إيران وأذربيجان... سباق المناورات والتحالفاتhttps://aawsat.com/home/article/3226521/%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A3%D8%B0%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%AC%D8%A7%D9%86-%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%AA
جنديان ايرانيان خلال مناورات عسكرية قرب حدود أذربيجان في الأول من الشهر الجاري (إ.ب.أ)
لندن:«الشرق الأوسط»
TT
لندن:«الشرق الأوسط»
TT
إيران وأذربيجان... سباق المناورات والتحالفات
جنديان ايرانيان خلال مناورات عسكرية قرب حدود أذربيجان في الأول من الشهر الجاري (إ.ب.أ)
لعل أوضح تعبير عن مستوى التوتر الحاصل بين طهران وباكو، إعلان أنقرة أمس أن قواتها ستبدأ اليوم مع جيش أذربيجان مناورات عسكرية في إقليم ناجشفان التابع لباكو قرب حدود تركيا.
سيكون هذا الاستعراض العسكري الثالث في هذه المنطقة خلال أقل من شهر. سبقته مناورات نفذها الجيش الإيراني قرب حدود أذربيجان، بعد التدريبات المشتركة التي نفذتها تركيا وباكستان وأذربيجان في باكو الشهر الماضي.
ويتضمن سباق المناورات تعبيراً عن التطورات الجيوسياسية في هذا الإقليم بعد الحرب الأخيرة بين أذربيجان وأرمينيا في إقليم ناغورني قره باخ قبل سنة.
وحسب مصادر دبلوماسية عربية في إحدى عواصم المنطقة، فإن باكو «تشعر بمرارة» من موقف طهران التي قدمت في البداية الدعم السري للجيش الأرميني في القتال، ثم تأخرت كثيراً قبل أن تعلن تأييدها حق باكو في استعادة أراضيها في إقليم ناغورني قره باخ، بعد مظاهرات مؤيدة لباكو من الأذريين في إيران.
وأضافت: «باكو تتعامل مع جميع الأطراف من منطلق موقفها في الحرب»؛ الأمر الذي يفسر موقفها الإيجابي من إسرائيل وباكستان وتركيا، بوصف أن هذه الدول قدمت دعماً كبيراً لأذربيجان في معركتها بالإقليم.
وأسفر الاتفاق الروسي - الأذربيجاني - الأرمني عن ترتيبات عسكرية واقتصادية، وضعت موسكو حكماً ومراقباً عسكرياً للتوازن الجديد، الذي شمل فتح ممر في موازاة حدود إيران، بين أذربيجان وإقليم ناجشفان ما يوصل تركياً إلى بحر قزوين، إضافة إلى مد طريق لاتشين بين يريفان والأقلية الأرمينية في قره باخ.
وقالت المصادر: «إسرائيل قدمت دعماً عسكرياً نوعياً لباكو، وهي تريد ثمناً لذلك عبر تعزيز وجودها في أذربيجان، مما يعني أن إسرائيل باتت لأول مرة قرب حدود إيران». وأضاف: «المعركة انتقلت من الشرق الأوسط إلى هذه المنطقة. جبهة جديدة».
وفي مقابل تعزيز مواقف تركيا وإسرائيل، تجد إيران نفسها «مهمشة في الترتيبات الإقليمية الجديدة، لذلك أرادت عبر المناورات العسكرية إيصال رسالة عدم رضا عن هذا الوضع وأنها قادرة على الضغط عسكرياً»، حسب المصادر. وقالت: «روسيا التي تضبط الإيقاع بين الأطراف المختلفة، لن تسمح بانزلاق الأمور إلى مواجهة مباشرة شاملة».
«الشرق الأوسط» تفتح اليوم ملف التصعيد الإيراني - الأذربيجاني وأبعاده الجيوسياسية في هذه المنطقة ومنطقة الشرق الأوسط وما وراءهما، عبر ثلاث مقالات: توترات لا يجب أن تتحول إلى مشكلة أكبر روسيا وصعوبة الحفاظ على دور الوسيط العلاقة بين مناورات إيران ومفاوضات «النووي»
عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»https://aawsat.com/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%82/%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D9%82%D8%B6%D8%A7%D9%8A%D8%A7/5236738-%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%D9%84-%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%AA-%D8%AF%D9%85%D8%B4%D9%82-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AD%D8%B3%D9%85-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D9%82%D8%B3%D8%AF
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».
وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.
وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.
وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.
مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)
ورقة «مكافحة الإرهاب»
وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.
وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.
في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.
وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.
وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.
مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)
إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»
وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.
في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.
في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.
«اقتصاد الحلم»... كيف تبيع السوشيال ميديا الأمل في الثراء؟https://aawsat.com/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%82/%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D9%82%D8%B6%D8%A7%D9%8A%D8%A7/5235935-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%85-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%A8%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B4%D9%8A%D8%A7%D9%84-%D9%85%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%9F
«اقتصاد الحلم»... كيف تبيع السوشيال ميديا الأمل في الثراء؟
في عالمٍ لا يتوقف فيه الإصبع عن التصفح، تبدو الشاشة كأنها نافذة مفتوحة على فرص لا تنتهي. وجوه تبتسم، قصص نجاح تُروى في دقائق، أرقام مشاهدات تتضاعف، وإعلانات تَعِد بأن الهاتف الذكي قد يكون أسرع طريق إلى الاستقلال المالي.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى السوشيال ميديا بوصفها مجرد منصات تواصل، أو أدوات نشر محتوى، بل إنها جزء من منظومة اقتصادية كاملة تقوم على ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الحلم». اقتصاد لا يبيع الوظيفة، ولا الدخل، بل يبيع إمكانية النجاح نفسها، ويحوّل الاحتمال النادر إلى وعدٍ جماعي. هنا، لا تُقاس القيمة بما يُنتَج فعلياً، بل بما يُتَخيَّل أنه ممكن: فيديو قد ينتشر، حساب قد ينفجر، لحظة قد تغيّر المسار. وبينما يندفع الملايين للعمل داخل هذا الوهم المشروع، تتكدس الأرباح الحقيقية عند قلّة تملك المنصات، أو تفهم خوارزمياتها، أو سبقت الآخرين بخطوات يصعب تعويضها.
لكن خلف هذا المشهد اللامع، ثمّة اقتصاد بمليارات الدولارات، خفي، ومعقّد، ويقوم على استهلاك الزمن البشري أكثر مما يقوم على إنتاج المعنى. وما تعده المنصات بأنه طريق سريع إلى الاستقلال المالي، لم يظهر على أرض الواقع إلا باعتبار أنه رقم في شاشة لا يُترجم إلى دخل حقيقي.
هذا الاختلال لا يرتبط بجودة المحتوى وحدها، بل بطبيعة «اقتصاد الانتباه» نفسه، حيث تُكافئ الخوارزميات القلة القادرة على جذب التفاعل السريع، وتترك الغالبية تعمل تحت ضغط دائم من دون ضمانات، أو أفق واضح.
ضرورة النجاح
في شقة صغيرة في أحد أحياء غرب لندن، تجلس ناريمان م. قرب نافذة تطل على شارع رمادي لا يهدأ. تعمل مساعدة معلمة في مدرسة ابتدائية، وظيفة تحبها، لكنها بالكاد تكفي لتغطية الإيجار، وفواتير لا ترحم. في مدينة تُحسب فيها أسعار القهوة، وبطاقة القطار، والخبز بالأرقام الثقيلة، بات الدخل المتواضع عبئاً يومياً، لا فكرة مجردة. تقول لنفسها كل مساء إن عليها أن تفعل شيئاً إضافياً، أي شيء، قبل أن يبتلع الغلاء ما تبقى من طمأنينتها.
قبل أشهر، دخلت ناريمان، وهي عربية مقيمة في بريطانيا، عالم السوشيال ميديا كما يدخل كثيرون: بحذر، وبأمل صامت. فتحت حساباً على «إنستغرام»، ثم آخر على «تيك توك»، واختارت موضوعاً قريباً منها ومن الناس من حولها: الصحة اليومية، النفخة، الإمساك، التعب الذي لا يُشخَّص، والأسئلة الصغيرة التي يطرحها كثيرون، ولا يجدون لها جواباً واضحاً. ليست طبيبة، لكنها كانت تحاول أن تجمع ما تتعلمه، أن تصوغه بإرشادات مبسطة، وأن تستعين بالذكاء الاصطناعي ليهذّب النصوص، ويقترح الأفكار. اشتركت في دورات مدفوعة، دفعت من دخلها المحدود، واشترت أدوات رقمية قيل لها إنها «ضرورية للنجاح».
تمضي ناريمان ساعات طويلة بعد يوم عمل شاق. هاتفها مسند إلى كوب، ضوء خافت، نصوص تُكتب وتُمسح، فيديوهات تُعاد عشر مرات قبل أن تُنشر. تراقب الأرقام بصمت: مشاهدات قليلة، تفاعل خجول، لا شيء يشبه قصص النجاح التي تمتلئ بها المنصات. فيديو واحد فقط كسر الصمت، وصل إلى نحو عشرة آلاف مشاهدة. رقم يبدو كبيراً على الشاشة، لكنه في الواقع لم يغيّر شيئاً. لا يوجد دخل، لا عروض، لا إحساس بأن الطريق بات أوضح. مجرد ومضة، ثم عودة إلى الصفر.
تعرف ناريمان أنها لم تحقق «شيئاً بعد»، تقول الجملة بلا دراما، لكن التعب يظهر في صوتها. ومع ذلك، تستمر. كل يوم تتعلم، تقرأ، تشاهد، تحاول فهم هذا العالم الذي يبدو مفتوحاً للجميع، لكنه لا يفتح أبوابه بسهولة لأحد. هي ليست باحثة عن شهرة، ولا تحلم بالملايين، بل بدخل إضافي يحميها من قسوة مدينة لا تهادن.
«اقتصاد المبدعين»
قصتها، بكل بساطتها، تشبه قصص آلاف ممن دخلوا اقتصاد المحتوى بدافع الحاجة، لا الوهم، وهمّ لقمة العيش، ووجدوا أنفسهم في مواجهة منظومة أكبر بكثير من فيديو، وأقسى بكثير من مجرد «محاولة».
محاولة للدخول إلى «اقتصاد المبدعين» الذي يشهد نمواً هائلاً، إذ من المتوقع أن تبلغ قيمة سوقه عالمياً نحو 480 مليار دولار بحلول عام 2027، وفقاً لأبحاث «Goldman Sachs».
ويبرز هذا الاقتصاد باعتباره قوة نشطة تُحرّك النشاط الاقتصادي، والتفاعل الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تُقدَّر قيمته الحالية بنحو 1.3 مليار دولار. وتشير منصة «Qoruz» لتحليلات التسويق بالمؤثرين إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تضم نحو 263000 مؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بزيادة قدرها 75 في المائة منذ عام 2023.
المنصات والترندات
في المشهد الرقمي هناك منصات محددة تهيمن على اللعبة، أبرزها «YouTube» ،«TikTok» ،«Instagram» ،«Snapchat» ،«Twitch». كل واحدة لها آلياتها الخاصة في نشر المحتوى، وجذب الانتباه، وكلها تبيع الوهم نفسه: إمكانية أن يصبح أي شخص مؤثراً.
لكن شرط أن يتحول المحتوى إلى ترند (أو مادة شائعة) ليس جودة الفكرة فحسب، بل توقيت النشر، وسرعة الانتشار، والتفاعل الأولي الذي يولده ذلك المحتوى. فيديو بسيط يمكن أن يتحول إلى ترند إذا التقطه جمهور كبير في الساعات الأولى، أو دعمته خوارزمية المنصة نفسها عبر الاقتراحات، أو حصل على مشاركة واسعة من حسابات مشهورة. الفئات الأكثر انتشاراً في المنطقة العربية هي أسلوب الحياة والسفر، الموضة والجمال، الصحة واللياقة، والمال والأعمال، والفنون والترفيه، وهو ما يجعل لدى أي محتوى يلمس هذه الاهتمامات فرصة أكبر للتحول إلى ترند، حتى لو لم يكن معقداً، أو إنتاجه باهظاً.
خريطة القوة
ويصف حسين الحازمي، مؤسس ومدير شركات متخصصة في الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى في السعودية، التحول الذي يشهده الإعلام العالمي بأنه «خروج كامل من عباءة النموذج التقليدي». فالمحتوى لم يعد مادة إعلامية تُنتَج ثم تُبَث، بل أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة تُعرف اليوم بـ«اقتصاد المحتوى»، مشيراً إلى أن هذه المنظومة، وفق تقديرات مؤسسات مالية عالمية، تبلغ قيمتها نحو 250 مليار دولار على مستوى العالم، مع توقعات بأن تصل إلى 480 مليار دولار خلال عامين فقط.
ويقول الحازمي لـ«الشرق الأوسط» إن أكثر من 60 في المائة من الإنفاق الإعلاني العالمي بات يذهب إلى المنصات الرقمية، وهو ما أعاد رسم خريطة القوة داخل الصناعة الإعلامية، ونقل مركز الثقل من المؤسسات الكبرى إلى المنصات العابرة للحدود.
فضاء مزدحم
غير أن هذه الأرقام، على ضخامتها، لا تعني بالضرورة أن السوق مزدهرة للجميع. فالحازمي يلفت إلى أن تشبع المحتوى، خصوصاً الترفيهي السريع، خلق وهماً واسع الانتشار بأن الفرص لا تزال مفتوحة بلا سقف. لكن الواقع، كما يراه، أكثر انتقائية. ففي هذا الفضاء المزدحم لم تعد الكثرة هي القيمة، بل النوعية، والقدرة على سد فجوة معرفية حقيقية. من هنا يبرز ما يسميه «الإعلام المعرفي» و«المحتوى المتخصص»، حيث تتحول القيمة من مطاردة الجمهور العام إلى بناء علاقة مع جمهور ضيق، لكنه واعٍ ومهتم، 10 آلاف متابع متخصص، في هذا السياق، قد يشكلون قاعدة اقتصادية أكثر صلابة من مليون متابع لا يبحثون إلا عن التسلية العابرة، على حد تعبير الحازمي.
المفوضية الأوروبية أعلنت أنها بصدد دراسة مقترح «الحزمة الرقمية الشاملة»... (متداولة)
هذا التحليل الاقتصادي يتقاطع، لكنه يختلف في زاويته مع قراءة الدكتور سعيد الدحية الزهراني، أستاذ الإعلام والاتصال الرقمي، الذي ينظر إلى المشهد من منظور فلسفي أعمق. فبرأيه توصيف ما يحدث بأنه «اقتصاد محتوى» يظل قاصراً عن فهم جوهر التحول. ويقول الزهراني لـ«الشرق الأوسط» إن «المنصات لا تتاجر بالمحتوى ذاته، بل بزمن الوعي الإنساني. هي لا تسأل: ماذا نعرض؟ بل: كم دقيقة إضافية يمكن أن نبقي المستخدم داخل المنصة؟».
يستند الزهراني في تفسيره إلى ما يسميه «فلسفة السيولة» في الحضارة الرقمية، حيث لم يعد الزمن يتراكم، بل يتفتت إلى لحظات منفصلة، ولم تعد الهوية ثابتة، بل قابلة لإعادة التشكيل وفق السياق الرقمي، ولم يعد المعنى مستقراً، بل أصبح مجموعة سرديات متنافسة. ضمن هذه السيولة تتحول القيمة من العمق إلى السرعة، ومن الأثر طويل المدى إلى التفاعل اللحظي. وهنا تلعب الخوارزميات دور الوسيط السوقي الذي يعيد توزيع الرؤية وفق منطق الأرقام لا المعاني.
«بورصات رمزية»
في هذه السوق عالية السيولة، كما يصف الزهراني، لم تعد المنصات ساحات خطاب عام، بل «بورصات رمزية»، تُتداول فيها الصور، والآراء، والمشاعر باعتبار أنها أصول مؤقتة، منخفضة العمر الافتراضي، وقابلة للاستبدال فوراً. ويترتب على ذلك تحول عميق في طبيعة إنتاج المحتوى نفسه، حيث لم يعد ما يُنتَج هو ما يُعتقد بقيمته، أو صحته، بل ما يُرجَّح أداؤه رقمياً. الفكرة تُجزَّأ، والسياق يُقتطع، والمعنى يُضغط ليصبح قابلاً للاستهلاك السريع.
وسط هذا المشهد، يبدو أن صانع المحتوى لم يعد يعرض فكره، بل يعيد تصميم ذاته. الذات هنا تتحول إلى واجهة استهلاكية، وإلى علامة تجارية قائمة بذاتها. وهذا ما يقود، وفق الزهراني، إلى معضلة فلسفية عميقة تتعلق بتشيئة الإنسان، وسلعنته داخل منظومة رقمية لا تعترف بالثبات، ولا بالمعنى المستقر.
تقود السعودية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية ما يجعل المنطقة مركزاً عالمياً للابتكار والتحول الرقمي (أدوبي)
سوق تنافسية قاسية
هذه القراءة الفلسفية تجد صداها في الواقع الاقتصادي الذي يصفه الدكتور سعود الغربي، أستاذ الإعلام ومؤسس «جمعية إعلاميون» السعودية بأنه «قاسٍ». فمن موقعه الأكاديمي والمهني يرى الغربي، في تصريح إلى «الشرق الأوسط»، أن السوشيال ميديا يمكن أن تكون مصدراً حقيقياً للدخل، لكنها ليست طريقاً ممهداً، ولا متاحاً للجميع. في السعودية، كما يقول، هناك نماذج واقعية لأشخاص تركوا وظائفهم، أو عوّضهم الفضاء الرقمي عن تعثر مهني، بل إن بعضهم تحولوا إلى رجال أعمال. غير أن هذه القصص، في رأيه، تُقدَّم غالباً بوصفها القاعدة، بينما هي في الحقيقة الاستثناء.
الغربي يلفت إلى أن المنصات نفسها تروّج لخطاب «النجاح السريع»، لأنه يخدم اقتصاد الانتباه، ويغذي تدفق المحتوى المجاني. لكن الواقع يعتمد على استمرارية طويلة، وتخصص واضح، وفهم عميق للسوق الإعلانية. الغالبية، كما يوضح، تعمل لفترات طويلة بلا مقابل فعلي، ومعظم الحسابات لا تصل إلى مرحلة الدخل المستقر. هنا لا يكون الفشل نتيجة ضعف فردي بالضرورة، بل هو انعكاس لطبيعة سوق تنافسية قاسية.
هذا التفاوت في العوائد يفسّره الغربي بما يُعرف اقتصادياً بـ«تأثير النجم»، حيث يستحوذ القليل على معظم الأرباح. فالانتباه مورد نادر، والخوارزميات تميل إلى تعزيز من يملك جمهوراً واسعاً سلفاً. وفي السوق السعودية، كما في غيرها، تفضّل العلامات التجارية الأسماء المعروفة، لأنها أقل مخاطرة، ما يكرّس تركّز الأرباح، ويحدّ من فرص الصاعدين. إنه نموذج غير صحي بالكامل، لأنه يقلل التنوع، ويضعف فرص الابتكار، لكنه في الوقت ذاته انعكاس طبيعي لسوق تحكمها البيانات، لا المعايير المهنية.
سلطة الخوارزميات
وهذا ما يؤكده الحازمي، الذي يتجنب الحديث عما يحققه من مداخيل من هذه «الصناعة»، ويقول: الإحصاءات تشير إلى أن أعلى 4 في المائة فقط من صناع المحتوى يحققون دخلاً يتجاوز 100 ألف دولار سنوياً. دورة حياة المشروع الإعلامي الشخصي تتطلب «فترة حضانة» بين 18 إلى 24 شهراً للوصول إلى نقطة التعادل، مما ينفي فكرة الثراء السريع، ويؤكد ضرورة التعامل مع الصناعة بعقلية «المؤسسة».
وفي قلب هذا النموذج، تقف الخوارزميات بوصفها السلطة الأعلى. فهي، كما يقول الغربي، «رئيس التحرير الخفي» الذي لا يكافئ الجودة وحدها، بل ما يحقق تفاعلاً سريعاً، ويبقي المستخدم أطول وقت ممكن. وهذا ما يجعل المنافسة ممكنة نظرياً، لكنها شديدة الصعوبة عملياً لمن لا يملك رأسمال اجتماعياً، أو شبكة علاقات، أو دعماً تسويقياً.
ومع تسارع التطور التقني، يلوح عامل جديد يزيد المشهد تعقيداً: الذكاء الاصطناعي. يحذّر الحازمي من أن القطاع يقف على أعتاب «زلزال تقني» حقيقي، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخفض تكاليف إنتاج المحتوى بنسبة تصل إلى 50 في المائة. هذا الانخفاض سيغرق السوق بمحتوى متوسط الجودة، ويجعل التميز أصعب.
عملة بتكوين مطلية بالذهب موضوعة فوق شاشة هاتف ذكي يعرض السعر الحالي للعملة وخيارات البيع والشراء عبر تطبيق منصة التداول الرقمية كوينبيس (أ ف ب)
المخاطر الخفية
في هذه المرحلة المليئة بالتحديات، يرى الحازمي أن البقاء سيكون لمن يملك القدرة على تقديم تحليل عميق، وبصمة بشرية لا تستطيع الآلة محاكاتها، مع استخدام الذكاء الاصطناعي أداة داعمة، لا بديلاً كاملاً، لافتاً إلى أن التحديات تشمل «ديكتاتورية الخوارزميات»، وتشبع السوق التي تضم أكثر من 200 مليون صانع محتوى حول العالم، بالإضافة إلى تغير سلوك الجمهور بسرعة قياسية. كما يعد الضغط النفسي (Burnout) من أبرز المخاطر الخفية للمهنة؛ نتيجة ضرورة الحضور الدائم، ومواكبة الأحداث، والتقنيات المتسارعة.
ويؤكد الحازمي أن السوق السعودية تشهد طفرة هائلة مدعومة ببرامج وطنية، مثل «Ignite»، تهدف إلى تحويل صناع المحتوى من أفراد إلى شركات صغيرة، ومتوسطة (SMEs). ننصح الشباب بالدخول في هذا المجال بعقلية «المشروع» الاستثماري، مع التركيز على القدرة على تحويل الانتباه إلى قيمة ملموسة (Conversion Rate)، بدلاً من الاكتفاء بأرقام المشاهدات.
وهنا يقول الغربي إن «الاستدامة تتحقق عند توفر أربعة شروط: تخصص واضح، نموذج دخل متنوع (إعلانات، منتجات، خدمات)، انتظام طويل المدى، وبناء ثقة حقيقية مع الجمهور. في السعودية المستفيدون الحقيقيون ليسوا فقط صناع المحتوى الكبار، بل المنصات نفسها، وشركات الإعلان، والبراندات التي تستثمر في اقتصاد التأثير. أما صانع المحتوى الفرد فهو الحلقة الأضعف ما لم يتحول من «صانع ترند» إلى «مشروع إعلامي صغير». السوشيال ميديا قد تكون مصدر دخل، لكنها نادراً ما تكون أماناً وظيفياً. الواقعية هنا تعني التعامل معها باعتبارها أداة ضمن منظومة، وليس أنها حلم مستقل بذاته».
من يملك المحتوى؟
لكن بينما ينشغل صناع المحتوى بملاحقة الخوارزميات، وموجات التقنية، يبرز سؤال قانوني لا يقل أهمية: من يملك المحتوى فعلياً؟ هنا يوضح المحامي أحمد الفاضل، المتخصص في حقوق الملكية الفكرية، أن صانع المحتوى يظل المالك الأصلي لأعماله من حيث المبدأ. غير أن شروط الاستخدام التي توافق عليها المنصات تمنحها تراخيص واسعة جداً، تتيح لها استخدام المحتوى، وعرضه، وتعديله، وترخيصه من الباطن، بل واستغلاله تجارياً دون أي مقابل إضافي.
ويقول الفاضل، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا الوضع يخلق مفارقة قانونية واضحة: أنت تملك المحتوى، لكنك لست المالك الوحيد القادر على الاستفادة منه. ورغم وجود قوانين حماية في السعودية، ودول عربية أخرى، ومعاهدات دولية تنظم حقوق المؤلف، فإن إنفاذ هذه القوانين في البيئة الرقمية يظل ضعيفاً. الإجراءات طويلة، ومكلفة، وتحديد هوية المنتهكين غالباً ما يكون صعباً، ما يدفع معظم صناع المحتوى إلى الاكتفاء بآليات الإبلاغ الداخلية للمنصات.
وتتضاعف هذه الهشاشة حين يُغلق حساب فجأة، أو يُقيَّد وصوله بما يُعرف بـ«الحظر الخفي».
ويلفت الفاضل إلى سابقة قضائية في السعودية: في سبتمبر (أيلول) 2025، فرضت الهيئة السعودية للملكية الفكرية غرامة قدرها 9000 ريال سعودي على شخص قام بتعديل صورة شخص آخر باستخدام الذكاء الاصطناعي، ونشرها دون إذن.
هذه القضية تعتبر خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لكنها لا تزال حالة نادرة. في معظم الحالات، يضطر صناع المحتوى إلى الاعتماد على آليات الإبلاغ الداخلية للمنصات، والتي قد لا تكون فعالة دائماً.
ويضيف: القانون يوفر حماية نظرية قوية، لكن التطبيق العملي لا يزال ضعيفاً. صناع المحتوى بحاجة إلى أدوات أكثر فعالية لإنفاذ حقوقهم.
ففي معظم الدول العربية لا توجد تشريعات واضحة تنظم هذا النوع من القرارات، ما يجعل المنصات الخصم والحكم في آنٍ واحد. وعلى عكس التجربة الأوروبية التي بدأت تفرض على المنصات قدراً من الشفافية، والمساءلة، لا يزال صناع المحتوى في المنطقة العربية تحت رحمة سياسات متقلبة لا توفر أي ضمان للاستقرار.
بريق الأرقام
في نهاية المطاف تتقاطع كل هذه الخيوط عند سؤال واحد: هل يعيش صناع المحتوى وهْم «العمل الحر»؟ اقتصاد عالمي يُتوقع أن يصل إلى 480 مليار دولار، ويضم مئات الآلاف في الخليج وحده، لا يزال يتعامل مع هؤلاء بوصفهم «مستخدمين» لا «عمالاً». لا عقود، لا حد أدنى للأجور، لا تأمين صحي، ولا حماية من الفصل الرقمي المفاجئ. الفرد هنا هو العلامة التجارية، وهو الوسيط، وهو المنتج، وهو رأس المال، وهو الخاسر الأول عند أي خلل في الخوارزمية.
بين بريق الأرقام وسطوة المنصات يتضح أن صناعة المحتوى ليست مجرد مساحة مفتوحة للإبداع، بل منظومة قوة غير متوازنة تضع الإنسان أمام اختبار يومي: كيف يحافظ على معناه، وكرامته المهنية، وحقه في الاستقرار، داخل سوق لا تعترف إلا باللحظة؟
في نهاية اليوم، تعود ناريمان إلى شقتها نفسها في لندن. الهاتف في يدها، الفيديو الأخير منشور، والأرقام تتحرك ببطء. تعرف الآن، أكثر من أي وقت مضى، أن ما تمر به ليس فشلاً شخصياً، بل هو جزء من منظومة لا تكافئ الجميع، ولا تعترف إلا باللحظة. ومع ذلك لا تزال تحاول. ليس لأنها تؤمن بوعد الشهرة، بل لأنها، مثل كثيرين غيرها، تحاول فقط أن تحمي نفسها من غلاء لا يرحم. قصتها، بعد كل هذا، لم تعد مجرد محاولة فردية، بل هي مرآة لاقتصاد كامل، يُقال فيه إن الفرص متاحة للجميع، بينما الواقع يثبت أن البقاء فيه ليس للأكثر اجتهاداً دائماً، بل للأكثر توافقاً مع خوارزمية لا ترى الإنسان... بل زمنه فقط.
عناصر من قوات الأمن السورية أمام بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر «داعش» في شمال شرقي سوريا (إ.ب.أ)
بلغت ذروة التحولات الميدانية في ملف معتقلي تنظيم «داعش»، بانتقال السيطرة الفعلية على أكبر مراكز الاحتجاز في الرقة والحسكة إلى الحكومة السورية، بالتوازي مع تسارع عمليات التحالف الدولي لنقل العناصر الأكثر خطورة خارج الأراضي السورية، إلى العراق تحديداً.
وتمكن الجيش السوري أخيراً من تأمين مرافق حيوية عدة لسجون وأماكن احتجاز في ريف الحسكة والرقة ودير الزور، في حين أفرجت الجهات القضائية عن 126 محتجزاً دون سن الثامنة عشرة من سجن «الأقطان» في الرقة احتُجزوا بتهم تتعلق بالانتماء إلى تنظيم «داعش».
ووصفت تقارير محلية الحالة النفسية لبعض الأطفال المُفرج عنهم بـ«المزرية»، وأن كثيراً منهم يعانون أوضاعاً صحية متردية جراء سوء التغذية نتيجة احتجازهم لفترات طويلة، في حين تواصل الجهات الأمنية السورية ملاحقة الفارين من سجن «الشدادي» منتصف الأسبوع الماضي. ووفق تصريحات رسمية، نجحت وزارة الداخلية السورية في إعادة اعتقال 81 منهم.
تجمع لأقارب المعتقلين الذين أُفرج عنهم من سجن الأقطان في الرقة (رويترز)
أطفال سجن الأقطان
واتهم العقيد خالد جاسم، المسؤول في وزارة الداخلية السورية، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، «قسد» بـ«تعمّد» الإفراج عن عشرات من عناصر «داعش»، خاصة من سجن الشدادي، لكن وزارة الداخلية «تمكنت من إعادة القبض على معظمهم».
وشدد جاسم على أن قوات «قسد» «أظهرت تردداً في التفاهمات التي تمت بينها وبين الحكومة، وعندما قامت العشائر العربية بالسيطرة على مناطقها وطردها منها، بدأت (قسد) تطلق سراح عناصر (داعش) للضغط على الحكومة دولياً وإرباك مساعيها في محاربة التنظيم».
وأوضح جاسم أن قوات «قسد» «تعتقل عائلات وأطفالا لا ينتمون لـ(داعش)، وبين المعتقلين فارون من الخدمة الإلزامية التي تفرضها (قسد)، وآخرون اعتُقلوا بتهم مختلفة».
وأصدرت إدارة السجون التابعة للإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا، الأحد 25 يناير (كانون الثاني)، بياناً علقت فيه على وجود عدد من الأحداث بسجن الأقطان في مدينة الرقة، ذكرت فيه أن «قسماً مخصصاً داخل سجن الأقطان كان يضم عدداً من الأحداث، بعضهم متورط في جرائم متنوعة رُفعت بشأنها شكاوى رسمية من مواطنين، في حين كان آخرون ضحايا لعمليات تجنيد واستغلال نفذها تنظيم (داعش)».
وأوضح البيان أن «نقل هؤلاء الأحداث جرى قبل نحو ثلاثة أشهر، من سجن الأحداث إلى سجن الأقطان؛ وذلك نتيجة الظروف الأمنية القائمة»، مشدداً على أن «عملية النقل جاءت في إطار إجراءات احترازية وتنظيمية»، حسب البيان.
قوة تابعة للسلطات السورية تقوم بتفتيش سجن الأقطان في الرقة بعد انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» منه الثلاثاء (أ.ب)
سجن غويران
وتتمركز القوات الأمنية السورية على مسافات قريبة من مركز مدينة الحسكة؛ تحسباً لأي محاولة فرار أو فتح لسجن غويران وسط الحسكة الذي لا يزال يخضع لسيطرة قوات «قسد» بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي. ويضم السجن ما بين 3 و5 آلاف معتقل، من بينهم اخطر قيادات تنظيم «داعش».
وتشير تقارير إعلامية إلى أن ما لا يقل عن 9 آلاف عنصر معتقل من تنظيم «داعش» في عدد من السجون التي كانت تخضع لإدارة قوات «قسد»، في حين رفعت تقارير أخرى أعدادهم إلى نحو 12 ألف معتقل ومحتجز في عدد من السجون وفي مخيمي الهول وروج. وتضم السجون نسبة كبيرة من العراقيين والأجانب.
وفي آخر تطورات السيطرة على السجون، فإن سجن الأقطان في الرقة يخضع لسيطرة الجيش السوري في حين تسلمت وزارة الداخلية السورية إدارة سجن الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي. ويخضع مخيم الهول الذي تحتجز فيه عوائل تنظيم «داعش» من عشرات الجنسيات لإدارة وزارة الداخلية السورية بعد انسحاب قوات «قسد» من المخيم.
الفرنسية إميلي كونيغ وهي من العناصر السابقين بتنظيم «داعش» في مخيم الروج الذي يؤوي أفراداً من عائلات أعضاء مفترضين في التنظيم الإرهابي بشمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)
صلاحيات عراقية وجنسيات أوروبية
وفي تطور لافت، وبحلول 24 يناير 2026، دخلت عمليات نقل المعتقلين مرحلة جديدة مع إعلان القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) عن بدء «جسر جوي» لنقل نحو 500 عنصر من «داعش» يومياً من سوريا إلى مراكز احتجاز آمنة في العراق لما يصل إلى سبعة آلاف معتقل مقرر نقلهم إلى العراق.
وأكدت مصادر أمنية أن الدفعة الأولى التي تسلمها العراق تضم 150 معتقلاً، شملت قيادات من «الصف الأول» و«أمراء» تورطوا في عمليات دموية كبرى منذ 2014، من بينهم 65 أجنبياً من جنسيات أوروبية وعربية ومن دول القوقاز.
ووفق مراقبين، تهدف العملية التي تجري بالتنسيق الثلاثي بين الولايات المتحدة وسوريا والعراق إلى إفراغ السجون السورية التي كانت تخضع لسيطرة «قسد» من العناصر الأكثر خطورة لمنع استغلال التنظيم لحالة الحرب التي تشهدها مناطق شمال وشمال شرقي سوريا.
وتصف الحكومة العراقية هذه الخطوة بأنها «إجراء استباقي للدفاع عن الأمن القومي»؛ إذ إن سرعة تطور الأحداث في سوريا وتغيّر موازين القوى فرضت اتخاذ قرارات لضمان بقاء المعتقلين في «مرافق احتجاز آمنة» ومنع أي محاولات هروب قد تؤدي إلى تسللهم عبر الحدود المشتركة.
وأكد مجلس القضاء الأعلى العراقي أن جميع المعتقلين المنقولين، بغض النظر عن جنسياتهم (سواء كانوا عراقيين أو من 56 جنسية أخرى)، سيخضعون لسلطة القضاء العراقي حصراً، وسيتم تطبيق الإجراءات القانونية الأصولية بحقهم، مع التركيز على توثيق الجرائم «العابرة للحدود» لضمان حقوق الضحايا وتكريس سيادة القانون. في حين تشير تقارير أخرى إلى أن العراق سيتواصل مع الدول المعنية لتسلم رعاياها.
ولا يزال ملف المقاتلين الأجانب وعائلاتهم في مخيمي الهول وروج يشكل هاجساً أمنياً لدى الولايات المتحدة ودول العالم الأخرى. يضم مخيم الهول أكثر من 43 ألف شخص معظمهم من العراقيين والسوريين والأجانب من النساء والأطفال الذين ترفض دولهم استعادتهم. ويجري التنسيق لإعادة نحو 18 ألف محتجز من العراقيين إلى بلدهم على دفعات.
وتشير إحصاءات منشورة إلى وجود مئات المعتقلين من دول أوروبية مثل فرنسا 450 معتقلاً، وألمانيا 77 معتقلاً، وبلجيكا 55 معتقلاً، وبريطانيا 27 معتقلاً وهولندا 90 معتقلاً. وتتبنى حكومة دمشق موقفاً يؤكد على ضرورة محاسبة هؤلاء على الجرائم المرتكبة فوق الأراضي السورية، مع استعدادها لتطبيق مسارات متكاملة تشمل الجوانب القانونية والإنسانية والأمنية.
تجمع مجموعة من المعتقلين في مخيم الهول بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)
«نحن أدرى بـ«داعش»
وكان اتفاق 10 آذار/مارس، يقضي بدمج عناصر «قسد» كافة ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين؛ ما يعني عملياً انتقال مسؤولية حراسة السجون والمخيمات إلى الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي. وبينما أكد جاسم أن «قسد» كانت «تتهرب من تسليم سجون (داعش) للدولة السورية» لتثبيت نفسها شريكاً أساسياً للتحالف الدولي في محاربة الإرهاب.
وذكر جاسم، أن من مهام الحكومة السورية حفظ الأمن وإدارة السجون وإطلاق سراح من يثبت عدم انتمائه إلى «قسد». وقال: «نحن أدرى من (قسد) وأكثر خبرة في ملف (داعش)، فقد حاربناه وقضينا على خلاياه قبل التحرير في إدلب وريف حلب الشمالي ومنطقة رأس العين وتل أبيض، كما فككنا عشرات الخلايا لـ(داعش) بعد التحرير. نحن من يلاحق (داعش)، والتحالف الدولي يعرف جهودنا في محاربة التنظيم ويدعمها، ولن نسمح لـ(قسد) باستخدام ملف (داعش) لزعزعة الأمن داخل سوريا».
قوات الأمن السورية خلال دخولها مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في الحسكة شمال شرقي سوريا (د.ب.أ)
«تنسيق الضرورة»
من جهته، رأى الباحث في الجماعات المسلحة رائد الحامد، أن عملية نقل المقاتلين الأكثر خطورة من السجون السورية إلى العراق تعكس في حقيقتها «تنسيق الضرورة»، حيث تسعى واشنطن لحماية العناصر القيادية ومنع هروبهم في أي فوضى محتملة جراء المعارك التي تشهدها المنطقة. وأكد أنه «مع تولي الدولة السورية ملف سجناء التنظيم، باتت الكرة الآن في ملعب العواصم العربية أو الأجنبية لاستعادة رعاياها»، لكن هذه الدول «قد لا تريد استعادتهم لتجنب الكلف الأمنية الناجمة عن احتمالات تشكيلهم نواة للتنظيم في المجتمعات المحلية في بلدانهم الأصلية، إلى جانب ما يتعلق بقدرة هذه الحكومات على توفير ما يكفي من الأدلة الثبوتية والجرمية التي تتيح لأجهزتها القضائية إدانة هؤلاء، وهو أمر بالغ التعقيد»، على ما يقول الحامد.
ولفت إلى أن نقل المعتقلين إلى خارج سوريا «لا يلغي المخاطر من نموّ حالات تطرف جديد في ظل ظروف احتجاز قد تكون أكثر صعوبة. بالتالي، فإن نجاح هذه المرحلة يتطلب تنسيقاً دولياً عالياً ودعماً لجهود الحكومتين السورية والعراقية في التعامل مع ملف السجناء الأكثر خطورة في العالم».