انتخابات روسيا تعزز هيمنة «الحزب القائد» وتفتح الطريق نحو استحقاق الرئاسيات

السجالات مع الغرب إلى تصاعد بسبب تغييب المعارضة والتصويت الأوكراني

انتخابات روسيا تعزز هيمنة «الحزب القائد» وتفتح الطريق نحو استحقاق الرئاسيات
TT

انتخابات روسيا تعزز هيمنة «الحزب القائد» وتفتح الطريق نحو استحقاق الرئاسيات

انتخابات روسيا تعزز هيمنة «الحزب القائد» وتفتح الطريق نحو استحقاق الرئاسيات

لم تخرج نتائج الانتخابات العامة في روسيا عن إطار التوقعات التي ساقتها مسبقاً استطلاعات الرأي العام في البلاد. ومع تكريس هيمنة الحزب الحاكم «روسيا الموحدة» في مجلس الدوما (النواب) وغالبية المجالس النيابية والبلدية في المقاطعات والأقاليم، بدا أن المشهد السياسي الداخلي الروسي اتجه نحو استبعاد المعارضة عن لعب أي دور في مرحلة مهمة تسبق التحضير لانتخابات رئاسة جديدة في 2024.
في المقابل، أعاد الاستحقاق ونتائجه الزخم إلى مسار المواجهة الروسية - الغربية، وأضاف إلى السجالات بين الطرفين عناصر جديدة ينتظر أن تؤجج الأزمة بينهما في المرحلة المقبلة، خصوصاً على صعيد التأثيرات المنتظرة على الوضع في أوكرانيا. ويكاد المحللون والخبراء في روسيا يجمعون على أن الأبرز في نتائج هذا الاستحقاق هو إعادة تكريس فكرة «الحزب القائد» التي غابت عن المشهد السياسي الروسي بعد تفكك الدولة السوفياتية العظمى في بداية تسعينات القرن الماضي. إذ احتل حزب «روسيا الموحدة» الحاكم، بزعامة الرئيس فلاديمير بوتين، المكان الذي كان يشغله لعقود الحزب الشيوعي السوفياتي، لجهة أنه ليس فقط القوة السياسية الأكثر قوة وتنظيماً وتمويلاً من الدولة، بل كونه يهيمن على كل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في البلاد.

احتاجت روسيا نحو عقدين لإعادة تأهيل فكرة سلطة «الحزب القائد» المهيمنة ووضعها على سكة التنفيذ. لذلك؛ كان الشعار الأكثر تردداً خلال الحملات الانتخابية يقوم على وضع الناخب أمام خياري «الاستقرار والتنمية»، الذي تحرسه المنظومة السياسية والحزبية القائمة... أو «الفوضى والخراب»، الذي تحمله الأحزاب المرتبطة بالخارج والتي تسعى إلى زعزعة الأوضاع الداخلية وتمكين القوى الأجنبية من جرّ البلاد نحو الهاوية.
هكذا حرفياً تقريباً، ترددت العبارات والشعارات الانتخابية في البلاد خلال المرحلة التي سبقت الانتخابات. وهذا، مع تذكير مرشحي الحزب الحاكم في جولاتهم الانتخابية بأن «روسيا الموحدة» هو الحزب الوحيد الذي نجح في مواجهة الأزمات الاقتصادية والمعيشية، وفي ضخ إمكانات واسعة لتخفيف معاناة المواطنين بسبب تداعيات تفشي «كوفيد - 19» وفي حماية «مبادئ» وأولويات الروس في مواجهة حملات التشكيك الخارجية.
هذا التوجه جاء بثماره، مستنداً إلى تصعيد الضغوط على المعارضة، وسحبها إلى خارج المنافسة بسبب تشديد القوانين وإدراج غالبية القوى المنافسة للحزب الحاكم على لوائح «التطرف»، أو في إطار قانون «العملاء الأجانب» الذي شل حركة أحزاب صغيرة كثيرة وأدى إلى إغلاق مقراتها وتجميد نشاطها.

- التوزيع المرتقب للقوى
لقد عكست النتائج التي أعلنتها رئيسة لجنة الانتخابات إيلا بامفيلوفا نجاح الحزب الحاكم «روسيا الموحدة» في المحافظة على هيمنة مطلقة في مجلس الدوما (النواب)، بحصوله على نحو 50 في المائة من أصوات الناخبين على اللوائح الحزبية. كذلك اكتسح مرشحو الحزب اللوائح الفردية، ليضمنوا فوزه بـ199 مقعداً من أصل 225، علماً بأن أعضاء الهيئة التشريعية الروسية الذين يبلغ عددهم 450 نائباً، ينتَخبون بالمناصفة بين اللوائح الحزبية والفردية. وهكذا، ضمن حزب «روسيا الموحدة» بذلك نحو 330 مقعداً نيابياً؛ ما يمنحه غالبية دستورية تمكّنه من سنّ القوانين منفرداً، ومن دون الحاجة إلى التحالف مع أحزاب أخرى.
أهمية هذا التطور تتضح أكثر، في إطار التعديلات الدستورية التي أقرّت في العام الماضي، والتي منحت البرلمان صلاحيات واسعة في مسائل تشكيل الحكومة وإقرار الموازنات وتعيين المسؤولين البارزين في الدولة. وهو ما يعني أن أي اقتراح يقدمه بوتين في هذه المجالات سيحظى بموافقة كاملة في الهيئة التشريعية.
أما ترتيب الأحزاب الأخرى التي نجحت في تجاوز نسبة الحسم للتمثيل في البرلمان فكان مجرد انعكاس لقدرتها على التعامل بنشاط، والإفادة من القيود الكثيرة على المعارضين، والمناخ السياسي العام في البلاد. لذا؛ لم يكن مستغرباً أن يحل «الحزب الشيوعي الروسي» في المرتبة الثانية، حاصداً أقل بقليل من 19 في المائة من الأصوات؛ ما عزز بشكل ملحوظ من حضوره. قد استفاد هذا الحزب من آلية «التصويت الذكي» (أو التكتيكي) التي ابتكرتها المعارضة لمواجهة نفوذ الحزب الحاكم عبر منح الأصوات لأوفر المرشحين حظاً في لوائح الأحزاب المنافسة له. واحتل المرتبة الثالثة «الحزب الليبرالي الديمقراطي» بحصيلة بلغت 7.5 في المائة من الأصوات، وهي النسبة نفسها تقريباً التي حصل عليها حزب «روسيا العادلة» الذي جاء رابعاً. وأما المرتبة الخامسة في هذه الانتخابات، فقد ذهبت لحزب جديد يشارك للمرة الأولى في انتخابات على المستوى الفيدرالي، هو حزب «الناس الجدد» الذي نجح في تجاوز نسبة الحسم للتمثيل في البرلمان، محققاً 5.3 في المائة من الأصوات. ولم يشكل هذا النجاح مفاجأة لأحد؛ كون استطلاعات الرأي كانت منحته تقريباً هذه النسبة نفسها. لكن الجديد أن هذا الفوز سيغيّر للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين تركيبة البرلمان المقبل، بعدما ظلت الأحزاب الأربعة الكبرى مهيمنة عليه خلال العقدين الماضيين.

- إقبال نشط على الصناديق
كان طبيعياً أن تشكل نسب الإقبال المرتفعة نسبياً على صناديق الاقتراع، أبرز النتائج المعلنة لهذه الانتخابات، على خلفية مخاوف سابقة من عزوف الناخبين على الإقبال، خصوصاً بسبب حملات التشكيك من جانب المعارضة وبعض الأطراف الغربية.
وكانت التوقعات، وفقاً لاستطلاعات الرأي تدور حول استعداد نحو من 40 إلى 45 في المائة، للمشاركة بالعملية الانتخابية، لكن بامفيلوفا، رئيسة لجنة الانتخابات المركزية الروسية، أعلنت أن نسبة المشاركة الحقيقية وصلت إلى نحو 51.7 في المائة، مشيرة إلى أن «هذه النسبة تعد الأكبر منذ سنوات طويلة». ويشار هنا إلى أن نسبة الإقبال في الانتخابات البرلمانية السابقة عام 2016 بلغت 47 في المائة.
من ناحية أخرى، تميزت عمليات الاقتراع في هذا الاستحقاق بدخول عنصرين جديدين عليهما لم يستخدما في انتخابات سابقة، أولهما: مدّ فترة التصويت إلى ثلاثة أيام، في مقابل يوم انتخابي واحد في كل الاستحقاقات المماثلة في السابق. والآخر: استخدام آليات التصويت الإلكتروني. في الحالين كان المبرّر هو الظروف الوبائية المرتبطة بتفشي «كوفيد - 19». لكن في الحالين أيضاً، أثار ذلك تحفظات لدى الأحزاب المختلفة، بينها الأحزاب التقليدية المتنافسة مع الحزب الحاكم. وكان لافتاً أن الحزب الشيوعي، مثلاً، دعا أنصاره إلى تجاهل التصويت الإلكتروني، والإقبال على الاقتراع حضورياً في اليوم الأخير فقط، تحسباً لاستخدام أصوات ناخبيه لصالح الحزب الحاكم. ولكن، بصورة عامة، كانت نسبة الإقبال على الاقتراع الإلكتروني محدودة نسبياً ولم تتجاوز نحو مليونين ونصف مليون ناخب من أصل نحو 95 مليوناً، إلا أنه لكونها المرة الأولى التي تستخدم فيها هذه التقنية فهي تعد تطوراً مهماً.

- سجال حول عمليات المراقبة
وبعيداً من كلام أحزاب المعارضة الصغيرة المدعومة من الغرب عن وقوع «انتهاكات كبرى» سبقت العملية الانتخابية، وتمثلت في فرض قيود كثيرة على المنافسة؛ ما أدى إلى استبعاد المعارضة تماماً، فإن مسار عمليات الاقتراع نفسها، ومسار فرز الأصوات لم يشهدا انتهاكات فادحة. والحال، أنه نظمت عمليات مراقبة إلكترونية واسعة للانتخابات غطت عبر كاميرات المراقبة نحو 96 في المائة من مراكز الاقتراع في البلاد، وهذه أوسع عملية مراقبة على مدار الساعة للاستحقاق الانتخابي. وشارك في المراقبة داخلياً، نحو 400 ألف نسمة يمثلون الأحزاب المتنافسة ومنظمات اجتماعية وحقوقية روسية مختلفة، ومتطوعون في كل الأقاليم الروسية. وعلى مستوى المراقبين الأجانب، شارك نحو 250 مراقباً يمثلون أبرز المنظمات الإقليمية باستثناء مفوضية الأمن الأوروبي التي قاطعت العملية الانتخابية.
وبالتالي، يمكن القول – عموماً - إن الانتخابات أجريت من دون تسجيل انتهاكات ملموسة يمكن أن تؤثر على نتائجها. وهذا يثبته بشكل واضح أن الشكاوى التي قدّمتها الأحزاب المتنافسة حول وقوع خروق... بلغت نسبتها أقل بمرتين تقريباً نسبة الخروق والانتهاكات المماثلة في الانتخابات السابقة.
أما الحديث عن غياب المعارضة عن الانتخابات، وهو الأمر الذي استخدمته بلدان أوروبية والولايات المتحدة للتشكيك بالعملية الانتخابية ووصفها بأنها لم تكن نزيهة، فهو يدخل أكثر في دائرة السجالات السياسية بين الطرفين. وله أيضاً أبعاد قانونية، كون الغرب اعترض على ضم مكوّنات معارضة إلى لوائح «العملاء الأجانب» ما حرمها من المشاركة.

- ارتياح روسي واسع
في المقابل، برز الارتياح في الكرملين لنتائج الانتخابات، واعتبر الرئيس فلاديمير بوتين أنها «تعكس مزاج الروس»، شاكراً مواطنيه بشكل خاص على «تلبيتهم الواجب الوطني وأيضاً على الإقبال الكبير النشط على الصناديق».
هذا، وعلى الرغم من الفوارق النسبية التي أحدثتها النتائج في موازين القوى داخل البرلمان الجديد، لجهة اتساع حضور الحزب الشيوعي مثلا على حساب «الليبراليين الديمقراطيين»، كان لافتاً أن كل الأحزاب المهيمنة خرجت راضية. وحقاً لم تزد الشكاوى التي قدمتها هذه الأحزاب إلى لجنة الانتخابات المركزية عن احتجاجات محدودة التأثير على سير عمليات الاقتراع أو فرز الأصوات في بعض الأقاليم أو المجالس البلدية في مناطق نائية. ولقد عكس هذا الارتياح، واقعياً، أن كل الأطراف المشاركة في المشهد الانتخابي أدركت أن ملامحه معدة سلفاً... ولا فائدة ترجى من الطعن أو التشكيك. وهذا ما حمل مثلاً فلاديمير جيرينوفسكي زعيم «الحزب الليبرالي الديمقراطي» - الذي خسر نحو نصف حضور حزبه البرلماني السابق - إلى تأكيد رضاه عن النتائج، بل وفاخر بأنه «نجح بقيادة الحزب إلى البرلمان ثماني مرات متتالية»، وهذا برأيه «الإنجاز الأهم».
مقابل ذلك، برزت انتقادات واسعة لروسيا في أوروبا والولايات المتحدة. وندد الاتحاد الأوروبي بما وصفه بـ«مناخ الترهيب» إبان الفترة التي سبقت الاستحقاق، وانتقد غياب مراقبين مستقلين. وأيضاً ندّدت واشنطن بـ«ظروف إجراء الانتخابات»؛ مدّعية أن الروس «مُنعوا من ممارسة حقوقهم المدنية». وحملت عبارات التنديد الغربي مقدّمات أساسية لشكل العلاقة المنتظرة مع الغرب، علماً بأن الاتحاد الأوروبي فضلا عن تحفّظه على «تغييب» المعارضة، وضع مسألة التصويت في القرم ضمن أسباب التحفظ الأساسية على نتائج الانتخابات.

- تصويت شرق أوكرانيا
على صعيد متصل، ينتظر أن يشكل التصويت في شرق أوكرانيا مسألة خلافية متصاعدة. إذ لم تكتفِ روسيا في هذه الانتخابات بإجراء عمليات الاقتراع في منطقة شبه جزيرة القرم التي لا يعترف المجتمع الدولي بضمها إلى روسيا -، بل امتدت عمليات الاقتراع إلى إجزاء انفصالية في جمهورية أوكرانيا، تحديداً، في إقليمي لوغانسك ودونيتسك في شرق الجمهورية. وكانت موسكو قد نشطت خلال العام الأخير، في عمليات منح الجنسية الروسية للمواطنين الأوكرانيين في هاتين المنطقتين اللتين أعلنتا انفصالاً من جانب واحد عن أوكرانيا بدعم من موسكو. ووفقاً للمعطيات المتوافرة، حصل نحو 650 ألف مواطن في المنطقتين على الجنسية الروسية، وشارك في الانتخابات أقل بقليل من نصفهم.
وعليه، رأت أوساط أوروبية أن إقدام موسكو على أجراء «انتخاباتها» في الأراضي الأوكرانية المتمردة يشكل انتهاكاً واسعاً للقانون الدولي. وهو ما يرشح هذا الملف للتحوّل إلى عنصر سجالات متفاقمة لاحقاً. في حين اعتبر الانفصاليون الأوكرانيون، أن هذا «الاستحقاق» أطلق مرحلة مهمة وجديدة على صعيد «النضال» من أجل الانفصال عن أوكرانيا والانضمام إلى «الوطن الأم» روسيا.
من جانبها، ترى أوساط روسية، أنه لن يكون بمقدور الغرب عمل الكثير للتأثير على الوضع الراهن بعد الانتخابات، وأن إعلان عدد من البلدان الغربية رفضها نتائج الانتخابات في القرم، لا يعكس الرغبة أو القدرة على رفض الاعتراف بمجمل العملية الانتخابية؛ لأن أمراً كهذا سيؤدي إلى تداعيات سياسية كبرى، منها رفض التعامل مع البرلمان الجديد، وهذا تصعيد لا تبدو البلدان الأوروبية، على الأقل، مستعدة له.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.