«بائعة الشاي» مقهى شعبي على واجهات الطرق في الخرطوم

«بائعة الشاي» مقهى شعبي على واجهات الطرق في الخرطوم

15 ألف امرأة يقدمن الشاي والقهوة في ساحات العاصمة السودانية
الخميس - 6 جمادى الآخرة 1436 هـ - 26 مارس 2015 مـ

تخرج «مارثا بيتر» من منزلها في ضاحية الحاج يوسف شرق العاصمة السودانية الخرطوم إلى محل عملها باكرة، تحت شجرة «نيم» يتسلل ظلها عبر أسوار مدارس «كمبوني» وسط الخرطوم، تشعل النار في الفحم على مهل، وتضع أباريق الشاي على اللهب.

تبيع مارتا الشاي والقهوة ومشروبات ساخنة محلية أخرى لزبائنها منذ أكثر من 5 سنوات، تقول إنها خرجت للعمل أثناء مرض زوجها: «خرجت من بيتي وتركت زوجي المريض وأطفالي الخمسة، لأبحث لهم عن رزق حلال، يأتي شحيحا لكنه خير من الحاجة وسؤال.

ثم توفي زوجها وترك لها 5 أفواه، و5 مدارس وكل يسأل قائلا: «ماما أين الحليب، أريد ثمن الدفاتر المدرسية، ورسوم الدراسة، وساندويتش الإفطار»، وهي لا تستطيع الرفض، توزع النقود القليلة التي تحصل عليها حسب الضرورات، وحين تعجز لا تملك غير الصبر الجميل.

تقضي مارثا زهاء 12 ساعة أمام الموقد، في شتاء المدينة الذي يشق الجلود، وفي صيفها الذي يذيب الشحم داخل العروق، تجفف عرقها حين يسيل من حر الخرطوم، ومن لهب الموقد أمامها، وتتقي برد الشتاء بيديها وحائط المدرسة القديمة وتتدفأ بنار موقدها، فلمن تشكو قلة حيلتها؟

تقول: «الأرزاق على الله، لكني أكسب من هذه المهنة ما أواجه به ضروريات حياتي، لكن ارتفاع الأسعار وقلة الطلب على الشاي والمشروبات الأخرى، تجعل الأمر صعبا في أكثر الأحيان».

مارثا سيدة سمحة الطبع، تقابل زبائنها بابتسامة وضيئة، وهذا ما جعل من «مقهى الهواء الطلق» الذي تديره، منتدى يوميا يؤمه مثقفون وصحافيون وتجار، ونشأت بينها وبينهم مودة وألفة، يسألون عنها إذا غابت، وتسأل عن أحدهم إذ لم يغشها لأيام.

تقول مارتا: «نحن هنا لم نتعرض لمضايقات من السلطات البلدية، لم تصادر أدواتنا سوى مرة واحدة، ثم استعدناها، وواصلنا عملنا»، وتضيف: «قلما أتعرض لمضايقات ومعاكسات وتحرش، لأني خلقت علاقة طيبة مع زبائني، وحين يتحرش بي أحدهم ويكون في العادة غريبا، أرده بكل صرامة فيعود لصوابه».

قبل أشهر نظمت مبادرة شبابية أطلق عليها «الكفتيرة ماسكة العيلة»، تقوم فكرتها على تبادل الأدوار بين بائعات الشاي والنشطاء والناشطات في خدمة الزبائن، وتقديم بعض العون لهن.

تقول الناشطة السياسية د. ناهد جبر الله إن «المبادرة تهدف لإدانة العسف الذي يواجه البائعات من قبل السلطات البلدية، وتسعى لتحقيق الاعتراف بأن اشتغالهن ببيع الشاي مهنة شريفة، ومساعدتهن رمزيا، بتقديم معينات عمل وأواني لهن، باعتبارهن سيدات عاملات يواجهن الحياة بعزيمة وإيمان».

«الكفتيرة»، إناء نحاسي كبيرة تغلى فيه المياه لصناعة الشاي والقهوة، وتقوم فكرة مبادرة «الكفتيرة ماسكة العيلة»، على أن «ستات الشاي»، يعلن أسرا من بيع الشاي والقهوة والكركديه والمشروبات الساخنة الأخرى، لذت فإن على المجتمع والدولة مساندتهن ودعهمن، والاعتراف بهن كعاملات ضمنه.

عرفت بائعات الشاي، ويطلق عليهن محليا «ستات الشاي»، في وقت متأخر في السودان، بعد أن كانت المهنة قصرا على الرجال، ومنذ الجفاف والتصحر الذي أصاب أنحاء واسعة من البلاد منتصف ثمانينات القرن الماضي، دخلت النساء «هذه السوق»، وفي تسعينياته استحكمت الأزمة الاقتصادية، وعضت سياسات «التمكين» التي اتبعها الحكم الإسلامي عصب الحياة، فتشرد الرجال من أعمالهم، وخرجت النساء للعمل بأعداد كبيرة.

ورغم الأشهر التي مرت على المبادرة، فإن «السلطات الإسلاموية» الحاكمة في البلاد ما زالت تنظر شذرا لهؤلاء النسوة وتضيق الخناق عليهن، وتسلط عليهن رجال البلدية وشرطة النظام العام، تصادر مقتنياتهن البسيطة، وتفرض عليهن رسوما كبيرة، وتحدد ساعات عملهن.

ورغم هذا فإن بائعات الشاي أو «ستاته» أصبحن شريحة كبيرة، وأصبحت «ست الشاي» علامة بارزة في الخرطوم ومدن البلاد الأخرى، وتسامح معها المجتمع المحافظ.

وتسد «ست الشاي» الحاجة لـ«مقهى» تخلو منه المدن السودانية، وتقول الشفاهيات الشعبية، إن «السلطات أوقفت المقاهي العامة خشية تحولها لمنتديات تخوض في السياسة فتأوي تجمعات المعارضين، لكن المقاهي العشوائية تحت ظلال الأشجار، وتحت الأسوار، وعلى المقاعد الشعبية (البنابر) تحولت لمنتديات تخوض في كل شيء».

تعمل السيدة «خديجة» في بيع الشاي كما لداتها، لكنها ليست مثل «مارثا»، فهي تواجه بشكل شبه يومي مضايقة السلطات المحلية، يصادرون أوانيها، ويفرضون عليها غرامات، أحيانا تحتال عليهم وأخرى ينبهها الزبائن إلى حملة البلدية «كشة»، فتجمع هي ولداتها أوانيهن و«بنابرهن» على عجل ويدخلنها في حرز أمين حتى تذهب الحملة، وقد لقيت سيدة منهن حتفها قبل أعوام أثناء هروبها من مطاردة رجال البلدية بعد أن اخترقت جسدها أسياخا حادة تعثرت وسقطت عليها.

يركل رجل البلدية موقد «خديجة» برجله فيتطاير الجمر ويكاد يحرق المكان، وبالرجل الأخرى يشتت أكواب الشاي فتتكسر بصوت مسموع، وهو يكيل لها السباب، هذا مشهد متكرر تعيشه بائعة الشاي وتتعامل معه ببرود!

تقول «خديجة» بعد أن طلبت إخفاء اسمها الحقيقي، حتى لا تثير حفيظة رجل السلطات البلدية الذي يترصدها فيقطع عيشها: «أعول أطفالي وأمي وبعض إخوتي الصغار من هذا الموقد»، وتضيف: «زوجي غادر إلى ليبيا ولم يعد، ثم انقطعت أخباره بعد الثورة، وتوفي أبي وترك لي إخوة صغارا، وأما مريضة».

تتحدث ودمعة توشك أن تسيل من عينيها: «أنا أعمل عملا حلالا وأكسب منه القليل الذي يقيني شر الحاجة وأطفالي، فلماذا يضايقونني، عندما يتركوني أعمل أكسب يوميا ما بين 50 و90 جنيها – 7 دولارات – يوميا، ورغم أن المبلغ لا يكفي لكنه يسترنا علي أي حال».

وحسب إحصاءات غير رسمية فإن أعداد ستات الشاي تقدر بزهاء 15 ألفا في الخرطوم وحدها، وتنضاف إليهن كل يوم أعدادا جديدة.


اختيارات المحرر

فيديو