لبنان: قانون الانتخاب الحالي يبقى نافذاً والاغتراب سيقترع «حتماً»

اللجان النيابية تتفرغ للنظر في التعديلات المقترحة

TT

لبنان: قانون الانتخاب الحالي يبقى نافذاً والاغتراب سيقترع «حتماً»

استغرب مصدر نيابي لبناني بارز ما أخذ يشيعه فريق سياسي معين، في إشارة مباشرة إلى «التيار الوطني الحر»، من أن الهيئة العامة في البرلمان ستدخل تعديلات على قانون الانتخاب الحالي لمنع اللبنانيين المقيمين في بلاد الاغتراب من المشاركة في العملية الانتخابية التي ستجرى في 27 مارس (آذار) المقبل لانتخاب مجلس نيابي جديد، داعياً إلى الكف عن المزايدات الشعبوية التي لا جدوى منها والتي يراد منها تحريض فريق على آخر في محاولة مكشوفة لكسب ود الناخبين لعله يتمكن من إعادة تعويم نفسه سياسياً بعد تراجع شعبيته في الشارع المسيحي.
وكشف المصدر النيابي أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري كان اتفق مع وزير الداخلية والبلديات القاضي بسام مولوي على أن تجرى الانتخابات في 27 مارس المقبل، وقال لـ«الشرق الأوسط» بأن الرئيس بري سيدعو اليوم (الاثنين) اللجان النيابية المشتركة للاجتماع الخميس المقبل على الأرجح للبحث في التعديلات المقترحة على قانون الانتخاب الحالي الذي لا يزال نافذاً ما لم تقرر الهيئة العامة في البرلمان استبدال قانون آخر به.
ولفت إلى أن الرئيس بري يصر على إجراء الانتخابات في موعدها المتفق عليه وأنه لا مفر من إنجاز هذا الاستحقاق لتأمين الانتظام في المؤسسات الدستورية لأن المجلس النيابي المنتخب هو من ينتخب رئيس جمهورية جديد خلفاً للحالي الرئيس ميشال عون فور انتهاء ولايته الرئاسية في 31 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2022، وقال بأن اللجان النيابية ستعيد النظر في تحديد المهل بعد أن تقرر تقديم موعد الانتخابات على أن يعود القرار النهائي للهيئة العامة في البرلمان.
وأكد المصدر النيابي بأنه يعود للهيئة العامة النظر في تخصيص 6 مقاعد نيابية للمغتربين اللبنانيين المقيمين في بلاد الاغتراب على أن توزع على القارات الست مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، ولفت إلى وجود تباين بين «التيار الوطني» الذي يصر على توزيع هذه المقاعد كأساس للبدء بتطبيقها وبين حزب «القوات اللبنانية» الذي يتمسك باقتراحه بأن ينتخب من هم في بلاد الاغتراب النواب الذين يتشكل منهم البرلمان الحالي أي 128 نائباً استناداً إلى قيودهم في لوائح الشطب في الدوائر الانتخابية مع إفساح المجال أمام تصحيحها في حال وجود أخطاء.
وأكد أن التباين في هذا الخصوص لا يقتصر على الخلاف بين «التيار الوطني» و«القوات» وإنما ينسحب على أطراف أخرى ويعود للبرلمان مجتمعاً القرار النهائي، ما يفتح الباب أمام تعليق العمل بتحديد 6 مقاعد للمغتربين، وهذا ما يدعو لتعديل قانون الانتخاب النافذ حالياً استناداً إل المداولات التي ستجرى في اجتماع اللجان النيابية المشتركة.
وأكد أن الرئيس بري يقف دائماً إلى جانب تطبيق القانون، وقال إن تقديم موعد إجراء الانتخابات من الثامن من مايو (أيار) 2022 إلى 27 مارس من العام نفسه يعود إلى حلول شهر رمضان في الأسبوع الأول من أبريل (نيسان)، وهذا ما يحول دون القيام بجولات انتخابية، إضافة إلى أنه ستليه أعياد الفطر والفصح المجيد لدى الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الغربي وأيضاً للطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الشرقي.
واعتبر المصدر نفسه أن الإصرار على إجراء الانتخابات في موعدها ما هو إلا رسالة إلى المجتمع الدولي الذي ينظر إليها على أنها المدخل لإعادة تكوين السلطة في لبنان وإحداث تغيير فيها، مع أن القرار يعود أولاً وأخيراً إلى الناخب اللبناني وإرادته في التغيير، وقال بأن أمام الحكومة الميقاتية فرصة لتحقيق أبرز ما تعهدت به في بيانها الوزاري لكنها لن تكون مديدة ومفتوحة إلى ما لا نهاية.
وأضاف أن الفرصة الممنوحة للحكومة لإخراج البلد ولو على مراحل من الأزمات المتراكمة التي تحاصره تبقى في حدود أقل من ثلاثة أشهر لأن لبنان سيدخل في النصف الثاني من ديسمبر (كانون الأول) المقبل في عطلة عيدي الميلاد ورأس السنة التي يليها حكماً الانصراف لخوض الانتخابات النيابية والتحضير لها اقتراعاً وإدارياً من قبل وزارة الداخلية، فيما من المبكر منذ الآن تسليط الأضواء على طبيعة التحالفات الانتخابية التي لن تكون على قياس سابقاتها التي أجريت على أساسها الدورة الانتخابية الأخيرة.
وغمز المصدر النيابي من قناة رئيس الجمهورية برفضه التوقيع على المرسوم الخاص بفتح دورة استثنائية للبرلمان بعد أن وقع عليه الرئيس نجيب ميقاتي وأودعه لدى دوائر القصر الجمهوري للتوقيع عليه من قبل عون الذي لن يبدل موقفه بذريعة أن فتح هذه الدورة التي تستمر حتى تاريخ بدء العقد الثاني للبرلمان في أول ثلاثاء بعد 15 أكتوبر الحالي أي في 19 منه سيؤدي إلى عدم ملاحقة النواب المدعى عليهم في ملف انفجار مرفأ بيروت طوال فترات انعقاده.
وأكد أن تقدير عون ليس في محله لأنه من غير الجائز ملاحقة هؤلاء النواب بعد أن ادعى عليهم المحقق العدلي في انفجار المرفأ القاضي طارق البيطار لمحاكمتهم أمامه، رغم أن الأصول الدستورية والقانونية لا تجيز محاكمتهم إلا أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. وقال إن عون بامتناعه عن التوقيع على مرسوم فتح دورة استثنائية يكون قد حسم عدة أسابيع من عمر الحكومة التي يفترض بأن توظف لملاقاة الحكومة الميقاتية من قبل البرلمان في منتصف الطريق للتعاون معاً لإنقاذ البلد من الأزمات غير المسبوقة التي ضربته.
وتابع المصدر نفسه أن مجرد الموافقة على فتح دورة استثنائية ستدفع باتجاه دعوة البرلمان للانعقاد بصورة دائمة لإقرار القوانين استكمالاً لتلك التي أقرت في السابق، لأن هناك ضرورة لتمرير رسالة إلى المجتمع الدولي للتأكيد على أن الحكومة ملتزمة بالإصلاحات الإدارية والمالية للعبور بالمبادرة الفرنسية إلى بر الأمان استجابة لاحتياجات اللبنانيين من جهة وإتمام الاستعدادات الحكومية لبدء التفاوض مع صندوق النقد الدولي من جهة ثانية.
وأكد أن أمام الحكومة الميقاتية فرصة وإنما ليست مفتوحة لتوفير الحلول التي تعهدت بها في بيانها الوزاري، وقال بأن تذرع عون بعدم فتح دورة استثنائية لا يتعلق بمنع النواب نهاد المشنوق وعلي حسن خليل وغازي زعيتر من الملاحقة بمقدار ما أنه يعكس رفضه الإقرار بأن لبنان مع تشكيل الحكومة يدخل في مرحلة جديدة، وبالتالي لن يتغير لناحية العقلية التي يدير بها البلد، رغم أن ما تعهد به من إنجازات بقي حبراً على ورق وهو في حاجة لإنقاذ السنة الأخيرة من عهده.
لذلك يستعد البرلمان - بحسب المصدر - للبدء بورشة تجمع بين التعديلات المقترحة على قانون الانتخاب وبين مشاريع واقتراحات القوانين التي تتيح للحكومة خوض معركة الإنقاذ وإنما بالأفعال وليس بالأقوال التي لا يزال يرددها عون وفريقه السياسي من دون أن يترجمها إلى خطوات تنفيذية لأن عون لن يتغير برغم أن البلد يقف أمام محاولة جدية لخوض معركة التغيير.
وعليه لن تكون هناك من عوائق تمنع الاغتراب اللبناني من المشاركة في العملية الانتخابية تكراراً لمشاركته في الانتخابات الأخيرة بخلاف ما يشيعه «التيار الوطني» الذي يبحث الآن عن تحقيق انتصارات وهمية على غرار تلك التي حققها عندما منح الحكومة الثقة متذرعاً بأنها التزمت في بيانها الوزاري بالعناوين التي كان طرحها في بيانه الأسبوعي لتبرير انعطافه في موقفه باتجاه تأييدها بخلاف مواقفه التي تأرجحت في حينها بين التأييد والامتناع عن منحها الثقة.



«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.