«باب الجحيم»: التجلّي العميق للوحشية

«باب الجحيم»: التجلّي العميق للوحشية

دراما مختلفة على «شاهد» بإنتاج ضخم
السبت - 18 صفر 1443 هـ - 25 سبتمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15642]

مختلفٌ مسلسل «باب الجحيم» المعروض بحلقاته الثماني على «شاهد». نوعه ليس «حميمياً»، ولا تُنشئ معه صداقة فورية. يرافقك إحساس بالاختناق، وبأنك فعلاً تحت الأرض. ذلك ببساطة لأنّ المخرج هو أمين درّة، سيد التفاصيل. يزجّك مع شخصياته في الظلمة. مشهديات تحبس النفس حد الشعور بالدوار. وهذا مقصود. فالمناخ ضاغط، «أندرغراوندي» بامتياز. خليط من الأكشن والخيال العلمي، يسكبه درّة بقالب بصري مُحكم. إنها معارك القمع والحرية وصراع الإنسان المرير مع وجوده المسلوب. حبل غليظ على العنق، يلتفّ حد إزهاق الروح؛ والنهاية مفتوحة على التشرذم.

هنا بيروت في عام 2052، لم يبقَ منها سوى صخرة الروشة الراسخة في البحر. كاميرا درّة الكل بالكل. ساحرة في جرّ العين نحو السواد وأسرها في الظلام. تحتل الكاميرا ما يزيد على نصف المسلسل. تتكلم حين يصمت كل شيء وتعبّر بجمالية. وهي كاميرا غامضة، حمّالة معانٍ، تتقدم بشجاعة في مناطق الخطر. فالسجن الافتراضي حيث تدور الأحداث، يضعها في حقل ألغام، فتسرح وتمرح واثقة من قبضها على الزمام. كاميرا سينمائي.

تنتج الحروب وانتشار الأوبئة تكتلاً يدعى «اتحاد الشركات»، فيسيطر على السلطة العالمية. من الآن فصاعداً، لا تنظر إلى الوراء. الترهيب في كل مكان، والأفراد مجرد أسماء معرّضة للشطب عن السيستم. قوى النظام وقوى الرقابة في لعبة تشنّج مستمرة داخل الغرف المظلمة. بطل اللعبة: آدم بكري بدور «آدم خيرا لله». يصب القدر عليه غضبه أمام أول خطأ. كانت الحياة لتستمر بصداع أقل لو لم تدخل «عليا» (سينتيا صموئيل) حياته. رجل عابر، يحمل ماضياً مأساوياً، ويعيش على الهامش، فتقتحم السمراء الجميلة غرفته. خطأ في الحسابات، يزجّ به في «سجن الحرية»، حيث التجلّي العميق لوحشية الأنظمة. تُشرّع كل الممنوعات: التصفية، المؤامرة، الأدوية المحرّمة، وسحق الضعيف. سيستم خانق، يُمرر أجندته من تحت الطاولة، جاعلاً المساجين فئران تجارب، لا فارق بموتها أو نجاتها.

الفكرة والقصة لإيلي كيروز، وفؤاد أرسانيوس، وديفيد لطيف؛ التأليف والسيناريو والحوار لباسم بريش وسعيد سرحان. الأخير في البطولة أيضاً بشخصية «الصولد»: رجل قابع في السجن ويخشى على نفسه الخروج إلى السجن الأكبر. لا تستهجن غرابة النص، فهي متعمّدة. ليس عليك أن تفهم ما يجري من الحلقة الأولى. الوجبة تأتيك على حلقات. مسلسل جديد كلياً، وحصان «شاهد» الرابح. وهو في الوسط بين النخبة والعامة. فيه الإثارة والحركة، واللغة السينمائية في التعبير عن المواقف. وفيه ظلال الحب. يطل من دون أن يطل. لا نراه، فقط نشعر به.

عالم التكنولوجيا مفتوح على مصراعيه، بتعقيداته وغرابته وأجهزته المتطوّرة. هذا المستقبل الرهيب المسلوخ من رحم المجهول وأسئلة المصير والإنسان. السجن ليس قضبان الحديد وحدها، بل هو الطمع البشري والصراع المستميت على إلغاء الآخر. والسجن هو العالم الكبير المحكوم بالآلة، لا حرية فيه ولا هواء. الجميع أسير، دائرته ضيقة، وإن ظن أنه حرّ. الإنسان خاضع لسيستم حديدي، يتخذ هنا شكل منظومة الدواء، حيث الشركات الضخمة في حرب كونية تكلّف أثماناً باهظة.

يدخل «آدم» السجن بتهمة تهديد الأمن القومي، ويصبح السجين رقم 97ج84. يهبّ ماضيه فجأة، حين يعلم أنّ شقيقته لا تزال حية بعد مجزرة ارتكبها «فادي رعد» (فادي أبي سمرا) في ميتم «بيت الرحمة». تصفية حسابات قديمة، وانتقام لم يبرّده الزمن، يجعلان «آدم» هدفاً لضابط النظام «فادي»، فيرسل من يتخلّص منه. قانون السجن: المنتصر في «دوري الحرية» يخرج والخاسر يقبع مزيداً من الوقت. الكلمة الفصل للحلبة وللأنفاس الطويلة.

النهاية مفتوحة على أكثر من احتمال، والقصة لم تكتمل بعد. ضربة درامية موفقة عنوانها التعاون بين أمين درّة والمنتج صادق الصبّاح. الأول يرفع المستوى بالكاميرا والثاني بضخامة الإنتاج. مسلسل له خصوصيته، في الديكور والملابس والمكياج وجولات القتال، تعامله «الصبّاح أخوان» معاملة الإنتاجات العالمية. مستوى آخر.

تلتقي كاريزماتية سينتيا صموئيل بنظرة آدم بكري الثاقبة للدور. وكان القلبان قد التقيا في الحياة، فارتبطا باسم الحب. «عليا» صوت المظلوم وانتصار الحق. توقع «آدم» ثم تنقذه. منذ الخطأ في رقم الغرفة، والذنب يطاردها. ورغم المضايقات، لم تتوقف عن تتبّع أخباره. تعاطفت مع الإنسان المعذّب في داخله، وآلمها أن تسبب له عذاباً أكبر هو الظلم. إلا أنّ طاقة تُفتح، فتدخل منها الحقيقة. الأخت في جوار الأخ، في المباراة النهائية، على بُعد أمتار منه، يردّان الصفعة لسنوات الفراق ولتشتت قدريهما وللذاكرة الملطّخة بالدم.

الحب مرادف للعدالة الاجتماعية، ينتصر حين تتحقق. داخل السجن، هو مرادف للتحمّل ومحاولات إنقاذ الضحايا. تجسيد لافت للدور، تقدمه يمنى مروان بشخصية «ساندرين». امرأة من أجل الخير في خضمّ كل الشر. تشكّل مع «عليا» ثنائية نسائية تقلب المعادلات. ودور «ماوس» خطوة إضافية لإيلي نجيم. شاطر.

ليس النص بقوة الصورة والإنتاج، فقد يركض أحياناً للحاق بهما. وقد يترك فراغات كالتي تتركها الأقدام في الرمال. ثمة من يعوّض: أمين درّة الحرّيف.


لبنان لبنان أخبار

اختيارات المحرر

فيديو