«2139» عرس الفنون في جدة يجذب الجمهور.. ويعيد رواد الفن للواجهة

عبر معرضي «المعلقات» للفن المعاصر و«الماضي كمقدمة» لأعمال الكبار

من «غذاء للفكر» (المعلقات) للفنانة مها الملوح
من «غذاء للفكر» (المعلقات) للفنانة مها الملوح
TT

«2139» عرس الفنون في جدة يجذب الجمهور.. ويعيد رواد الفن للواجهة

من «غذاء للفكر» (المعلقات) للفنانة مها الملوح
من «غذاء للفكر» (المعلقات) للفنانة مها الملوح

موجة من الحماس والحيوية تلف مدينة جدة هذا الأسبوع، في افتتاح أسبوع الفن «2139» تدفق الزوار على المعرض، توقفوا كثيرا عند الأعمال الفنية المعروضة وتحلقوا حول الفنانين للحديث معهم حول أعمالهم. «2139» عنوان المعرض، وهو أيضا الإحداثية الجغرافية لمدينة جدة. نبدأ من البداية، وعبر القاعة الأولى نرى لوحة ضخمة تقدم للمعرض وتشيد بأسماء عائلات المدينة الذين دعموا المهرجان الفني. المعرض ثري جدا ومليء بالأعمال التي تستحق التوقف أمامها للتمعن فيها، وهو ما كان صعبا في بعض الأحيان نظرا للعدد الضخم من الزوار.
المدخل مع معرض «المعلقات» وهو الجزء الأول. عبره، نرى أعمال مجموعة متميزة من فناني السعودية؛ منهم: شادية عالم، وعبد العزيز عاشور، وأحمد ماطر، ومها الملوح، وصديق واصل، ومهدي الجريبي، ومساعد الحليس، ومنال الضويان. «المعلقات» يقدم لنا رؤية معاصرة للمعلقات العربية الشهيرة، وحسب تعبير رنيم فارسي، المنسقة المشاركة للمعرض: «فالفن يقوم اليوم بالدور الذي قام به الشعر قديما كوسيلة للتعبير والحوار مع الجماهير. المعلقات الحديثة هنا تستلهم معلقات العرب في الجاهلية، ولكنها تطرح أفكارا معاصرة تربط بين الماضي والحاضر». البداية مع أعمال الفنانة شادية عالم، التي استلهمت من معلقة امرئ القيس ومعلقة زهير ابن أبي سلمى، عمل تركيب وآخر للفيديو هما «كوكبة زهور الرمل» و«سحابة المعلومات». عن الفيديو تقول لـ«الشرق الأوسط»: «اتبعت هنا تركيب بنية القصيدة المعلقة، القصيدة عبارة عن حركات متعاقبة، يتحدث فيها الشاعر عن مفردات حياته، الفرس والجمل والمحبوبة، ألبست تلك المفردات ملابس من قماش كسوة الكعبة، التي كانت تصنع من حرير اليمن المطرز والمشغول بالقصب، الرابط هنا هو الاهتمام والإجلال اللذان أولاهما العرب لقماش الكسوة ولقصائد الشعر التي علقوها داخل الكعبة». تقول الفنانة في تقديمها للعمل في دليل المعرض: «حاولت تركيب تابلوهات متحركة تجسد ما تخيلته من قراءتي قصيدة امرئ القيس وما صوره في معلقته من وصف الحبيبة والناقة والفرس وبعض مظاهر البيئة والحياة البدائية».
تشير إلى الجانب الآخر من عملها الذي يحمل عنوان «زهور الرمل» فتقول: «بالنسبة لـ(زهور الرمل)، نعرف أن الحياة في زمن شعراء المعلقات كانت صعبة في صحراء جرداء، ولكن الشعر كان كالزهور يلطف حياة العرب في تلك الصحراء، ولهذا كونت 70 كوكبة من شرائح دائرية متداخلة تحمل أبياتا عن الحب من معلقة امري القيس وأبياتا عن الحرب والحكمة من معلقة زهير ابن ابي سلمى».
الفنان صديق واصل يقدم عددا من القطع على أشكال حروف عربية من الحديد متشابكة، تكون فيما بينها اسم المعرض «معلقة». يقول لنا: «الفكرة من العمل هي تأكيد قيمة الحروف العربية وترابطها وقيمة اللغة».
أما الفنان ناصر السالم، فيستلهم من الخط العربي أعماله الفنية الملهمة والمتفردة، ففي عمل «في فلك يسبحون»، وهو عرض فيديو لدوائر متوازية من الكلمات تدور حول محور ثماني الزوايا، كل دائرة هي آية من القرآن الكريم. يشرح الناصر عمله في دليل المعرض قائلا إنه استوحاه من الرقم سبعة وهو عدد المعلقات وعدد مرات الطواف حول الكعبة، «أول ما لفت نظري بشأن قصائد المعلقات التي تحيط بالكعبة المشرفة، هو أن عددها سبع قصائد، مما دفعني إلى استخلاص تشبيه مواز لها في أشواط الطواف حول الكعبة المشرفة».
السالم علق على أعماله لـ«الشرق الأوسط» قائلا: «الفكرة هي أن نستوعب، ونحن نطوف بالكعبة، أن الكون له دوره مماثلة في الاتجاه نفسه وبنظام دقيق». يشير إلى المركز وهو الزخرفة الثمانية في الإسلام قائلا: «هي ترمز إلى المالانهائية وأيضا لعرض الرحمن، الدوائر تدور إلى ما لا نهاية».
العمل الآخر للسالم يحمل عنوان «إن كل شيء خلقناه بقدر»، لا نستطيع قراءة الآية، أمامنا رموز وحركات تشكيل، ويبدو أن إغفال المعنى مقصود، يقول شارحا الأشكال: «هي نقاط الوزن التي يعمل بها الخطاط، كل شيء بالنسبة لي محسوب، كل الأشياء في حياة الإنسان محسوبة وموزونة». ننظر إلى اللوحة نحاول فك رموزها، فنحن نعرف بحسب شرح الفنان أنها جملة «كل شيء خلقناه بقدر»، ولكننا لا نرى الأحرف المكونة، فقط علامات الوزن، فكأنما نرى تروس الساعة ومكوناتها الداخلية التي تساعدها على العمل، ولكننا لا نرى الساعة نفسها. يشير إلى أن ذلك مقصود؛ «الناظر لهذا العمل يعرف الجملة ولكنه لا يراها، تماما كالإيمان». في شرحه بدليل المعرض، يقول السالم: «في أحيان كثيرة، تحتاج أن تبتعد عن موقع الحدث وتتأمل الصورة بكاملها عن بعد، ذلك يجعلك تكتشف أمورا كثيرة وتجيب عن الكثير من الأسئلة العالقة، وتكمل الفراغات الموجودة، ويكشف لك الحقيقة بأبهى صورها».
الفنانة مها الملوح تعود إلى سلسلة «غذاء للفكر» التي عرضت من قبل وتقدم فصلا جديدا فيها، في عرضها الضخم الذي يحتل جدارا بأكمله «غذاء للفكر (معلقات)»، تكون من مجموعة من الأواني الضخمة «القدور» التي كانت تستخدم في الماضي، تنسج منها جدارية من المعدن. القدور معلقة على الحائط، يواجهنا ظهرها الذي يحمل علامات الزمن والاستخدام المتكرر، تحمل بقعا سوداء وندبا تخبراننا عن حياة مضت وقصص يحملها كل من تلك القدور. تشرح عملها في دليل المعرض: «إن قدور الألمنيوم العتيقة التي أتت من مختلف الأسواق القديمة ظلت تستخدم عبر السنين كأوعية للطهي في بيوت المناطق الحضرية وفي خيام البدو.. تقف كشاهد على تاريخ وفنون الطهي لدى العرب، كما تعكس بصورة أخرى تقاليد الكرم والأريحية العربية». وخلال الحديث معها تقول: «العمل هو تحية للمعلقات القديمة التي تمثل الثقافة اللغوية وأيضا. هي إشارة إلى جوعنا الحالي للثقافة البصرية التي نتواصل بها مع العالم». استخدام القدور القديمة يقودنا للحديث حول استخدام الفنانة لمفردات تعود للماضي، مثل صواني الخبز الخشبية أو أجزاء من أبواب البيوت المعدنية، تقول: «ليس الأمر حنينا إلى الماضي بقدر ما هو رفض لمسح ذلك الماضي وإلغائه، فأنا نشأت في جدة ثم انتقلت للحياة في الرياض، وكل شيء ارتبطت به في جدة اختفى؛ فعلى سبيل المثال المنزل الذي ولدت فيه حل مكانه مركز تجاري ضخم، البيوت التي بنيت في الخمسينات والستينات هدمت وترك أصحابها الأحياء وسكنوا في أحياء جديدة».
الفنان مهدي الجريبي يعرض عملا بعنوان «جميعهم كانوا هنا»، عمل بديع وموح، وهو مجموعة من الطاولات المدرسية البالية، تحمل آثار من جلسوا إليها، نقشوا حروف أسمائهم وعبثوا، بها ورسموا قلوبا تعكس مشاعر غضة أحسوا بها، يقول الجريبي عن عمله: «إنها ألواح تشكل ذاكرة جماعية موثقة لأشخاص (كانوا هنا جميعا). من الصعب عدم العودة للعمل وتأمله، يمثل مع عمل الملوح نقطة عودة بالنسبة لي، يثيران الكثير من الأفكار والتصورات».
أما الفنان عبد العزيز عاشور، فيبدي سعادته بالنشاط الفني الذي تشهده المدينة، ويقول: «الناس هنا يحتاجون إلى مثل هذه الفعاليات، فهناك تعطش شديد للفن»، يعرض عاشور عملا بعنوان «من دون عنوان 2013»، فيلجأ إلى التجريد إلى التعبير عن فكرة المعلقات.

* عائلة ضاد.. فن الغرافيتي يجد أرضه في جدة
* في ركن آخر، نجد جدارية ضخمة من عمل مجموعة من فناني الغرافيتي الشباب يطلقون على أنفسهم اسم «عائلة ضاد». الشخصيات المرسومة تعود إلى ذاكرة جماعية من شخصيات الكرتون والقصص الخيالية، فهناك علي بابا، وشخصية التاجر ذي الشارب الضخم، وشخصية أم خماس تجلس في هودج على ظهر جمل.
يشرح لنا أحد أفراد المجموعة: «الرسم عبارة عن شخصيات وملامح عربية، أم خماس والجمل والرجل (أبو شنب)، بالإضافة إلى الزخارف الإسلامية، استخدمناها لوضع الطابع العربي، خاصة أن الغرافيتي فن غربي، فأردنا وضع بصمة عربية عليه». يشير إلى أن المجموعة شاركت في فعاليات فنية خاصة بفن الغرافيتي في باريس، «لم نجد داعما وقررنا السفر بمفردنا، وبعدها دعينا إلى فعالية أخرى في ألمانيا». في البلد بوسط جدة، ستقوم المجموعة بتقديم مشروع لتوعية الشباب على استخدام الغرافيتي بصورة إيجابية».

* «الماضي كمقدمة»
* في المعرض الموازي لمعرض «المعلقات»، الذي يحمل اسم «الماضي كمقدمة»، نعود إلى أعمال الرواد، فنرى أعمال فنانين قدامى، لهم تاريخ طويل في الفن التشكيلي، أمثال صفية بن زقر، ومحمد السليم، وطه صبان، وعبد الله حماس، وعبد الله الشيخ، وعبد الله الشلتي، وعلي الزيزي.
الفنان عبد الله نواوي يشير إلى عمله المعروض بالقول: «هذا العمل رسمته منذ 36 سنة. بحث منظمو هذه الاحتفالية عن الأعمال القديمة جدا». يقول: «هذه الأيام تعد عرسا تشكيليا على مستوى المملكة، وكان من المفروض أن يحدث منذ زمن، خاصة أن لدينا متحفا مفتوحا معروفا. أتمنى أن يأتي الشباب إلى هذا المعرض ويتعرفوا على الأعمال التي سبقتهم، ليبدأوا منذ البداية ليعرفوا كيف ضحى ذلك الجيل وقدم أعماله». وأضاف: «أعد الحراك التشكيلي أخذ وضعه الطبيعي، والآن أصبحنا نحضر الفعاليات للمشاركة والمنافسة، وذلك بفضل منظمي هذه الفعالية». الفنان عرف بأعماله عن مكة المكرمة وفضاءات الحيوية والحياة في أجوائها.
في جانب آخر، نرى عملا للفنان ضياء عزيز ضياء «بورتريه شخصي» يجذب الكثيرين من زوار المعرض للتوقف أمامه ومحاولة قراءة الوجه المطل عليهم من اللوحة، هو وجه جاد ساهم النظرات، ولكنه يحمل في داخله الكثير مما لم يبح به بعد. يشير دليل المعرض إلى أن الفنان يميل إلى «رسم وإبراز الوجه البشري، لأنه يعده المفتاح إلى فهم الشخص».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».