قراءة لنتائج مهرجان فينيسيا... واجهة نسائية وأدبية لدورة ناجحة

قراءة لنتائج مهرجان فينيسيا... واجهة نسائية وأدبية لدورة ناجحة

الاثنين - 6 صفر 1443 هـ - 13 سبتمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15630]

انتهت أعمال الدورة الثامنة والسبعين من مهرجان فينيسيا يوم أول من أمس (السبت)، تبعاً للتقليد المعتاد: إعلان الجوائز ومن فاز بها و - ضمنياً - من لم يفز بها أيضاً.

الفيلم الذي خرج بجائزة الأسد الذهبي هو الفرنسي «حدث» (Happening) للمخرجة الشابّة أودري ديوان ويدور، عندما كان الإجهاض ممنوعاً حسب القوانين الفرنسية.

تلاه في سلم جوائز المسابقة الدولية فيلم بول سورنتينو «يد الله» (إيطاليا)، وفيلم جين كامبيون «قوّة الكلب» (The Power of the Dog)، الذي دار حوله اللقاء الذي أجريناه مع المخرجة النيوزلندية ونُشر في «الشرق الأوسط» بتاريخ 28. وفاز بجائزة أفضل إخراج.

‫ونالت ماغي جيلنهال جائزة أفضل سيناريو عن فيلمها الأول كمخرجة وهو «الابنة المفقودة». وكانت كل من جين كامبيون وماغي جيلنهال تحدّثتا لـ«الشرق الأوسط» عبر مقابلتين. نُشرت الأولى بتاريخ 27 من الشهر الماضي والثانية بتاريخ السادس من هذا الشهر.‬

بالنسبة للممثلين صعدت الإسبانية بينيلوبي كروز المنصّة لتسلم جائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم بدرو ألمادوفار «أمهات موازيات». وفي المقابل الرجالي كان دور الممثل الفلبيني جون أرسيلا لتسلم جائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم On the Job: The Missing 8.


ممنوعات

بمثل هذه النتائج حظيت أربع نساء بالجوائز الأولى من أصل ستّة. وإذا ما كان فوز بينيلوبي كروز بجائزة أفضل تمثيل نسائي هو أمر طبيعي من حيث إن جائزة أفضل ممثلة لا يمكن منحها لرجل، فإنّ تلك الممنوحة لديوان وكامبيون وجيلينهال تشكل رسالة قوية مضمونها الاحتفاء بالمرأة في أحد أهم مناسبات السينما حول العالم.

في العام الماضي فازت بـ«الأسد الذهبي» المخرجة الأميركية كليو زاو عن فيلمها «نومادلاند» وفوز أودري ديوان الحالي هو ثاني فوز نسائي بتلك الجائزة خلال دورتين متلاحقتين.

فوز كامبيون عن «قوّة الكلب» وجينلهال عن «الابنة المفقودة» يعززان الفوز الأول لديوان. لكن هنا بالتحديد تبرز المفارقة الأخرى: كل فيلم من هذه الأفلام الثلاثة مأخوذ عن رواية. فيلم جيلنهال مأخوذ عن رواية للإيطالية إلينا فيرانتي. فيلم جين كامبيون «قوّة الكلب» مبنية على رواية لتوماس سافاج. أما «حدث» فمأخوذ عن رواية لآني إرنوكس تقع أحداثها في الستينات.

رواية آني إرنوكس ليست خيالية. حدثت مع الكاتبة ذاتها عندما حملت إثر علاقة غير شرعية وطافت تبحث عن حل لمشكلتها. هذا في ستينات القرن الماضي وقبل أعوام قليلة من قيام فرنسا بشطب القانون الذي لا يجيز للحامل حرية التصرّف بحملها.

أماندا فارتولومي تلعب هذا الدور الأول بحيوية. هي واحدة من ثلاث صديقات جامعيات يحضرن حفلة تلتف فيها الطالبات مع الطلاب في محاولات كل طرف أن يبدو الشريك المثالي للطرف الآخر.

بطلة الفيلم آني تتعرّف على شاب وتكتشف بعد ثلاثة أسابيع بأنها حامل. من هنا تبدأ رحلة البحث عن حل. المسألة هي أنّ القانون صارم، وأيضاً المجتمع بأسره. هناك من لا يريد أن يعرفها وهناك من يريد استحواذ الفرصة لمضاجعتها، وهناك من يصف لها دواء لا ينفع، وكل شيء يبدو أمامها مثل باب مقفل لأنه مقفل فعلاً.

يبرز الفيلم وحدتها في مشوارها هذا وموقف المجتمع حولها يزيد شعورها بالعزلة. كل هذا جيّد، والموضوع المُصاغ بدراية كافية لا بد أثّر في لجنة التحكيم كونه جديداً (فرنسياً على الأقل ضمن الفترة التاريخية التي تدور الأحداث فيها). لا تكتفي المخرجة بطرح المشكلة بل تطرحها بوضوح. هذا يعني تورّطها بمشاهد صعبة القبول، كان يمكن للفيلم أن يوحي بها عوض الإقدام عليها. لعل غاية المخرجة ديوان هي تصوير المعاناة وتعميق أثرها الفردي على بطلتها ونقل التجربة لأعين مفتوحة (وأنفس حسّاسة).


شقيقان على تناقض


بدورها تعرض ماغي جيلنهال أزمة أخرى من أزمات المرأة من خلال بطلتها (أوليفيا كولمن) التي حطّت على الساحل اليوناني طلباً لعطلة صيف. تريد الاستمتاع ببعض الوحدة وحين تفقدها، بسبب وصول عائلة أخرى لمشاركتها الشاطئ الرملي، تبدي عدم ترحيبها بوجود أغراب قريبين منها.

البديل هو الاكتفاء بالمراقبة، هذا قبل أن تدلف إلى رحى عملية البحث عن ابنة العائلة التي فُقدت لظروف غامضة (مطلع الأمر). هذا الاشتراك هو المقابل البديل للانطواء من ناحية ولإظهار فقدان آخر، فالعائلة هي تماماً ما تفتقده تلك المرأة وما يقف كدافع للاهتمام بمصير الفتاة المفقودة.

فيلم ديوان لا يحتوي على جولات بصرية في الطبيعة أو في المدينة وفيلم جيلنهال كذلك. لكن فيلم جين كامبيون «قوّة الكلب» هو بالدرجة الأولى فيلم جماليات وبصريات أخّاذة في أحداث تقع بولاية مونتانا الجميلة ولو أنّ التصوير بحد ذاته دار في بعض مناطق الجنوب في نيوزيلاندا.

في أساسه هو فيلم وسترن الذي مالت أفضل أعماله منذ السبعينات لمزج الجمال الطبيعي بالروح البشرية وبمكوّنات المكان والزمان المختلفة. تقع الأحداث في سنة 1925.

شقيقان هما فيليب (بندكت كومبرباتش) وجورج (جيسي بليمونز) يعيشان في مزرعتهما الجبلية. فيليب هو الذي يقوم بالجانب البدني المجهد مع عمّاله. هو راعي البقر والخيول الذي ينتمي إلى الغرب بروحه واهتمامه. أما جورج فهو الإداري الذي يأخذ على عاتقه شؤون العمل والتجارة والإدارة العامّة.

حياتهما على هذا النحو متكاملة. كل منهما يعمل في الجانب الذي يهواه. يرتدي الملابس التي تناسب عمله. يشغل باله بالمسائل الأقرب إليه. وهذا التكامل هو بعض الاختلاف الكبير بين كل شخصية وأخرى.

قسّمت المخرجة فيلمها إلى خمسة فصول والدراما المرتسمة تتصاعد من فصل لآخر لتكشف عن ذروة من الأحداث الصعبة والشخصيات الداكنة (شخصية فيليب) وتلك المُحبّة (جورج) وتلك التي تعيش حالات متباينة من أزمة العيش (كرستن دنست في دور الأم المترمّلة وكودي سميت ماكفي في دور ابنها الشاب).

منوال الفيلم لا يبتعد كثيراً عن أفلام الوسترن التي نطالع صراعاتها ليس بالنحو المباشر كأفلام ما قبل السبعينات، بل ضمن توليفة من المشاعر الطاحنة أو المطحونة.


اختيارات المحرر

فيديو