تحذيرات من إقصاء المغتربين عن الانتخابات اللبنانية

TT

تحذيرات من إقصاء المغتربين عن الانتخابات اللبنانية

مع انهماك السلطات اللبنانية بالتحضير للانتخابات النيابية في الربيع المقبل بدأ الحديث عن إمكانية استثناء المغتربين من هذه العملية لأسباب مرتبطة بالمهل الدستورية إذا تقرر تقريب موعدها إلى ما قبل شهر رمضان المبارك، وهو ما بدأ يلقى رفضاً في الأوساط اللبنانية ومنها البطريرك الماروني بشارة الراعي الذي أكد على أهمية إشراك المغتربين.
ومن الناحية القانونية، يقول الخبير الدستوري: «رئيس جمعية جوستيسيا» الحقوقية بول مرقص إن القانون ينص على حق لكل لبناني أو لبنانية أكمل السن المحددة في الدستور سواء كان مقيماً أم غير مقيم على الأراضي اللبنانية أن يمارس حقه في الاقتراع. ويوضح «في الانتخابات يجري الاقتراع قبل 15 يوماً على الأكثر من الموعد المعين في لبنان، ما يدحض فرضية الإطاحة بانتخابات المغتربين بحال تم تقريب موعد الاقتراع المحدد للمقيمين في لبنان، إذ بحال تم التقريب إلى ما قبل يوم الأحد الواقع في 8 مايو (أيار) 2022 يجب أن يحدد موعد اقتراع المغتربين قبل 15 يوماً على الأكثر من التاريخ الجديد.
ويشير مرقص إلى أن تقريب موعد الانتخابات يجب أن يأخذ بعين الاعتبار المهلة الأقصى المعطاة للتسجيل للمقترعين في الخارج أي ألا تتجاوز 20 نوفمبر (تشرين الثاني) من السنة التي تسبق موعد الانتخابات النيابية، حيث يسقط بعدها حق الاقتراع في الخارج، بحيث إنه يجب على السفارات إرسال هذه القوائم تباعاً إلى المديرية العامة للأحوال الشخصية قبل 20 ديسمبر (كانون الأول).
ويضيف «استناداً إلى المادة 114 المتعلقة بالقوائم الانتخابية للمغتربين إذا قل عدد المسجلين في المركز الانتخابي الواحد عن 200 ناخب عندها توضع إشارة تحول دون إمكانهم الاقتراع في محل إقامتهم الأصلي إضافة إلى ذكر مكان التسجيل في الخارج وتكون بذلك الحالة الوحيدة للإطاحة بانتخابات بعض المراكز الانتخابية المخصصة للمغتربين، لذلك فإن عملية تقديم موعد الانتخابات لن تؤدي بالضرورة إلى الإطاحة بانتخابات المقترعين في الخارج ولكن إذا تم تجاهل المهل المنصوص عليها في المادتين 113 و114 من قانون الانتخاب فإن تسجيلهم سوف يواجه عقبات متعلقة بالوقت القصير ما لن يسمح لهم بتسجيل العدد الأدنى المطلوب لكل مركز انتخابي وبالتالي توضع إشارة تحول دون إمكانهم الاقتراع في محل إقامتهم الأصلي».
وما كان يحذر منه المغتربون يبدو أنه سيحصل بحسب ما تحذر الناشطة في مجموعة «شبكة الاغتراب اللبناني» نانسي ستيفان، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «نعلم أن السلطة تدرك أن أصوات المغتربين حرة ومستقلة وسيفعلون ما بوسعهم لمنعنا من الاقتراع ولكن لا أظن أن مليوناً ونصف مليون لبناني سيرضون بذلك»، مضيفة «كنا نرفض الاقتراع فقط لستة مقاعد نيابية ونطالب بالاقتراع لـ128 نائباً وأطلقنا عريضة في الاغتراب وقعها أكثر من 7 آلاف فإذا بهم يحاولون كتم أصواتنا وهذا ما لن نقبل به علماً بأننا كنا وجهنا رسائل إلى وزارة الخارجية ولا نزال مستمرين في الحملة ونقوم بدورنا في عواصم الاغتراب خصوصاً أننا نعلم أنهم سيطلبون التمويل من المجتمع الدولي وهذا يفترض أن يكون مشروطاً بأن تطبق الديمقراطية للمغتربين كما المقيمين». وتؤكد ستيفان «أن الدستور يتعامل مع اللبنانيين بالتساوي لجهة الحق بالاقتراع والمغترب تضرر كما المقيم من السياسات الخاطئة التي أدت إلى سرقة أمواله وتهجر قسراً علماً بأنه القوة التي أبقت لبنان صامداً من ناحية دعمه مادياً أو في نجاح المغتربين في الخارج ومن حقه أن يكون له قرار في إدارة البلد في المرحلة المقبلة، وبالتالي إذا قرروا كتم صوتنا أو الاكتفاء بأن نقترع لستة نواب يعني أنهم يقطعون ارتباطنا بلبنان».
ومنذ انتشار المعلومات المتعلقة بإمكانية عدم إجراء انتخابات المغتربين وهو ما لمح إليه وزير الداخلية قبل أيام، ارتفعت الأصوات المحذرة من هذه الخطوة ومنهم البطريرك بشارة الراعي الذي قال بعد لقائه رئيس الجمهورية رداً على سؤال حول محاولة إلغاء حق اقتراع المغتربين: «يشارك المواطنون في دول كثيرة بالانتخابات حيث هم وقد جرى ذلك في لبنان. ويبقى للمجلس النيابي أن ينظم القانون كي يستطيع الشعب اللبناني المنتشر في العالم ممارسة حقوقه خصوصاً أن لديه الجنسية اللبنانية»، وسأل: «هل نقول له خذ الجنسية اللبنانية وحافظ على وطنيتك ولبنانيتك وهو لا يتمتع بالحق في أن يشارك في الانتخابات؟ يجب أن يصدر قانون يسمح للبناني المهاجر بالمشاركة في الانتخابات». وأضاف «وعما إذا كان النواب من الداخل أو الخارج فإن هذا الأمر مرتبط بكيفية صدور القانون. لقد سمعت الكثير من المهاجرين يقولون إنه إذا كان عليهم انتخاب ستة نواب من كل العالم، فكيف لهم معرفة بعضهم، ولماذا لا ينتخبون من لبنان خصوصاً أنهم يعرفون المرشحين؟ إن هذا ما يقولونه، ولكن ما يقرره المجلس النيابي فليكن».
وحذر كل من حزب «القوات اللبنانية» وحزب الكتائب و«التيار الوطني الحر» من الإطاحة بانتخابات المغتربين، وتحدث رئيس «القوات» سمير جعجع عما قال إنه «محاولة البعض حرمان لبنانيي الانتشار من حقهم في الانتماء إلى لبنان من خلال منعهم من ممارسة حقهم بالاقتراع في الانتخابات النيابية المقبلة»، مشدداً على أن «هذا الأمر مرفوض كلياً، جملة وتفصيلاً، وسنقوم بمواجهته حتى النهاية».
كذلك، اعتبر النائب في «القوات» جورج عقيص أن «الانتخابات بلا تصويت المغتربين عملية تعليب وتزوير لن تمر». وقال في تغريدة له: «يبدو أن آخر حلقة في سلسلة عزل لبنان للإطباق على الشعب اللبناني وخنق الصوت السيادي فيه، هي محاولة حرمان المغتربين من حقهم بالمشاركة في الانتخابات»، مضيفاً «أننا نتحول إلى مسلخ كبير»، مؤكداً «انتخابات بلا تصويت المغتربين هي تقسيم للشعب أخطر من تقسيم الأرض».
بدوره دعا النائب في «التيار الوطني الحر» سيمون أبي رميا بعد لقائه وزير الداخلية بسام مولوي إلى «ضرورة إجراء الانتخابات النيابية بموعدها»، مؤكداً أن «انتخابات الانتشار ترشحاً واقتراعاً تشكل نقلة نوعية ولا يجوز التراجع عنها».
وعبر رئيس حزب «الكتائب» النائب المستقيل سامي الجميل عن الموقف نفسه، قائلاً في تغريدة على تويتر: «لا تتجرؤوا على المس بحق المغتربين بالتصويت في الخارج. هم ثروة لبنان وأصواتهم حرة بعيدة عن زبائنيتكم وترهيبكم. أي قرار لإقصائهم هو قرار انقلابي على ديمقراطية الانتخابات سنعتبره بمثابة إلغائها وسنواجهه على هذا الأساس».
وكان وزير الداخلية قال إثر لقائه رئيس الجمهورية قبل أيام في رد على سؤال عما إذا كان هناك تعديل في موعد الانتخابات وعن مصير اقتراع المغتربين: «في حال إجراء الانتخابات قبل 30 مارس (آذار) تكون قوائم الناخبين غير مجمدة وستضعنا أمام صعوبة قيام المغتربين بالانتخاب».
وعن حصة المغتربين في الاقتراع لنواب الاغتراب الستة، قال: «هناك لجنة، وفق القانون، مشكلة من وزارتي الداخلية والخارجية لبحث الموضوع ونحن نسير بالمسألة وفق ما ينص عليه القانون في الانتخابات المقبلة، وأي تدخل تشريعي آخر يعود إلى مجلس النواب».



العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».


واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية
TT

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

أكد سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى اليمن ستيفن فاغن دعم بلاده لإجراء حوار جنوبي سياسي شامل تستضيفه السعودية.

جاء ذلك خلال اجتماع عقده مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.

وقالت السفارة الأميركية أمس في منشور على منصة «إكس» إن فاغن شدّد خلال الاجتماع على أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار في اليمن، وذلك بعد اضطرابات أشعلتها تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في شرق اليمن وجنوبه في الأسابيع القليلة الماضية.

وكان الإعلام الرسمي اليمني أفاد بأن عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي التقى في العاصمة السعودية الرياض، السفير فاغن لبحث العلاقات الثنائية، ومستجدات الأوضاع على الساحتين الوطنية والإقليمية.

​وتطرّق اللقاء إلى الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والدور البارز الذي تلعبه في دعم أمن واستقرار اليمن.

ونقلت المصادر الرسمية عن المحرمي تأكيده أن دور واشنطن يمثل عنصراً حاسماً في تعزيز تماسك الدولة اليمنية، وقدرتها على تجاوز التحديات الراهنة، لا سيما في ملفي مكافحة المنظمات الإرهابية، والحد من عمليات التهريب، وهما مما يهدد الأمن سواء القومي أو الإقليمي.

تأمين عدن

​واستعرض اللقاء - وفق المصادر الرسمية - التطورات المحلية الأخيرة، والإجراءات المتخذة لتأمين العاصمة المؤقتة عدن، وحماية المقار السيادية للدولة من أي عبث، بما يسهم في تثبيت الوضع الأمني، والحفاظ على السكينة العامة وحماية مصالح المواطنين والمؤسسات الحكومية.

​وشدّد المحرّمي على أهمية تكثيف التعاون الدولي لتجفيف منابع تمويل الحوثيين والجماعات الإرهابية، ورفع كفاءة قوات خفر السواحل والأجهزة الأمنية لتشديد الرقابة على المنافذ ومنع تهريب الأسلحة والمواد الممنوعة التي تستخدمها الميليشيا لزعزعة الاستقرار في المنطقة.

​كما ناقش الجانبان - وفق المصادر نفسها - الاستعدادات الجارية لانعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي في العاصمة السعودية الرياض، حيث أكد المحرّمي أن هذا الحوار يمثل محطة تاريخية لتوحيد الجبهة الداخلية، وصياغة رؤية سياسية جامعة تلبي تطلعات اليمنيين في الجنوب.

وأشار المحرّمي إلى أن نجاح هذا الاستحقاق، برعاية السعودية، سيسهم بشكل مباشر في تعزيز التوافق الوطني ودعم الجهود الرامية لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحقيق الاستقرار الشامل.