جدل علمي حول تضاؤل مناعة لقاحات «كوفيد ـ 19»

جدل علمي حول تضاؤل مناعة لقاحات «كوفيد ـ 19»

تساؤلات حول أهمية الجرعات المعززة منها
الاثنين - 20 صفر 1443 هـ - 27 سبتمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15644]

أدت المخاوف بشأن تضاؤل المناعة لدى المطعمين بلقاح «كوفيد - 19»، وكذلك تضاؤلها أمام متغيرات فيروس «سارس كوف 2»، إلى اقتناع بعض البلدان بنشر جرعات لقاح إضافية. ولكن ليس من الواضح للعلماء ما إذا كان معظم الناس بحاجة إليها، أم لا.


الجرعة المعززة

وأشارت التقارير إلى أن المناعة الناتجة عن لقاحات «كوفيد - 19» قد تتلاشى بمرور الوقت، لذا درست بعض البلدان ما إذا كانت ستعطي جرعات إضافية، أم لا، لأولئك الذين تعرضوا لتلك الأوضاع رغم تطعيمهم بالكامل. وهكذا أعلنت ألمانيا وإسرائيل عن خطط لبرامج الجرعات المعززة، كما بدأت قائمة متزايدة من البلدان بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة والصين وروسيا بالفعل في إعطاء جرعات إضافية.

لكن العلماء يقولون إن الجرعات المعززة للقاح «كوفيد - 19» في هذه المرحلة ستكون ضعيفة، وقد لا تكون ضرورية لمعظم الناس. وفي 4 أغسطس (آب) الماضي، دعت منظمة الصحة العالمية إلى وقف استخدام الجرعات المعززة حتى نهاية سبتمبر (أيلول) الجاري على الأقل.

إلا أن كثيراً من التقارير الجديدة أظهرت بيانات أولية حول تضاؤل فاعلية لقاحات الحامض النووي الريبي المرسال مثل لقاح «فايزر» و«موديرنا» أمام متغيرات الفيروس، والفوائد المحتملة لجرعة ثالثة. بينما يبدو أن الجرعة المعززة قد لا توفر ارتفاعاً ملموساً في مستويات الأجسام المضادة، لذا من غير الواضح ما يعنيه ذلك من حيث أعداد الإصابات وشدة المرض.

وقد بدأ الآن بعض الخبراء بالضغط من أجل أن تكون الجرعة المعززة مقصورة على مجموعات معينة من الناس، ولكي تظل جهود الصحة العامة مركزة على الحصول على مزيد من الجرعات للأشخاص الذين ما زالوا غير محصنين.


تضاؤل المناعة

هل تتضاءل المناعة من اللقاحات؟ بناءً على النتائج المنشورة من تجارب اللقاحات ومصادر البيانات الأخرى، وضع مايلز دافنبورت عالِم المناعة الحاسوبية بجامعة نيو ساوث ويلز في سيدني بأستراليا وزملاؤه في البحث المنشور في 17 مايو (أيار) 2021 بمجلة «NatureMedicine»، تنبؤاً جريئاً، حيث قدر الباحثون أن الأشخاص الذين تم تحصينهم ضد «كوفيد - 19» سيفقدون ما يقرب من نصف أجسامهم المضادة الدفاعية كل 108 أيام أو نحو ذلك. ونتيجة لذلك، فإن اللقاحات التي قدمت في البداية على سبيل المثال حماية بنسبة 90 في المائة ضد الحالات الخفيفة من المرض قد تكون فعالة بنسبة 70 في المائة فقط بعد 6 أو 7 أشهر. لكن ستيفن توماس رئيس قسم الأمراض المعدية في جامعة ولاية نيويورك الطبية بالولايات المتحدة وزملاءه في بحثهم المنشور بمجلة «New England Journal of Medicine» في 15 سبتمبر (أيلول) 2021، يقولون إن الدراسات المناعية وثقت انخفاضاً ثابتاً في مستويات الأجسام المضادة بين الأفراد الذين تم تلقيحهم، وكشفت المتابعة طويلة المدى للمشاركين في تجربة اللقاح وجود خطر متزايد للإصابة بالعدوى.

وتظهر سجلات الرعاية الصحية من دول مثل إسرائيل والمملكة المتحدة وأماكن أخرى أن لقاحات «كوفيد - 19» تفقد قوتها. ومن الواضح أن الأجسام المضادة التي يولدها اللقاح لا يمكنها تمييز المتغيرات الجديدة من الفيروس مثل متغير «دلتا» بالكفاءة نفسها التي تميز فيها السلالات الأولية، كما تقول أماريندرا بيغو رئيسة أبحاث الأجسام المضادة والفيروسات في المعاهد الوطنية للصحة مركز أبحاث اللقاحات بيثيسدا بولاية ماريلاند الولايات المتحدة وزملاؤها في البحث المنشور في 17 سبتمبر 2021 بمجلة «Science».

ومع ذلك، فإن ما يظل غير واضح هو إلى أي درجة قد تتلاشى أيضاً ضمانات الجهاز المناعي التي تحمي الأشخاص الذين تم تلقيحهم من المرض الشديد والاستشفاء أو الوفاة. وأشار دافنبورت إلى احتدام المناقشات حول برامج التعزيز مع وقوف السلطات الصحية العالمية ضد هذه الفكرة علناً منذ فترة قصيرة. إلا أن المسؤولين البريطانيين وافقوا على التعزيزات لمن هم فوق الخمسين من العمر.


صمود المناعة

كيف تصمد المناعة التي يسببها اللقاح؟ في إحدى الدراسات طويلة الأمد الوحيدة التي تناولت البنود الثلاثة الرئيسية للجهاز المناعي في وقت واحد؛ وهي الأجسام المضادة والخلايا البائية والخلايا التائية، وجد الباحثون برئاسة جون ويري اختصاصي المناعة في كلية بيرلمان للطب بجامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا وزملاؤه في بحثهم على موقع ما قبل النشر «bioRxiv» في 23 أغسطس (آب) 2021، أن التطعيم حفز المناعة الخلوية الدائمة، واستمرت خلايا الذاكرة «بي» (B) في النمو من حيث العدد لمدة ستة أشهر على الأقل، وتحسنت في محاربة الفيروس بمرور الوقت، في حين ظل تعداد الخلايا التائية (T) ثابتاً نسبياً، وقد انخفض قليلاً خلال فترة الدراسة. ويضيف جون ويري: «قد تتناقص الأجسام المضادة المنتشرة، لكن جهاز المناعة لدى الإنسان قادر على القفز إلى العمل مرة أخرى».


تصورات دولية

يبدو أن البيانات الأولية من المملكة المتحدة وقطر تؤكد التجربة الإسرائيلية، إذ نشر باحثون في هيئة الصحة العامة بإنجلترا نسخة مسبقة توضح بالتفصيل تراجعاً متواضعاً لكنه ملموس في فاعلية اللقاح ضد حالات الإدخال إلى المستشفى والوفاة، وقد حدث ذلك بعد نحو 20 أسبوعاً من التلقيح لمتلقي لقاحي «فايزر» و«أسترا-زينيكا»، على الرغم من أن التأثير كان أكثر وضوحاً للأفراد الأكبر سناً والذين يعانون من ظروف صحية غير طبيعية. وكان هناك بين كبار السن أيضاً بعض الدلائل على أن التباعد بين الجرعتين الأوليين من اللقاح يعزز مناعة وقائية أكثر تدوم طويلاً، فقد وصف ليث أبو رداد عالم الأوبئة المعدية في كلية طب وايل كورنيل بالدوحة في قطر وزملاؤه الشهر الماضي، كيف أن لقاح فايزر قد وفر حماية عالية باستمرار ضد الأمراض الخطيرة لمدة تصل إلى ستة أشهر بعد التحصين، ثم انخفضت فاعلية اللقاح ضد العدوى الخفيفة أو الخالية من الأعراض تدريجياً، كما هو متوقع.

ولكن في الوقت الذي نشرت فيه نسخة ما قبل الطباعة على موقع «bioRxiv» في 27 أغسطس 2021، لم يكن أبو رداد متأكداً من الحاجة إلى جرعات معززة، لكنه بعد أن اطلع على البيانات من سبعة أشهر بعد التحصين، ورغم أن النتائج كانت أولية، يبدو أن قدرة اللقاح على تجنب دخول المستشفى والموت بدأت تتراجع. ويضيف أبو رداد: «لقد فرضت البيانات الآن تغييراً في التفكير».

من ناحية أخرى، وفي دراسة مماثلة من الولايات المتحدة، يقول أرجون بورانيك رئيس قسم الرياضيات والإحصاء بجامعة ستانفورد كاليفورنيا في نسخة ما قبل الطباعة على موقع «bioRxiv» في 7 سبتمبر 2021، إن هناك بيانات حول تراجع الحماية من العدوى وليس المرض الشديد. وعلى الصعيد العالمي، لا يوجد حتى الآن أي مؤشر على أن معدلات المرض الشديد بين الملقحين ترتفع بأي شكل من الأشكال، كما يقول.


جرعة «غير سحرية»

الجرعة المعززة وحدها لا تكفي. كانت إسرائيل أول من طرح جرعات معززة على نطاق واسع، فمنذ 30 يوليو (تموز) 2021، أعطت إسرائيل جرعة ثالثة من لقاح الحامض النووي الريبي المرسال لأكثر من 3 ملايين شخص، بما في ذلك غالبية أولئك الذين يبلغون من العمر 40 عاماً أو أكثر، مدفوعة بزيادة في الحالات التي تعكس العدوى الشديدة لمتغير دلتا وتخفيف القيود وتراجع واضح في الحماية من اللقاحات المقدمة في أوائل الشتاء. لكن الحالات ارتفعت أكثر منذ ذلك الحين، ما يشير إلى أن الجرعة المعززة بعيدة كل البعد عن كونها حلاً سحرياً عندما يظل الأطفال وغيرهم غير محصنين، كما يقول ران بالييسر كبير مسؤولي الابتكار في كلاليت للخدمات الصحية (Services Clalit Health) أكبر منظمة للصيانة الصحية في إسرائيل، وفي اجتماع 17 سبتمبر 2021 لمستشاري إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) التي صوتت بالإجماع للتوصية بجرعة معززة من لقاح «فايزر»، ولكن فقط للمسنين فوق 65 عاماً وأولئك المعرضين لخطر الإصابة بأمراض خطيرة، وتشمل العاملين في مجال الصحة والمعلمين والعاملين في ملاجئ المشردين والسجون. ومع ذلك، فإن إسرائيل «عالقة في الوضع الراهن البالغ نحو ألف حالة جديدة لكل مليون شخص يومياً».

من ناحية أخرى، يقول ديفيد دودي عالم أوبئة الأمراض المعدية في كلية جونز هوبكنز بلومبرغ للصحة العامة في الولايات المتحدة، إن هذه علامة على أن «توفير جرعات معززة وحده لا يغير بشكل كبير مسار انتقال الفيروس على مستوى البلد، لأن غالبية انتقال العدوى لا تزال تحدث من الأشخاص غير الملقحين».


science

اختيارات المحرر

فيديو