اختراعات غريبة أحبها العالم

آذان روبوتية ترصد مشاعر الإنسان وبندقية مضادة للحشرات و«صولجان النرجسي»

المكتب - الدواسة الكهربائية
المكتب - الدواسة الكهربائية
TT

اختراعات غريبة أحبها العالم

المكتب - الدواسة الكهربائية
المكتب - الدواسة الكهربائية

شهد العالم أنواعًا شتى من الاختراعات العجيبة، وفيما يلي أمثلة على اختراعات أثارت ضجة كبيرة بسبب غرابتها:
* «نيكوميمي»: نظام روبوتي على شكل أذني قطة يكشف حقيقة المشاعر. نجحت «نيكوميمي» Necomimi في جمع العناصر اليابانية المميزة داخل اختراع واحد صغير يسهل ارتداؤه يتميز بالأناقة والتطور الشديد.
تصمم هذه السماعات التي توضع على الرأس على نمط محاكاة أذني القطة وتخضع لسيطرة المخ، بما يمكن المستخدمين من إظهار 4 أنماط من الحالات العاطفية: الاسترخاء، والاهتمام البسيط، والاهتمام الشديد، والتركيز. وتتمكن السماعات من ذلك عبر جهاز استشعار داخلها يرصد هذه الحالات باستخدام جهاز رسم المخ، وهو جهاز لديه القدرة على قراءة وترجمة الانفعالات بناءً على أنماط لموجات المخ. بعد ذلك، تتحرك الأذنان تبعًا لقراءة الجهاز.
وقد أثبت الجهاز بالفعل قدرته على العمل، حيث اختبرت صديقتي الصحافية المتخصصة في الشؤون التقنية بونسري ديكنسون، الجهاز لدى طرحه لأول مرة عام 2011 حيث أشارت إلى أن ارتداءها لهذا الجهاز للمرة الأولى جعلها تشعر وكأنها أكثر شفافية، وشعرت بارتياح تجاهه. وأوضحت أن هذا الجهاز قد يكون مفيدًا للرياضيين لتحديد أفضل حالة تمكنهم من تقديم الأداء الأمثل. ويمكن شراء «نيكوميمي» مقابل 49 دولارا من الشركة المصنعة «نيروسكي» عبر موقعها الإلكتروني.

* وسائد وخوذ

* «أوستريتش بيلو»: الآن بمقدورك النوم في أي مكان. أحيانا يتملكك الإجهاد بحيث يصبح النوم المتعة الأكبر المبتغاة بالنسبة لك.
في أوقات كتلك، تظهر أهمية «أوستريتش بيلو» Ostrich Pillow (وسادة النعامة)، فسواء كنت في المكتب أو في خضم رحلة طويلة بالحافلة أو داخل مكتبة، فإن هذه الوسادة المحشوة التي تشبه في تصميمها ثمرة الشمام، مصممة بحيث تحتضن من يرتديها داخل إطار داعم طري يتناسب مع أي وضع من أوضاع الراحة، بل ويضم فتحتين لليدين.
طرحت الوسادة للمرة الأولى بالأسواق عام 2012 وسرعان ما حققت نجاحًا كبيرًا واقتربت مبيعاتها من 200 ألف دولار. وحاليًا، يجري بيع الوسادة مقابل 99 دولارا عبر شبكة الإنترنت.
ومن ذلك الحين، أطلقت الشركة المصنعة، «ستوديو بانانا ثنغز»، تنويعات مختلفة من الوسادة، منها وسادة تتلاءم مع شكل الذراع تدعى «أوستريتش ميني»، وتصميم آخر يدعى «أوستريتش لايت» يتميز بسهولة أكبر في حمله ويمكن ارتداؤه حول الرقبة والعينين، ويتميز بكونه أقل لفتًا للانتباه.
* خوذة «هوفدينغ» للدراجات: كأنك لا ترتدي شيئًا على الإطلاق! رغم أن هناك كثيرا ممن يسعدون بارتداء أجهزة على شكل أذني قطة أو وسائد على رؤوسهم، فإن هناك آخرين كثيرين يشتكون من القوانين التي تلزمهم بارتداء خوذة عندما يستقلون دراجة.
وتسمح خوذة «هوفدينغ» Hovding لمرتديها بالتغلب على هذه المشكلة، حيث اكتسبت هذه الخوذة وصف «الخوذة غير المرئية»، وتتألف بصورة أساسية من نظام وسادة هوائية يجري ارتداؤها حول العنق، ولا تنتفخ الخوذة لتحيط بكامل الرأس إلا عندما يرصد جهاز الاستشعار المرفق بها هزة مفاجئة أو حدثًا غير محتمل يمكن أن يتسبب في سقوط القائد من على الدراجة. بمجرد انتفاخها تمامًا، يبدو قائد الدراجة وكأنه يرتدي منطادا صغيرا.
بعد فوز هذه الخوذة بجائزة التصميم لـ«2011 إندكس»، وهي أعلى جوائز التصميم من حيث القيمة المالية، شرع مصمموها في جمع رأسمال استثماري بقيمة 13 مليون دولار، وطوروا نموذج آخر جديد. يذكر أن التصميم الأصلي يباع مقابل قرابة 500 دولار.
ويجري بيع «خوذة هوفدينغ» حاليًا في كثير من منافذ بيع التجزئة للسلع الرياضية بمختلف أرجاء أوروبا.

* قاهرة الحشرات

* مرشاشة «بغ إيه سولت» القاهرة للحشرات. في عالم الأحلام المثالي، تدرك الحشرات الهائمة أن من الأفضل لها عدم التعدي على مساحتك الخاصة، مما يغنيك عن اللجوء إلى المبيدات الحشرية الكيميائية ومضرب الناموس وما إلى غير ذلك.
الآن، يمكنك إضافة هذه «البندقية»، أي «بغ إيه سولت» Bug - A - Salt لترسانة أسلحتك. ويجري الترويج لهذا السلاح باعتباره طريقة نظيفة وبسيطة للتخلص من الذباب والناموس والحشرات الزاحفة الأخرى، وكل ما يتطلبه الأمر حشو المرشاشة بالملح وتجهيز السلاح، ثم التصويب وإطلاق القذيفة. وتتميز الطلقة الواحدة بقوة كافية لسحق الحشرات.
وليس من العسير التعرف على سر النجاح الكبير الذي حققته «بغ إيه سولت»، حيث يساعد هذا الاختراع مستخدميه على تعزيز مهاراتهم بمجال الرماية، ويمكن أن يتحول اصطياد الحشرات للعبة مثيرة في حد ذاته. وبعد أن نجح هذا الاختراع في جمع أكثر من نصف مليون دولار عبر «إنديغوغو» عام 2012، طرح مبتكره لورنزو ماغيوري نموذجا أحدث أطلق عليه «كاموفلاي 2.0» المتميز باستهلاكه لقدر أقل من الملح ومداه الأبعد. ويبدأ سعر القطعة بـ55 دولارا.

* عصا نرجسية

* عصا صورة السيلفي The selfie stick: أداة ضرورية لمن يعشقون أنفسهم. أطلق البعض على هذه الأداة «صولجان النرجسي» من باب الاستهزاء، ومع ذلك فإنه بالنسبة للأفراد الذين لا يجدون حرجًا في إبداء عشقهم لصورهم الذاتية، فإن عصا السيلفي ليست هدية كبرى فحسب، وإنما عنصر ضروري.
وتحمل هذه العصا استخدامات لا حصر لها، على رأسها قدرتها على تسجيل لقطات أوسع وبعمق أكبر لتتسع الصورة لخلفية أكبر وعدد أكثر من الأصدقاء. كما أنها تمكن المستخدم من التقاط صور من شتى الزوايا، بما في ذلك من فوق الرأس.
* المكتب - الدواسة الكهربائية The treadmill desk: التدريب أثناء العمل. يعد «المكتب - الدواسة الكهربائية» حلاً مثاليًا لأساليب حياتنا الكسولة على نحو متزايد. ومن الطبيعي أن يحقق مثل هذا المكتب نجاحًا فهو يساعدك على زيادة إنتاجيتك وعملية الأيض في آن واحد، وأفضل ما يمثله هذا الاختراع أنه يقضي على التعارض بين عشق العمل حد الإدمان وبين أوامر الطبيب بضرورة الحركة. وعليه، حقق هذا المكتب نجاحًا كبيرًا في أوساط المشاهير والكتاب والعلماء، وتتيح الكثير من الشركات حاليًا لموظفيها خيار ممارسة السير خلال العمل.
ويعود الفضل لجيمس ليفين، الباحث المتخصص في شؤون البدانة لدى «مايو كلينيك»، للتعريف بفوائد ممارسة التدريبات الرياضية أثناء العمل على نطاق واسع، ففي عام 2007 نشر دراسة أظهرت أن الأفراد الذين اعتمدوا في عمله على «المكتب - الدواسة الكهربائية» لمدة 3 ساعات يوميًا في المتوسط، نجحوا في تقليص مستويات الكولسترول الضار لديهم بنسبة 37 في المائة. وخلصت دراسة أجريت حديثًا أيضا إلى أن الأفراد الذين يستخدمون هذه النوعية من المكاتب يبدون قدرة أفضل بمقدار الثلث عن أقرانهم على التركيز والتمتع بذاكرة أقوى.
ومع ذلك، لا ينبغي الاستعاضة بهذا المكتب كلية عن التدريبات الرياضية، حيث كشفت دراسة أجرتها جامعة ولاية أوريغون أخيرا أن تحقيق المستوى المطلوب من النشاط البدني يستلزم نشاطًا أكثر كثافة عن مجرد السير. من جهته، يوصي ليفين بقصر سرعة الدواسة على قرابة ميلين في الساعة أو أقل لضمان الاستخدام الآمن لها أثناء العمل.

* خدمة «واشنطن بوست»
* خاص بـ {الشرق أوسط}



كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده
TT

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

تذكّرنا خبرات الحياة أن التجربة جزءٌ لا يتجزأ من التعلّم؛ فأنا أعتبر نفسي خبيرة في تحضير الصلصة. ولم أكن لأصبح خبيرة لو أنني سألت برنامج «تشات جي بي تي» عن كيفية تحضير الصلصة في كل مرة، كما كتبت أيتكين تانك(*).

ويتضح جلياً أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف عبء المحاولة المتكررة إذ إنه يجعل من السهل جداً أخذ شيء موجود وطلب نسخة جديدة منه

التعامل كشريك لا بديل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التفكير الإبداعي، أو أن يقضي عليه تماماً. وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد على الأتمتة، وجدتُ أن المفتاح هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، لا كبديل.

وإليك بعض القواعد الأساسية لتحقيق التوازن الأمثل:

1. استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار، لا لاتخاذ القرارات النهائية: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً على نطاق واسع، أثيرت ضجة كبيرة حول آثاره. فقد خشي المحترفون، من العاملين في مجال المعرفة إلى المؤلفين وغيرهم، من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم، إذ بدا أن الذكاء الاصطناعي مُقدّر له أن يستمر في التطور، متجاوزاً مهارات وذكاء نظرائه من البشر.

في الآونة الأخيرة، أصبحت حدود هذه التقنية أكثر وضوحاً. فبينما تظل أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات قوية في مكان العمل، فمن غير المرجح أن يكون تقدمها متسارعاً بلا حدود. ويجادل النقاد بأن «التكنولوجيا مهمة، لكنها ليست مهيأة لإحداث تغيير جذري في حياتنا؛ فقد لا تتحسن بشكل ملحوظ أكثر عما هي عليه اليوم».

شريك في شحذ الأذهان

الذكاء الاصطناعي لن يكتب الرواية العظيمة الجديدة، ولن يؤلف سيمفونيات تنافس باخ، لكنه شريك ممتاز في الشحذ الذهني. وقد أوضح البروفسور كريستيان تيرويش من كلية وارتون، الذي اختبر قدرة «جي بي تي» على توليد الأفكار مقارنة بقدرات طلاب الجامعات: «إنها رخيصة (الثمن)، وسريعة، وجيدة. ما الذي لا يمكن أن يُعجبك فيها؟ أسوأ ما قد يحدث هو أن ترفض جميع الأفكار (التي تولدها) وتعتمد على أفكارك الخاصة. لكن بحثنا يؤكد بقوة أن مخزون أفكارك سيتحسن باستخدامها».

وتساعدك أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد المزيد من الأفكار الأفضل. ابدأ بأفكارك الخاصة. لذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بدائل. ثم استخدم حكمك البشري لصقلها واختيار أفضل مسار للمضي قدماً.

الحوار بدلاً من الأوامر

2. تعامل مع الأوامر الموجهة كأنها محادثة. وليس أوامر: إحدى نقاط قوة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل «جي بي تي» هي طبيعتها الحوارية. اعتبر سؤالك الأول بمثابة تمهيدٍ لبدء الحوار.

مع أنني أنصحك بأن تكون دقيقاً قدر الإمكان، أي أن تُزوّد ​​الأداة بسياقٍ كافٍ لتوليد ردودٍ قوية ودقيقة، يمكنك دائماً تحسين التوجيهات أثناء العمل. ولتوضيح ذلك بصرياً، تخيّل حوارك مع الذكاء الاصطناعي كقُمع: واسع من الأعلى ويضيق كلما اتجهت نحو الأسفل.

يمكنك البدء بطلب أفكارٍ لحملة تسويقية من «جي بي تي». وبمجرد أن يُنتج قائمة، اطلب منه تحسين تلك الأفكار لتناسب فئة مستهدفة محددة، مثل رواد الأعمال التقنيين في العشرينات والأربعينات من العمر، أو الآباء والأمهات في الضواحي. استمر في التكرار حتى تصل إلى النتيجة الأنسب لك.

على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب

3. أفسح المجال للتجربة: في الواقع، سيُعزز وجود حسٍّ صحي من حب الاطلاع بين الموظفين نمو التجربة وتوسعها. وتظهر الأبحاث أن الفوائد هنا تشمل: زيادة الابتكار، وتقليل الصراعات الجماعية، وتقليل أخطاء اتخاذ القرارات، وتحسين التواصل.

بينما يدّعي القادة غالباً تقديرهم لحب الاطلاع، إلا أنهم يميلون إلى كبته، مفضلين التزام الموظفين بالقواعد. بدلاً من ذلك، ينبغي على القادة منح الموظفين حرية الاستكشاف. خصصوا وقتاً كافياً في جداولهم الزمنية ليتمكنوا من اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها دون ضغط إثبات عائد استثمار فوري.

كونوا قدوة: شاركوا تجاربكم الخاصة، سواءً أكانت تجربةُ ميزةٍ جديدة للذكاء الاصطناعي أو سرداً لحادثة أتمتة لم تسر على ما يرام. حتى الأخطاء قد تكون مفيدة.

اطلبوا آراء الموظفين لاكتشاف ما يثير فضولهم: أنظمة أو أدوات جديدة يرغبون في تجربتها، أو طرق أفضل لإدارة الشركة. قد يبدو الأمر غير فعال، وكأنه إهدار لوقت وجهد الموظفين، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يعتمد الحفاظ على القدرة التنافسية على الفضول الصحي والتجريب. يجب على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
TT

حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة

في عيادة حديثة، قد يقدّم الذكاء الاصطناعي تشخيصاً خلال لحظات، ويضع أمام الطبيب احتمالات محسوبة بعناية. لكن المريض، حين يجلس قبالته، لا يحمل أرقاماً مجردة، بل حكاية كاملة: تاريخاً صحياً، وأسلوب حياة، وقلقاً دفيناً، وتفاصيل لا مكان لها في قواعد البيانات. عند هذه النقطة يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن للذكاء الاصطناعي، مهما تعاظمت قدرته الحسابية، أن يفهم الإنسان الفرد؟

على امتداد السنوات الماضية، سجَّل الذكاء الاصطناعي الطبي قفزات لافتة: نماذج تتدرّب على ملايين السجلات، تحلّل الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية أحياناً، وتنتج تنبؤات صحية على مستوى المجتمعات. بدا وكأن الطب يخطو نحو عصر جديد تقوده الخوارزميات. غير أن هذا التقدُّم ذاته فجَّر سؤالاً أعمق: هل التفوّق مع الجماعة يضمن الفهم الحقيقي للإنسان الواحد؟

ذكاء اصطناعي يفكر وإنسان يقرر

ذكاء يفهم الملايين... ويتعثّر أمام الفرد

تعتمد «النماذج العالمية» في الطب الذكي على التعلّم من كتل هائلة من البيانات الصحية، تمتد عبر مؤسسات ودول وسنوات طويلة. وبهذا، تنجح في رصد الأنماط العامة للأمراض، ومسارات تطورها، واستجاباتها العلاجية. غير أن الطب، في جوهره العميق، لا يُمارس أعماله على «المستويات المتوسطة».

القرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوَّل إلى قرار خاطئ إنسانياً

إن الدواء الذي يثبت نجاحه إحصائياً لدى الغالبية قد لا يلائم مريضاً بعينه. والقرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوّل إلى قرار خاطئ إنسانياً. هنا تتجلى المفارقة: الذكاء الاصطناعي يتقن التنبؤ، لكنه يعجز غالباً عن تفسير لماذا يحدث ذلك لهذا الشخص تحديداً.

بحث حديث يضع المرآة أمام الذكاء

في يناير (كانون الثاني) 2026، نُشر بحث علمي لافت على منصة «أركايف» العلمية (arXiv)، وهي مستودع بحثي مفتوح تُنشر فيه الدراسات الأولية قبل تحكيمها النهائي. أعدّ البحث فريق دولي من مختصي الذكاء الاصطناعي الطبي وعلوم البيانات الصحية، وناقش بشكل مباشر حدود ما يُعرف بـ«النماذج العالمية» (Foundation Models)، وهي نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة تُدرَّب على كميات هائلة من البيانات لتكوين فهم عام قابل للتطبيق في مجالات متعددة. وتعكس الدراسة، التي لم تصدر بعد في مجلة علمية مُحكَّمة، مساراً بحثياً متقدِّماً في الأوساط الأكاديمية الغربية، وتطرح سؤالاً غير مريح: هل صُمّمت هذه النماذج أساساً لفهم الإنسان الفرد، أم لإدارة صحة الجماعات فقط؟

ويشير الباحثون إلى أن النماذج العالمية، رغم قوتها الحسابية واتساع نطاقها، ليست مهيّأة بطبيعتها لاتخاذ قرارات علاجية دقيقة على مستوى الفرد الواحد.

اقتراح تطوير نماذج هجينة

لذلك يقترحون التوجَّه نحو نماذج هجينة، تمزج بين الذكاء الاصطناعي واسع النطاق وتجارب فردية من نوع N-of-1، أي دراسات تُصمَّم خصيصاً لمريض واحد، تُراقَب فيها استجابته للعلاج عبر الزمن بدل مقارنته بمتوسطات جماعية، بما يعيد الاعتبار للمريض بوصفه وحدة القرار الأساسية، لا مجرّد رقم ضمن معادلة إحصائية.

فرد واحد خارج الحساب

المريض ليس نقطة بيانات

هذا النقاش لا يتعلّق بالتقنية وحدها، بل يمسّ جوهر فلسفة الطب. من هو المريض في زمن الذكاء الاصطناعي؟ هل هو سجلّ رقمي تُحلَّل معطياته؟ أم إنسان يخوض تجربة المرض داخل سياق نفسي واجتماعي وزمني لا يمكن ضغطه في خوارزمية؟

في الطب التقليدي الحديث، لم يكن الطبيب يعالج عضواً منفصلاً، بل كياناً إنسانياً متكاملاً. واليوم، تعيد الخوارزميات طرح السؤال ذاته، ولكن بلغة رقمية حديثة: هل نفهم الجسد فقط... أم نفهم الإنسان؟

القرار الطبي... من يملك الكلمة الأخيرة؟

مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى فضاء القرار السريري، يطفو سؤال أخلاقي لا يمكن القفز فوقه: من صاحب القرار؟ الخوارزمية التي تقترح؟ أم الطبيب الذي يتحمّل المسؤولية؟ أم المريض الذي يعيش نتائج هذا القرار؟

وتشير الأبحاث الرصينة اليوم إلى إجابة متوازنة: الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم. يوسّع مساحة الفهم، لكنه لا يمتلك سلطة القرار. فالقرار الطبي ليس معادلة حسابية فحسب، بل لحظة توازن دقيقة بين العلم والخبرة... وقيم الإنسان نفسه.

ذكاء يعرف متى يتراجع

المفارقة أن نضج الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعني مزيداً من الهيمنة، بل قدراً أعلى من التواضع: أن يعرف متى يتقدّم، ومتى يتراجع خطوة إلى الخلف. فالقيمة الحقيقية لهذه النماذج لا تكمن في أن تحلّ محل الطبيب، بل في أن تعينه على الرؤية الأبعد، دون أن تنتزع منه سلطة القرار.

قد يبرع الذكاء الاصطناعي في قراءة صحة الملايين، لكن الطب لا يستعيد إنسانيته إلا حين يتوقّف أمام إنسان واحد، ويُنصت إلى قصته... لا إلى متوسطٍ إحصائي.

وأخيراً، فإن المستقبل الصحي لا يحتاج إلى ذكاءٍ يُفكّر بدل الطبيب، بل إلى ذكاءٍ يعيد إليه صفاء الرؤية، ويترك له - وللمريض - حق الاختيار. وحين يتعلّم الذكاء الاصطناعي الاعتراف بحدوده، يبدأ الطب في استعادة جوهره الأصيل: علمٌ يقوده العقل... ورعايةٌ تحفظ إنسانية الإنسان.

وكما قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: «الإنسان غاية في ذاته، وليس مجرّد وسيلة». عندها فقط، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة الإنسان... لا العكس.


كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.