رئيس الوزراء المصري: ممارسات ليست «صديقة» تبدر من «الدوحة» تجاه «القاهرة»

قال إن المسؤولية تقع على الأخ الأكبر لتجاوز ما يفتقر لـ«الّلياقة»

رئيس الوزراء المصري خلال المؤتمر الصحافي في الرياض، أمس (تصوير: خالد الخميس)
رئيس الوزراء المصري خلال المؤتمر الصحافي في الرياض، أمس (تصوير: خالد الخميس)
TT

رئيس الوزراء المصري: ممارسات ليست «صديقة» تبدر من «الدوحة» تجاه «القاهرة»

رئيس الوزراء المصري خلال المؤتمر الصحافي في الرياض، أمس (تصوير: خالد الخميس)
رئيس الوزراء المصري خلال المؤتمر الصحافي في الرياض، أمس (تصوير: خالد الخميس)

وصف الدكتور حازم الببلاوي، رئيس الوزراء المصري، مصر والسعودية بأنهما «رمانة الميزان» للمنطقة العربية بأسرها، وأنهما ركيزة العمل العربي المشترك، وقال إن «البلدين إذا توافقا نجح كل شيء، وإذا فشلا فشل كل شيء»، منوها إلى أن زيارته للسعودية تعد استكمالا للقاءات والاتصالات المستمرة بين المسؤولين والشعبين، ووصف التعاون الثنائي حاليا بأنه على أعلى مستوى في المجالات كافة ليست اقتصادية فقط؛ بل مواقف السعودية في كل لحظة هي إعطاء الدعم الكامل لمصر على المستوى الثنائي والدولي.

كما أكد الببلاوي أن من حق حكومة بلاده أن تطلب من دولة قطر المتهمين بارتكاب جرائم لها مساس بالمجتمع، لكي يقدموا إلى المحاكمة في القاهرة، واصفا الممارسات التي بدرت من الدوحة بأنها «ليست صديقة»، مبديا أمله ألا تتطور تلك الأحداث.

وذكر رئيس الوزراء المصري، بمؤتمر صحافي عقده في ختام زيارته للرياض أمس، أنه وجه الدعوة خلال لقائه الأمير سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز والأمير سلمان لزيارة القاهرة، لكي يعبر الشعب المصري عن تقديره للموقف السعودي المساند والمؤيد والمساعد لمصر.

وأوضح أنه نقل للأمير سلمان رسالة من الرئيس عدلي منصور تعبر عن شكر وامتنان وتقدير مصر للسعودية، ملكا وحكومة وشعبا، على كل ما قدمته لمصر، قائلا إن «هذا ليس بجديد على السعودية أو الأشقاء في الخليج، وهو ما كان له أكبر الأثر لدى الشعب المصري».

كما أشار إلى أنه أطلع الأمير سلمان على مجريات الأمور في مصر بعد ثورة 30 يونيو (حزيران)، وما حققته مصر من إنجازات زادت من حالة الاستقرار والثقة، بعد أن وجدت الدولة بشكل واضح وقوي في الشارع لمواجهة الإرهاب، مما أضعف القوى التي حاولت استخدام العنف، يعزز ذلك حالة التأييد الشعبي لتلك الإجراءات التي أدت إلى فاعلية الناحية الأمنية.

وحول التغيير المرتقب في الحكومة المصرية، قال الببلاوي إن هناك حاجة لتعديل محدود في الحكومة ولن يكون كبيرا، مشيرا إلى أن هناك منصبين شاغرين حاليا بالوزارة، وهناك احتمال أن يشغر منصب ثالث وهو منصب النائب الأول لرئيس الوزراء وزير الدفاع والإنتاج الحربي، وذلك إذا قرر المشير عبد الفتاح السيسي دخول الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وتابع الببلاوي أن «الأمر يتطلب وضوح الرؤية بالنسبة للمنصب الثالث»، موضحا أن الحكومة الحالية أسست لأهداف المرحلة الانتقالية في معالمها الأساسية، وأن الفترة الباقية لها لا تتطلب وجود وزراء جدد يفكرون في الفترة المقبلة. واستطرد رئيس الوزراء قائلا: «حتى الآن، ليس عندي أي وضوح عما ينبغي أن يكون في هذه اللحظة».

وحول التجاوزات القطرية في حق مصر، أكد الببلاوي رفض مصر الممارسات والتجاوزات القطرية ضدها، موضحا أن «قطر شقيقة من أشقائنا من الدول العربية، التي مهما حدثت اختلافات، فإنها تربطنا معها روابط عربية. لكننا نرى أن هناك بعض الممارسات التي يقال عنها إنها غير صديقة وبها قدر كبير من الافتقار إلى الإنصاف، ونرفض أن تقوم قطر بممارسات ضد مصر لا تتفق مع الروابط العربية». وأشار إلى أن مصر تأسف خلال الفترة الأخيرة لكثير من الأعمال التي تقوم بها قطر بأسلوب لا يتفق مع دول الجوار، مشددا في الوقت نفسه على أن مصر عليها مسؤولية في حماية الوطن العربي بصفتها الشقيقة الكبرى، وأن «هناك خلافات تحدث بين الأسرة الواحدة، ونحن حريصون على بقاء الروابط بين الدول العربية، ولا نريد أن تتحول إلى شيء نأسف عليه». وقال إنه «لا بد من الحوار داخل الأسرة العربية وأن ننظر إلى المستقبل».

وأكد رئيس الوزراء المصري «ضرورة الانتماء الوطني والحكمة، وأن هناك مسؤولية على الأخ الأكبر فيها بعض التساهل مع بعض التجاوزات؛ إلا أن هناك تجاوزات غير مقبولة وأحيانا غير لائقة.. لا أريد أن أستخدم تعبيرا أكثر من ذلك». ولفت إلى حق الحكومة المصرية في أن تطلب من أي دولة تسليمها أي شخص ارتكب جرائم فيها مساس بالمجتمع أو اقتصادية أو جنائية لكي يقدم للمحاكمة.

وفيما يتعلق بالموضوع الأمني، قال رئيس الوزراء المصري إن تقدما ملموسا تحقق في هذا المجال، يؤكد استقرار الدولة وجهودها في مكافحة الإرهاب الذي سوف يأخذ بعض الوقت، موضحا أن الجماعات التي تقوم بالعنف تفقد تأثيرها الشعبي يوما بعد يوم. وأضاف أن ما يجري من إجراءات على الصعيد الأمني يجري وفقا للقانون واحترامه، لافتا إلى أن الحكومة لم تلجأ إلى إجراءات استثنائية خلال حالة الطوارئ وحظر التجوال، وأن أحدا لم يتعرض للسجن إلا بأمر النيابة وبعد التحقيق معه.

وقال الدكتور الببلاوي إنه فيما يتعلق بالجانب السياسي، فإن «هناك تقدما في تنفيذ خريطة المستقبل، ونحرص على تنفيذها بكل دقة، حيث جرى الانتهاء من إحدى مراحلها، وهي إعداد الدستور والاستفتاء عليه بأغلبية كبيرة».

وفيما يتعلق بالمستوى الاقتصادي، أوضح رئيس الوزراء المصري أنه «رغم الصعوبات التي مرت، هناك درجة معقولة من الاستقرار شهدها الاقتصاد المصري، رغم بعض الأزمات البسيطة التي حدثت مثل موضوع البوتاجاز الذي تدخلت الحكومة لحله بسرعة، وذلك مقارنة بما كان يحدث قبل ذلك»، مشيرا إلى أن الوقود والمواد التموينية متوافرة والأوضاع الاقتصادية تزداد استقرارا.

وأشار إلى أن الحكومة قررت حزمتين استثماريتين خارج الموازنة بهدف ضخ المزيد من فرص العمل واستكمال المشروعات التي لم تستكمل لتعظيم العائد والاهتمام بالجوانب الاجتماعية، حيث إن هذه المشروعات تخدم السواد الأعظم من الشعب وتركز على المناطق الأكثر فقرا.

وقال إن الاحتياطي النقدي في استقرار منذ ثلاث سنوات، وللمرة الأولى ترفع المؤسسات الدولية الجدارة الائتمانية بعد أن كانت سالبة، وأكد: «إننا مقبلون على مرحلة ثانية من خريطة المستقبل تفتح صفحة جديدة للمستقبل، ومصر أمامها فرص واعدة في كثير من الأمور»، موضحا أن إحدى العقبات الأساسية التي تحول دون الانطلاق الاقتصادي ليس الموارد المالية، بل المناخ الاستثماري والتشريعات، التي سوف تقوم الحكومة بإعادة النظر فيها لجذب الاستثمارات والمستثمرين.

وأشار الببلاوي إلى أن الوفد الوزاري المرافق له أجرى مباحثات مع نظرائه من الجانب السعودي حول سبل تعزيز التعاون والشراكة بين الجانبين في مجالات النقل والبترول والإسكان والاستثمار. وجدد الببلاوي تأكيد أن تحقيق الاستقرار في مصر سينعكس على تحقيق الاستقرار في المنطقة.

وكشف عن طرح فرص استثمارية أمام رجال الأعمال الخليجيين، مؤكدا أن الجانب المصري سيبذل مزيدا من المرونة على الإجراءات وتوفير الضمانات التي من شأنها رفع الإقبال على الاستثمار، وأضاف أن زيارته للسعودية لم ينجم عنها اتفاق محدد حول مشروعات بعينها.

من جانبه، قال المتحدث باسم الحكومة المصرية السفير هاني صلاح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» مساء أمس إن «زيارة الوفد الوزاري المصري برئاسة الدكتور الببلاوي، للمملكة العربية السعودية والتي اختتمت أمس، كانت زيارة سياسية في الأساس»، مؤكدا أن الرسالة التي بعث بها الرئيس المصري المستشار عدلي منصور لخادم الحرمين الشريفين تضمنت تطلع القاهرة لتطوير علاقاتها بالمملكة في كل المجالات خلال الفترة المقبلة.

وغادر الدكتور الببلاوي والوفد المرافق له مساء أمس جدة عائدا إلى القاهرة بعد أداء مناسك العمرة في ختام زيارته. وبحث الوفد الوزاري الذي ضم وزراء النقل والتخطيط والاستثمار والإسكان والبترول مع نظرائهم السعوديين سبل تعزيز الشراكة الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين وزيادة حجم الاستثمارات المشتركة وموضوع إنشاء جسر برى يربط بين مصر والسعودية لزيادة حجم التجارة البينية.

وقال السفير هاني صلاح ردا على أسئلة «الشرق الأوسط» إن «الزيارة تضمنت أيضا توصيل أكثر من رسالة، منها تقدير وشكر وعرفان وامتنان من مصر لخادم الحرمين الشريفين والحكومة والشعب السعودي الشقيق، وإعادة التأكيد على عمق وتميز العلاقات المصرية السعودية باعتبارهما أكبر دولتين عربيتين ويمثلان العمل العربي المشترك، بالإضافة إلى فتح ملفات التعاون الاقتصادي والتجاري، وخصوصا الملفات الاستثمارية وجذب مزيد من الاستثمارات السعودية إلى مصر وحل وتذليل كل المعوقات التي يعاني منها بعض المستثمرين السعوديين حاليا في مصر».

وعما إذا كان جرى التطرق خلال الزيارة إلى العلاقات المصرية القطرية والشأن السوري، قال إنه جرى مناقشة مجموعة من القضايا خلال الزيارة سواء على المستوى الثنائي أو القضايا الإقليمية والدولية محل الاهتمام المشترك.

وقال السفير صلاح إن «الزيارة كانت أساسا لشرح التغير الذي يطرأ على المناخ الاستثماري في مصر وحزمة التشريعات المزمع إصدارها قريبا لتحسين المناخ الاستثماري ووضع ضمانات لأي مستثمر عربي أو أجنبي يأتي إلى مصر»، مشيرا إلى أن هذا الأمر بالنسبة لبلاده أهم بكثير من موضوع المساعدات.

وعن فحوى الرسالة التي نقلها لخادم الحرمين الشريفين، الدكتور الببلاوي من الرئيس المصري، قال السفير صلاح، إنها «رسالة تقدير من السيد الرئيس منصور للقيادة السعودية بشكل عام وتؤكد على تطلع مصر لتطوير علاقاتها مع السعودية في كل المجالات خلال الفترة المقبلة والتطلع أيضا إلى أن يستمر التنسيق في كل القضايا محل الاهتمام المشترك».



تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.