شجرة عارية الأغصان، لا تنبت الثمر بل الوحشة والخوف... جدران رمادية اللون تليق بكهف نجا من عصور ما قبل التاريخ... مصابيح موزعة في الأركان لترسل ضوءاً خافتاً لا يوحي بالأمان... بينما تتصاعد الموسيقى الجنائزية في أرجاء المسرح.
تكتمل اللوحة بظهور عدد من النسوة منخرطات في أداء حركي نشط ورقصات تعبيرية لا تخلو من دلالة، عيونهن تحمل نظرات قاسية متوعدة. رغم الرشاقة الطاغية والسلاسة في الحركات، فإنّ غضباً مكتوماً تشعر به يَلوح في إشارات أذرعهن!
يجسّد مثل هذا المشهد المهيب الفكرة الأساسية في هذا العمل المسرحي الذي يُعرض مرة أخرى على خشبة مسرح «البالون» ضمن فعاليات المهرجان القومي للمسرح في القاهرة التي تمتد حتى التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، فالعمل يستلهم بعض أحداث السيرة الهلالية لكن من منظور نسائي لأول مرة، فالمرأة هنا هي من تقوم بدور الراوي الشعبي لتبرز المسكوت عنه وهو معاناة المرأة في صراع ذكوري حفظته الذاكرة الجمعية في الكثير من بلدان العالم العربي من دون أن تتوقف عند حقيقة مشاعر النساء ودورهن الحقيقي في تلك الأحداث.
وتعد «السيرة الهلالية» إحدى أشهر السير الشعبية عربياً وتبلغ نحو مليون بيت شعري، وإن كان الخيال الشعبي أضفى عليها الكثير من الخوارق والمبالغات، وهي تروي قصة خروج بني هلال من مضاربهم في الصحراء إلى تونس مروراً بمصر وسعيهم لاستعادة أمجاد الأمة العسكرية، وتُبرز مدى التزامهم بقيم الوفاء والشرف. ويعد الفارس «أبو زيد الهلالي سلامة» ذو السحنة السوداء الذي يستخدم لون بشرته في التخفي، و«ذياب بن غانم» أمير قبيلة بني زغبة، و«الزناتي خليفة» ملك تونس أبرز أبطال تلك السيرة.
اختار مؤلف العرض بكري عبد الحميد، رؤية جديدة تتمرد على قصص البطولة النمطية، حيث أعاد تفكيك النص الأصلي، الشفاهي بامتياز. يبدأ العمل بنجاح «ذياب» في السيطرة على تونس وسعيه إلى الاعتداء على ابنة ملك البلاد «سعدى»، جسّدت شخصيتها باقتدار الفنانة الشابة فاطمة عادل، التي تحب الأمير الهلالي «مرعي» والذي أصبح سجيناً وراء الأسوار مع أميرين آخرين هما «يحيى» و«يونس». تستنجد الأميرة الشابة الجميلة ببني هلال فيستجيب «أبو زيد الهلالي» و«خضرة الشريفة» و«الجازية» الهلالية. وبالتدريج ينعقد ما يشبه المحاكمة لهم على يد «ذياب»، وعبر تكنيك «الفلاش باك» أو «الرجوع للخلف» في استعادة أحداث الماضي يتفجر الكثير من المفاجآت. تبدو «سعدى» على سبيل المثال كما لو كانت خائنة ساعدت الغزاة على اقتحام بلادها، بل إنّها تظهر في أحد المشاهد ممسكة بالحربة الملطخة بدماء أبيها. «ذياب» نفسه يتضح أنه ينتسب لبني هلال زوراً، ولعل هذا ما يفسّر سلوكه المناقض لقيم البداوة في الشرف والوفاء.
نجحت مخرجة العمل منار زين، في الحفاظ على إيقاع السرد رشيقاً من دون ترهلات عبر الاعتماد على الأداء الحركي والرقص التعبيري الإيقاعي، فضلاً عن المونولوج الذي كثيراً ما تنغمس فيه «سعدي». ساعد على ذلك براعة التعامل مع الإضاءة التي جسّدت التحول في المشاعر ما بين الصدمة والخيانة والكبرياء، بالإضافة إلى الاعتماد على الآلات الشعبية في العزف الموسيقي مع ديكور وأزياء على نحو يتوافق مع بيئة العمل وطبيعة الصراعات الحادة التي تعصف بنفسيات أبطاله.
بدورها، تشير المخرجة منار زين إلى أنّهم كصناع عمل حاولوا تقديم عرض يتسم بالطابع المعاصر رغم أنه يتكئ على واحدة من أشهر عيون التراث لعدة أسباب منها عدم شعور الجمهور بالملل وإضفاء بصمة خاصة بأبناء الجيل الجديد على الأعمال التراثية القديمة، مشيرة إلى سعادتها البالغة بأن يكون فريق العمل بالكامل من الشباب. وتضيف منار في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»: «حاولنا أن يشعر الجمهور بالمتعة قدر المستطاع من خلال تقديم موسيقى وأغانٍ حية، كما حاولنا بث حالة من الحيوية والتشويق عبر الإضاءة والديكور والأزياء حتى نتجنب الفكرة السلبية التي توجد لدى البعض وتتمثل في أن الأعمال التراثية غالباً ما تتصف بالبطء والملل»، على حد تعبيرها.
8:47 دقيقه
«التغريبة بنت الزناتي»... السيرة الهلالية من منظور نسائي
https://aawsat.com/home/article/3225101/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%A8%D8%A9-%D8%A8%D9%86%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%86%D8%A7%D8%AA%D9%8A%C2%BB-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%84%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%88%D8%B1-%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%8A
«التغريبة بنت الزناتي»... السيرة الهلالية من منظور نسائي
المسرحية المصرية تقدم رؤية جديدة عبر الأداء الحركي الجماعي
النساء المحرك الأساسي للصراع
- القاهرة: رشا أحمد
- القاهرة: رشا أحمد
«التغريبة بنت الزناتي»... السيرة الهلالية من منظور نسائي
النساء المحرك الأساسي للصراع
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

