وثقافية وتواصل تدخلاتها العسكرية وتدعم أنظمة تنتهك حقوق الإنسان وتمنع تحرر الشعوب».
تبقى الإشارة إلى أن تقرير أشيل مبيمبي يقترح على الرئيس ماكرون بناء علاقات جديدة مع أفريقيا والاعتراف بـ«الجذور الأفريقية لفرنسا» الأمر الذي من شأنه أن يثير، بلا شك، معارضة قوية في فرنسا بسبب الحملة الرئاسية وانتخابات الربيع القادم. كذلك، فإنه يدعو إلى إنشاء مقر لـ«العالم الأفريقي وللشتات» شبيه بمعهد العالم العربي في باريس وإنشاء لجنة من المؤرخين الفرنسيين والأفارقة لإعادة كتابة تاريخ جديد للعلاقة بين الطرفين «من خلال عيون أفريقية». كذلك يدعو التقرير إلى أن تعترف فرنسا بـ«انحراف الاستعمار (الفرنسي) ومساوئه وبالجرائم التي ارتكبها ومنها جرائم ضد الإنسانية».
وتجدر الإشارة إلى أن ماكرون أشار إلى ذلك في زيارته للجزائر عندما كان مرشحاً للانتخابات الرئاسية لعام 2017 لكنه تخلى عن هذا الطرح لاحقاً.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended