طارق الترك أول محترف رقص عامودي عربي: أشعر بالحرية

طارق الترك أول محترف رقص عامودي عربي: أشعر بالحرية

وصل إلى ألمانيا بـ {قوارب الموت}... ولا آفاق لأحلامه
الأحد - 12 صفر 1443 هـ - 19 سبتمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15636]
«سبايدرمان العرب» طارق الترك

على ارتفاع 150 متراً عن سطح برلين، يفتح طارق الترك، أول محترف رقص عامودي عربي، قلبه للكون الواسع. ناس في شوارع المدينة المزدحمة، يسيرون في كل اتجاه. يطير الهواء شعر محاورته سماح الطويل، مقدمة برنامج «عندي حكاية» عبر شاشة «دوتشيه فيله» الألمانية. تغريه المرتفعات وتمنح العمر معنى. شاب من فلسطين، «ابن غزة» كما يحب تسميته، يصل إلى أوروبا بعد 9 أيام أمضاها في قوارب الموت. يأتي مُحملاً ببساطة الأحلام: «تأمين الحياة ومساعدة الأهل». ثم يحلق كأنه وجد نفسه. «أنا الآن أشعر بجسدي. بعضلاتي. بأنفاسي. أشعر بالحرية».
والداه لاعبا جمباز محترفان، فتخيل النشأة: «نحن رياضيون بالوراثة. أمارس الجمباز منذ الطفولة، فظننتُ أن العالم الخارجي بأسره يحترف هوايتي». في ألمانيا، شعر بمساحته. أصبح له مكان ليطير ويحلق. وليرقص بين السماء والأرض. «شعور خاص بالسعادة»، تلمع عيناه. تسأله محاورته: «ترى، بمَ تفكر وأنت في العلو؟». يفكر في انطلاق الجسد نحو اللاحدود، وفي فسحة الروح ومساحاتها المطلقة. ينتقل الفضاء ليصبح مسرحه. بلا جدران ولا اختناق. يحدق في الانشراح ويقول: «المسافات الشاهقة تمنحني نظرة مختلفة». الحياة هنا، عند هذا الاختلاف.
يجمع الفنين: المسرح مع الرقص العامودي: «أتميز بهما». ماذا عن الخوف؟ ألا يلدغك كأمثالنا من البشر؟ ألا يقوضك؟ ويقيدك؟ يخبرها عن تلاشي المخاوف والتغلب على ما يقص أجنحته. الخوف حالة غريزية تتعلق بالدواخل والمسكوت عنه. وبالتربية والممنوع، لكن طارق الترك تغلب على مخاوفه بتكثيف التدريب وبصلابة الإرادة واللحاق بالطموح في كل مكان. وإن بمراكب الموت. وإن فر المهربون وتركوا البشر لأقدارهم. وإن هجم دوار البحر وجاعت الأمواج وقل الطعام وهرب النوم من العيون الخائفة.
الأرض في الأسفل والجسد حر في الأعلى يعاين المسافات. هنا المرء كتلة أدرينالين طليقة. تبلغ الذروة وتنفلش. تتقد وتُطير الشرر. لم يُخفِ خوفه في البداية: «شعرتُ بنهاية الحياة». ثم روضه وانتصر عليه. كيف؟ «بالثقة بالنفس، بالإمكانات، وبالفريق. أركز على فني وعملي. وعلى جسدي وتحركاتي. لم أعد أركز على الخوف». ينساه ويقفز فوقه، يصبح الأقوى.
يطير لنحو 10 أو 12 متراً، ويرقص على طول هذا الامتداد. يخاطب الجمهور: قد يُؤخذ بالسرعة، فيظن المسافة قليلة. هي في الحقيقة طويلة: «تمنحني عيش الحرية». تتطلع سماح الطويل نحو الشاب الحالم، وتسأله عن أجمل العروض. «لقد كان العرض الأول. تجربة لا تُنسى». يخبرها أنه سمع شهقات الناس من شدة الإعجاب والدهشة. ويتحدثان عن شرارة الانطلاق والتحليق للمرة الأولى. وعن ألمانيا التي أتاحت الفرص وفتحت الآفاق. هناك على ارتفاع 150 متراً، حيث المشهد مختلف والهواء يغمر الإنسان كأنه احتواء، والعين تسرح كالطفولة في خطواتها الأولى من دون دراية بالهموم والآلام.
عن ألمانيا، يقول: «هذا هو مكاني». شاب عربي يحلم نيابة عن الشباب المقتول ببلاده. من حرب إلى حرب، ومن غزة إلى سوريا التي يسميها بلده الثاني. الشباب الذي يلاحقه الإحساس بكونه ضحية، وبالمظلومية والاضطهاد ومصادرة الأحلام. الوصول ليس مستحيلاً. تكفي المحاولات، مرة وأكثر من مرة. ويكفي الإصرار والتمسك بالأهداف لبلوغها.
بدأ التحليق على ارتفاع 30 متراً، «والتمرينات خطوة بخطوة». شكل أعضاء الفريق عيناً إشرافية أحدهم على الآخر. يتذكر اليوم، وعلى ارتفاع نحو أربعة أضعاف من نقطة البداية، صعوبة المرة الأولى والخوف الكبير. شغل بال الأهل: «تليفونات أول بأول». وبعدها استعد وتمكن، وانطلق بين المسارح والأماكن. «سبايدرمان العرب»، لقبه.
درس الأدب الإنجليزي في دمشق، ثم التحق بواحدة من أشهر فرقها الاستعراضية: فرقة «إنانا». يخبر محاورته عن السفرة الأولى معها إلى مسقط والعرض في عُمان: «شعرتُ أن ثمة ما يتحقق. كنت أفقد شيئاً فوجدته». ووجد أيضاً الحب. فالناس صفقت طويلاً لعرض قدمه في برنامج «أرابس غوت تالنت». يروي انتقاله من ألمانيا إلى بيروت في عام 2019، حيث الشاشة والأضواء والجمهور والحكام: «كان تحدياً. لم تستطع الفرقة الالتحاق بالعرض. كنتُ أمام محنة. أردتُ تأمين فرقة بديلة بوقت قياسي. تحديتُ نفسي ووصلت. الطموح يتحقق حين نؤمن به. أحياناً، لا نعرف كيف، لكن لا مفر من اللحاق به».
اعتاد معاندة الظروف، منذ النشأة في غزة حين لم يجد معدات كافية لإتمام التمرينات. ومنذ أن صعب الاحتلال تنقله وسفره. اليأس ممنوع: «من اللامكان، أوجد مكاناً ومن اللامعدات، أصنع معدات». أين هو اليوم؟ في ألمانيا، وقد تنقل بين مسارحها، يمزج الرقص بالأكروبات بابتكار.
أسس فرقة «الراقصون المحلقون» في عام 2016، ليبلغ فنه العالم. عروض قدمها في ميونيخ وأوطان العرب، والحلم يكبر في داخله. يذكر الراحلة ريم البنا التي ألهمته اسم فرقته. شجعته مع كل فيديو ينشره عبر «فيسبوك». حين امتلأ المركب بمياه البحر وأمضى والراكبون ساعات ينقذون أرواحهم، أراد أمنية واحدة: «أن أسمع صوت أمي». لا بد أنها فخورة به. نجاح الأبناء عوضُ الأهل.


لبنان رياضة Arts

اختيارات المحرر

فيديو